الطعن رقم 775 سنة 46 ق – جلسة 11 /04 /1929
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 259
جلسة يوم الخميس 11 أبريل سنة 1929
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة. وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطية بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 775 سنة 46 قضائية (الطعن المرفوع من زينب السيد الكفافى مدعية بحق مدنى
ضد الشيخ محمود بشرى اسماعيل)
( أ ) طعن بطريق النقض. حكم فرعى قاطع. جواز الطعن فيه بطريق النقض.
حكم محكمة الجنح الاستئنافية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية بعد قبول الدفع بسقوط
الدعوى العمومية. الطعن فيه بطريق النقض جائز.
(ب) دعوى مدنية عن جريمة تحت نظر محكمة الجنح. سقوط الدعوى العمومية فى هذه الجريمة
لصدور عفو شامل أثناء نظر الدعوى. محكمة الجنح تبقى مختصة بنظر الدعوى المدنية. صدور
العفو الشامل قبل رفع الدعوى. عدم اختصاص محكمة الجنح بنظر الدعوى المدنية.
(قانون العفو الشامل الصادر فى سبتمبر سنة 1926 والمواد 172 و176 و229 تحقيق)
1 – الأحكام الصادرة بقبول دفع من الدفوع الفرعية كسبق نظر الدعوى والحكم فيها نهائيا
أو سقوط الحق فى إقامة الدعوى العمومية لمضى المدّة أو لصدور عفو شامل هى من قبيل الأحكام
الصادرة نهائيا فى الموضوع فالطعن فيها بطريق النقض جائز. لأن تلك الأحكام وإن لم تفصل
فعلا فى الموضوع إلا أنها منهية للخصومة ومانعة من نظرها لدى المحاكم الجنائية. ويقاس
على تلك الأحكام فى جواز الطعن فيها بطريق النقض الحكم الصادر من محكمة الجنح الاستئنافية
القاضى بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية بعد قبولها الدفع بسقوط الدعوى العمومية
لصدور عفو شامل لما أنه هو أيضا مانع من نظر الدعوى ثانية أمام تلك المحكمة.
2 – إذا كانت الجريمة المطروحة لنظر محكمة الجنح تقع تحت نصوص قانون عفو شامل صدر أثناء
نظر الدعوى فان محكمة الجنح يجوز لها مع ذلك الحكم فى الدعوى المدنية بالرغم من سقوط
الدعوى العمومية. أى أنها تبقى مختصة بنظر الدعوى المدنية. ولكن الأمر يكون على خلاف
ذلك إذا كان قانون العفو الشامل صدر قبل رفع الدعوى العمومية [(1)].
الوقائع
رفعت المدّعية بالحق المدنى هذه الدعوى مباشرة واتهمت محمود بشرى
إسماعيل بالتبليغ فى حقها كذبا مع سوء القصد لجهة الإدارة بأنها وضعت النار عمدا فى
منزله الأمر المعاقب عليه قانونا. وذلك فى يوم 20 مايو سنة 1925 وطلبت الحكم لها بتعويض
مدنى قدره خمسون جنيها مع معاقبته بالمادتين 262 و264 عقوبات.
وفى 10 سبتمبر سنة 1926 صدر قانون العفو الشامل عن الجنح الخاصة بالانتخابات.
وبتاريخ 25 أكتوبر سنة 1926 حكمت محكمة قويسنا بسقوط الدعوى العمومية طبقا لقانون العفو
الشامل المشار إليه وبالزام الشيخ محمود بشرى اسماعيل بأن يدفع للمدعية بالحق المدنى
مبلغ عشرين جنيها مع نصف المصاريف.
استأنف المحكوم عليه والنيابة والمدعية بالحق المدنى هذا الحكم فى الميعاد القانونى.
وبتاريخ 26 فبراير سنة 1927 حكمت محكمة طنطا بهيئة استئنافية بتأييد الحكم المستأنف
فيما يختص بسقوط الحق فى الدعوى العمومية وبعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المدنية
وألزمت المدعية بالمصاريف المدنية. وقد بنى هذا الحكم فيما يختص بالدعوى المدنية على
أنه نص صراحة فى المادة الثالثة من قانون العفو الشامل على أن أصحاب الحقوق المدنية
لهم أن يرفعوا دعواهم أمام المحكمة المدنية المختصة وعلى ذلك تكون محكمة الجنح غير
مختصة بنظر الدعوى المدنية.
