الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 124 سنة 46 ق – جلسة 20 /12 /1928 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 80

جلسة الخميس 20 ديسمبر سنة 1928

برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.


القضية رقم 124 سنة 46 قضائية (محمود شحاته مصطفى وآخرين ضد النيابة)

( أ ) تفسير عبارة "بيان الواقعة" الواردة بالمادة 149 تحقيق.
(ب) نية القتل العمد. كيفية إثباتها.
(المادة 149 تحقيق)
1 – إن مراد القانون بعبارة "بيان الواقعة" الواردة بالمادة 149 من قانون تحقيق الجنايات هو أن يثبت قاضى الموضوع فى حكمه كل الأفعال والمقاصد التى تتكوّن منها أركان الجريمة مع إثبات ما خرج عن هذه الأركان مما له شأن هام تترتب عليه نتائج قانونية كتاريخ الواقعة ومحل حدوثها ومآخذ الظروف المشدّدة للعقاب. فإن أهمل قاضى الموضوع ذكر شىء من ذلك مخل بركن من الأركان التى لا تقوم الجريمة إلا على توافرها جميعها أو مما لا يسوغ زيادة العقوبة التى فرضها كان من حق المحكوم عليه أن يطعن فى حكمه لمخالفته للقانون. أما تقدير الأدلة التى توصل بها الى تكوين عقيدته وإثباتها فى الحكم ذلك الإثبات الذى هو مراد القانون من عبارة "بيان الواقعة" فأمر هو وحده ذو الحق فيه ولا رقابة لأحد عليه. إذ هذا التقدير أمر نفسى يتفاوت فيه القضاة كما يتفاوت فى مثله كل الناس. بل قد يختلفون لدرجة التضاد ويستحيل أن يدعى أحد أن تقدير قاض فى هذا الصدد هو الحق دون تقدير قاض آخر. وإذ كان لابد لعدم تأبيد القضايا من الاعتماد نهائيا فى هذا التقدير على رأى قاض معين فقد اعتمد الشارع فى كل ذلك على رأى قاضى الموضوع.
2 – لا يكفى فى إثبات نية القتل العمد أن تقول المحكمة فى حكمها "إنها تستخلص من الوقائع وأدلتها أن تهمة القتل العمد صحيحة وثابتة على المتهم" إذا كانت هذه الوقائع والأدلة لا تشير الى مسألة القصد الجنائى.


