الطعن رقم 2185 سنة 46 ق – جلسة 30 /01 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 446
جلسة يوم الخميس 30 يناير سنة 1930
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 2185 سنة 46 قضائية
( أ ) مصاريف الدعاوى الجنائية. الرجوع بشأنها إلى قانون تحقيق
الجنايات لا إلى القواعد المدنية والتجارية. الحالة المستثناة.
(المواد 250 – 257 تحقيق)
(ب) متهم مدان. إلزامه بالمصاريف التى تكبدها المدعى المدنى. الصور المستثناة.
(المادة 256 تحقيق)
1 – وضع قانون تحقيق الجنايات بالمواد 250 إلى 257 لمصاريف الدعاوى الجنائية نظاما
كاملا، وهو دون غيره الذى يرجع إليه فى تعرف أحكامها وكيفية تصرف القضاء بشأنها. وقد
تناول فى المواد 255 – 257 مسألة المصاريف فى الدعاوى التى يكون فيها مدع بحقوق مدنية،
فوضع بالمادة 255 مبدأ خاصا بتنظيم العلاقة بين الحكومة والمدعى بالحق المدنى جعل فيه
هذا المدعى مسئولا أوّلا وبالذات للحكومة عن تلك المصاريف. ثم وضع بالمادتين 256 و257
المبادئ الخاصة بالعلاقة بين المدعى بالحق المدنى وبين المتهم فى شأن هذه المصاريف
وكيف يسويها القضاء مقررا فى المادة 257 أنه لا يرجع فى أحكام هذه العلاقة إلى القواعد
المدنية والتجارية إلا فى صورة واحدة هى صورة ما إذا برئ المتهم ومع تبرئته قد ألزم
بتعويضات للمدعى بالحق المدنى. أما باقى الصور فالمادة 256 هى وحدها اللازم الرجوع
إليها للفصل فيها.
2 – تقضى الفقرة الأولى من المادة 256 بأن المتهم الذى تقررت إدانته هو الذى يجب إلزامه
بكافة ما تكبده المدعى بالحق المدنى من المصاريف. وقد جاءت هذه القاعدة عامة مطلقة
لا تفرّق بين ما إذا قضى لهذا المدعى بكل التعويض الذى طلبه أو ببعضه وبين ما إذا كان
لم يقض له بشىء أصلا.
لكن الشارع قد حد من عموم هذه القاعدة، فاستثنى من متناول تطبيقها صورتين: الأولى أن
يكون المدعى المدنى لم يحكم له بشىء من التعويض مع تقرير المحكمة بادانة المتهم، ففيها
لا يلزم المتهم بشىء من مصاريف الدعوى المدنية بل تكون المصاريف على المدعى وحده. الثانية
هى صورة ما إذا قضى للمدعى ببعض طلباته فقط، وفيها رأى القانون أن من العدل أن يترك
للقاضى مطلق الحرية والاختيار فى تقسيم المصاريف المدنية بين المدعى والمتهم على النسبة
التى يراها بحسب ظروف الدعوى، أو إلزام المتهم بكل المصاريف المدنية جريا على أصل القاعدة
المقررة فى الفقرة الأولى من المادة المذكورة.
وقائع الدعوى
اتهمت النيابة الطاعنين المذكورين بأنهما فى يوم 12 فبراير سنة
1926 بناحية قليشان: الأوّل ضرب محمد خليل هاشم الحيص فأحدث به الإصابات المبينة بالمحضر
وهما معا ضربا خليل حسن الحيص أحدثا به إصابات تقرر لعلاجها أكثر من عشرين يوما. وطلبت
عقابهما بالمادتين 205 و206 من قانون العقوبات.
وادّعى المجنى عليه خليل حسن الحيص مدنيا بمبلغ مائة جنيه تعويضا قبل الطاعنين بالتضامن.