فطعنت المدعية بالحق المدنى على هذا الحكم أمام هذه المحكمة وبنت طعنها على خطأ فى
تطبيق المادة الثالثة من قانون العفو الشامل والتمست بناء على ما قدّمته من الأسباب
قبول الطعن شكلا وفى الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه بالنسبة للحقوق المدنية وإلزام
المتهم بأن يدفع لها مبلغ خمسين جنيها على سبيل التعويض والمصاريف والأتعاب وذلك بتاريخ
14 مارس سنة 1927 وكان قرارها فيه فى 10 منه.
وبالجلسة المحدّدة لنظر هذا الطعن صممت المدعية بالحق المدنى على طلباتها سالفة الذكر.
والمحامى عن المتهم دفع فرعيا بعدم قبول الطعن لأن الحكم المطعون فيه لم يفصل فى الموضوع
بل اقتصر على الحكم بعدم الاختصاص وأن الأحكام الجائز الطعن فيها عن طريق النقض هى
التى تفصل نهائيا فى الموضوع وأن الطاعنة أمامها المحكمة المدنية ولها أن ترفع دعواها
إليها.
والمدعية بالحق المدنى والنيابة طلبا رفض الدفع الفرعى سالف الذكر وفى الموضوع باختصاص
محكمة الجنح بالفصل فى الدعوى المدنية وذلك للأسباب التى وضحت تفصيلا بالمذكرات المقدّمة
بملف الدعوى.
المحكمة
بعد سماع آخر أقوال طرفى الخصوم والاطلاع على الأوراق والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن صحيح شكلا لتقديمه هو وأسبابه فى الميعاد القانونى.
"عن الدفع الفرعى بعدم جواز الطعن":
حيث إنه لا نزاع فى أن لمحكمة النقض حق الإشراف على جميع الأحكام النهائية الصادرة
من المحاكم الجنائية ومراقبتها من جهة صحة تطبيق القانون. وبناء على ذلك فان اختصاصها
يتناول الأحكام التى تقضى فى الموضوع وتفصل فى أصل التهمة سواء بالإدانة أم بالبراءة
وكذا جميع الأحكام الصادرة فى دفوع فرعية قاطعة وهى التى وإن كانت غير فاصلة فى أصل
الدعوى إلا أنها تمنع النظر فيه مطلقا أو على الأقل أمام المحاكم الجنائية. وذلك لأن
مثل هذه الأحكام الأخيرة قد يعتورها ما يعيبها ويبطلها فوجب أن يكون للخصوم فيها من
نيابة عامة أو متهمين أو مدعين بحق مدنى حق طلب تصحيحها وواضح أنه لا يمكن إدراك هذا
الغرض إلا بواسطة الطعن فى هذه الأحكام أمام محكمه النقض والإبرام.
وحيث إنه اذا كان من الثابت الآن فقها وقضاء أن الأحكام الصادرة بقبول دفع من الدفوع
الفرعية كسبق نظر الدعوى والحكم فيها نهائيا أو سقوط الحق فى إقامة الدعوى العمومية
لمضى المدّة أو لصدور عفو شامل هى من قبيل الأحكام الصادرة نهائيا فى الموضوع وأنها
جائز الطعن فيها بطريق النقض لأن كلا منها وإن لم يفصل فعلا فى الموضوع إلا أنه منه
للخصومة ومانع من نظرها لدى المحاكم الجنائية – إذا كان ذلك مسلما به فقها وقضاء فإن
الحكم المطعون فيه الآن والذى قضت فيه المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية بعد
أن قبلت الدفع بسقوط الدعوى العمومية لصدور عفو شامل هو أيضا مانع من نظر الدعوى ثانية
أمام تلك المحكمة الجنائية. ولا سبيل لتصحيحه إن كان قد اعتوره وجه يبطله إلا بواسطة
الطعن فيه أمام محكمة النقض والإبرام.
