الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 376 سنة 46 ق – جلسة 28 /02 /1929 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 185

جلسة يوم الخميس 28 فبراير سنة 1929

برآسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة. وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.


القضية رقم 376 سنة 46 قضائية (بشاى افندى ميخائيل ضد النيابة العامة والست هدية مصطفى والشيخ محمود مصطفى مدعيين بحق مدنى)

استئناف المدعى المدنى. أثره فى الدعوى العمومية. انتزاع محكمة الجنح الاستئنافية موضوع الدعوى العمومية فى هذه الحالة. لا يجوز.
(المواد 176 و229 تحقيق و370 و371 مرافعات)
1 – استئناف المدعى بالحق المدنى فى دعاوى الجنح لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية فى حدود ما هو مستأنف من الأحكام الصادرة فيها. وقد جرى الفقه والقضاء فى فرنسا على اعتبار أثر تحريك الدعوى العمومية منتهيا بمجرد رفع الدعوى المدنية مباشرة أمام محكمة الجنح لكفاية هذا القدر من تحريكها فى اتصال القضاء بها اتصاله بالدعوى المدنية. أما ما يجرى بعد ذلك فى الدعوى العمومية من طلب العقوبة واستئناف الأحكام الصادرة فيها فهو من أعمال النيابة العمومية دون غيرها. فإذا حكمت محكمة أوّل درجة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لأنها مخالفة واستأنف المدعى المدنى وحده هذا الحكم ولم تستأنفه النيابة كان حكم المحكمة الاستئنافية باعتبار الدعوى جنحة باطلا ووجب اعتبار حكم محكمة أوّل درجة نهائيا.
2 – ليس بالقانون المصرى نص يماثل المادة من قانون تحقيق الجنايات الفرنسى يوجب على محكمة استئناف الجنح انتزاع موضوع الدعوى العمومية والمدنية فى بعض الأحوال والفصل فيهما. ولا يصح الأخذ بفقه هذا النص لوروده فى القانون الفرنسى استثناء لأصل عام هو حد سلطة المحكمة الاستئنافية بما يطلب منها فيما قام عليه الاستئناف أمامها بين طرفيه [(1)].


وقائع الدعوى

رفع المدعيان بالحق المدنى هذه الدعوى مباشرة بعريضة تاريخها 8 يونيه سنة 1922 ضد المتهم أمام محكمة جنح المنشية الجزئية واتهماه بأنه فى المدة ما بين أغسطس سنة 1921 وديسمبر سنة 1921 بدائرة قسم المنشية قذف فى حقهما بالألفاظ الواردة بالخطابات المبينة صورها بتلك العريضة وطلبا معاملته بالمادتين 262 و265 من قانون العقوبات مع الحكم لهما بمبلغ 25 جنيها تعويضا. وبالجلسة طلب الحاضر مع المتهم اعتبار الحادثة مخالفة وعدم اختصاص محكمة الجنح بنظرها فقضت محكمة الجنح المذكورة حضوريا بتاريخ 25 أكتوبر سنة 1922 بعدم اختصاصها بنظرها لأنها مخالفة مع إلزام المدعيين بالمصاريف المدنية.
فاستأنف المدعيان هذا الحكم فى أوّل نوفمبر سنة 1922 وقضت فيه محكمة الاسكندرية الابتدائية الأهلية بهيئة استئنافية بتاريخ 8 مارس سنة 1923 حضوريا بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وباعتبار الواقعة جنحة منطبقة على المواد 261 و262 و265 من قانون العقوبات وباختصاص محكمة الجنح بنظرها وباعادتها اليها للفصل فيها وأبقت الفصل فى المصاريف، وبتاريخ 10 مارس سنة 1923 طعن المتهم فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام وقدم أسبابا بذلك. ولما رأت محكمة النقض والابرام أن الحكم المطعون فيه لم يكن نهائيا قضت فى 7 يناير سنة 1924 بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا ونفاذا لحكم محكمة ثانى درجة القاضى باعادة الدعوى لمحكمة الجنح للفصل فيها سمعت محكمة جنح المنشية الدعوى وقضت فيها بتاريخ أوّل أبريل سنة 1925 وعملا بالمواد 261 و262 و265 من قانون العقوبات غيابيا بتغريم المتهم ألف قرش وبالزامه بأن يدفع للمدعيين بالحق المدنى مبلغ ألف قرش بصفة تعويض والمصاريف المدنية. فعارض المتهم وفى أثناء نظر المعارضة دفع الحاضر معه فرعيا ببطلان الحكم الغيابى لأن المحكمة حكمت فى الموضوع رأسا دون أن تفصل فى الدفع الفرعى المقدم من المتهم فى الجلسات الماضية وهو عدم اختصاصها بنظر الدعوى حيث إن الحادثة مخالفة بحتة. وقد ضم هذان الدفعان للموضوع وقضت المحكمة بتاريخ 9 سبتمبر سنة 1925 بقبول المعارضة شكلا ورفض الدفعين الفرعيين المقدمين من المتهم وفى الموضوع بتعديل الحكم المعارض فيه والاكتفاء بتغريمه خمسة جنيهات وبالزامه بأن يدفع للمدعيين بالحق المدنى مبلغ ثمانية جنيهات على سبيل التعويض والمصاريف المدنية المناسبة.
فاستأنفه ثانى يوم صدوره.
وبعد أن سمعت محكمة اسكندرية الابتدائية الأهلية موضوع هذا الاستئناف قضت فيه بتاريخ 17 ديسمبر سنة 1925 غيابيا للمتهم وللمدعية الأولى وحضوريا للمدعى الثانى بقبوله شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف مع الزام المستأنف بالمصاريف المدنية. فعارض المتهم وفى أثناء نظر المعارضة دفع الحاضر معه بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية حيث سبق أن دفع فرعيا بعدم الاختصاص وقضى به والنيابة لم تستأنفه فعدم استئنافها له دليل على قبولها إياه، فضمت المحكمة هذا الدفع للموضوع وقضت حضوريا بتاريخ 28 ديسمبر سنة 1926 بقبول المعارضة شكلا وفى الموضوع برفض الدفوع الفرعية المقدمة من المتهم وبتأييد الحكم المستأنف المعارض فيه وألزمت المعارض بالمصاريف المدنية.
فطعن فيه بطريق النقض والإبرام فى 2 يناير سنة 1927 وقدم تقريرا ببيان أسباب طعنه فى 15 منه.