الطعن رقم 583 سنة 47 ق – جلسة 20 /11 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 106
جلسة 20 نوفمبر سنة 1930
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 583 سنة 47 القضائية
( أ ) عقوبة. العقوبات شخصية محضة.
(ب) حكم. قوّته. انعدامها بوفاة المحكوم عليه. الطعن على الحكم من والد المحكوم عليه
المتوفى. لا يجوز. تعرّض الحكم فى منطوقه لشخص غير داخل فى الخصومة. جواز الطعن منه
على هذا الحكم.
(جـ) عقوبة. العقوبة التبعية تسقط مع العقوبة الأصلية. إغلاق صيدلية. حق ورثة المحكوم
عليه فى فتحها.
(د) حكم. متى يجوز طلب إلغائه؟
(المادتان 233 و234 تحقيق)
1 – الجرائم لا يؤخذ بجريرتها غير جناتها، والعقوبات شخصية محضة لا تنفذ إِلا فى نفس
من أوقعها القضاء عليه.
2 – الأحكام تسقط قانونا وتنعدم قوّتها فى حالة وفاة المحكوم عليه. فالطعن فيها من
والد المتوفى أو من غيره لا يجوز. على أنه إذا تعرّض القاضى فى منطوق حكمه إلى شخص
غير داخل فى الخصومة فلهذا الشخص حق الطعن فى الحكم الذى مسه.
3 – عقوبة إغلاق الصيدلية هى عقوبة تبعية تسقط مع العقوبة الأصلية بوفاة المحكوم عليه
ولورثته طلب فتحها بغير احتياج إلى الطعن فى الحكم.
4 – إن القانون الجنائى لا يقيم وزنا لمصلحة غير المحكوم عليه، ولا يجيز لورثته التحدّى
بالمصلحة الأدبية لطلب إلغاء حكم إلا استثناء وفى صورة معينة نصت عليها المادتان 233
و234 تحقيق جنايات وهى صورة إعادة النظر فى حكمين متناقضين يستنتج من أحدهما دليل على
براءة المحكوم عليه فى الآخر، أو فى حكم صدر على متهم بجناية قتل ثم وجد المدّعى قتله
حيا أو حكم صدر بناء على شهادة ثبت قضائيا فيما بعد أنها شهادة زور.
الطعن المقدّم من بطرس أفندى رزق والد المتهم رزق بطرس رزق الذى انتحر عقب الحكم عليه
ضدّ النيابة العامة فى دعواها رقم 261 سنة 1930 المقيدة بجدول المحكمة رقم 583 سنة
47 قضائية.
الوقائع
اتهمت النيابة رزق بطرس رزق – المتهم المنتحر – بأنه فى غضون المدة
ما بين يونيه سنة 1926 ويوم 19 نوفمبر سنة 1928 بميت غمر بصفته صيدليا ومديرا لأجزخانة
الإنسانية بميت غمر: (أوّلا) أحرز واتجر فى جواهر مخدّرة فى غير الأحوال المصرح بها
قانونا. (ثانيا) أجرى صرف جواهر مخدّرة (حقن مورفين) بلا تذاكر طبية. (ثالثا) كرر تحضير
تذاكر محتوية على جواهر مخدّرة (حقن مورفين) بلا تذاكر جديدة. (رابعا) لم يتبع فى قيد
الجواهر المخدّرة الواردة للصيدلية والمنصرفة منها بالدفتر الخاص – المرقوم صفحاته
بختم مصلحة الصحة – الشروط القانونية المطلوبة بأن لم يذكر فى القيد فيما يختص بالوارد
جميع الكميات التى وردت إليه وفيما يختص بالمنصرف لم يذكر اسم وعنوان محرّر التذكرة
كذا التاريخ الذى صرف فيه الدواء والرقم المتسلسل المقيد به فى دفتر التذاكر الطبية.
(خامسا) لم يحفظ التذاكر الطبية المنصرفة عن جواهر مخدّرة بصيدليته ولم يقدّمها لمفتش
الصيدليات عند طلبها منه. (سادسا) أحرز كمية من الجواهر المخدّرة (حقن مورفين) زيادة
عن الكميات التى نتجت من القيد بالدفاتر وبالكشوف التفصيلية التى يرسلها لمصلحة الصحة
كل ثلاثة أشهر وعلم ذلك فى 19 نوفمبر سنة 1928 بميت غمر وطلبت عقابه بالمواد 1 و2 و10
و11 و13 و18 و20 و28 و31/ 2 – 4 و34 و35/ 1 – 2 و37 من قانون المواد المخدرة.
