الطعن رقم 1402 سنة 46 ق – جلسة 09 /05 /1929
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 300
جلسة يوم الخميس 9 مايو سنة 1929
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة زكى برزى بك وعبد الباقى زكى القشيرى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 1402 سنة 46 قضائية
حالة الدفاع الشرعى عن النفس. وجوب مراعاتها ولو لم يطلبها المتهم.
(المادة 210 عقوبات)
إذا كانت الوقائع الثابتة لدى المحكمة دالة على أن المتهم كان فى حالة دفاع شرعى عن
نفسه ولكن الدفاع عنه لم يطلب اعتباره كذلك بل اقتصر على طلب استعمال الرأفة به وجب
على محكمة الموضوع أن تعتبره من تلقاء نفسها فى حالة دفاع شرعى. إذ مهما تكن طلبات
المتهم فى دفاعه فإنها لا تغير شيئا من طبيعة فعله ولا من كيفية اعتبار القانون له.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن المذكور بأنه فى يوم 7 سبتمبر سنة
1928 الموافق 23 ربيع أول سنة 1347 بناحية سماتاى من أعمال مركز كفر الشيخ بمديرية
الغربية ضرب عمدا إبراهيم أبو طالب ضربا لم يقصد قتله ولكن أفضى إلى موته وذلك مع سبق
الإصرار والترصد وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالته على محكمة الجنايات لمحاكمته بالمادة
200 عقوبات.
وبتاريخ 27 نوفمبر سنة 1928 قرر حضرة قاضى الإحالة باحالته إلى محكمة جنايات طنطا لمحاكمته
بالمادة سالفة الذكر على التهمة الموجهة إليه.
وادعى ورثة المجنى عليه مدنيا وطلبوا الحكم لهم بصفتهم بمبلغ ألف جنيه على سبيل التعويض.
ومحكمة جنايات طنطا بعد أن سمعت الدعوى أصدرت فيها حكما حضوريا بتاريخ 19 يناير سنة
1929 وعملا بالمادة المذكورة بمعاقبة المتهم أحمد حسن الشرقاوى بالسجن لمدّة ثلاث سنوات
وإلزامه بأن يدفع للمدّعيتين بالحق المدنى بصفتهما مبلغ مائة وخمسين جنيها على سبيل
التعويض والمصاريف المدنية المناسبة ومبلغ ثلثمائة قرش أتعاب محاماة.
فقرّر المحكوم عليه بالطعن فى الحكم بطريق النقض والإبرام فى 22 يناير سنة 1929 وقدّم
حضرة المحامى عنه تقريرا ببيان أسباب طعنه فى 4 فبراير سنة 1929.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وتلاه بيان الأسباب فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن المتهم كان فى حالة دفاع شرعى وأنه دفع بهذا لدى المحكمة ولكنها
حكمت عليه بدون أن تذكر شيئا فى حكمها عن هذا الدفع مع أن الواقعة التى أوردتها فى
الحكم تدل بذاتها على أنه كان فى حالة دفاع شرعى. ومن أجل هذا يطلب الطاعن نقض الحكم
وبراءته.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يرى أن المحكمة أثبتت أن مشاجرة قامت بين عائلة
المتهم والمجنى عليه وانفضت بدون أن يحضرها المتهم ثم تقول ما يأتى حرفيا: "وبعد انتهاء
المشاجرة حضر أحمد حسن الشرقاوى من المحلة" "وعلم بها من أقاربه باقى المتهمين وبينما
كان واقفا معهم أمام منازلهم وإذا" "بالمجنى عليه قد حضر وعليه من الملابس قميص ولباس
وصديرى وبيده عصا" "وضرب بها أحمد حسن الشرقاوى على ذراعه فقابله بالمثل وضربه عمدا
بعصا" "غليظة فى رأسه فوقع على الأرض".
"وحيث إنه تبين من أقوال عبد الله أحمد محمد فى التحقيقات أنه رأى" "أحمد حسن الشرقاوى
عندما كان حاضرا من المحلة وكان القتيل موجودا مع" "محمد موسى وإبراهيم رزق وأناس آخرين
ومع كل منهم عصا ولما أقبل أحمد" "حسن الشرقاوى عليهم هموا بضربه فجرى فتبعوه وأدركوه
بالقرب من منزله" "وضربه القتيل بعصا على ذراعه فضربه هو أيضا بعصا على رأسه سقط منها"
"على الأرض".
"وحيث إن أحمد حسن الشرقاوى اعترف فى جميع أدوار التحقيق بأنه" "ضرب القتيل على رأسه
بعد أن تعدّى عليه".
"وحيث إن هذا الاعتراف تأيد من أقوال عبد الله أحمد محمد السابقة" "ومما أثبتته الصفة
التشريحية من وجود جرح رضى بالرأس وخلف الأذن" "نتيجة الضرب بعصا غليظة كما دلت عليه
شهادة الشهود من أن الضرب الذى" "حصل من المتهم كان بعصا".
وحيث إن هذا البيان الدال على أن المجنى عليه هو الذى حضر وضرب المتهم بالعصا فقابله
المتهم بالمثل فسقط بالأرض – هذا البيان يفيد بلا شك أن المتهم إنما أراد الدفاع عن
نفسه لصدّ اعتداء المجنى عليه ومن كانوا معه. وهو – كما قالت المحكمة – لم يرد القتل
إنما أراد مجرّد الضرب. كما يفيد أن المجنى عليه حاول الهرب من اعتداء من هموا بضربه
والتخلص بالفرار إلى منزله ولكنهم أدركوه وضربه المجنى عليه فعلا. فهو إذن لم يكن فى
حالة يستطيع معها النجاة منهم ولا الالتجاء لمنزله ولا لرجال السلطة العمومية. بل كان
لابدّ له من الدفاع عن نفسه بنفسه وأن يستعمل من القوّة ما يلزم لدفع الاعتداء على
شخصه.
وحيث إنه بالرجوع إلى محضر الجلسة وجد أن الدفاع عن المتهم لم يطلب اعتباره فى حالة
دفاع شرعى عن نفسه وإنما طلب استعمال الرأفة به وقال إنه معذور كل العذر. ولكن مهما
تكن طلبات المتهم فى دفاعه لدى المحكمة فهى لا تغير شيئا من طبيعة فعله ولا من كيفية
اعتبار القانون له.
وحيث إن أفصى ما تدل عليه الوقائع الثابتة فى الحكم هو أن المتهم الذى كان فى حالة
دفاع شرعى قانونية بحسب المادة 210 قد تجاوز الحدّ فى الدفاع إذ ضرب المجنى عليه ضربة
مميتة وكان ينبغى له الاحتياط فلا يضربه إلا ضربا يعجزه عن الاستمرار فى الاعتداء ولكنه
معذور عذرا كليا لعدم استطاعته فى الظرف الذى كان فيه أن يتدبر فى القدر اللازم من
القوّة فيستعمله غير متجاوز له. هذا أقصى ما يمكن القول به فى حالة هذا المتهم بحسب
الوقائع الثابتة فى الحكم. وإذن فاللازم اعتباره فى حالة دفاع شرعى جاوز فيه الحدّ
ولكنه معذور واجبة معاملته بالمادة 215 وعدم معاقبته إلا بالحبس.
وحيث إن هذه المحكمة ترى أن ستة شهور حبسا مع الشغل كافية فى عقاب هذا المتهم.
فبناء عليه
وعملا بالمواد المذكورة والمادتين 229 و231 تحقيق جنايات حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه من جهة الدعوى العمومية والاكتفاء بعقاب الطاعن بالحبس ستة أشهر مع الشغل بدلا من العقوبة المحكوم بها عليه مع بقاء الحكم على حاله من جهة التعويض المدنى.
