الطعن رقم 1117 سنة 47 ق – جلسة 30 /10 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 59
جلسة 30 أكتوبر سنة 1930
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 1117 سنة 47 القضائية
دفاع. حق محكمة الجنايات فى ندب محام للدفاع عن المتهم بدلا من
المحامى الموكل من قبله.
(المادة 26 من قانون تشكيل محاكم الجنايات)
إذا لم تقبل محكمة الجنايات ما طلبه المتهم من التأجيل لحضور المحامى الموكل من قبله
بل ندبت للدفاع عنه محاميا آخر كان حاضرا عن المحامى الموكل وقام هذا المحامى المندوب
بمهمة الدفاع فعلا فقد استوفى المتهم حقه المقرر له قانونا من حيث وجوب وجود مدافع
عنه وأصبح لا يستطيع الادعاء بحصول إخلال بحقه فى الدفاع. وليس لهذا المتهم أن يطعن
فى الحكم بوجه أن محكمة الجنايات لا حق لها بمقتضى المادة 26 من قانون تشكيل محاكم
الجنايات أن تندب أحدا من المحامين للدفاع إلا فى صورة واحدة هى صورة ما إذا كان المحامى
الغائب مندوبا من رئيس المحكمة الابتدائية، أما إذا كان متعينا من قبل المتهم فليس
لرئيس محكمة الجنايات حق الندب – ليس للمتهم أن يطعن بهذا الوجه لأنه غير مؤسس على
منع منصوص عليه فى المادة المذكورة بل هو استنتاج من النص بطريق مفهوم المخالفة، ومفهوم
المخالفة ليس حجة يعتدّ بها فى كل الأحوال، بل إنه لا قيمة له فى كثير من الصور التى
تقوم فيها أسباب متينة على وجوب نبذ الأخذ به. على أن الواقع هو أن نص المادة 26 إنما
نظم إجراءً خاصا لحالة خاصة وترك الإجراء فى غير هذه الحالة الخاصة بلا تنظيم وللمحكمة
أن تتبع ما توجبه الضرورات وأصول القانون. والضرورة تقضى على القاضى الذى يأخذ بحقه
من عدم تأجيل الدعوى أن يتدبر فى تعيين مدافع للمتهم خصوصا إذا روعى أن القياس على
نص المادة 26 الذى يجعل لرئيس محكمة الجنايات حق الندب فى صورة اعتذار المندوب الأوّل
عن الحضور يقتضى أن يكون له حق الندب أيضا فى صورة ما إذا كان المحامى المعتذر معينا
من قبل المتهم.
الطعن المقدّم من مهنى خلف الله ميخائيل ضدّ النيابة العامة فى دعواها رقم 885 سنة
1930 المقيدة بجدول المحكمة رقم 1117 سنة 47 قضائية وجابر حنا سعيد وآخرين مدعين بحق
مدنى.
الوقائع
اتهمت النيابة الطاعن بأنه فى يوم 12 سبتمبر سنة 1929 الموافق 9
ربيع آخر سنة 1348 بناحية المسعودى مركز أبو تيج مديرية أسيوط قتل فهيمة حنا سعيد عمدا
بأن طعنها بسكين فى رقبتها طعنة نشأت عنها الوفاة وذلك مع سبق الإصرار. وطلبت إحالته
على محكمة الجنايات لمحاكمته بالمادة 194 من قانون العقوبات.
وبتاريخ 31 ديسمبر سنة 1929 قرر حضرة قاضى الإحالة إحالته إلى محكمة جنايات أسيوط لمحاكمته
بالمادة السابقة.
وادعى إخوة القتيلة مدنيا بمبلغ أربعمائة جنيه تعويضا.
وبعد أن نظرت محكمة الجنايات هذه الدعوى قضت فيها حضوريا بتاريخ 9 فبراير سنة 1930
عملا بالمادة السابقة مع تطبيق المادة 17 عقوبات بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة
وإلزامه بأن يدفع للمدعين بالحق المدنى مبلغ مائة وخمسين جنيها والمصاريف المدنية المناسبة
وثلاثمائة قرش أتعابا للمحاماة.
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى ثانى يوم صدوره وقدّم حضرة
المحامى عنه تقريرا بالأسباب فى 27 فبراير سنة 1930.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
بما أن الطعن قدّم وتلاه بيان الأسباب فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وبما أن هذا الطعن مبنى على الإخلال بحقوق الدفاع إخلالا يعيب الحكم ويبطله وذلك من
جهتين:
(الأولى) أن محكمة الجنايات مع وجود محام فى الدعوى موكل من قبل المتهم لم تقبل ما
طلبه المتهم من التأجيل لحضور هذا المحامى الموكل بل ندبت للدفاع عنه محاميا آخر كان
حاضرا عن المحامى الموكل، وقد قام هذا المحامى المندوب بمهمة الدفاع فعلا مع أن محكمة
الجنايات لا حق لها بمقتضى المادة 26 من قانون تشكيل محاكم الجنايات أن تنتدب أحدا
من المحامين للدفاع إلا فى صورة واحدة هى صورة ما إذا كان المحامى الغائب قد كان هو
نفسه منتدبا من رئيس المحكمة الابتدائية، أما إذا كان معينا من قبل المتهم كما هو الحاصل
فى هذه الدعوى فليس لرئيس محكمة الجنايات حق الندب.