عرضت هذه القضية على محكمة جنح ميت غمر الجزئية للقضاء فيها وبعد سماع أقوال الدفاع
اتهمت النيابة المتهم بتهمة أخرى وهى أنه زوّر فى الدفاتر المعطاة له من مصلحة الصحة
العمومية بأن قيد بها مقادير دون أن يصرفها وطلبت عقابه عن هذه التهمة بطريق الخيرة
بالمواد 179 و180 و183 من قانون العقوبات. فقضت تلك المحكمة حضوريا بتاريخ 10 أغسطس
سنة 1929 ببراءة المتهم من جميع التهم المسندة إليه بلا مصاريف.
فاستأنفت النيابة هذا الحكم فى يوم 13 أغسطس سنة 1929.
ومحكمة المنصورة الابتدائية بهيئة استئنافية نظرت هذه الدعوى وقضت فيها حضوريا بتاريخ
23 أكتوبر سنة 1929 عملا بالمواد 1 و2 و10 و11 و18 و20 و25 و28 و35 من القانون الصادر
فى 21 مارس سنة 1925 والمادة 32 من قانون العقوبات بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع
بالغاء الحكم المستأنف وحبس المتهم سنة مع الشغل وباغلاق صيدليته لمدة ستة شهور. وعقب
النطق بهذا الحكم انتحر المتهم فقرر حضرة المحامى بطريق التوكيل عن والده بالطعن فى
هذا الحكم بطريق النقض والإبرام بتقرير فى 9 نوفمبر سنة 1929 وقدّم بيانا بالأسباب
فى اليوم المذكور.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن المحكوم عليه هو رزق أفندى بطرس رزق وقد توفى إلى رحمة الله منتحرا عقب صدور
الحكم عليه. وبعد وفاته قدّم والده بطرس رزق هذا الطعن.
وحيث إن من المبادئ الأساسية فى العلم الجنائى أن لا تزر وازرة وزر أخرى فالجرائم لا
يؤخذ بجريرتها غير جناتها والعقوبات شخصية محضة لا تنفذ إلا فى نفس من أوقعها القضاء
عليه. وحكم هذا المبدأ أن الإجرام لا يحتمل الاستنابة فى المحاكمة وأن العقاب لا يحتمل
الاستنابة فى التنفيذ.
وحيث إن المرء إذا توفاه الله وامحى شخصه من الوجود وانقطع عمله من هذه الدنيا سقطت
كل تكاليفه الشخصية فان كان قبل الوفاة جانيا لما يحاكم امحت جريمته وان كان محكوما
عليه سقطت عقوبته لا يرثه فى هذه التكاليف أحد من أم أو أب أو صاحبة أو ولد.
وحيث إن الطعن بطريق النقض ككل طريق آخر من طرق الطعن فى الأحكام الجنائية مقصود به
إما إلغاء هذه الأحكام وإما التخفيف من شدّتها، وذلك يقتضى النظر فى الأحكام ذاتها
وفى صحتها من جهة الموضوع أو من جهة القانون. وبما أن هذه الأحكام فى صورة وفاة المحكوم
عليه قد سقطت قانونا وانعدمت قوّتها وأصبحت مجرّد حبر على ورق لا فائدة فيه إلا لمن
أراد تدوين التاريخ والساقط المعدوم قانونا يمتنع قانونا إمكان النظر فيه.
وحيث إن ما تقدّم قاطع فى أن الطعن الحالى الموجه من والد المحكوم عليه المتوفى هو
طعن غير مقبول.
وحيث إن الطاعن أثار الجدل فى أصل القاعدة وسوّغ لجدله بأن الحكم على ولده المتوفى
قد أضر بسمعة ولده هذا فمس بكرامته هو وبكرامة عائلته وأنه فوق ذلك قد وردت فيه عبارة
صريحة ترمى أخا للمتوفى بأنه سلك فى أثناء تحقيق الدعوى سلوكا غير حميد وأن ذلك كله
يجعل له مصلحة أدبية كبرى فى إزالة هذه الوصمة عن نفسه وعن عائلته وأن لا سبيل إلى
ذلك إلا بنقض الحكم وأن تلك المصلحة تجيز له قانونا طلب نقضه. ثم ذكر أن من علماء القانون
وأقضية المحاكم ما يؤيده فيما يذهب إليه.
