الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 24 سنة 46 ق – جلسة 03 /01 /1929 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 97

جلسة يوم الخميس 3 يناير سنة 1929

برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.


القضية رقم 24 سنة 46 قضائية (الطعن المرفوع من توفيق افندى يوسف ضد النيابة العمومية)

( أ ) رشوة. عناصر تحققها.
(المادة 89 عقوبات)
(ب) رشوة. الوعد أو الإعطاء من جانب الراشى. الاستيعاد أو الاستعطاء من جانب الموظف. أعمال تحضيرية.
(جـ) جريمة الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود. أركانها.
طبيب. رفضه الترخيص بدفن جثة للحصول على نقود. تهديده بتشريح الجثة. عدم دفع النقود له لسبب خارج عن إرادته. شروع فى الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود.
(المادة 283 ع)
(د) تزوير. شهادة طبية مزوّرة لتعزيز طلب تأجيل. عقاب.
(المادتان 189 و190 ع)
(هـ) حكم. خطؤه فى وصف إحدى جريمتين مرتبطتين عاقب عليهما. حق محكمة النقض فى تصحيح الوصف الخاطئ وتخفيف العقاب.
(المادة 232 تحقيق)
1 – جريمة ارتشاء الموظف المنصوص عليها فى المادة 89 من قانون العقوبات تتحقق إما بقبول الموظف وعدا بشىء ما لأداء عمل من أعمال وظيفته أو لامتناعه عن عمل من أعماله وإما بأخذه عطية أو هبة لأى هذين الغرضين. فتنفيذ هذه الجريمة انما يكون بإيقاع ذلك القبول أو هذا الأخذ. وفى كل من القبول أو الأخذ ينحصر مبدأ التنفيذ ونهايته.
2 – وإذن فالوعد أو الإعطاء من جانب الراشى مهما يكونا محرمين واقعا جانيهما تحت العقاب فإن كليهما بالنسبة لجريمة ارتشاء الموظف عمل تحضيرى بحت. ومثلهما الاستيعاد أو الاستعطاء الحاصلان لذى الحاجة من جانب الموظف. بل هذان أشد من الوعد أو الإعطاء تغلغلا فى باب التحضيريات من قبل أنهما أسبق زمانا منهما عن مبدأ التنفيذ.
3 – إن أركان جريمة الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود هى: الحصول على مبلغ من النقود أو أى شىء آخر، وأن يكون هذا الحصول بغير حق، وأن يكون التهديد هو الوسيلة إليه. وهذه الجريمة هى من جرائم القصد. ويكفى لتوفر ركن القصد الجنائى فيها أن يكون الجانى عند ارتكاب الفعل عالما أنه مقبل على اغتصاب مال أو متاع لا حق له فيه. وبما أن التهديد ركن من أركانها المادية، فإذا حصل هذا التهديد للغرض المتقدّم والمتهم مضطلع بنية الإجرام لكن حال دون وصوله إلى مبتغاه أمر خارج عن إرادته فهناك يكون فعله شروعا قانونيا معاقبا عليه بالفقرة الثانية من المادة 283 ع.
فإذا رفض طبيب الترخيص فى دفن جثة متوفى قبل تشريحها إلا إذا حصل على نقود وهو يعلم أنه لا حق له فيها، وهدد بتشريح الجثة إن لم تدفع له النقود، وخاب أثر فعله لسبب خارج عن إرادته، فإن فعله هذا لا يعتبر شروعا فى ارتشاء بل يعتبر شروعا فى الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود، وتنطبق عليه المادة 283 فقرة ثانية عقوبات. ولو أن فيه ما قد يؤذن بأنه من قبيل الشروع فى النصب على اعتبار أن الترخيص بالدفن بلا تشريح ليس فى يده بل هو برأى النيابة إلا أنه متى لوحظ أن الواقع هو أن للطبيب دخلا عظيما فى تصرف النيابة من جهة الأمر بالتشريح وعدمه يعلم أن الواقعة فى مثل هذه الصورة أقرب إلى الجريمة المنصوص عنها بالمادة 283 منها إلى جريمة النصب.