(والثانية) أن المحامى الذى ندبته محكمة الجنايات لا يصح ندبه إطلاقا لأنه من المحامين
الذين تحت التمرين.
تلك خلاصة مبانى الطعن المطلوب به نقض الحكم وإعادة المحاكمة.
وبما أن جهة الطعن الثانية ليست مطابقة للواقع إذ المحامى الذى ندبته المحكمة وهو عباس
أفندى صالح قد تقرر قبوله للمرافعة لدى المحاكم الابتدائية فى 6 أكتوبر سنة 1928 فهو
بمقتضى المادة 28 من قانون تشكيل محاكم الجنايات من الجائز لهم المرافعة أمام محاكم
الجنايات.
أما جهة الطعن الأولى فصحيح أن المادتين 25 و26 من قانون تشكيل محاكم الجنايات وضعتا
تنظيما لطريقة تنفيذ القاعدة الأساسية التى كانت مقررة بالمادة 198 من قانون تحقيق
الجنايات والتى أعيد تقريرها بالمادة 130 من الدستور "من أن كل متهم بجناية يجب أن
يكون له من يدافع عنه". وصحيح أن وضعهما اقتصر فيه على أحوال الندب. ولكن يلاحظ أنه
مهما يكن ذلك صحيحا فانه على وجه العموم متى تحقق فى قضية ما أن المتهم لم يترك وحيدا
بل قام بالدفاع عنه رجل من رجال القانون المصرح لهم بالدفاع عن المتهمين لدى محاكم
الجنايات – سواء أكان تكليفه بالدفاع هو من قبل المتهم أو من قبل المحكمة ومن تلقاء
نفسها – فقد استوفى المتهم حقه المقرر له بمقتضى تلك القاعدة وأصبح لا يستطيع ادعاء
بطلان الحكم لإخلاله بحق الدفاع؛ وهذه الملاحظة وحدها تبين أن الطعن فى غير محله ما
دام الذى دافع فعلا عن المتهم محاميا مقبولا للمرافعة أمام محاكم الجنايات. على أن
القول بأن المادة 26 لا تجيز لرئيس محكمة الجنايات الندب فى صورة ما إذا كان المحامى
المعتذر معينا من قبل المتهم قول ليس مؤسسا على منع منصوص عليه فى المادة المذكورة
بل هو استنتاج من النص بطريق مفهوم المخالفة (argument à contrario). ومفهوم المخالفة
ليس حجة يعتد بها فى كل الأحوال، بل إنه لا قيمة له فى كثير من الصور التى تقوم فيها
أسباب متينة على وجوب نبد الأخذ به ومن أظهر هذه الصور صورة الطعن الحالى. ذلك لأن
القانون إذا كان اقتصر فى المادتين 25 و26 على تنظيم الإجراءات فى حالة عدم وجود مدافع
معين من قبل المتهمين وفى حالة اعتذار المحامى المندوب فمن غير المعقول مطلقا أن المحامى
المعتذر إذا كان معينا من قبل المتهم وكانت المحكمة لم تقبل عذره أن تلبث مكتوفة اليدين
لا تستطيع النظر فى القضية المطروحة لديها طالما كان هذا المحامى المعين ملازما التخلف
والاعتذار. إنها إن فعلت لخالفت ما يقضى به المنطق وما توجبه عليها ضرورة نظر القضايا،
فهى إذن مضطرة إلى أن تتدبر فى إنجاز عملها مع مراعاة قاعدة وجود من يدافع عن المتهم.
ولا سبيل لها لتحقيق ذلك غير ندبها من يلزم من المحامين المقبولين للمرافعة أمامها.
وإذن يكون العمل بمفهوم المخالفة غير جائز فى هذه الحالة ويكون الواقع أن النص إنما
نظم إجراءً خاصا لحالة خاصة وترك الإجراء فى غير هذه الحالة الخاصة بلا تنظيم وللمحكمة
أن تتبع فيه ما توجبه الضرورات وأصول القانون.
وبما أن الضرورة تقضى فى صورة الدعوى الحالية على القاضى الذى يأخذ بحقه من عدم تأجيلها
أن يتدبر فى تعيين مدافع للمتهم، والقياس على نص المادة 26 الذى يجعل لرئيس محكمة الجنايات
حق الندب فى صورة اعتذار المندوب الأوّل عن الحضور يقتضى أن يكون له حق الندب أيضا
فى صورة ما إذا كان المحامى المعتذر معينا من قبل المتهم فيتحصل من كل ذلك أن إجراء
محكمة الجنايات صحيح لا غبار عليه.