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدم وتلاه بيان الأسباب فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الوجه الأوّل من أوجه الطعن يتلخص فى أن المدعيين بالحق المدنى قد كلفا الطاعن بالحضور أمام محكمة جنح المنشية الجزئية ليسمع الحكم لهما عليه بتعويض قدره 25 جنيها مع تطبيق المادتين 262 و265 عقوبات لأنه فى المدّة ما بين أغسطس سنة 1921 وديسمبر سنة 1921 بدائرة قسم المنشية قذف فى حقهما بالألفاظ الواردة بالخطابات المنسوخ صورها بعريضة الدعوى. وأنه بجلسة المرافعة طلب اعتبار الحادثة مخالفة والحكم بعدم اختصاص محكمة الجنح بنظرها فحكمت محكمة المنشية فى 25 اكتوبر ستة 1922 بعدم الاختصاص وألزمت المدعيين بالحق المدنى بالمصاريف فاستأنفاه ومحكمة الاسكندرية الاستئنافية حكمت فى 8 مارس سنة 1923 بالغاء الحكم المستأنف وباعتبار الواقعة جنحة يعاقب القانون عليها بالمواد 261 و262 و265 عقوبات وباختصاص محكمة الجنح بنظرها وباعادتها الى المحكمة المختصة للفصل فى الموضوع وأبقت الفصل فى المصاريف وأن محكمة المنشية نظرت الدعوى بعد ذلك فدفع الطاعن بعدم جواز نظر الدعوى العمومية أمامها فرفضت الدفع وحكمت عليه بالعقوبة والتعويض فى 9 سبتمبر سنة 1925 فاستأنف الحكم فأيدته محكمة الاسكندرية الاستئنافية بحكمها المؤرخ فى 28 ديسمبر سنة 1926 – يتلخص هذا الوجه فى ذلك وفيما زعمه الطاعن من خطأ محكمة جنح المنشية فى قضائها برفض دفعه بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية أمامها أوّلا وبمعاقبته على ما اتهم به ثانيا، ومن خطأ المحكمة الاستئنافية بتأييدها هذا القضاء. وحجته فى ذلك كله أن النيابة العمومية لما لم تستأنف حكم 25 أكتوبر سنة 1922 الصادر بعدم اختصاص محكمة الجنح واعتبار الحادثة مخالفة قد صار هذا الحكم فى حقها نهائيا ووجب عليها أن تقدم دعواها لمحكمة المخالفات ويضيف إلى هذا أن حكم 7 مارس سنة 1923 قد صدر فى الدعوى المدنية التى استأنف المدعيان بالحق المدنى الحكم الصادر فيها بعدم الاختصاص وما كان لاستئنافهما أن يطرح الدعوى العمومية أمام المحكمة الاستئنافية حتى يصح الدفع بأن حكمها المؤرخ 8 مارس سنة 1923 صدر فى الدعويين المدنية والعمومية معا – يدعى الطاعن بذلك ويطلب الحكم بنقض الأحكام المؤرخة فى 28 ديسمبر سنة 1926 وما أيده هذا الحكم من حكم 9 مارس سنة 1925 ثم حكم 8 مارس سنة 1923.
وحيث إنه لا خلاف فى أن النيابة العمومية لم تستأنف حكم عدم اختصاص محكمة الجنح الصادر فى 8 مارس سنة 1923 وأن الذى استأنفه هو المدعى بالحق المدنى وحده.
وحيث إنه لا خلاف فى أن استئناف المدعى بالحق المدنى بطبيعة تعلقه بحقوقه المدنية لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية فى حدود ما هو مستأنف من الأحكام الصادرة فيها. تشهد بذلك المادة 176 من قانون تحقيق الجنايات التى نص فيها على قبول الاستئناف من المدعى بالحق المدنى والمسئولين عن حقوق مدنية فيما يتعلق بحقوقهم دون غيرها. كما تشهد به القواعد العامة لجميع طرق الطعن القائمة على ما يكون للطاعن أيا كان من مصلحة فى التظلم بها من الأحكام الصادرة عليه. ولهذا جاء فى المادة 229 من قانون تحقيق الجنايات أنه لا يجوز لهؤلاء رفع طعن بطريق النقض عن أحكام آخر درجة الصادرة فى مواد الجنح والجنايات إلا فيما يختص بحقوقهم المدنية فقط.
وحيث إنه ليس بالقانون المصرى نص يماثل المادة من قانون تحقيق الجنايات الفرنسى يوجب على محكمة استئناف الجنح انتزاع موضوع الدعوى العمومية والمدنية فى بعض الأحوال (كالحالة التى نحن بصددها) والفصل فيهما.
وحيث إنه لا يصح فى مصر الأخذ بفقه هذا النص لوروده فى القانون الفرنسى استثناء لأصل عام هو حد سلطة المحكمة الاستئنافية بما يطلب منها فيما قام عليه الاستئناف أمامها بين طرفيه.
وحيث إنه لا صحة لما يقال من أن المدعى بالحق المدنى اذا رفع دعواه مباشرة لمحكمة الجنح وحرك بها الدعوى العمومية وصدر الحكم على غير مصلحته واستأنف يكون لاستئنافه أثر فى تحريك الدعوى العمومية أمام المحكمة الاستئنافية كأثر دعواه المباشرة فى تحريكها أمام محكمة أول درجة لأن الفقه والقضاء فى فرنسا منذ فرق الكتاب بين حق الاتهام العام وحق المجنى عليه وقبل صدور القانون الفرنسى وبعد صدوره جاريان على اعتبار أثر تحريك الدعوى العمومية منتهيا بمجرد رفع الدعوى المدنية مباشرة أمام محكمة الجنح لكفاية هذا القدر من تحريكها فى اتصال القضاء بها اتصاله بالدعوى المدنية. أما ما يجرى بعد ذلك فى الدعوى العمومية من طلب العقوبة واستئناف الأحكام الصادرة فيها فهو من أعمال اقامتها ومباشرتها التى تختص بها النيابة العمومية دون غيرها. وقد انعقد الاجماع على ذلك فى فرنسا بعد أن أفتى مجلس شورى الدولة بذلك فى 12 نوفمبر سنة 1806 (راجعها فى الجزء السادس من فستان هيلى شرح تحقيق الجنايات صحيفة 809 الطبعة الثانية) مخطئا من رأى أن استئناف المدعى بالحق المدنى للحكم الصادر على غير مصلحته فى دعواه المباشرة لمحكمة الجنح يحرك الدعوى العمومية أمام محكمة الاستئناف تحريك دعواه لها أمام محكمة أول درجة.
وقد بلغ من عناية بعض المحاكم الفرنسية فى الحرص على العمل بهذا المبدأ أن نبهت – فى بعض أحكامها عند انتزاعها الدعوى العمومية والمدنية من محكمة أول درجة والفصل فيهما معا تطبيقا للمادة 215 من قانون تحقيق الجنايات – إلى أن سلطتها عند استئناف المدعى بالحق المدنى وحده لا تمتد الى الدعوى العمومية إلا أخذا بحكم هذه المادة لا اعتبارا بتحريك استئناف المدعى بالحق المدنى لها (راجع حكم محكمة استئناف ليموج فى 28 يوليه سنة 1887 المنشور بمجلة دالوز الدورية 89 – 1 – 221 وحكم محكمة النقض الفرنسية فى 3 يناير سنة 1885 المنشور بهذه المجلة 85 – 1 – 335).
وحيث إن القضاء فى مصر جرى على ذلك أيضا (حكم محكمة النقض فى 20 مايو سنة 1893 وحكمها فى 3 يناير سنة 1894). نعم إن هذه المحكمة بعد ذلك صرحت فى أسباب حكمها المؤرخ فى 29 [(2)] نوفمبر سنة 1920 الذى نقضت به حكم محكمة أسيوط الاستئنافية الصادر بعدم قبول الاستئناف المرفوع من المدعى بالحق المدنى عن حكم محكمة ملوى الصادر بعدم اختصاصها بنظر الدعوى التى قدمها لها لجنائية الحادثة – صرحت بأن تحريك الدعوى العمومية أمام محكمة أول درجة طريق شاذ أباحه القانون يقوم فيه المدعى بالحق المدنى مقام النيابة مؤقتا فى التقاضى أمام درجتين لا فيما يتعلق بحقوقه المدنية بل فيما يتعلق بطرح الدعوى الجنائية على بساط البحث أمام الدرجتين – نعم إنها صرحت بذلك فى سياق تسبيب الحكم الصادر بقبول استئناف المدعى بالحق المدنى وما كانت فى حاجة الى إقامته على هذه الأسباب لسهولة بنائه على غيرها. ولكن القانون على كل حال لم يعتبر المدعى بالحق المدنى فى نص من نصوصه قائما مقام النيابة العمومية أمام المحكمة الاستئنافية بل ولا أمام محكمة أول درجة بل اعتبره عند تقرير حقه فى استئناف الأحكام الصادرة من محاكم الجنح خصما مستقلا ولم يجز له الاستئناف إلا فيما يتعلق بحقوقه المدنية بل أردف هذه الجملة بقوله "دون غيرها" تأكيدا لهذا المفهوم منها.
وبما أنه يتضح من جميع ما تقدم خطأ محكمة اسكندرية الاستئنافية فيما أصدرته من الأحكام المؤيدة لأحكام محكمة المنشية الجزئية المتقدمة الذكر القاضية بجواز تقديم النيابة العمومية دعواها على المتهم لمحكمة الجنح وبمعاقبتها له على ما اتهمته به ووجوب تقديم هذه الدعوى لمحكمة المخالفات نفاذا للحكم الصادر فيها بعدم اختصاص محكمة الجنح بنظرها وصيرورته نهائيا بعدم استئناف النيابة له ولهذا يتعين قبول هذا الوجه ونقض الحكم وتطبيق القانون والحكم بعدم اختصاص محكمة الجنح بنظر الدعوى العمومية وباختصاص محكمة المخالفات بنظرها. أما الدعوى المدنية فخارجة عن موضوع هذا الطعن الذى لا يمس الأحكام الصادرة فيها أى مساس.
وحيث إنه لا محل بعد ذلك لبحث باقى الأوجه المتعلقة بالنشر والعلنية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه من جهة الدعوى العمومية وبعدم اختصاص محكمة الجنح بنظرها.


[(1)] انظر أيضا حق انتزاع الدعوى المدنية بمعرفة محكمة ثانى درجة عند عدم الفصل فى موضوعها بواسطة محكمة أول درجة وذلك بالحكم الصادر فى هذه الجلسة فى القضية رقم 393 سنة 46 قضائية.
[(2)] صحة تاريخ هذا الحكم هى 24 يناير سنة 1920 وهو صادر فى القضية رقم 486 سنة 37 قضائية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات