الطعن رقم 1194 سنة 46 ق – جلسة 02 /05 /1929
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 284
جلسة يوم الخميس 2 مايو سنة 1929
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطية بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 1194 سنة 46 قضائية (الطعن المرفوع من محمد عسل زين الدين مدع بحق مدنى
ضد محمد محمود عبد اللطيف)
المادتان 172 و282 تحقيق جنايات. الفرق بينهما. سقوط الدعوى العمومية.
عدم إقامة الدعوى المدنية أمام المحاكم الجنائية.
(المادتان 172 و282 تحقيق جنايات)
إنه وإن كان الظاهر لأول وهلة من نص المادتين 172 و282 من قانون تحقيق الجنايات أن
بينهما شيئا من التناقض إلا أنه تناقض ظاهرى لا يلبث أن يزول إذا ما قورنت أحكامهما
بشىء من الدقة والإمعان. إذ يتضح من هذه المقارنة أن الحالة التى وضعت من أجلها المادة
172 هى خلاف الحالة التى استلزمت وضع المادة 282. فالمادة الأولى خاصة بالخصم الذى
ينضم إلى دعوى عمومية مقامة فعلا ويقيم نفسه فيها مدعيا بحق مدنى وهو ما يعرف فقها
بالطرف المنضم (Partie jointe). وأما المادة 282 فهى خاصة بالشخص الذى يلجأ مباشرة
إلى المحكمة الجنائية مطالبا بحقوقه المدنية فتتحرّك بدعواه نفس الدعوى العمومية التى
لم تكن مقامة من قبل ويعرف فقها بالطرف الأصلى (partie principale).
وإذن فلكل مجنى عليه الحق فى أن يلجأ بالنسبة لحقوقه المدنية للقضاء الجنائى. وإذا
ما فعل ذلك اعتمادا على أن الدعوى العمومية مرفوعة فعلا من جانب النيابة فقد حق له
السير فى دعواه المدنية لدى المحكمة الجنائية وحق على هذه المحكمة الجنائية – وقد ارتبطت
بالدعوى – أن تسير فى نظرها إلى النهاية ولو ظهر فى أثناء السير أن الدعوى العمومية
قد سقطت. فإن لم يكن ثمة دعوى جنائية قائمة بسبب انقضاء المدّة المقررة لسقوطها فإنه
لا يجوز للمجنى عليه أن يلجأ مباشرة للقضاء الجنائى، بل له إذا شاء أن يرفع دعواه أمام
المحكمة المدنية وحدها.
وقائع الدعوى
أقامت النيابة العامة هذه الدعوى على هذا المتهم (محمد محمود عبد
اللطيف) واتهمته بأنه فى يوم 21 يناير سنة 1923 بناحية الجمالية بمركز دكرنس حرض هو
وآخر محمد بحيرى الفاعل الأصلى واتفقا معه على اختلاس كمية من برسيم محجوز عليه قضائيا
لصالح أحمد محمد عسل زين الدين فوقعت الجريمة بناء على هذا التحريض وهذا الاتفاق. وطلبت
معاقبته بالمواد 275 و280 و40 فقرة أولى من قانون العقوبات.
وبتاريخ 3 سبتمبر سنة 1924 قضت محكمة جنح دكرنس الجزئية غيابيا وعملا بالمواد المذكورة
والفقرة الثانية بدلا من الأولى للمادة 40 عقوبات بحبس المتهم شهرين حبسا بسيطا وكفالة
ستمائة قرش على اعتبار أنه هو الذى باع البرسيم المحجوز عليه.
عارض المتهم فى هذا الحكم وفى أثناء نظر المعارضة دخل فى الدعوى أحمد محمد عسل زين
الدين وقال إن والده هو المجنى عليه وإنه هو يدعى مدنيا بصفته وكيلا عنه ويطلب الحكم
على المتهم بمبلغ خمسة وعشرين جنيها تعويضا. فدفع الحاضر مع المتهم: أوّلا ببطلان ورقة
الاتهام لأن المحكمة غيرت وصف التهمة بأن جعلته فاعلا أصليا دون أن تعلنه النيابة بهذه
التهمة، وثانيا بعدم قبول الدعوى المدنية لرفعها فى أثناء نظر المعارضة لأوّل مرة.