وقائع الدعوى

اتهمت النيابة العامة الطاعنين المذكورين بأنهم فى يوم 2 يوليه سنة 1925 الموافق 11 ذى الحجة سنه 1343 بنجع الجامع تبع السنطة قبلى مركز دشنا بمديرية قنا "الأول" قتل عمدا بخيته بنت عيسى إبراهيم بأن أطلق عليها عيارا ناريا أصابها فى صدرها ونشأ عن ذلك وفاتها "والثانى" قتل عمدا رسلان عفيفى بأن أطلق عليه عيارا ناريا أصابه فى أليته اليمنى ونشأ عن ذلك وفاته "والثالث" قتل عمدا أبا الحسن محمود طه بأن أطلق عليه عيارا ناريا أصابه فى فخذه الأيمن ونشأ عن ذلك وفاته وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالتهم على محكمة الجنايات لمحاكمتهم بالمادة من قانون العقوبات.
فقرر حضرته فى 3 مارس سنة 1926 إحالتهم على محكمة جنايات قنا لمحاكمتهم بالمادة سالفة الذكر.
وبعد أن سمعت محكمة الجنايات هذه الدعوى حكمت حضوريا بتاريخ 26 يناير سنة 1927 وعملا بالمادة 198 من قانون العقوبات بمعاقبة كل من المتهمين بالأشغال الشاقة لمدّة خمس عشرة سنة.
فقرر المحكوم عليهم بالطعن فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام ثانى يوم صدوره وقدم حضرتا المحاميين عن الأول والثانى تقريرين بوجوه طعنهما فى 13 فبراير سنة 1927 ولم يقدم الثالث تقريرا بوجوه طعنه.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق الدعوى والمداولة قانونا.
حيث إن المتهم الثالث مع تقريره بالطعن لم يقدم أسبابا، فطعنه غير مقبول شكلا.
وحيث إن كلا من المتهمين الأول والثانى طعنا فى الميعاد وقدّم كل منهما تقريرا مستقلا بالأسباب فطعنهما مقبول شكلا.
عن طعن المتهم الأوّل محمود شحاته مصطفى:
حيث إن هذا الطاعن يزعم أن الواقعة غير مبينة فى الحكم بيانا كافيا. وفى تدليله على ذلك يذكر عبارة خاصة بتقدير المحكمة لدليل أقيم عليه. وهذا من لب الموضوع الذى لا شأن لمحكمة النقض به. وكأن الطاعن يفوته أن مراد القانون ببيان الواقعة هو أن يثبت قاضى الموضوع فى حكمه كل الأفعال والمقاصد التى تتكوّن منها أركان الجريمة مع إثبات ما خرج عن هذه الأركان مما له شأن هام تترتب عليه نتائج قانونية كتاريخ الواقعة ومحل حدوثها ومآخذ الظروف المشدّدة للعقاب. فإن أهمل قاضى الموضوع إثبات فعل أو مقصد أو مأخذ لظرف مشدّد مما يخل بركن من الأركان التى لا تقوم الجريمة إلا على توافرها جميعا أو مما لا يسوّغ الزيادة فى العقوبة التى فرضها كان من حق المحكوم عليه أن يطعن فى حكمه لمخالفته للقانون. أما تقدير الأدلة التى توصل بها الى تكوين عقيدته وإثباتها فى الحكم ذلك الإثبات الذى هو مراد القانون من عبارة "بيان الواقعة" فأمر هو وحده ذو الحق فيه ولا رقابة لأحد عليه. إذ هذا التقدير أمر نفسى يتفاوت فيه القضاة كما يتفاوت فى مثله كل الناس. بل قد يختلفون لدرجة التضاد ويستحيل أن يدعى أحد أن تقدير قاض فى هذا الصدد هو الحق دون تقدير قاض آخر. وإذ كان لابد لعدم تأبيد القضايا من اعتماد الشارع نهائيا فى هذا التقدير على رأى قاض معين فقد اعتمد وبيده الحق على رأى قاضى الموضوع الذى من شأنه دون قاضى النقض أن يبحث أحوال الدعوى ومكوّناتها ويحقق ما يريد تحقيقه ويسمع الشهود ويتتبعهم فى مناحى أقوالهم ويقارن عباراتهم بعضها ببعض وينظر فى ملاءمتها لما هو ثابت لديه من الدلائل الحسية والقرائن الأخرى ويفاضل بينهم ويستنبط فى النهاية وجه الصواب الذى تنفعل به عقيدته فيتخذه أساسا يبنى عليه ما يثبته بعد فى حكمه من توفر أركان الجريمة وملحقاتها الضرورية أو عدم توفرها. وقاضى الموضوع فى كل هذا حر يأخذ الحقيقة التى ينشدها من أى موطن يراه. فقد تأبى نفسه الأخذ باعتراف معترف لما يداخله من الشك فى صحته وقد يأخذ ببعض الاعتراف وينبذ بعضه وببعض الشهادة وينبذ بعضها الآخر وبقولٍ مّا قاله الشاهد فى التحقيق دون قول قاله بجلسة المرافعة أو بالعكس. وليس عليه فى كل هذا من حرج فانه طالب حقيقة ينشدها حيث يجدها ويستخلص سمينها مما يرين عليه من غث الأباطيل. وما كان للشارع أن يضيق عليه فى ذلك. بل إنه وكل الأمر فيه لضميره وجعله وحده الرقيب عليه فيه. متى كان الأمر كذلك علم بالبداهة أن خوض رافع النقض فى أمر خاص بتقدير الدليل هو أمر موضوعى لا محل لعرضه على محكمة النقض.
وحيث إن الوجه الثانى هو من قبيل الوجه الأوّل خاص بتقدير الأدلة فهو أيضا غير مقبول.
عن طعن المتهم الثانى عمر شحات عطية الله:
حيث إن الوجه الأوّل من الأوجه المقدّمة من هذا الطاعن ينحصر فى أن المحكمة قرّرت ثبوت تهمة القتل العمد عليه وعاملته بمقتضى المادة 198 عقوبات ولكنها لم تبين فى حكمها ركن القصد الجنائى وهو نية القتل ولم تقل من أى طريق استدلت على توفره وأن الواقعة تكون إذن غير مستوفاة البيان وهذا مبطل للحكم.
وحيث إنه بالاطلاع على الحكم يرى حقيقة أن المحكمة بعد أن ذكرت وقائع الدعوى وكل الأفعال المادية التى يصح أن تتكوّن منها الأركان المادية لجريمة القتل العمد قد أغفلت ركن القصد الجنائى أى نية القتل عند إطلاق المتهم للعيار النارى فلم تبحث فيه ولم تورد أى دليل عليه. ومن غير المفيد فى هذا الصدد أن تكون فى آخر حكمها قالت إنها تستخلص مما قدّمته "أى من الوقائع وأدلتها" أن تهمة القتل العمد صحيحة وثابتة على المتهم. إذ تلك الوقائع والأدلة كما سبق ليس فيها أى اشارة إلى مسألة القصد الجنائى. ولا شك أن هذا قصور فى بيان الواقعة مبطل للحكم بالنسبة لهذا المتهم ولا محل بعد ذلك للبحث فى وجوه الطعن الأخرى.

فبناء عليه

حكمت المحكمة بعدم قبول الطعن شكلا بالنسبة للطاعن الثالث وقبوله شكلا بالنسبة للطاعنين الأوّل والثانى ورفضه موضوعا بالنسبة للأوّل وقبوله موضوعا بالنسبة للثانى عمر شحات عطية الله ونقض الحكم المطعون فيه بالنسبة له وإحالة القضية لمحكمة جنايات قنا للحكم فيها مجددا من دائرة أخرى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات