الطعن رقم 393 سنة 46 ق – جلسة 28 /02 /1929
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 192
جلسة يوم الخميس 28 فبراير سنة 1929
برآسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة. وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 393 سنة 46 قضائية (الطعن المقدم من الست حسيبة الشهيرة بأنيسة بنت حسن
حمدان مدعية بحق مدنى ضد محمد عبد السلام أفندى)
محكمة الجنح الاستئنافية. عدم جواز انتزاعها دعوى الحق المدنى من
محكمة أول درجة. قبول المدعى المدنى هذا الانتزاع يترتب عليه صحة الحكم الاستئنافى.
(المادتان 370 و371 مرافعات)
ليس لمحكمة الجنح الاستئنافية أن تنتزع دعوى الحق المدنى المحكوم بعدم قبولها من قاضى
الدرجة الأولى وتفصل فيها. غير أنه إذا رضى المدعى بالحق المدنى بنظر موضوع دعواه لأول
مرة لدى المحكمة الاستئنافية ولم يطلب اليها أن تعيد القضية الى المحكمة الأولى اعتبر
سلوكه هذا تنازلا منه عن الانتفاع بالدرجة الأولى ورتب تنازله هذا لخصمه حقا لا يستطيع
هو المساس به. وهذا الحق هو صحة حكم المحكمة الاستئنافية فيما قضى به لأول مرة فى موضوع
الخلاف المدنى الذى بينهما.
وقائع الدعوى
اتهمت النيابة المتهم المذكور بأنه من سنة سابقة على تحرير المحضر
المؤرخ 20 مارس سنة 1926 بدائرة قسم الجمرك ضرب ولده أحمد حلمى عبد السلام فأحدث به
الإصابة المبينة بالكشف الطبى وطلبت عقابه بالمادة 205 من قانون العقوبات وفى أثناء
نظر الدعوى حضرت والدة المجنى عليه وهى المدّعية الآن وطلبت دخولها فيها مدّعية بحق
مدنى طالبة الحكم لها بمبلغ خمسين جنيها تعويضا قبل المتهم.
فدفع الحاضر مع المتهم فرعيا بعدم قبول المدّعية بالحق المدنى لعدم وجود صفة لها لأنه
هو الولى الشرعى على ابنه إذ أنه محكوم بتسليمه إليه من المحكمة الشرعية.
وعلى ذلك قضت محكمة جنح المنشية بتاريخ 29 أغسطس سنة 1926 بقبول الدفع الفرعى وبعدم
قبول الدعوى المدنية مع إلزام رافعتها بالمصاريف كما وأنها قضت حضوريا بتاريخ 8 سبتمبر
سنة 1926 عملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات ببراءة المتهم مما أسند اليه.
فاستأنفت النيابة هذا الحكم فى 18 سبتمبر سنة 1926 وأيضا وكيل المدعية بالحق المدنى
استأنف الدعوى المدنية فى 7 سبتمبر سنة 1926.
ومحكمة اسكندرية الابتدائية الأهلية بهيئة استئنافية قضت حضوريا بتاريخ 25 ديسمبر 1926
بقبول الاستئنافين شكلا وفى الموضوع أولا بالغاء الحكم المستأنف بالنسبة للمدّعية المدنية
وبقبولها لوجود صفة لها. وثانيا بتأييد الحكم المستأنف عن البراءة. وثالثا برفض دعوى
المدّعية المدنية عن التعويض وإلزامها بالمصاريف المدنية جميعها.
فطعن حضرة مصطفى أفندى الطرابلسى المحامى بصفته وكيلا عن المدّعية بالحق المدنى فى
هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى 11 يناير سنة 1927 وقدّم تقريرا بوجوه طعنه فى اليوم
نفسه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وتلاه بيان الأسباب فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن أوجه الطعن تتحصل فى: أن محكمة أول درجة قضت بعدم قبول الدعوى المدنية
لأن الطاعنة لا صفة لها فى التقاضى ولكن محكمة ثانى درجة اعترفت بصفة المدعية وألغت
حكم محكمة أول درجة الصادر بعدم القبول وفصلت فى موضوع الدعوى وكان الواجب عليها أن
تردّها لمحكمة أول درجة للفصل فى طلبات الطاعنة بعد سماع أقوالها وشهودها وأنه بعدم
مراعاة المحكمة ذلك قد حرمت الطاعنة درجة من درجات التقاضى، وأن محكمة أول درجة
أيدت الحكم الابتدائى لأسبابه ولكن محكمة أول درجة لم تسمع الشهود ولم تأمر بتلاوة
أقوالهم بالجلسة وأن الطاعنة طلبت من محكمة ثانى درجة سماع الشهود فرفضت طلبها ثم تقول
الطاعنة إنه لذلك قد وقع الحكم المطعون فيه باطلا.
وحيث إن الثابت بالحكم المطعون فيه وبالحكم الابتدائى المؤيد لأسبابه – من جهة الدعوى
العمومية – بالحكم المطعون فيه وبمحاضر الجلسات أن النيابة العامة رفعت الدعوى على
محمد أفندى عبد السلام طالبة عقابه بالمادة 205 للتهمة المبينة بوقائع هذا الحكم فدخلت
الطاعنة فيها مدّعية بحق مدنى لمصلحة الغلام المجنى عليه فحكمت المحكمة الجزئية بعدم
قبول دعواها لعدم وجود صفة لها فى التقاضى عن الغلام لأن وليه الشرعى صاحب الصفة فى
تقاضى حقوقه المدنية هو والده المتهم كما حكمت فى الدعوى العمومية بالبراءة لأسباب
ترجع إلى مناقشة أقوال الشهود فى التحقيقات الأوّلية.