وحيث إنه لا محل للقول بأن هذا الحكم لا يقاس فى جواز الطعن فيه بطريق النقض على غيره
من الأحكام الفرعية السابقة الإشارة إليه لأنه ليس من شأنه أن يؤثر فى أصل الخصومة
فينهيها بل الباب لا يزال مفتوحا أمام المدعية بالحق المدنى ولها إن شاءت أن ترفع دعواها
أمام المحكمة المدنية – لا محل لهذا القول فإن من المسلم به أن هذه المدعية بالحق المدنى
كان لها الحق التام فى أن تلجأ للقضاء الجنائى وقت أن رفعت دعواها وقد رفعتها لهذا
القضاء فعلا رفعا صحيحا متفقا ونصوص القانون الجنائى فهى وخصمها المتهم قد ارتبطا ارتباطا
قانونيا صحيحا بالتحاكم فى هذه الدعوى المدنية لدى المحكمة الجنائية إلى النهاية. وهذه
المحكمة الجنائية قد ارتبطت أيضا بالدعوى ولزمها قانونا أن تسير فى نظرها إلى النهاية
ما لم يتتارك ذوو الشأن فيها أو يتخصص قضاؤها تخصصا يخرج مثل هذه الدعوى من متناول
سلطتها. وتقول المدعية بالحق المدنى إنه لا شىء من هذا بحاصل وإن كل الذى حصل أنه طرأ
ما يمنع المحكمة الجنائية عن الحكم فى الموضوع من الوجهة الجنائية ولكن سلطتها فيه
مدنية لا تزال قائمة على حالها. ولئن صح قولها هذا فكل حكم نهائى يصدر ويكون مانعا
من نظر هذه الدعوى المدنية لدى تلك المحكمة الجنائية فهو حكم سالب نهائيا لطريق مخاصمة
قانونى ارتبط به الطرفان والمحكمة جميعا. ومثل هذا الحكم من جانب المحكمة يكون تحكما
محضا، إذ هو تخصيص لطرق التقاضى مع توسيع الشارع فيها، وهذا لا يملكه القاضى. ولئن
أمر به أمكنت الظلامة من حكمه ولا طريق إلا طريق الطعن بالنقض. ومن هذا يرى جليا أن
الشأن فى الحكم الفرعى الصادر فى هذه الدعوى يكون من جهة جواز الطعن فيه بالنقض كالشأن
فى الأحكام الأخرى الفرعية التى يعترض بعدم إمكان القياس عليها ويكون من المتعين رفض
الدفع الفرعى والحكم بجواز الطعن الحالى.
"عن الموضوع":
حيث إن الدعوى رفعت فى يوليه سنة 1925 والعفو الشامل صدر فى سبتمبر سنة 1926.
وحيث إن ما جاء بالمادة الثالثة من قانون العفو الشامل الذى استند إليه الحكم المطعون
فيه من أن لأصحاب الحقوق المدنية أن يطالبوا بها أمام المحاكم المدنية لا يمكن أن يكون
المقصود به الخروج على القاعدة العامة المقررة فى المادة من قانون تحقيق الجنايات.
بل كل ما فى الأمر أن الشارع فى ذلك القانون فرض الحالة الطبيعية العادية وهى حالة
ما إذا كان انطباقه على الواقعة لا نزاع فيه وكان المجنى عليهم لم يرفعوا أمرهم للقضاء
قبل صدوره. فرض الشارع تلك الحالة العادية وقرر الحكم فيها ولا يمكن أن يكون قصد أن
يمنع محكمة مختصة قانونا بالفصل فى أمر مطروح لديها من قبل ولا زال التقاضى فيه سائغا
من نظره والحكم فيه وأن يعطل بذلك نصوص قانون تحقيق الجنايات. إنه لو كان أراد ذلك
لنص عليه صراحة وبعيد أنه كان يفعل لما فى هذا من المساس بالحقوق المكتسبة للمتقاضين
من قبل.
وحيث إن المادة جنايات نصت صراحة على أنه "اذا كانت" "الواقعة غير ثابتة أو لا
يعاقب عليها القانون أو سقط الحق فى إقامة الدعوى بها" "بمضى المدّة الطويلة يحكم القاضى
ببراءة المتهم ويجوز له أن يحكم أيضا" "بالتعويضات التى يطلبها بعض الخصوم من بعض".
وهذا النص جلى وصريح فى أن اختصاص محكمة الجنح بالفصل فى الدعوى المدنية يبقى قائما
فى هذه الأحوال الثلاثة التى لم تذكر فى الواقع إلا على سبيل التمثيل للأحوال التى
تزول فيها الدعوى العمومية ولا يبقى قائما لدى المحكمة إلا الدعوى المدنية. ولا شك
أن حالة سقوط الدعوى العمومية بالعفو الشامل هى من تلك الأحوال الممثل لها فحكم الدعوى
المدنية فيها كحكمها فيما نص عليه. على أن إمكان اقتصار القضاء الجنائى على الدعوى
المدنية وحدها أمر مقرر فى القانون فى مواضع عدّة. فالمادة من قانون تحقيق الجنايات
تنص على أن حكم البراءة الذى يصدر من محكمة الجنح بناء على سبب من الأسباب الواردة
بالمادة سالفة الذكر لا يمنع المدعى المدنى من استئناف هذا الحكم بالنسبة لحقوقه
المدنية ولو لم تستأنفه النيابة العامة ولا يمنع محكمة استئناف الجنح من الفصل فى دعواه
المدنية مع أن الدعوى العمومية قد سقطت بحكم البراءة وعدم استئناف النيابة سقوطا نهائيا.
والمادة جنايات مفهومها أنه عند حكم المحكمة الجنائية بالبراءة ورفض دعوى المدعى
بالحق المدنى يكون لهذا الأخير أن يطعن فى هذا الحكم أمام محكمة النقض والإبرام وللمحكمة
المشار اليها أن تفصل فيه ولو لم يطعن فى ذلك الحكم من جانب النيابة العمومية. والدعوى
العمومية تكون فى هذه الحالة قد سقطت أيضا سقوطا نهائيا.
وحيث إنه فوق ما تقدّم من جهة القانون فان العدل أيضا يأبى أن يتحمل المدعى المدنى
– بعد أن رفع دعواه رفعا صحيحا وفقا للقانون – نتائج سقوط الدعوى العمومية إذا كان
هذا السقوط ناشئا – كما هو الحال فى هذه الدعوى – عن سبب طرأ بعد رفعها وأن يضطر إلى
البدء فى اتخاذ إجراءات أخرى وصرف مصاريف جديدة أمام محكمة ثانية.
وحيث إنه لا حاجة لبيان أن الفقه والقضاء فى فرنسا أجمعا على الأخذ بما تقدّم من أنه
إذا كانت الجريمة المطروحة لنظر محكمة الجنح تقع تحت نصوص قانون عفو شامل صدر أثناء
نظر الدعوى فان محكمة الجنح يجوز لها مع ذلك الحكم فى الدعوى المدنية بالرغم من سقوط
الدعوى العمومية أى أنها تبقى مختصة بنظر الدعوى المدنية. ولكن الأمر يكون على خلاف
ذلك إذا كان قانون العفو الشامل صدر قبل رفع الدعوى.
وحيث إنه مما توضح جميعه يرى أن الطعن الحالى على أساس قانونى ويتعين قبوله موضوعا
ونقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى لمحكمة جنح طنطا الاستئنافية للفصل فيها فيما
يتعلق بالحقوق المدنية.
من أجل هذا
حكمت المحكمة: (أوّلا) برفض الدفع الفرعى المقدّم من المتهم وبجواز نظر الطعن المقدّم من المدعية بالحق المدنى. (وثانيا) بقبول طعن المدعية بالحق المدنى هذا شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه من جهة الدعوى المدنية وبإعادة هذه الدعوى المدنية لمحكمة جنح طنطا الاستئنافية للقضاء فيها مجدّدا من دائرة أخرى.
[(1)] راجع أيضا حكم محكمة النقض الصادر فى 2 مايو سنة 1929 فى القضية رقم 1194 سنة 46 قضائية.
