الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1783 سنة 47 ق – جلسة 13 /11 /1930 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 96

جلسة 13 نوفمبر سنة 1930

تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.


القضية رقم 1783 سنة 47 القضائية

( أ ) معارضة. تعريفها. أثرها. ظهور قرائن أمام محكمة الجنح عند نظر المعارضة تدل على أن الواقعة جناية. الحكم بعدم الاختصاص بناء على ذلك. لا يجوز.
(المادة 189 تحقيق)
(ب) تشديد العقوبة. استئناف. أثره. استئناف حكم قضى خطأ بعدم الاختصاص فى معارضة لوجود قرائن تدل على أن الواقعة جناية. وجوب إلغائه وإعادة القضية إلى محكمة أوّل درجة للفصل فى الموضوع.
(المادتان 229 و232 تحقيق)
1 – المعارضة هى تظلم مقدّم من المتهم من الحكم الغيابى الصادر ضدّه، فلا يجوز للمحكمة التى أصدرت هذا الحكم الغيابى أن تسئ حالته عند نظر معارضته وتحكم بعدم اختصاصها بحجة ظهور قرائن لها تدل على أن الواقعة جناية لا جنحة. وذلك قياسا على حكم الفقرة الأخيرة من المادة 189 تحقيق التى نصت على أنه ليس لمحكمة الاستئناف أن تحكم للسبب المذكور بعدم اختصاصها متى كان الاستئناف مرفوعا إليها من المتهم وحده.
2 – متى تبين للمحكمة الاستئنافية أن الحكم الصادر فى المعارضة من محكمة الدرجة الأولى بعدم اختصاصها (لوجود شبهة جناية) كان خطأ إذ أنها تجاوزت فيه حدود سلطتها فلا تصح معالجة هذا الخطأ بتعديل الحكم المستأنف وتأييد الحكم الغيابى القاضى باعتبار الواقعة جنحة بل يتعين على المحكمة الاستئنافية إلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية إلى محكمة الدرجة الأولى لتنظر المعارضة وتقضى فيها موضوعا.
الطعن المقدّم من النيابة العامة فى دعواها رقم 1516 سنة 1930 المقيدة بجدول المحكمة رقم 1783 سنة 47 قضائية ضدّ محمد محمد حامد الحلو.