فاستأنفت النيابة والمدّعية بالحق المدنى. ولدى المحكمة الاستئنافية طلب وكيل المدعية
بالحق المدنى التأجيل فعارض محامى المتهم وقال إنه متنازل عن دفعه الفرعى وموافق على
أن للمدّعية صفة فى دعواها واذن أمرت المحكمة بالمرافعة فترافع وكيل المدّعية فى الموضوع
ولم يطلب الإحالة على محكمة أول درجة بل كل ما طلبه هو أن تسمع المحكمة شهادة الشهود
لأن المحكمة الأولى لم تسمعهم كما أنه غير صفة الطالبة فى الخصومة وسبب الدعوى إذ بعد
أن كانت تطلب الحق المدنى بصفتها نائبة عن غلامها المجنى عليه تعويضا له عما أصابه
من ضرر الجريمة قالت إنها تطلبه لنفسها لأنه عبارة عن نفقات العلاج التى أنفقتها على
الغلام من مالها وأن والده المتهم هو المسئول عنها لها هى. فالمحكمة فى أسباب الحكم
المطعون فيه قد أثبتت تنازل المتهم عن دفعه الفرعى وفى منطوقه ألغت الحكم المستأنف
بالنسبة للمدّعية بالحق المدنى وقبلتها لوجود صفة لها ورفعت دعواها موضوعا كما أيدت
حكم البراءة من الدعوى العمومية. وقد أشارت فى أسباب الحكم الى ما طلبته المدّعية من
سماع الشهود وردّت على ذلك بما رأته موجبا لرفض هذا الطلب. تلك هى الوقائع الثابتة
بالحكم المطعون فيه وما يلتحق به من محاضر الجلسات.
عن الوجه الأوّل:
حيث إن تقدير قيمة هذا الوجه يستدعى بحث مسألتين: ( أ ) هل لمحكمة الجنح الاستئنافية
انتزاع دعوى الحق المدنى المحكوم بعدم قبولها من قاضى الدرجة الأولى أم لا؟ و(ب) اذا
لم يكن لها هذا الحق فهل فى الدعوى الحالية بخصوصها ما كان يخوّلها حق نظر موضوعها
أم لا؟.
( أ ) المسألة الأولى:
حيث إنه لا شك أن الطاعنة قد فاتها درجة من درجات التقاضى.
وحيث إنه اذا جاز لدى المحاكم المدنية بحسب المادتين 370 و371 من قانون المرافعات أن
تنتزع المحكمة الاستئنافية أصل الدعوى من قضاة الدرجة الأولى وتحكم فيها فان هذا الانتزاع
لا يكون الا فى صورة الغاء حكم تمهيدى أو حكم صادر فى مسألة اختصاص أو إحالة فلا يتناول
اذن صورة الدعوى الحالية ولا يمكن أن يتناولها بالقياس لأنه استثناء وارد على خلاف
الأصل. وما كان كذلك فلا يقاس عليه. على أنه سواء أصح القياس عليه لدى المحاكم المدنية
أم لم يصح فان من المجازفة القول بجواز القياس عليه لدى المحاكم الجنائية والا كان
قياسا على قياس على استثناء والقواعد يصعب أن تحتمل هذا التوسع.
(ب) المسألة الثانية:
حيث إن موّدّى ما تقدّم أن يكون الحكم المطعون فيه باطلا لانتزاعه الموضوع والفصل فيه
بغير أن يكون سبق نظره لدى محكمة الدرجة الأولى ولكن فى هذه القضية خصوصية تمنع من
ترتب هذه النتيجة. تلك هى أن الطاعنة رضيت بنظر موضوع دعواها لأول مرة لدى محكمة الجنح
الاستئنافية وترافعت فيه مناضلة عنه فعلا ولم يخطر قط بخلدها أن تطلب من تلك المحكمة
إعادة القضية للمحكمة الأولى حتى لا يفوتها الانتفاع بالمرافعة أمامها. ولما كان حقها
مدنيا بحتا وهى المتصرفة فيه وفى الضمانات التى أحاطه القانون بها فتنازلها عن الانتفاع
بالدرجة الأولى – ذلك التنازل المدلول عليه بسلوكها المتقدم – قد رتب لخصمها حقا لا
تستطيع هى المساس به. وهذا الحق هو صحة حكم المحكمة الاستئنافية لأول مرة فى موضوع
الخلاف المدنى الذى بينهما (حتى على الوضع المعدّل الذى تقدمت به أخيرا). وعدم إمكانها
العيب على الحكم من هذه الوجهة تحقيقا لقاعدة أن من سعى فى نقض ما تم من جهته فسعيه
مردود عليه.
وحيث إنه لما تقدّم يكون الوجه الأول متعين الرفض.
عن الوجه الثانى:
حيث إن الطاعنة طلبت من المحكمه الاستئنافية أن تسمع شهادة الشهود فرفضت المحكمة الطلب
قائلة: "إن فى الدعوى من الأدلة على نفى التهمة ما يغنى" "عن سماع الشهود".
وحيث إن المحكمة فى حل مما فعلت ولا مساغ قانونا لنقدها اذ الطاعنة بقبولها المرافعة
فى الموضوع لأول مرة لدى المحكمة الاستئنافية قد أصبحت خاضعة لكافة قواعد الإجراءآت
المقررة قانونا لتلك المحكمة. ومن هذه القواعد ما نصت عليه المادّتان 185 و186 من قانون
تحقيق الجنايات مما يفيد أن لمحكمة الجنح الاستئنافية الاكتفاء بمرافعة الخصوم وبأوراق
الدعوى وأن سماع الشهود أمر اختيارى موكول لها هى ان شاءت أمرت به وان شاءت أهملته
ولا حرج عليها.
ولهذا يكون الوجه الثانى متعين الرفض أيضا.
فلهذا
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وبرفضه موضوعا.