ومحكمة جنح إيتاى الجزئية سمعت الدعوى وحكمت فيها حضوريا بتاريخ 15 مايو سنة 1926 عملا
بالمادتين المذكورتين بحبس الأوّل شهرا ونصفا حبسا بسيطا وحبس الثانى عشرين يوما حبسا
بسيطا وإلزامهما بأن يدفعا متضامنين للمدّعى بالحق المدنى ثلاثين جنيها مصريا والمصاريف
المدنية ومائتى قرش أتعابا للمحاماة.
فاستأنف المتهمان هذا الحكم فى ثانى يوم صدوره، واستأنفه المدّعى المدنى فى 24 مايو
سنة 1926.
ومحكمة اسكندرية الابتدائية بهيئة استئنافية سمعت هذين الاستئنافين، وقضت فيهما حضوريا
بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1926 بقبولهما شكلا وبرفضهما موضوعا وتأييد الحكم المستأنف وإلزام
المتهمين بالمصاريف المدنية المناسبة.
فطعنا عليه بطريق النقض والإبرام، وحكمت هذه المحكمة بتاريخ 2 نوفمبر سنة 1927 بقبول
الطعن شكلا وموضوعا وإلغاء الحكم المطعون فيه وإحالة القضية على محكمة جنح اسكندرية
الاستئنافية للحكم فيها مجدّدا من دائرة أخرى.
وبعد أن أعادت تلك المحكمة نظر هذين الاستئنافين قضت فيهما حضوريا بتاريخ 27 مايو سنة
1928 بقبولهما شكلا وفى الموضوع بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة للطاعن الأول وتعديله
بالنسبة للثانى والاكتفاء بتغريمه مائتى قرش وتأييده فيما عدا ذلك وبالزام الطاعنين
بالمصاريف المدنية الاستئنافية.
فطعن الطاعنان فى هذا الحكم أيضا بطريق النقض والإبرام فى 11 يونيه سنة 1928 وقدّم
حضرة المحامى عنهما تقريرا بالأسباب فى 13 منه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الوجه الأول أن الواقعة غير مبينة فى الحكم بيانا كافيا فيما يتعلق بالمتهم
الثانى. وهذا غير صحيح، فان الحكم الاستئنافى ذكر بشأنه ما يأتى: "وبما أن الحكم المستأنف
بالنسبة للمتهم الثانى فيما يختص بالإدانة فى محله أيضا" "بشهادة الشهود المتقدّم ذكرهم
بأنه اعتدى على المدّعى المدنى بدون سبق حصول" "تعد منه، وكان ذلك فى نفس الوقت الذى
ضربه فيه المتهم الأول" وكان الحكم الابتدائى ذكر من قبل بشأنه ما يأتى: "وحيث إن خليل
حسن الحيص عندما علم" "بما جرى لابنه محمد خليل أسرع إلى مكان الحادثة فتعدى عليه المتهمان
الأول" "والسادس (هو هو عبد الصمد طه الصيرفى الذى صار المتهم الثانى عند المحاكمة"
"الاستئنافية) وضربه الأول على ذراعه والسادس على رأسه…". ولا شك أن هذا البيان كاف
على خلاف ما هو مزعوم فى الوجه المذكور.
وحيث إن مبنى الوجه الثانى أن المحكمة لم تذكر سبب التعويض ولا وجه الضرر الذى لحق
المجنى عليه. وهذا الوجه غير معتبر ما دامت جريمة الضرب ثبتت على الطاعنين. ولا شك
أن كل أذى قل أو جل فهو بذاته ضرر يستلزم التعويض. وهذا أمر مفهوم بالبداهة فلا يترتب
على عدم ذكر المحكمة له ذكرا خاصا أن يبطل حكمها.
وحيث إن مبنى الوجه الثالث أن المحكمة لم ترد إلا على حالة الدفاع عن النفس، ولم ترد
بشىء على ما تمسك به الطاعن الأول من أنه كان فى حالة دفاع عن ماله. وهذا الوجه غير
صحيح، فان هذا الطاعن الأول لم يعرض للمحكمة دفعا من هذا القبيل. على أن الظرف الذى
حصل فيه الاعتداء منه ليس بحسب الثابت فى الحكم مما يمكن معه دعوى الدفاع عن المال.