وبعد أن سمعت المحكمة المذكورة الدعوى أصدرت فيها حكما حضوريا بتاريخ أوّل أبريل سنة
1925 وعملا بالمادتين 275 و280 عقوبات: أوّلا بعدم قبول الدعوى المدنية وألزمت المدعى
المدنى بمصاريفها. وثانيا بقبول المعارضة شكلا ورفضها موضوعا وتأييد الحكم المعارض
فيه بالنسبة للعقوبة وإلغائه بالنسبة للنفاذ وأمرت بايقافه عملا بالمادة 52 عقوبات
وأنذرته بما يقضى به نص المادة 54 عقوبات. وذلك على اعتبار أنه مبدّد وأن الحادثة حصلت
بتاريخ 6 يناير سنة 1923 وقالت المحكمة فى أسباب حكمها عن الدفع ببطلان ورقة الاتهام
إنه غير وجيه للأسباب التى ذكرتها ولم يأت لهذا الدفع ذكر فى منطوق الحكم المذكور.
فاستأنف المتهم والمدّعى بالحق المدنى هذا الحكم فى 8 و9 أبريل سنة 1925 وقد تمسك المتهم
أمام محكمة الاستئناف بدفعه ببطلان ورقة الاتهام.
ومحكمة المنصورة الابتدائية الأهلية بهيئة استئنافية سمعت موضوع هذين الاستئنافين وقضت
فيهما حضوريا بتاريخ 4 نوفمبر سنة 1925 بقبولهما شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف
وبقبول الدفع ببطلان إجراءات الحكم الغيابى الصادر من محكمة دكرنس الجزئية بتاريخ 3
سبتمبر سنة 1924 وإحالة الأوراق إلى النيابة لإجراء شؤونها فيها.
جاءت النيابة بعد ذلك وأعلنت المتهم بالحضور أمام محكمة جنح دكرنس الجزئية باعتباره
معارضا فى الحكم الغيابى الذى ألغته محكمة ثانى درجة "حكم 3 سبتمبر" "سنة 1924". وباحدى
جلسات المرافعة طلبت من المحكمة تأجيل الدعوى لتعديل الوصف.
وبتاريخ 20 يوليه سنة 1926 أعلنت النيابة المتهم بالحضور لجلسة أوّل سبتمبر سنة 1926
بتهمة أنه فى يوم 6 يناير سنة 1923 بناحية الجمالية بدّد زراعة برسيم مملوكة له ومحجوزا
عليها قضائيا لصالح أحمد محمد عسل زين الدين بأن باعها لآخر. ودخل محمد عسل زين الدين
مدعيا بحق مدنى وطلب الحكم له عليه بمبلغ خمسين جنيها تعويضا.
عند ذلك دفع الحاضر مع المتهم: (أوّلا) باعتبار القضية المنظورة أمام المحكمة الآن
قضية جديدة لا معارضة فى حكم غيابى. (ثانيا) الحكم بسقوط الحق فى رفع الدعوى العمومية
لمضى ثلاث سنوات على إعلانها. (ثالثا) بطلان ورقة الاتهام لخطأ البيانات التى اشتملت
عليها بأن الزراعة المبدّدة لم تكن بناحية الجمالية وأن المجنى عليه لم يكن أحمد محمد
عسل. وطلبت النيابة رفض هذا للأسباب التى أبدتها ولأن الاجراءات مستمرة فلم تمض المدّة
لسقوط الحق فى رفع الدعوى.
