الطعن رقم 626 سنة 47 ق – جلسة 10 /04 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 9
جلسة 10 أبريل سنة 1930
برياسة حضرة صاحب العزة كامل إبراهيم بك وكيل المحكمة وحضور حضرات مسيو سودان وزكى برزى بك وأحمد أمين بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 626 سنة 47 القضائية
( أ ) جرائم النشر. حرية الرأى. حدّها.
(ب) قذف. عدم تعيين اسم الشخص المقذوف. إدراكه من عبارات القذف. كفايته.
(جـ) قذف. عبء الاثبات يقع على عاتق المتهم.
(المادتان 148 و261 عقوبات)
(د) مسئولية الناشر. مدير الجريدة مسئول عما ينشر فيها.
(المادة 166 المكررة عقوبات)
1 – إن للصحافة الحرّية فى نقد التصرفات الحكومية وإظهار قرّائها على ما يقع من الخطأ
فى سير المضطلعين بأعباء الأمر وإبداء رأيها فى كل ما يلابس الأحوال العامة. ولكن ليس
لها الخروج عن دائرة النقد الذى يبيحه القانون – مهما أغلظ الناقد فيه – إلى دائرة
القذف القائم على إسناد وقائع شائنة معينة، والذى أوجب القانون العقاب عليه إلا فى
أحوال استثنائية اقتضتها المصلحة العامة وبشروط مخصوصة.
2 – يكفى لوجود جريمة القذف أن تكون عباراته موجهة على صورة يسهل معها فهم المقصود
منها ومعرفة الشخص الذى يعنيه القاذف. فاذا أمكن للمحكمة أن تدرك من فحوى عبارات القذف
من هو المعنىّ به استنتاجا من غير تكلف ولا كبير عناء، وكانت الأركان الأخرى متوفرة
حق العقاب على الجريمة ولو كان المقال خلوا من ذكر اسم الشخص المقصود.
3 – الإثبات المنصوص عنه فى الفقرة الأخيرة من المادة 261 ع يقع على عاتق المتهم. فإذا
طلب الدفاع عنه ضم ملف حكومى لإثبات الوقائع التى أسندت إلى الموظف المقذوف فى حقه،
ولكن المحكمة قدّرت أنه لا ينتظر بداهة أن يحوى ملف حكومى شيئا من هذه الوقائع فرفضت
طلب الضم احتراما لمبدأ فصل السلطات وضنا بنفوذها أن تبذله فيما رأت أنه لا يجدى، ولم
تكن فى تقديرها بعيدة عن محجة الصواب أو مقتضى العقل فلا تملك محكمة النقض مناقشتها
فى هذا الرفض بحجة أنه قد ترتب عليه إخلال بحق الدفاع.
4 – مسئولية الناشر التى قررتها المادة 166 ع مكررة مستمدة من القانون لا من الواقع
ومؤسسة على قرينة قانونية يتعذر دحضها. فبمقتضى هذه المادة يعتبر مدير الجريدة مسئولا
عما ينشر فيها من المقالات ولو أدعى أنه كان غائبا عن مكان الجريدة وقت نشرها.
الطعن المقدّم من ابراهيم افندى عبد القادر المازنى وآخر ضدّ النيابة العامة.
الوقائع
اتهمت النيابة الطاعنين بأنهما فى المدّة من 28 يوليو سنة 1927
إلى أول أغسطس سنة 1927 الموافق 4 صفر سنة 1346 بالقاهرة الأوّل بصفته رئيس التحرير
المسئول عن جريدة الاتحاد والثانى بصفته محررا بها نشرا فى أعداد تلك الجريدة رقم 875
و876 و877 و878 المقالات الآتية بالتوالى تحت عنوان "يحاربون الأمة فى ثروتها ويعملون
على إفقارها وتجويعها" و"حكومة الشعب تذبح الشعب" و"القبض على مقامرين بأسعار القطن
فى الهند قدوة حسنة نبتغى اتباعها هنا" و"أجهل أم تلاعب" و"إنى أتهم وأطلب تحقيقا دقيقا".
وهذه المقالات تتضمن قذفا فى حق حضرة صاحب المعالى وزير المالية بالنيابة ووزير آخر
بأن نسبا إليهما الانتفاع لأشخاصهما بأن قررا بيع أقطان الحكومة فى البورصة وتسببا
عمدا فى هبوط الأسعار للانتفاع لأشخاصهما بهذه المضاربة المدبرة لإشباع مطامعهما، وهذه
الأمور لو كانت صادقة لأوجبت عقاب الأوّل بالمادة 102 عقوبات وأوجبت أيضا احتقاره هو
والوزير الآخر عند أهل وطنهما لمخالفتهما لنص المادة 64 من الدستور. وطلبت معاقبتهما
بالمواد 148 و261 و262 من قانون العقوبات.