الوقائع

اتهمت النيابة المتهم بأنه فى ليلة 18 يناير سنة 1928 بالزقازيق سرق عجلة كاوتشوك وثلاث كيلات دقيق تعلق سنوسى عبد الكريم ومحمد أبو خزيم من وابور طحين تعلق بيومى افندى حسين. وطلبت معاقبته بالفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 274 من قانون العقوبات.
ومحكمة جنح الزقازيق الجزئية سمعت هذه الدعوى وحكمت فيها غيابيا بتاريخ 21 مارس سنة 1928 عملا بالمادة السابقة بحبس المتهم ثلاثة أشهر مع الشغل والنفاذ، فقرّر بالمعارضة. وعند نظرها طلبت النيابة الحكم بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية منطبقة على المادتين 48 و50 عقوبات لوجود سوابق للمتهم، فحكمت المحكمة بتاريخ 13 فبراير سنة 1930 بقبول المعارضة شكلا وفى الموضوع بعدم الاختصاص باعتبار أن الواقعة جناية وإعادة الأوراق للنيابة لإجراء شؤونها.
فاستأنف المتهم هذا الحكم بتاريخ 17 فبراير سنة 1930.
ومحكمة الزقازيق الابتدائية نظرت هذه الدعوى استئنافيا وقضت فيها حضوريا بتاريخ 26 مايو سنة 1930 بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف الصادر فى المعارضة وجعله بتأييد الحكم الغيابى المعارض فيه.
فطعن حضرة رئيس نيابة الزقازيق بالتوكيل عن سعادة النائب العمومى فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام بتاريخ 4 يونيه سنة 1930 وقدْم تقريرا بالأسباب فى اليوم نفسه.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وتلاه بيان الأسباب فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن ما يهم فى الطعن الحالى من الوقائع بحسب الثابت فى الحكم أن محكمة الجنح الجزئية حكمت على المتهم غيابيا بالحبس ثلاثة أشهر فاستأنفت النيابة هذا الحكم وعارض فيه المتهم، وعند نظر المعارضة طلبت النيابة الحكم بعدم الاختصاص لأن للمتهم سوابق تجعل الواقعة جناية منطبقة على مادتى 48 و50 من قانون العقوبات، فأجابت المحكمة الجزئية الطلب وحكمت بعدم الاختصاص باعتبار الواقعة جناية وباعادة الأوراق للنيابة. فاستأنف المتهم حكم عدم الاختصاص هذا ومحكمة الجنح الاستئنافية وجدت أنه ما كان للمحكمة الجزئية أن تحكم بعدم الاختصاص عند نظرها معارضة المتهم لما فى ذلك من تسوئ مركزه وأرادت إصلاح خطأ المحكمة الجزئية فحكمت بقبول الاستئناف (أى استئناف المتهم) شكلا وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف الصادر فى المعارضة وجعله بتأييد الحكم الغيابى المعارض فيه. ومما قالته فى أسباب حكمها هذا إن واجب المحكمة الجزئية كان أن تقضى بتأييد حكمها الغيابى حتى ينظر بعد ذلك فى الاستئناف المرفوع من النيابة عن هذا الحكم الغيابى.
وحيث إن النيابة العامة طعنت فى هذا الحكم قائلة: (أوّلا) إن الذى كان منظورا لدى المحكمة الاستئنافية هو حكم عدم الاختصاص الذى استأنفه المتهم فما كان لتلك المحكمة من سبيل قانونى إلى الرقابة على الحكم الجزئى الغيابى لأن هذا الحكم قد ألغى ضمنا بحكم عدم الاختصاص وأصبح لا وجود له حتى يصح تأييده. (وثانيا) إن استئناف النيابة لذلك الحكم الغيابى قد سقط أيضا تبعا لالتغائه بحكم عدم الاختصاص وإن المحكمة الاستئنافية مخطئة فى الإشارة إلى أنه ما زال للنيابة حق السير فى استئنافها هذا لأنه قد ينبنى على هذا السير أن تصدر المحكمة الاستئنافية حكما بعدم الاختصاص فتكون القضية الواحدة أصدرت حكمين متعارضين هما حكم عدم الاختصاص هذا الذى قد تصدره وحكمها المطعون فيه القاضى بتأييد الحكم الغيابى الابتدائى، وهذا لا يجوز أن يكون. ثم تطلب النيابة العمومية أن تحكم هذه المحكمة بالغاء الحكم المطعون فيه وأن تطبق القانون تاركة لها أن تنظر هى فيما قد يقضى به القانون.
وحيث إن النقطة الأساسية التى يمكن بتبينها الفصل فى هذا الطعن هى معرفة ما إذا كان لمحكمتى الجنح الجزئية والاستئنافية عند نظر أيتهما فى المعارضة المرفوعة من المتهم عن حكم غيابى أصدرته أن تحكم بعدم الاختصاص إذا وجدت من القرائن ما يدل على أن الواقعة جناية أم ليس لها ذلك.
وحيث إن القانون لم يرد به نص لهذه المسألة على الخصوص وإنما الذى نص عليه هو ما ورد بالفقرة الأخيرة من المادة 189 من قانون تحقيق الجنايات من أن المحكمة الاستئنافية ليس لها عند وجود تلك القرائن أن تقضى بعدم الاختصاص متى كان الاستئناف هو من المتهم وحده.