4 – يكفى أن تكون الشهادة التى يحررها طبيب معدة لأن تقدم لإحدى المحاكم ولو لتعزيز طلب تأجيل حتى يحق العقاب على تزويرها لما فى تأجيل القضايا بالباطل من الإضرار بالمصلحة العامة وبمصلحة المتقاضين. ولا فرق بين أن يكون هذا الطبيب موظفا أو غير موظف.
5 – إذا أخطأ حكم فى وصف إحدى جريمتين عاقب عليهما على اعتبار أنهما مرتبطتان إحداهما بالأخرى ارتباطا غير قابل للتجزئة فلمحكمة النقض مع تصحيح خطأ الحكم فى الوصف أن تخفف العقاب الذى أوقعه ذلك الحكم.


وقائع الدعوى

اتهمت النيابة المذكور بأنه فى يوم 23 يوليه سنة 1927 بمشتول مركز بلبيس بمدرية الشرقية أخذ 50 قرشا رشوة من عبد الحق ندا لأداء عمل من أعمال وظيفته وهو التصريح بدفن جثة عبد اللطيف محمد جاد ندا وأنه أيضا شرع فى أخذ رشوة من مبارك الحزين للقيام بعمل من أعمال وظيفته بأن طلب منه هو وأخيه محمد جنيها للتصريح بدفن جثة أمين مبارك الحزين بدون تشريح. وقد خاب أثر الفعل لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو امتناع المجنى عليهما من دفع المبلغ. وأنه أيضا أخذ 150 قرشا من عبد الفتاح محمد سعيد لدفن جثة أمه فطوم وأنه فى يوم 16 اكتوبر سنة 1927 بمشتول بصفته طبيبا شهد زورا بمرض متبولى مصطفى وسيق الى ذلك بإعطائه جنيهين دفعتهما له نبيهة السيد النجار بأن كتب لها شهادة تفيد مرض متبولى المذكور بنزلة معوية ويحتاج للعلاج والراحة مدّة أسبوعين وأنه يعالجه بطرفه لتقديمها لمحكمة جنح بلبيس لتأجيل القضية المتهم فيها متبولى المذكور مع أنه لم يكشف عليه ولم يكن مريضا. وأنه أيضا ما بين شهرى يونيه وسبتمبر سنة 1927 ارتكب تزويرا فى دفتر رسمى بجعله صورة واقعة مزورة فى صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها بأن أثبت فى دفتر متوفَّى مشتول أنه كشف على جملة متوفين مع كونه لم يكشف على أحد منهم. وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالته على محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 89 و93 و189 و190 و181 و45 و46 من قانون العقوبات.
وحضرة قاضى الإحالة أصدر قرارا بتاريخ 30 ابريل سنة 1928 بإحالته على محكمة جنايات الزقازيق لمحاكمته بالمواد المذكورة.
وبعد أن سمعت محكمة الجنايات الدعوى حكمت فيها حضوريا بتاريخ 4 يوليه سنة 1928 وعملا بالمواد 45 و46 و89 و93 و189 و190 و17 و32 من قانون العقوبات و50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات أوّلا: ببراءة المتهم من التهم الأولى والثالثة والخامسة. ثانيا بحبسه مدّة سنتين مع الشغل وبإلزامه بغرامة قدرها جنيهان نظير التهمتين الثانية والرابعة. فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى 4 يوليه سنة 1928 وقدم حضرات المحامين عنه ثلاثة تقارير بوجوه طعنه الأوّل فى 16 منه والثانى فى 21 منه والثالث فى 22 منه.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق وعلى المذكرات المقدمة من وكيلى الطاعن ومن النيابة العامة والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدم وتلاه ثلاثة تقارير بالأسباب فى الميعاد فهو مقبولا شكلا.
وحيث إن الطاعن وجهت عليه خمس تهم برأته المحكمة من ثلاث منها وعاقبته على اثنتين هما الثانية والرابعة فهو يطعن فى الحكم عن كلتيهما طالبا نقضه.