وبعد أن نظرت محكمة جنايات مصر هذه الدعوى قضت فيها حضوريا بتاريخ 31 مارس سنة 1929
عملا بالمواد السابقة – باعتبار أن القذف حصل فى حق وزير المالية فقط دون الوزير الآخر
– بتغريم كل من المتهمين بغرامة قدرها ألف قرش.
فطعن المحكوم عليهما فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام الأول فى 15 أبريل سنة 1929
والثانى فى 13 منه وقدّم حضرتا المحاميين عنهما تقريرا بالأسباب فى 15 أبريل سنة 1929.
المحكمة
……………..
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن مبنى الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن محكمة الموضوع أخطأت فى الحكم على الطاعنين
لأنهما لمن ينشرا إلا نقدا مباحا ومن المقرر أن النقد المباح لا عقاب عليه مهما غلا
الناقد فى قوله وأن الذين يتصدّون للخدمة العامة وسياسة البلاد والذين يشتركون فى الشئون
العامة أو يزاولونها…. يمكن التكلم عنهم ونقدهم فى أعمالهم وآرائهم وجدارتهم وميولهم
وأنه يجب تقدير النقد الموجه إلى أعمالهم بقسط وافر من التسامح تجيزه المصلحة العامة…..
الخ ما جاء بهذا الوجه.
ومن حيث إن محكمة الموضوع لم تنكر على الطاعنين شيئا من المبادئ التى قررها هذا الوجه
بل جاء حكمها مؤيدا لها ومقررا لما يجب أن يكون للصحافة من حرية فى "نقد التصرفات الحكومية
وإظهار قرّائها على ما يقع من الخطأ فى سير المضطلعين بأعباء الأمر وإبداء رأيها فى
كل ما يلابس الأحوال العامة" إلا أنه لم يفته أن يرسم لكل شىء حدّه فقرر فى وضوح أن
المقالات التى حوكم عليها الطاعنان "لو كانت مقصورة على النقد المباح لما كان ثمة مسئولية
فأما وقد تطرف منشئها فنسب إلى وزيرين أنهما قررا بيع أقطان الحكومة فى البورصة وتسببا
عمدا فى هبوط الأسعار للانتفاع شخصيا من هذه المضاربة المدبرة ولإشباع مطامعهما فيجب
البحث الخ" وقال فى موضع آخر "إن الكاتب نسب إلى الوزيرين أنهما أمرا ببيع القطن خفية
وأنهما انتهزا فرصة وجودهما فى المراكز السامية ليخدما جيوبهما ولو بالإضرار بالمصالح
العامة وأنهما أوعزا بعرض 600 بالة من قطن الحكومة فى السوق فاضطربت البورصة ورجعت
الأسعار القهقرى مما جعل صفقتهما رابحة وصفقة باقى الأمة جمعاء خاسرة" ومعنى ذلك أنه
رأى أن الطاعنين خرجا عن دائرة النقد الذى يبيحه القانون مهما أغلظ الناقد فيه إلى
دائرة القذف القائم على إسناد وقائع شائنة معينة والذى أوجب القانون العقاب عليه إلا
فى أحوال استثنائية اقتضتها المصلحة العامة وبشروط مخصوصة.
ومن حيث إن محكمة الموضوع قد أصابت فى تقرير المبادئ التى رسمها القانون وفى تطبيقها
على الواقعة الثابتة فى الحكم وإذن يكون هذا الوجه واجب الرفض.
ومن حيث إن الوجه الثانى لا يعدو أن يكون تكرارا لمضمون الوجه الأوّل فى عبارات وصيغ
جديدة انتهى بها الطاعنان إلى القول بأن المقالات التى حوكما من أجلها تعدّ من النقد
المباح البرىء الذى لا عقاب عليه. ويكفى للرد على هذا الوجه ما سبق إيراده من البيان
عند الكلام على الوجه الأوّل.
ومن حيث إن محصل الوجه الثالث أن التهمة التى حوكم عليها الطاعنان موجهة إلى شخص غير
معين لا بالاسم ولا بالوظيفة وأن عدم تعيين المجنى عليه فى جريمة القذف هادم لأركانها
القانونية وإذن فلا مسئولية على المتهمين ويتعين الحكم ببراءتهما لأن المقالات موضوع
المحاكمة لم تنص بالذات ولا بضمير مستتر على أن وزير المالية بالنيابة هو المقصود بالطعن
بل هو استنتاج استنتجته النيابة من تلقاء نفسها الخ.
ومن حيث إنه يكفى لوجود جريمة القذف أن تكون عباراته موجهة على صورة يسهل معها فهم
المقصود منها ومعرفة الشخص الذى يعنيه القاذف، فاذا أمكن للمحكمة أن تدرك من فحوى عبارات
القذف من هو المعنىّ به وأمكنها استنتاجه بغير تكلف ولا كبير عناء وكانت الأركان الأخرى
متوافرة حق العقاب على الجريمة ولو كان المقال خلوا من ذكر اسم الشخص المقصود. وعلى
كل حال فمسألة كون الشخص المقذوف معينا تعيينا لا محل للشك معه فى معرفة شخصيته مسألة
وقائع تفصل فيها محكمة الموضوع دون أن يكون لمحكمة النقض رقابة عليها فيها.