وحيث إن مبنى الوجه الرابع أن الحكم باطل – أوّلا لأن إصداره تأجل مرتين. وثانيا لأن
القضاة الذين أصدروه لم يحضروا تلاوته بالجلسة كما تقضى به المادة 101 من قانون المرافعات.
وحيث إن تأجيل الحكم مرة ثم أخرى لا يوجب البطلان كما قضت به هذه المحكمة مرارا. كما
أن المادة 101 مرافعات إذا كانت أوجبت على القضاة الذين يصدرون الحكم أن يحضروا تلاوته
فإن المادة 102 التى بعدها صرحت بأنه فى حالة وجود ما يمنعهم من حضور التلاوة يكتفى
بتوقيعهم على مسودته قبل تلاوته؛ وهذا هو الذى حصل بخصوص الحكم المطعون فيه كما هو
ظاهر من العبارة التى بذيله، فهذا الوجه سقيم.
وحيث إن مبنى الوجه الخامس أن المحكمة ألزمت الطاعنين بالمصاريف المدنية الاستئنافية
مع أن استئناف المدعى بالحق المدنى للحكم الابتدائى قد رفض وتأيد هذا الحكم الابتدائى
فيما يختص بالتعويض، فقضاء المحكمة على الطاعنين بالمصاريف المدنية الاستئنافية أتى
مخالفا لمقتضى المادة 256 من قانون تحقيق الجنايات.
وحيث إن قانون تحقيق الجنايات قد وضع بالمواد 250 الى 257 لمصاريف الدعاوى الجنائية
نظاما كاملا هو دون غيره الذى يرجع إليه فى تعرف أحكامها وكيفية تصرف القضاء بشأنها.
وقد تناول فى المواد 255 الى 257 مسألة المصاريف فى الدعاوى التى يكون فيها مدع بحقوق
مدنية، فوضع بالمادة 255 مبدأ خاصا بتنظيم العلاقة بين الحكومة والمدعى بالحقوق المدنية
جعل فيه هذا المدعى مسئولا أوّلا وبالذات للحكومة عن تلك المصاريف ثم وضع بالمادتين
256 و257 المبادئ الخاصة بالعلاقة بين المدعى بالحقوق المدنية وبين المتهم فى شأن هذه
المصاريف وكيف يسويها القضاء مقررا فى المادة 257 أنه لا يرجع فى أحكام هذه العلاقة
إلى القواعد المقررة فى المواد المدنية والتجارية إلا فى صورة واحدة هى صورة ما إذا
برئ المتهم ومع تبرئته قد ألزم بتعويضات للمدعى بالحقوق المدنية. أما باقى الصور فالمادة
256 هى وحدها اللازم الرجوع إليها للفصل فيها.
وحيث إن الطاعنين لم يبرأا من الدعوى العمومية، وإذن فتسوية العلاقة بينهما وبين المدعى
بالحق المدنى إنما تكون بحسب المادة 256، ولا محل فى تسويتها للرجوع إلى شىء من القواعد
المقررة فى المواد المدنية والتجارية.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 256 وضعت قاعدة أساسية هى أن المتهم الذى تقررت إدانته
يجب إلزامه بكافة ما تكبده المدّعى بالحق المدنى من المصاريف. وقد جاءت هذه القاعدة
عامة مطلقة لا تفريق فيها بين ما إذا قضى لهذا المدّعى بكل التعويض الذى طلبه أو ببعضه
وبين ما إذا كان لم يقض له بشىء أصلا.
وحيث إن التقرير بادانة المتهم لا يمكن بحسب المبادئ القانونية العامة أن يقال به فى
صورة استئناف المتهم لحكم العقوبة الابتدائى أو استئناف النيابة لحكم البراءة أو العقوبة
إلا إذا صدر الحكم الاستئنافى فعلا قاضيا بهذه الإدانة. ومن ثم فهذا الحكم الاستئنافى
هو وحده الذى يعتبر الأساس لتطبيق قاعدة الفقرة الأولى من المادة 256.