وبتاريخ 15 سبتمبر سنة 1926 حكمت المحكمة حضوريا برفض الدفع الفرعى بسقوط الحق فى إقامة
الدعوى وحدّدت جلسة 27 أكتوبر سنة 1926 لنظر الموضوع وفيها حكمت بقبول المعارضة شكلا
وبرفضها موضوعا وتأييد الحكم المعارض فيه "حكم 3 سبتمبر سنة 1924" مع إلزام المعارض
بمصاريف المعارضة وإلزامه بأن يدفع للمدّعى بالحق المدنى مبلغ خمسين جنيها مصريا والمصاريف
المدنية وقد جاء فى أسباب هذا الحكم ما يأتى: "وحيث إن الحكم الصادر بتاريخ أوّل" "أبريل
سنة 1925 فى محله لأسبابه فترى المحكمة تأييده" مع أن هذا الحكم صادر فى المعارضة وقضى
بعدم قبول الدعوى المدنية.
فاستأنف المتهم هذين الحكمين الصادرين فى الدفع الفرعى وفى الموضوع وقد تمسك أيضا لدى
المحكمة الاستئنافية بالدفوع التى سبق أن تمسك بها.
وبعد أن سمعت محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية بهيئة استئنافية موضوع هذين الاستئنافين
قضت فيهما حضوريا بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1927 بقبولهما شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكمين
الصادرين فى 15 سبتمبر و27 أكتوبر سنة 1926 وبرفض الدفع الفرعى الأوّل وقبول الدفعين
الآخرين وسقوط الحق فى رفع الدعوى العمومية وعدم قبول الدعوى المدنية وألزمت المدّعى
بالحق المدنى بالمصاريف.
وبتاريخ 29 أكتوبر سنة 1927 طعن محمد عسل زين الدين بصفته مدعيا بحق مدنى فى هذا الحكم
بطريق النقض والإبرام وقدّم حضرة المحامى عنه تقريرا ببيان أسباب طعنه فى 30 منه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق الدعوى والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن صحيح شكلا لتقديمه هو وأسبابه فى الميعاد القانونى.
وحيث إن الوجه الرابع من هذا الطعن بنى على أن قبول الدفع بسقوط الحق فى رفع الدعوى
العمومية لا يمنع من الحكم للمدّعى المدنى بطلباته.
وحيث إن الفصل فى هذا الوجه يستلزم استعراض المادتين 172 و282 من قانون تحقيق الجنايات
وتفهم ما اشتملتا عليه من الأحكام.
وحيث إن المادة 172 من قانون تحقيق الجنايات نصت على أنه: "إذا" "كانت الواقعة ثابتة
أو لا يعاقب عليها القانون أو سقط الحق فى إقامة الدعوى" "بها بمضى المدّة الطويلة
يحكم القاضى ببراءة المتهم ويجوز له أن يحكم أيضا" "بالتعويضات التى يطلبها بعض الخصوم
من بعض".
أما المادة 282 من قانون تحقيق الجنايات فقد جاء بها أن: "الدعوى" "بالتضمينات الناشئة
عن جناية أو جنحة أو مخالفة لا يجوز إقامتها باحدى المحاكم" "فى المواد الجنائية بعد
انقضاء المدّة المقررة لسقوط الحق فى إقامة الدعوى العمومية" "وإذا أقيمت الدعوى بالتضمينات
أمام إحدى المحاكم المذكورة قبل انقضاء" "تلك المدّة فيترتب على ذلك انقطاع المدّة
المقرّرة لسقوط الحق فى إقامة الدعوى" "العمومية".
وحيث إنه وإن كان الظاهر لأوّل وهلة من نص هاتين المادتين أن بينهما شيئا من التناقض
وأن ما أجازته المادة 172 للمدعى بالحق المدنى حرمته عليه المادة من قانون تحقيق
الجنايات إلا أن هذا التناقض الظاهرى لا يلبث أن يزول إذا ما قورنت أحكامهما بشىء من
الدقة والإمعان. ومن هذه المقارنة يتضح أن الحالة التى وضعت من أجلها المادة 172 هى
خلاف الحالة التى استلزمت وضع المادة 282. فالمادة الأولى خاصة بالخصم الذى ينضم إلى
دعوى عمومية مقامة فعلا ويقيم نفسه فيها مدعيا بحق مدنى وهو ما يعرف فقها بالطرف المنضم
(Partie jointe). وأما المادة فهى متعلقة بالشخص الذى يلجأ مباشرة إلى المحكمة
الجنائية مطالبا بحقوقه المدنية فتتحرّك بدعواه نفس الدعوى العمومية التى لم تكن مقامة
من قبل ويعرف فقها بالطرف الأصلى (partie principale).