ومن حيث إن محكمة الموضوع رأت فى هذه القضية أن الشخص المقصود بالقذف هو وزير المالية
بالنيابة قلا محل لمناقشتها فيما رأت ويكون هذا الوجه غير مقبول أيضا.
ومن حيث إن الوجه الرابع يدور على أن محكمة الموضوع أخلّت بحق الدفاع لأنها لم تأمر
بضم الملف الخاص بمسألة بيع قطن الحكومة وقد أصر الدفاع عن المتهمين أمام النيابة والمحكمة
على طلب ضم هذا الدوسيه الحكومى ليظهر منه جليا أن طعن المتهمين كان فى محله. وبما
أنه ليس فى مقدور المتهمين الحصول على هذا الملف لأنه يحوى أوراقا حكومية ليست فى متناول
أيديهما فعدم إجابة المحكمة الدفاع إلى هذا الطلب يعدّ إخلالا بحق الدفاع موجبا لنقض
الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن محكمة الموضوع بعد أن ثبت لديها أن المتهمين قد خرجا عن حدود النقد المباح
إلى دائرة القذف واقتنعت مع ذلك بسلامة نيتهما رأت أن تسمح لهما باثبات صحة ما قذفا
به إن استطاعا طبقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة 261 عقوبات كيما يستفيدا من حكم
الإعفاء المقرر فى الفقرة المذكورة لمن يقذف فى حق موظف عمومى بسلامة نية وأباحت لهما
استدعاء شهود نفى كما هو ثابت من محضر جلسة يوم 23 يناير سنة 1928 ولكنهما طلبا منها
أن تأمر بضم ملف بيع قطن الحكومة الموجود بوزارة المالية فنبهتهما إلى أن هذا ملف حكومى
إدارى، ولما أصرا على طلبه رفضت المحكمة إجابتهما إليه وعللت رفضها فى الحكم بقولها
(إن المحكمة لا ترى محلا لضم الملف الخاص بمسألة بيع القطن لأن الطعن المنسوب للمتهمين
يتناول نسبة أمور شائنة للوزيرين ولا يمكن أن يحوى ملف مسألة القطن شيئا من هذا وإذن
فلا محل لإجابة الطلب الخاص بالاطلاع على الملف المذكور).
ومن حيث إن واجب الإثبات يقع على عاتق المتهمين وقد أفسحت المحكمة صدرها لسماع من عساهما
يريدان الاستشهاد به من شهود النفى ولم تحدّ من حريتهما فى إثبات ما هما مطالبان قانونا
بإثباته.
ومن حيث إن الإثبات المطلوب من المتهمين كان خاصا بالوقائع التى أسنداها إلى الوزيرين
والتى ورد ذكرها فيما تقدّم وقد قدرت المحكمة أنه لا ينتظر بداهة أن يحوى ملف حكومى
رسمى شيئا عن هذه الوقائع وأشباهها فرفضت إجابة طلب الضم احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات
كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك وضنا بنفوذها أن تبذله فيما لا يجدى ولم تكن فى تقديرها
متعسفة ولا بعيدة عن محجة الصواب ومقتضى العقل فلا تملك محكمة النقض مناقشتها فى هذا
الرفض بحجة أنه قد ترتب عليه إخلال بحق الدفاع كما يزعم الطاعنان.
ومن حيث إن محصل الوجه الخامس أن المحكمة أخطأت فى تطبيق القانون حيث أخذت فى تقدير
مسئولية الطاعنين بمبدأ تعسفى خطير يحمِّل الصحفىّ مسئولية أكبر مما يحملها الشخص العادى.
وذلك بأنها قررت مسئولية مدير الجريدة ولو كان غائبا بسبب المرض عن مكان الجريدة وقت
نشر المقالات التى استوجبت المحاكمة.
ومن حيث إن مسئولية الناشر تختلف فى الواقع بحكم المادة 166 عقوبات مكررة عن مسئولية
الفرد الذى يرتكب جريمة عادية لأن مسئولية الأول مستمدّة من القانون لا من الواقع ومؤسسة
على قرينة قانونية يتعذر إدحاضها. على أنه لا مصلحة لأحد فى التمسك بهذا الطعن لأن
الطاعن الأوّل وهو مدير الجريدة لم يدّع الغياب بسبب المرض فى كل الأيام التى نشرت
فيها المقالات الأربع التى قامت عليها المحاكمة وهو مسئول على كل حال عما نشر منها
بحضوره وإذن يكون هذا الطعن عديم الفائدة.
ومن حيث إنه لما تقدّم جميعه يتعين رفض الطعن.