وحيث إن العِلة فى وضع الفقرة المذكورة هى أن النيابة العامة وقد اكتفت بالحكم الابتدائى ولم تستأنفه وكان المتهم وحده هو الذى استأنفه متظلما منه فليس من العدل أن ينقلب سعيه لمصلحة نفسه سواء عليه والحال أنه لو أمسك فلم يتظلم لأصبح الحكم الابتدائى نهائيا بالنسبة له مهما تكن الظروف التى تنقل جريمته من جنحة إلى جناية.
وحيث إن القانون وإن لم ينص على شىء من ذلك بخصوص المعارضة لدى المحكمتين الجزئية أو الاستئنافية إلا أن العلة التى قام عليها حكم الفقرة الثانية من المادة 189 السالفة الذكر متوفرة أيضا بالنسبة للمعارضة فانها تظلم يقدّمه المعارض على أمل أن ينجو من المسئولية بالكلية أو أن يخفف عنه العقاب، وإذن فالقياس يقتضى التسوية فى الحكم بين الحالتين. ولقد يكون من الفوارق المانعة لصحة القياس أن يدعى بأن المعارضة من شأنها بمجرّد حصولها أن تعيد الحالة لأصلها وأن تسقط الحكم الغيابى بخلاف الاستئناف فانه لا يسقط الحكم ولكن قد يعلق تنفيذه فقط إلى أن يقضى فيه بالتأييد أو التعديل أو الإلغاء وأن ما للمعارضة من هذا الشأن يجعل المحكمة حرة تتصرف بما تريد كأنما هى تنظر الدعوى لأوّل مرة. ولكن هذا الزعم غير صحيح، فان المعارضة لا تسقط الحكم الغيابى مطلقا بل تعلقه فقط ويبقى معلقا إلى أن يقضى فيها. وأظهر دليل على ذلك أن المعارض إذا لم يحضر وحكمت المحكمة باعتبار معارضته كأن لم تكن أصبح الحكم الغيابى واجب الاحترام لا يطعن فيه المحكوم عليه إلا بطريق الاستئناف إن كان له وجه. ولو كانت المعارضة تسقط الحكم الغيابى لانعدم ولم يعد له أثر باق عند الحكم بأنها كأن لم تكن. إذن فالشبهة التى قد تدعى فارقا مانعا للقياس هى شبهة غير صحيحة وقد سبق لمحكمة النقض أن قضت بمثل هذا غير مرة.
وحيث إنه متى صح أن محكمة الجنح الجزئية لا تملك الحكم بعدم الاختصاص أثناء نظر معارضة المتهم، فطلب النيابة منها أن تحكم به هو طلب غير قانونى، وإجابتها لهذا الطلب وحكمها به هو تجاوز لحدود سلطتها، وكان الواجب عليها أن لا تقبل هذا الطلب ولا تنظر فيه وأن تنظر فى موضوع الدعوى وتحكم فيها إما بتأييد الحكم الغيابى أو بتعديله بالتخفيف أو بالغائه وبراءة المعارض بحسب ما يتراءى لها.
أما محكمة الجنح الاستئنافية – وقد استأنف المتهم لديها حكم عدم الاختصاص – فكان الواجب عليها أن تلغى هذا الحكم لمجرّد تجاوز المحكمة الأولى فيه حدود سلطتها وذلك من غير أن تنظر فى موضوعه إن كان صحيحا أم غير صحيح أى بلا بحث فيما إذا كانت القرائن التى اعتمدتها المحكمة الأولى تدل على أن فى الواقعة جناية أم لا. كان الواجب عليها إلغاءه وإعادة القضية للمحكمة الأولى لتنظر موضوع معارضة المتهم وتقضى فيها موضوعا بما تقضى به. أما أن تعدّل المحكمة الاستئنافية حكم عدم الاختصاص وتستبدل به تأييد الحكم الجزئى الغيابى فهذا خطأ لأن هذا الحكم الغيابى لم يكن مستأنفا أمامها من المتهم حتى تؤيده أو لا تؤيده، واستئناف النيابة له وإن كان موجودا لديها من قبل إلا أنه استئناف معلق لا يمكن النظر فيه قبل أن تستنفد المحكمة الأولى قضاءها فى موضوع الدعوى بحكم تصدره فى المعارضة.
وحيث إن المتعين على محكمة النقض هو التقرير ببطلان ذلك الحكم الاستئنافى المطعون فيه وباعادة القضية إليها لتحكم فيها بالغاء حكم عدم الاختصاص وبردّها لمحكمة أوّل درجة لتنظر معارضة المتهم وتفصل فيها.
وحيث إنه مما ينبغى ملاحظته على خلاف نظرية النيابة العامة: (أوّلا) أن الحكم الغيابى لا زال قائما معلقا لم يلغه ضمنا صدور حكم عدم الاختصاص فان حكم عدم الاختصاص كما أسلفنا هو الباطل والباطل لا يؤثر فى الصحيح ولا يبطله، بل بازالة هذا الباطل يبقى الصحيح على حاله. (وثانيا) أن استئناف النيابة للحكم الغيابى لا يزال قائما ويبقى معتبرا فى حالة تأييد المحكمة الجزئية لحكمها الغيابى وإنما يسقط إذا قضت المحكمة المذكورة فى المعارضة إما بتخفيف العقوبة أو بالبراءة. ومما تجب ملاحظته كذلك أن لا مانع يمنع النيابة العامة فى استئنافها هذا إن بقى قائما معتبرا أو فى الاستئناف الذى تعمله فى حالتى التخفيف أو البراءة أن تطلب من المحكمة الاستئنافية الحكم بعدم الاختصاص، كما لا مانع يمنع المحكمة فى هذه الأحوال أن تقضى به من تلقاء نفسها ما دام استئناف النيابة يجيز على وجه العموم للمحكمة الاستئنافية أن تتشدّد فى معاملة المتهم بما لم تتشدّد به محكمة أوّل درجة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات