الطعن رقم 19 سنة 46 ق – جلسة 22 /11 /1928
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 44
جلسة الخميس 22 نوفمبر سنة 1928
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 19 سنة 46 قضائية (ربيع عبد الرازق ضد النيابة العمومية)
( أ ) نية القتل مسألة موضوعية.
(المادتان 229 و231 تحقيق)
(ب) عدم كفاية الأسباب من جهة القانون يبطل الحكم. الأسباب يجب أن يكون لها مأخذ حقيقى
حتى تعتبر كافية.
(المادتان 149 تحقيق و103 مرافعات)
1 – إن نية القتل ليست بالنسبة لمرتكب الجناية حالة محدّدة ومعرّفة قانونا بحيث يتعين
التحقق من توفر الأركان المكوّنة لها. بل هى مجرّد حالة فعلية أو استعداد نفسى داخلى
يقدّرها قاضى الموضوع وحده على حسب ما يتوافر لديه من عناصر الاقتناع بقيامها دون أن
يكون ملزما بالتدليل على قيامها بوقائع أو أدلة محسوسة ما دامت الوقائع الأخرى الثابتة
فى الحكم لا تتناقض مع القول بقيامها.
2 – إذا كان خلوّ الحكم من الأسباب ينبنى عليه دائما بطلان الحكم بطلانا جوهريا فإن
عدم كفاية الأسباب لا يؤدّى حتما الى هذه النتيجة. لأن الأسباب إما أن تكون غير كافية
من جهة القانون – سواء لنقصها أو لخطئها – وعندئذ يكون هناك بطلان أو خطأ فى تطبيق
القانون، وإما أن تكون قاصرة من جهة الموضوع فتخرج عن رقابة محكمة النقض. على أنه متى
اشتمل الحكم على أسباب وكان للأسباب مأخذ حقيقى اعتبرت هذه الأسباب كافية.
وقائع الدعوى
اتهمت النيابة العمومية هذا الطاعن بأنه فى يوم 10 يوليو سنة 1927
الموافق 11 محرم سنة 1346 بجهة عين شمس بأراضى تله بمركز ومديرية المنيا قتل عمدا أمين
سيف بأن أطلق عليه عيارا ناريا أصابه فى جبهته وقضى على حياته. وقد تلت هذه الجريمة
جناية أخرى وهى شروعه فى قتل على سيف بأن اطلق عليه أعيرة نارية لم تصبه الأمر المنطبق
على المواد 45 و46 و198/ 1 من قانون العقوبات. وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالته على
محكمة جنايات المنيا لمحاكمته بالمادة 198/ 2 من قانون العقوبات.
فقرر حضرته بتاريخ 15 أغسطس سنة 1927 إحالته مع آخرين كانوا معه على هذه المحكمة لمحاكمتهم
بالمواد 194 ثم 45 و46 و194 من قانون العقوبات لأنهم فى الزمان والمكان المذكورين آنفا
قتلوا أمين سيف عمدا وشرعوا فى قتل على سيف عمدا بواسطة إطلاق أعيرة نارية عليهما أصابت
أحدهما أمين سيف فى رأسه وتسبب عن ذلك وفاته على الأثر ولم تصب الثانى لأمر خارج عن
إرادتهم وذلك مع سبق الإصرار والترصد بأن ترصدوا لهما فى الطريق الموصل من غيطهما الى
ناحية تله وأطلقوا عليهما الأعيرة النارية حال عودتهما من هذا الطريق.
ودخل ورثة القتيل "أمين سيف" فى هذه الدعوى مدّعين بحق مدنى وطلبوا الحكم لهم بمبلغ
خمسمائة جنيه بصفة تعويض. ومحكمة جنايات المنيا بعد أن سمعت هذه الدعوى حكمت حضوريا
بتاريخ 19 يناير سنة 1928 وعملا بالمادة 198/ 1 عقوبات بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة
لمدة خمس عشرة سنة عن التهمة الأولى الخاصة بقتله أمين سيف وبإلزامه بأن يدفع للمدّعين
بالحق المدنى مبلغ 300 جنيه مع المصاريف المدنية ومبلغ أربعة جنيهات أتعاب محاماة.