وإذا ما علم ذلك تبين جليا أن ما قضى به المشرع فى كل من المادتين المذكورتين جاء متفقا
مع الصواب والمعقول اتفاقا تاما. ذلك أنه من المسلم به أن لكل شخص مجنى عليه الحق التام
فى أن يلجأ بالنسبة لحقوقه المدنية للقضاء الجنائى. وإذا ما فعل ذلك اعتمادا على أن
الدعوى العمومية مرفوعة فعلا من جانب النيابة فقد حق له السير فى دعواه المدنية لدى
المحكمة الجنائية إلى النهاية وحق على هذه المحكمة الجنائية وقد ارتبطت بالدعوى أن
تسير فى نظرها إلى النهاية ولو ظهر فى أثناء السير أن الدعوى العمومية قد سقطت. وإذا
كان هذا قانونيا وعادلا – وهو ما نصت عليه المادة من قانون تحقيق الجنايات صراحة
– فانه من المعقول والعدل أيضا أن الدعوى المدنية الناشئة عن جناية أو جنحة أو مخالفة
لا تجوز إقامتها مباشرة أمام المحكمة الجنائية بعد انقضاء المدّة المقرّرة لسقوط الحق
فى إقامة الدعوى العمومية أى أن الدعوى العمومية إذا كانت قد سقط الحق فى إقامتها ولم
تسر فيها النيابة العمومية فعلا فلا يصح للمجنى عليه أن يلجأ مباشرة للقضاء الجنائى
الذى لا توجد لديه فى الواقع أى دعوى يمكن هذا المجنى عليه الاستناد عليها والانضمام
إليها كما هو الحال فى صورة المادة من قانون تحقيق الجنايات بل له إذا شاء أن
يرفع دعواه أمام المحكمة المدنية ليس غير. على أن ما يؤيد أن المادة من قانون
تحقيق الجنايات إنما وضعت لحالة الدعوى المرفوعة مباشرة من المدّعى المدنى بدون أن
تكون هناك دعوى عمومية مرفوعة فعلا من النيابة هو ما تقرّر فى الفقرة الأخيرة من هذه
المادة. فان الشارع بعد أن منع المدّعى المدنى صراحة فى الفقرة الأولى من الالتجاء
إلى القضاء الجنائى بعد انقضاء المدّة المقرّرة لسقوط الحق فى إقامة الدعوى العمومية
كما سلف البيان أجاز له ذلك فى الفقره الثانية إذا كانت تلك المدّة لم تنقض بعد ورتب
على رفع الدعوى المدنية فى هذه الحالة الأخيرة انقطاع المدّة المقرّرة لسقوط الحق فى
إقامة الدعوى العمومية. وفى ترتيبه هذا إشارة صريحة إلى أن المقصود بهذه المادة هو
حالة دعوى مدنية رفعت مباشرة بدون أن تكون هناك دعوى عمومية مرفوعة فعلا من قبل.
وحيث إنه من الثابت فى الدعوى الحالية أن الطاعن كان طرفا منضما إلى الدعوى العمومية
وحالته مما تنطبق عليها أحكام المادة من قانون تحقيق الجنايات أى أن الحكم بسقوط
الحق فى رفع الدعوى العمومية لم يكن مانعا قانونيا من قبول الدعوى المدنية والفصل فيها.
وحيث إنه مما تقدّم يرى أن الطعن الحالى على أساس قانونى من هذه الوجهة وعليه يتعين
قبوله موضوعا ونقض الحكم المطعون فيه فيما يختص بالدعوى المدنية وإحالة القضية إلى
دائرة أخرى للفصل فى الدعوى المدنية المذكورة.
من أجل هذا
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى لمحكمة جنح المنصورة الاستئنافية للحكم فيها مجدّدا من دائرة أخرى فيما يتعلق بالدعوى المدنية.