أوّلا – عن التهمة الثانية:
حيث إن واقعة هذه التهمة التى عاقب عليها الحكم هى: " انه فى يوم" "23 يوليه سنة 1927 بمشتول مركز بلبيس بمديرية الشرقية شرع المتهم توفيق" "أفندى يوسف فى أخذ رشوة من مبارك الحزين للقيام بعمل من أعمال" "وظيفته بأن طلب منه هو وأخوه جنيها للتصريح بدفن جثة أمين مبارك" "الحزين بدون تشريح عقب موته غرقا. وقد خاب أثر فعله وهو حصوله" "على الرشوة لسب لا دخل لإرادته فيه وهو امتناع والد المتوفى وأخيه عن دفع" "المبلغ". وقد آخذت المحكمة المتهم عليها بالمواد 45 و46 و89 و93 من قانون العقوبات. ولارتباطهما بالتهمة الرابعة (التى سيأتى ذكرها بعد) ارتباطا لا يقبل التجزئة طبقت المادة 32 ثم رأفت فطبقت المادة 17 وحكمت على المتهم بالحبس سنتين مع الشغل وبغرامة قدرها جنيهان.
وحيث إن من أوجه النقض فيما يتعلق بهذه التهمة الثانية ما يتحصل فى أن الواقعة الثابتة فى الحكم لا يعاقب عليها القانون لأن هذا الذى ثبت هو عبارة عن اقتراح من المتهم على أهل المتوفى بأن يعطوه مبلغا لأداء عمل من أعمال وظيفته وهو التصريح بالدفن وأن مثل هذا الاقتراح هو من الأعمال التحضيرية التى لا تكوّن الشروع.
وحيث إن طرفى الخصومة أفاضا فى تقصى أقوال شراح القانون الفرنسى. ولكن بما أن نصوص ذلك القانون بشأن جريمة الرشوة تختلف بعض الاختلاف عن نصوص القانون المصرى فالأولى الاقتصار على نصوص هذا القانون ذاتها وتفهم ما تؤدّى إليه فى الموضوع الذى تحت النظر.
وحيث إن جريمة ارتشاء الموظف المنصوص عليها فى المادة 89 تتحقق بإحدى صورتين: الأولى قبول الموظف وعدا بشىء ما لأداء عمل من أعمال وظيفته أو لامتناعه عن عمل من أعمالها. والثانية أخذه عطية أو هبة للغرض المذكور.
وحيث إن النص صريح فى أن الركن المادى لهذه الجريمة هو قبول الموظف الوعد فى الصورة الأولى أو أخذه العطية فى الصورة الثانية. فتنفيذ الجريمة إنما يكون بإيقاع ذلك القبول أو هذا الأخذ. ففى كل من القبول أو الأخذ ينحصر إذاً مبدأ التنفيذ ونهايته. ويترتب على ذلك نتيجة منطقية حتمية هى أن الوعد أو الإعطاء من جانب الراشى مهما يكونا محرّمين واقعا جانيهما تحت طائلة العقاب فإن كليهما بالنسبة لجريمة الموظف عمل تحضيرى بحت لمجيئهما سابقين على مبدأ تنفيذ هذه الجريمة. وإذا كان الوعد ذاته أو الإعطاء ذاته هما من الأعمال التحضيرية لجريمة ارتشاء الموظف فإن الاستيعاد أو الاستعطاء الحاصلين لذى الحاجة من جانب الموظف هما بالبداهة أشدّ من الوعد أو الإعطاء تغلغلا فى باب التحضيريات من قبل أنهما أسبق زمانا منهما من مبدأ التنفيذ.
وحيث إن الواقعة التى أثبتها الحكم وعاقب عليها ليست إلا استعطاء خاب لم يتبعه عطاء ولا أخذ. فالقانون الجنائى لا يعدها بالنسبة لجريمة الارتشاء سوى عمل تحضيرى أوّلى بعيد بكثير عن دائرة الشروع فيها. وما دام الفصل فى الطعن الحالى لا يتوقف على البحث فيما إذا كان لجريمة ارتشاء الموظف شروع بالمعنى القانونى أم لا فلا محل للخوض فى هذا البحث الذى أفاض فيه الطرفان.
ولكن من حيث إنه إذا كانت تلك الواقعة التى أثبتها الحكم لا عقاب عليها كشروع فى ارتشاء فمن المتعين البحث فيما أشارت اليه النيابة العامة من إمكان اعتبارها شروعا فى الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود مما يعاقب عليه بالفقرة الثانية من المادة من قانون العقوبات.