ثانيا ببراءته من تهمة الشروع فى قتل على سيف.
فقرر المحكوم عليه بالطعن فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام يوم صدوره وقدم تقريرين
بوجوه طعنه فى 6 فبراير سنة 1928 أحدهما منه والثانى من حضرة محاميه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن مقبول شكلا.
وحيث فيما يتعلق بالوجه الأول إن نية القتل ليست بالنسبة لمرتكب الجناية حالة محدّدة
ومعرّفة قانونا بحيث يتعين التحقق من توفر الأركان المكوّنة لها بل هى مجرّد حالة فعلية
أو استعداد نفسى داخلى قد يصح عند التنفيذ أن يتجلى بأعمال مادية يتناقش فيها أو لا
يتناقش. ولكن من الجائز أيضا أن يظل هذا الاستعداد سرا دفينا فلا يبدو فى أى مظهر يساعد
على التفرقة ماديا بين الضرب والواقع تحت تأثيره أو الضرب الواقع بنية إحداث اعتداء
أخف وطأة.
وحيث إنه يترتب على هذا أن تقدير هذه الحالة الفعلية هو من اختصاص قاضى الموضوع وحده
الذى له أن يسترشد بحسب إملاء ضميره إما بالأمور المادية التى قد يعثر عليها وإما بفحص
الباعث على الجريمة ودرس الحالة النفسية التى كان عليها الجانى بدون أن يكون ملزما
بالتدليل على هذا الاستعداد الداخلى المحض بوقائع أو أدلة محسوسة ما دامت الوقائع الأخرى
الثابتة فى الحكم لا تتناقض صراحة مع النية التى تؤكد المحكمة توفرها. إذ ارتفاع هذا
التناقض شرط ضرورى.
وحيث فيما يتعلق بالوجه الثانى فإنه إذا كان خلو الحكم من الأسباب ينبنى عليه دائما
بطلان الحكم بطلانا جوهريا فإن عدم كفاية الأسباب لا تؤدى الى هذه النتيجة. لأن الأسباب
إما أن تكون غير كافية من جهة القانون سواء لنقصها أو لخطئها وعندئذ يكون هناك بطلان
أو خطأ فى تطبيق القانون. ويشترط فى الطعن بهذا أن يبين الطاعن ما هو القانون أو المبدأ
الذى يكون خولف، وإما أن تكون الأسباب قاصرة من جهة الموضوع فتخرج عن رقابة محكمة النقض
لتعلقها بمسألة موضوعية قد تتعدد فيها مناحى التقدير بدون أن يؤثر هذا على سلطان قاضى
الموضوع المطلق فى حق الفصل فيها نهائيا وبدون أن يكون لمحكمة النقض أى سلطة فى الحلول
بشأنها محل هذا القاضى. وفوق ما تقدم فإنه متى اشتمل الحكم على أسباب وكان للأسباب
مأخذ حقيقى – إذ هذا شرط ضرورى – فليس هناك نص قانونى وارد بتعريف أوسع من ذلك للأسباب
الكافية. بل الكفاية معنى يختلف تقدير تحققه باختلاف أشخاص المقدرين. وإذا حاولت محكمة
النقض وضع معيار له أدى الحال الى التعسف المطلق فضلا عما يكون فى هذه المحاولة من
تجاوز محكمة النقض لحدودها بتدخلها فى موضوع القضية. زد على ذلك أن القاضى الجنائى
(خلافا للقاضى المدنى المرتبط دائما بمراعاة قواعد الإثبات وفيما عدا الجرائم المماثلة
لجريمة الزنا حيث اشترط القانون على سبيل الاستثناء طرقا معينة للإثبات) يتمتع بكامل
الحرية فى تكوين اعتقاده استنادا على جميع عناصر التقدير مما لا يحتمل بتاتا وضع مقياس
لكفاية أو عدم كفاية الأدلة التى قد يكون ترتب عليها امتلاء ضمير هذا القاضى بالعقيدة
التى تكونت عنده. على أن الحكم المطعون فيه خلافا لما جاء بأسباب الطعن قد اشتمل على
أسباب دقيقة وافية لا يصح القول بعدم كفايتها حتى من الناحية الموضوعية البحتة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وبرفضه موضوعا.