وحيث إن ما ذهب إليه الطاعن فى جدله غير سديد:
(أوّلا) لأن أقصى ما نص عليه العلماء أن الأحكام الجنائية يجوز الطعن فيها بطريق النقض
ممن تمسه إذا تعرّضت فى منطوقها إلى غير الخصم المحكوم عليه. وهذا طبعا مفهوم وغير
خارج عن القواعد فان حكم القاضى الواجب التنفيذ هو ما يرد فى المنطوق دون ما يرد فى
الأسباب. فاذا تعرّض القاضى فى منطوق حكمه إلى شخص غير داخل فى الخصومة فقد حكم عليه
ولكل محكوم عليه حق الطعن بالطريق القانونى فان كان الحكم ابتدائيا استأنفه وإن كان
نهائيا أمكنه الالتجاء إلى طريق النقض؛ وفى صورة الدعوى الحالية لم يرد فى منطوق الحكم
بل ولا فى أسبابه أن تعرّض للطاعن كما أنه لم يرد فى منطوقه أن تعرّض لأخى المحكوم
عليه. على أنه لو كان ورد به شىء خاص بهذا الأخ لما قبل الطعن بطريق النقض إلا منه
أما من الوالد فلا يقبل.
(ثانيا) أن كثيرا جدا من الأحكام الجنائية تمس سمعة المحكوم عليهم وكثير منها ما يؤذى
كرامة عائلاتهم بين الناس وللعائلات مصلحة أدبية كبرى فى إزالة هذه الوصمة التى ترين
على كرامتهم، فلو جاز لكل فرد من أفراد تلك العائلات يدعى مس الحكم بكرامته أن يطعن
فيه بطريق النقض لجاز أيضا للعلة نفسها أن يطعن بطريق الاستئناف أو أن يطعن بطريق المعارضة
فى الحكم الابتدائى أو الاستئنافى الغيابى ولأصبحت دور القضاء مهما تعدّدت واستزادت
الحكومة فيها من القضاة لا تكفى لتصريف قضايا هؤلاء المستخصمين. إن القانون الجنائى
لا يقيم وزنا لمصلحة غير المحكوم عليه ولا يجيز لورثته التحدّى بالمصلحة الأدبية لطلب
إلغاء الحكم إلا استثناء وفى صور معينة نصت عليها المادتان 233 و234 من قانون تحقيق
الجنايات وهى صور إعادة النظر فى حكمين متناقضين يستنتج من أحدهما دليل على براءة المحكوم
عليه فى الآخر أو فى حكم صدر على متهم بجناية قتل ثم وجد المدعى قتله حيا أو حكم صدر
بناء على شهادة ثبت قضائيا فيما بعد أنها شهادة زور. فى هذه الصور الثلاث تقرر البداهة
أن هناك ظلما صارخا يكاد يلمس باليد لا تستطيع أية هيئة اجتماعية السكوت عليه.
وحيث إن الطاعن احتج أيضا بأن له مصلحة مادية مس الحكم بها وهى أمره بغلق الصيدلية
والصيدلية تؤول له ولباقى الورثة وتعطيل العمل فيها بغلقها يضر بحقوقهم.
وحيث إن غلق الصيدلية عقوبة تكميلية وهى فى صورة هذه الدعوى تسقط بسقوط العقوبة الأصلية
لأن المحكوم عليه لم يكن مجرّد عامل فى الصيدلية عند مالكها بل كان هو صاحب هذه الصيدلية
ومديرها كما هو ثابت بالحكم ولم يكن من مانع يمنع ورثته عقب وفاته من طلب فتحها لإدارتها
بواسطة صيدلى قانونى كما صرحت النيابة العامة فى ردّها على الطعن.
وحيث إنه لكل ما تقدّم يبين أن الطعن غير جائز سماعه.
وحيث إن هذه المحكمة كانت بناء على طلب الدفاع عن الطاعن قد أمرت بضم أوراق تحقيقات
قيل إنها خاصة بهذه الدعوى وأمرها هذا لم يكن سوى مجرّد قرار تحضيرى صدر والمسألة القانونية
الخاصة بجواز سماع الطعن معلقة أمامها تحت النظر ولما يفصل فيها. وبما أن رأى المحكمة
استقر على عدم قبول هذا الطعن فهى تعدل الآن عن أمرها هذا وتعتبره كأن لم يكن.