وحيث إن تلك القاعدة الأساسية قد حد الشارع من عمومها فاستثنى من متناول تطبيقها صورتين:
الأولى أن يكون المدعى بالحق المدنى لم يحكم له بشىء من التعويض مع تقرير المحكمة بادانة
المتهم، ففيها لا يلزم المتهم بشىء من مصاريف الدعوى المدنية بل تكون تلك المصاريف
على المدعى وحده. وهذا شىء طبيعى مانع من اصطدام عموم القاعدة وإطلاقها بالمبادئ القانونية
العامة. أما الصورة الثانية المستثناة فهى صورة ما إذا قضى للمدّعى المدنى ببعض طلباته
فقط، وفيها رأى القانون أن من العدل أن يترك للقاضى مطلق الحرية والاختيار فى تقسيم
مصايف الدعوى المدنية بين المدّعى والمتهم على النسبة التى يراها بحسب ما يبدو له من
ظروف الدعوى. فإذا رأى القاضى أن يأخذ بحقه هذا الاختيارى فعل وإن رأى أن يجرى على
أصل القاعدة المقرّرة فى الفقرة الأولى من إيجاب كل المصاريف على المتهم للمدّعى فعل
أيضا ولا تثريب عليه.
وحيث إن مما تجب ملاحظته أن كون المدّعى المدنى مقضيا له ببعض طلباته معناه أن يكون
خرج من الدعوى كاسبا بعض التعويض الذى رفعها به. ومما يصدق عليه هذا المعنى صورة ما
إذا حكم فيها ابتدائيا للمدّعى ببعض طلباته فاستأنف للحصول على البعض الثانى ولكن رفض
استئنافه وتأيد الحكم الابتدائى الصادر بالبعض وهى صورة الطعن الحالى. ولئن كان مما
يستوقف النظر ويدعو للتردد أن يقضى على المتهم بالمصاريف المدنية الاستئنافية مع رفض
استئناف المدّعى المدنى، فان مبعث هذا التردّد هو القياس على قواعد المصاريف فى المواد
المدنية والتجارية. وقد ذكر آنفا أن هذه القواعد لا شأن لها فى غير صورة المادة 257
وأن النظام المقرر بالمادّة 256 هو نظام خاص يجب فهمه على قدر ما تؤدّى إليه عباراته.
على أن هذا التردد لا يلبث أن يزول متى علم أن الدعاوى المدنية التى ترفع بالتبعية
للدعاوى العمومية ليست قيمها مقدرة من قبل بعقود بين المتخاصمين وإنما هى متروكة لتقدير
القاضى يزيد فيها وينقص – فى حدود الطلب – بما يهدى إليه اجتهاده، وأنه إذن كان جديرا
بالشارع أن يترك له أمر المصاريف فى مثل الدعوى الحالية ليوجبها كلها أو ما شاء منها
على المتهم. ما دام إيجابها كلها أو بعضها ليس فى الواقع ونفس الأمر إلا زيادة أو نقصا
فى التعويض الموكول إليه تقديره بلا رقابة عليه فيه.
وحيث إن الحكم الابتدائى إذا كان قد أخذ فيه القاضى بقاعدة تقسيم المصاريف المخولة
له بالفقرة الثالثة من المادة 256 فان الحكم الاستئنافى الذى قرر فى النهاية إدانة
الطاعنين وأيد حكم التعويض الابتدائى قد أخذ فيما يتعلق بالمصاريف المدنية الاستئنافية
بأصل القاعدة المقررة بالفقرة الأولى والمحكمة فى حل من ذلك كما وضح مما تقدّم وليس
فى عملها ما يخالف القانون.
وحيث إنه لجميع ما تقدم يتعين رفض الطعن بكل وجوهه.
فبناء عليه
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وبرفضه موضوعا.