وحيث إن أركان هذه الجريمة هى: الحصول على مبلغ من النقود أو أى شىء آخر، وأن يكون هذا الحصول بغير حق، وأن يكون التهديد هو الوسيلة اليه. فمتى وقع كل هذا تمت الجريمة. وهى من جرائم القصد ويكفى لتوفر ركن القصد الجنائى فيها أن يكون الجانى عند ارتكاب الفعل عالما أنه مقبل على اغتصاب مال أو متاع لا حق له فيه. وبما أن التهديد ركن من أركانها المادية فإذا حصل هذا التهديد للغرض المتقدّم والمتهم مضطلع بنية الإجرام لكن حال دون وصوله إلى مبتغاه أمر خارج عن إرادته فهناك يكون فعله شروعا قانونيا معاقبا عليه بالفقرة الثانية من تلك المادة.
وحيث إن مما أثبته الحكم ما يأتى حرفيا: "من حيث إنه لا نزاع فى أن" "المتوفى مات غرقا. ومن حيث إنه بالرغم من أن الوفاة حصلت عصر يومها كما" "يؤخذ من شهادة الشيخ عبد الرحمن الإتربى شاهد نفى المتهم نفسه وبالرغم من" "المساعى التى بذلت لدفنه وبالرغم من قرب محل الدكتور المتهم لمحل الوفاة باتت" "الجثة بدون ترخيص بالدفن لثانى يوم ظهرا تقريبا. ومن حيث إن هذا الشاهد" "(شاهد نفى المتهم) شعر نفسه كما يؤخذ من أقواله فى التحقيقات بصعوبة" "الحال بالنسبة لأهل المتوفى إذ بعد أن توجه للحكيم الرسول تلو الرسول للحصول على" "الترخيص لم يحضر وعاد الرسل معللين – على ما سمع منهم الشاهد الأخير – بطلب" "الحكيم لمبلغ اضطر هو نفسه إلى التوجه للحكيم فقابله فى الطريق وعاد معه" "إلى البلد. وحيث إنه وإن كان هذا الشاهد قرّر بالتحقيق وأمام المحكمة" "أنه لم يسمع شخصيا من المتهم طلبه لنقود إلا أنه أضاف لأقواله فى التحقيقات" "أنه سمع من الرسل ما سبق ذكره من جهة طلب الحكيم للمبلغ وزاد بأنه سمع" "من الأهالى أنه كان يطلب من أهل المتوفى ما تدفعه إليه النيابة عادة فى عملية" "التشريح ليمتنع عن عملها. ومن حيث إنه من البديهى أنه لا يسمع الشاهد" "مباشرة طلب النقدية وهو من موظفى الحكومة الكبار كما يعرفه المتهم والذى" "لا يجسر أن يطلب أمامه المتهم ما يجسر على طلبه أمام غيره. ومن حيث إن" "أقواله هذه على ما فيها جاءت مؤيدة لأقوال محمد محمد الحزين وإبراهيم أحمد" "أبو العيش وعلى عويشة وحسن محمد الحزين شهدوا شهادة مؤدّاها أن" "المتهم رفض الترخيص بدفن جثة أمين مبارك قبل تشريحها إلا إذا حصل على" "نقود".
وحيث إنه يؤخذ من هذا الذى أثبته الحكم أن المتهم رفض الترخيص بدفن جثة أمين مبارك قبل تشريحها إلا إذا حصل على نقود هو يعلم أنه لا حق له فيها.
وحيث إن أشدّ ما يطير له قلب القروى المصرى فزعا أن يرى له ميتا تمتدّ إلى جثته بحق أو بغير حق سكين المشرح. فمن نكد الدنيا عليه أن يمنى بطبيب لا يبالى بإغاظته وتمزيق قلبه بل ينتهز فرصة موقفه المفجع والميت فى الدار بين يديه جثة هامدة موفية على التعفن والنتن ثم ينكبه فى هذا البؤس فيلقى إليه أنه لن يصرح بدفنها قبل تقطيعها ما لم يدفع له فدية تحفظ بها كرامة الميت وتهون بها المصيبة على ذويه.
وحيث إنه دون فعل هذا المتهم فى مثل هذا الموقف ما يكفى لتكوين ركن التهديد المشار إليه بالمادة 283 عقوبات.
وحيث إن فعل المتهم قد خاب أثره لافتضاح الأمر من جهة كما يستفاد ضمنا من رواية الحكم ومن جهة أخرى لامتناع أهل المتوفى عن الدفع. ولذلك تكون أركان الشروع المنصوص عليه بالفقرة الثانية من المادة المذكورة متوافرة ويتعين معاملة الطاعن بها بدل المواد 45 و46 و89 و93 التى عاملته بها محكمة الجناياب.
