الطعن رقم 1341 سنة 46 ق – جلسة 09 /05 /1929
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 295
جلسة يوم الخميس 9 مايو سنة 1929
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة زكى برزى بك وعبد الباقى زكى القشيرى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 1341 سنة 46 قضائية (الطعن المرفوع من النيابة العامة ضد أحمد ندا)
المادة 179 عقوبات. مدى انطباقها. نسبة البصمة لغير باصمها.
لا تنطبق المادة 179 عقوبات إلا فى صورة ما إذا كانت هناك أختام مزوّرة. ولا تكون الأختام
مزوّرة إلا إذا كانت مبينة لأسماء الأشخاص المسمين فيها بيانا يداخله الغش بأن تكون
مصطنعة بالأسماء المنسوبة لهم أو مقلدة بأسمائهم على مثال أختام لهم موجودة من قبل
أو تكون هى هى أختام أصحابها المنقوشة أسماؤهم عليها بعلمهم واطلاعهم ولكنها اختلست
منهم ووقع بها أو غشوا فى التوقيع بها على ما لا يقصدون التوقيع عليه.
أما البصمة التى يضعها شخص ما بإصبعه فيستحيل عقلا أن تكون مزوّرة لا فى ذاتها ولا
فى نسبتها لغير باصمها بإصبعه لأنها لو نطقت لما فاهت إلا باسم باصمها لا باسم المراد
نسبتها اليه. وعليه فمن تسلم إعلانا من العمدة ليسلمه لنفر مطلوب للقرعة فوقع ببصمة
إصبعه عليه بدلا من أن يوقع عليه من هذا النفر ببصمة إصبعه فإن عمله هذا لا يكون تزويرا
حاصلا بوضع بصمة مزورّة يقع تحت نص المادة 179 من قانون العقوبات. بل كل ما يكون وقع
منه هو أنه أوهم بأن بصمة إصبعه هى بصمة نفر القرعة. وهذا الإيهام قد تتصوّر له أهمية
قانونية فى جريمة النصب لو أن الموضوع يحتمل القول بهذه الجريمة. أما فى جريمة التزوير
فلا أهمية له مطلقا [(1)].
الوقائع
اتهمت النيابة العامة المتهم المذكور بأنه فى يوم 19 يناير سنة
1926 الموافق 5 رجب سنة 1344 بدائرة مركز كفر الدوّار مديرية البحيرة ارتكب تزويرا
فى ورقة أميرية وهى إعلان نفر للقرعة العسكرية وذلك بوضع بصمة إبهامه اليسرى عليه باعتبار
أنها لعبد ربه عبد العزيز عبد ربه شعبان المطلوب إعلانه تحت الاقرار المطبوع بالاستلام
وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالته الى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمادتين 175 و180
من قانون العقوبات.
وبتاريخ 30 سبتمبر سنة 1928 قرر حضرة قاضى الإحالة إحالته الى محكمة جنايات اسكندرية
لمحاكمته بمقتضى المادتين سالفتى الذكر.
وبعد أن سمعت محكمة جنايات اسكندرية الدعوى قضت فيها حضوريا بتاريخ 17 يناير سنة 1929
وعملا بالمادة 50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات ببراءة المتهم.
فطعن حضرة رئيس نيابة اسكندرية فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى 29 يناير سنة
1929 وقدّم حضرته تقريرا ببيان أسباب الطعن فى اليوم المذكور.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن المتهم بصم باصبعه على إقرار باستلام إعلان للقرعة العسكرية
وارد لمن يدعى عبد ربه عبد العزيز وقد قدّم لمحكمة الجنايات فحكمت ببراءته بناء على
أن المادتين 179 و180 عقوبات تعاقبان على التزوير الحاصل بوضع إمضاء مزوّرة أو ختم
مزوّر ولا نص فيهما على من يزوّر بوضع بصمة إصبع مزوّرة. وقد أسهبت النيابة فى بيان
أن بصمة الإصبع وإن لم تذكر فى القانون إلى جانب الختم إلا أنها كمثله علامة دالة على
صاحبها بل هى أصدق من الختم إنباء عنه وأن المحكمة قد أخطأت فى عدم اعتبارها كمثله
من حيث تطبيق المادتين المذكورتين.
وحيث إنه يجب أن يلاحظ على هذا الطعن أنه مع الإسهاب فى بيانه فهو طعن معدوم الأساس
لأنه قائم على فكرة أن هناك بصمة إصبع مزورة والواقع أن البصمة المقول عنها ما دامت
هى بصمة إصبع المتهم نفسه فهى بصمة صحيحة لا تنبئ إلا عن شخص واحد بعينه هو هذا المتهم
وهى تساوى إمضاءه باسم نفسه أو توقيعه بختم باسمه منقوش فيه "أحمد ندا" بل هى أصدق
إنباء على شخصه من اسمه هذا مكتوبا بخطه أو منقوشا فى ختمه لسهولة التزوير فيهما واستحالة
التزوير تقريبا فيها كما لا يخفى. وإذن فهذه البصمة بصمة إصبع أحمد ندا مستحيل أن تكون
بصمة مزوّرة لإصبع عبد ربه عبد العزيز، بل يجب استبعاد هذه الفكره قطعا. ومتى استبعدت
هذه الفكرة امتنع حتما التحدّى بالمادة 179 فان هذه المادة لا تنطبق إلا فى صورة ما
إذا كان هناك أختام مزوّرة. ولا تكون الأختام مزوّرة إلا إذا كانت مبينة لأسماء الأشخاص
المسمين فيها بيانا يداخله الغش بأن تكون مصطنعة بأسماء المنسوبة لهم أو مقلدة بأسمائهم
على مثال أختام لهم موجودة من قبل أو تكون هى هى أختام أصحابها المنقوشة أسماؤهم عليها
بعلمهم واطلاعهم ولكنها اختلست منهم ووقع بها أو غشوا فى التوقيع بها على ما لا يقصدون
التوقيع عليه. والبصمة التى يضعها شخص ما بإصبعه يستحيل عقلا أن تكون مزوّرة لا فى
ذاتها ولا فى نسبتها لغير باصمها بإصبعه لأنها لو نطقت لما فاهت إلا باسم باصمها لا
باسم المراد نسبتها إليه. وعليه فان ما تقوله النيابة فى طعنها هذا هو كما أسلفنا معدوم
الأساس. ومثله ما كان فى هذا الصدد من جانب المحكمة إذ هى تابعت النيابة على القول
بأن بصمة إصبع المتهم مزوّرة على عبد ربه عبد العزيز واهتمت بالتدليل على أن تزوير
بصمات الأصابع ليس من طرق التزوير المنصوص عليها بالمادة 179 من قانون العقوبات.
وحيث يظهر أن الذى حدا بالنيابة العمومية إلى رفع الدعوى باعتبار ما وقع من المتهم
هو تزوير معاقب عليه بمادتى 179 و180 وإلى إصرارها على الطعن فى حكم البراءة بطريق
النقض وعلى طلب تطبيق المادتين المذكورتين هو أن المتهم قد أوهم – فى نظرها – بأن بصمة
إصبعه هى بصمة إصبع عبد ربه عبد العزيز. ولكن شتان ما بين هذا الإيهام – اذا كان قد
حصل – وبين أن تكون بصمة إصبع عبد ربه عبد العزيز قد اصطنعت أو قلدت أو اختلست منه
أو انغش هو فى التوقيع بها على ما لا يقصد أو استكره عليه – شتان ما بين الأمرين فان
البصمة فى الواقع هى البصمة الحقيقية لإصبع المتهم لا لإصبع عبد ربه عبد العزيز. ومثل
هذا الإيهام قد تتصوّر له أهمية قانونية فى جريمة النصب لو أن الموضوع يحتمل القول
بهذه الجريمة. أما فى جريمة التزوير التى نحن فيها فليس له أدنى أهمية فى نظر القانون.
وحيث إنه لا أهمية لما ورد فى الطعن من جهة صحة الاحتجاج ببصمة إصبع شخص ما كما يحتج
عليه بختمه وإمكان القضاء عليه مدنيا بالغرامة إن أنكرها باطلا كما يقضى بالغرامة على
منكر ختمه. فإن هذه المحكمة مع التصريح بأن بصمة الأصابع أدل على صاحبها وأصدق إنباء
عنه من بصمه ختمه وأنها عليه أقطع حجة من الختم وأنه إن أنكرها وثبت أنها له استحق
غرامة منكر الختم – مع تقريرها هذا والتصريح به فانها لا ترى محلا فى الموضوع المطروح
الآن عليها إلى الخوض فى حجية بصمة الختم والاستشهاد بما صار نقله فى بيان سبب الطعن
من آراء الفقهاء وأحكام القضاء.
وحيث إن النيابة فى غضون بيانها لسبب الطعن تستشهد بأقوال للشراح لا تصدق إلا على التزوير
المعنوى القائم على جعل واقعة مزوّرة فى صورة واقعة صحيحة مما يعاقب عليه بالمادة 182،
ولكن يجب استبعاد هذه الفكرة أيضا كما استبعدتها محكمة الموضوع إذ كانت النيابة أثناء
نظر الدعوى قد عدّلت طلباتها بما يفهم منه أن المتهم موظف وقع على ورقة الإعلان بما
يفيد تسليمها لعبد ربه عبد العزيز فأطرحت المحكمة طلبها هذا قائلة إنه لم يثبت لديها
أن المتهم موظف مختص بتسليم مثل هذا الإعلان.
وحيث إن النيابة أثناء مرافعتها لدى هذه المحكمة قالت إن الإعلان الذى حصل لنفر القرعة
هو من عمل عمدة البلدة وإن هذا العمدة كلف المتهم بايصاله للمعلن إليه فالمتهم لم يوصله
فعلا بل وضع بصمة إصبع نفسه على الإعلان كأنها بصمة لإصبع المعلن إليه وجعل كأن المعلن
إليه استلم الإعلان بدليل هذه البصمة فالمادة فيها تزوير معنوى اشترك فيه المتهم مع
العمدة الحسن النية وطلبت النيابة إقرار هذا النظر ونقض الحكم.
وحيث إن هذا التعديل فى التهمة عسر أن تقبله هذه المحكمة الآن.
فبناء عليه
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وبرفضه موضوعا.
[(1)] نوجه النظر إلى العبارة الأخيرة الواردة فى حيثيات حكم المحكمة المنشور هنا والتى يلوح منها أن النيابة لو كانت اعتبرت هذه المادة تزويرا معنويا ووجهت على المتهم تهمة الاشتراك فيه مع العمدة الحسن النية لكانت هذه التهمة محل نظر.