وحيث إنه وإن كان التصريح بالدفن فى مثل حالة ذلك الغريق لا يكون غالبا إلا برأى النيابة العمومية التى قد تصرح به بلا تشريح وقد لا تصرح إلا بعد التشريح كما يؤخذ من المادة 17 من قانون المواليد والوفيات نمرة 23 سنة 1912 وفى هذا ما قد يؤذن بأن فعلة المتهم هى من قبيل الشروع فى النصب. إذ التصريح بالدفن بلا تشريح ليس فى يده. إلا أنه متى لوحظ أن للطبيب دخلا عظيما فى تصرف النيابة العمومية من جهة الأمر بالتشريح وعدمه لأنه يكفى أن يقول للنيابة إنه يشتبه فى كون الوفاة لم تحصل من مجرّد الغرق حتى تأمر بالتشريح – متى لوحظ ذلك علم أن المادة فى مثل هذه الصورة أقرب الى الجريمة المنصوص عليها بالمادة 283 منها إلى جريمة النصب.
وحيث إن باقى أوجه الطعن فيما يتعلق بهذه التهمة بعضه خاص بالإجراءات السابقة على رفع الدعوى وقد فات وقته وهو مع ذلك غير مهم وبعضه موضوعى مردود بمثل ما سيذكر بشأن التهمة الآتية فهو متعين الرفض.
ثانيا – عن التهمة الرابعة:
حيث إن أركان الجريمة (تزوير الطاعن شهادة بمرض متهم معدّة لتقديمها للمحكمة بقصد تأجيل الدعوى) مبينة فى الحكم بيانا واضحا. وقد أوردت المحكمة ما قام على ثبوتها من الأدلة فكل ما ورد بأوجه الطعن خاصا بعدم بيان الواقعة أو بالمناقشة فى قيمة الأدلة أو بقصور أسباب الحكم وما شاكل ذلك فلا محل للأخذ به. وكذلك لا محل للأخذ بما يقوله الطاعن من أن تزوير مثل تلك الشهادة لا عقاب عليه إلا إذا كان المزور موظفا من وظيفته إعطاؤها – لا محل لذلك لأن نص القانون عام يشمل كل طبيب أو جراح إطلاقا بدون قيد. ولا مساغ للتقييد حيث لا يقيد القانون ولا يفرّق.
وكذلك يكفى أن تكون الشهادة معدّة لأن تقدم لإحدى المحاكم ولو لتعزيز طلب تأجيل حتى يحق العقاب على تزويرها. لأن تأجيل القضايا لسبب ظاهره شرعى وباطنه تدليسى فيه إضرار بمصلحة المتقاضين. وبالمصلحة العامة التى تقتضى سرعة إجراء العدل بين الناس وعدم التمهل فيه إلا لأسباب شرعية ظاهرا وباطنا وذلك على خلاف ما يقوله الطاعن من أن التأجيل يطلبه المحامى لأى سبب ويمنحه القاضى لأى سبب وأنه على كل حال لا يتعلق بحق أحد ولا يضر أحدا.
وحيث إن محكمة الجنايات اعتبرت الجريمتين مرتبطتين ارتباطا لا يقبل التجزئة فعاملت المتهم بالمادة 32 عقوبات ثم رأفت به فعاملته بالمادة 17، وهذه المحكمة ترى أنه مع مراعاة الارتباط والرأفة المذكورين ومع اعتبار الوصف الذى وصفت به أفعال التهمة تكون المواد المتعين تطبيقها هى 283 فقرة ثانية ثم 189 و190 و93 ثم 32 و17 من قانون العقوبات. وترى لذلك أن يكون العقاب على الجريمتين سنة ونصفا حبسا مع الشغل وغرامة جنيهين مصريين بدل العقوبة المحكوم بها وهى سنتان حبسا مع الشغل وغرامة جنيهين.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وموضوعا ثم أولا: اعتبار ما وقع من المتهم فى مسألة مبارك الحزين شروعا فى الحصول بالتهديد على مبلغ من النقود لا شروعا فى رشوة. وثانيا: تعديل العقوبة عن الجريمتين وجعلها ثمانية عشر شهرا حبسا مع الشغل وغرامة جنيهان مصريان.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات