الطعن رقم 1737 سنة 45 ق – جلسة 22 /11 /1928
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 32
جلسة الخميس 22 نوفمبر سنة 1928
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 1737 سنة 45 ق (النيابة العامة فى قرار الإحالة ضدّ على سليمان أبو دريع)
هتك عرض. فعل فاضح. الفرق بينهما.
(المواد 231 و232 و240 و241 ع)
إن الفارق بين جريمتى هتك العرض والفعل الفاضح لا يمكن وجوده لا فى مجرّد مادية الفعل
ولا فى جسامته، ولا فى العنصر المعنوى وهو العمد، ولا فى كون الفعل بطبيعته واضح الإخلال
بالحياء. إنما يقوم الفارق بين الجريمتين على أساس ما إذا كان الفعل الذى وقع يخدش
عاطفة الحياء العرضى للمجنى عليه من ناحية المساس بعوراته – تلك العورات التى لا يجوز
العبث بحرمتها والتى لا يدخر أى امرئ وسعا فى صونها عما قل أو جل من الأفعال التى تمسها.
فان كان الفعل كذلك اعتبر هتك عرض وإلا فلا يعتبر.
وبناءً على هذا يكون من قبيل هتك العرض كل فعل عمد مخل بالحياء يستطيل الى جسم المرء
وعوراته ويخدش عاطفة الحياء عنده من هذه الناحية. أما الفعل العمد المخل بالحياء الذى
يخدش فى المجنى عليه حياء العين والأذن ليس إلا فهو فعل فاضح.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة المتهم المذكور بأنه فى يوم أول يوليو سنة
1928 بدائرة قسم مصر الجديدة التابعة لمحافظة القاهرة هتك عرض الآنسة بوليت رود بالقوّة
بأن وضع يده على أليتها من الخلف ثم ضمها اليه من الخلف دفعتين بقوّة وأحاطها بذراعيه
ووضع فمه على عنقها ووجنتها. وطلبت من حضرة قاضى الإحالة بمحكمة مصر الأهلية إحالة
المتهم المذكور إلى محكمة جنايات مصر لمحاكمته بمقتضى المادة 231 من قانون العقوبات.
فقرر حضرته بتاريخ 24 من شهر يوليو سنة 1928 اعتبار الواقعة جنحة فعل فاضح مخل بالحياء
منطبقة على المادة 240 من قانون العقوبات وإحالة القضية على النيابة العامة لإجراء
اللازم عملا بالمادة 12 من قانون تشكيل محاكم الجنايات.
فقرر حضرة رئيس نيابة مصر بتاريخ 2 من شهر أغسطس سنة 1928 بالطعن فى قرار حضرة قاضى
الإحالة المتقدّم الذكر بطريق النقض والإبرام وقدم تقريرا بأوجه نقضه فى يوم تقريره
مرفقا به مذكرة بالبحث القانونى.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن مقبول شكلا.
وحيث إنه اذا كانت جرائم الوقاع والتحريض على الفجور والزنا – من بين الجرائم المنافية
للآداب – هى التى لها مدلولات قانونية معينة وحدود فاصلة فإن جريمة هتك العرض المنصوص
عليها بمادتى 231 و232 من قانون العقوبات وجريمة الفعل الفاضح المخل بالحياء المنصوص
عليها فى مادتى 240 و241 من ذلك القانون يصعب فى كثير من الأحيان التمييز بينهما. وبما
أن الفرق عظيم بين العقوبتين المقررتين لكل منهما فإن المحكمة لهذه العلة على الأخص
تجد من الضرورى تعيينهما بصفة نهائية بتحديد الفواصل القانونية القائمة بينهما.
وحيث إنه إذا لوحظ – من جهةٍ – أن هتك عرض شخص معين كثيرا ما يندمج فيه فعل فاضح علنى
أو غير علنى بحسب ارتكابه بمشهد من أشخاص عديدين أو بحضرة شخص واحد علم أن الفارق بين
الجريمتين لا يوجد بالضرورة فى مجرد مادية الفعل. وإذا لوحظ – من جهة أخرى – أن العلم
والإرادة يكفيان فى الجريمتين لتكوين الركن المعنوى وهو العمد بدون حاجة الى البحث
فيما إذا كان الفاعل قد ارتكب فعلته عن شهوة أو على سبيل الانتقام أو من باب الفضول
وحب الاستطلاع أو بسبب الانحطاط الخلقى ظهر أن الفارق من هذه الناحية أيضا ليس أكثر
وضوحا.
وحيث إن التمييز بين هتك العرض والفعل الفاضح غير ممكن أيضا من جهة درجة جسامة الفعل
لأن الواقعة المادية قد تتفاوت فى الجسامة بالنسبة للشخص الواقعة عليه وبالنسبة للظروف
الملابسة للفعل. هذا فضلا عن أن القانون لا يقيم للتمييز من هذه الجهة وزنا لأنه يسوى
بين مجرّد الشروع والفعل التام فى مسائل هتك العرض (مادة 231 من قانون العقوبات) ويوافق
بذلك ضمنا على ما نص عليه القانون البلچيكى صراحة من أن هتك العرض يقع بمجرّد البدء
فى التنفيذ (مادة 374 من القانون البلچيكى). فالفعل القليل الجسامة كما هو الحال عادة
فى البدء فى تنفيذ هتك العرض لا يخرج فى نظر القانون عن كونه هتك عرض وليس مجرد فعل
فاضح.
وحيث إن الجريمتين تستلزمان ركنا ماديا هو فعل مخل بالحياء أى فعل مغاير لقواعد السلوك
التى تسيطر عن قرب أو بعد على جميع العلاقات أو المظاهر الجنسية. وبما أن تقدير ما
يعتبر مخلا بالحياء وإن كان يستلزم مراعاة مستوى الأخلاق والعادات الشائعة فى قطر من
الأقطار غير أنه لا يزال أيضا من الضرورى لوجود الجريمتين توفر فعل مادى يعتبر مخلا
بالحياء حقيقة بحيث لا يمكن أن تقع إحداهما من فعل مصدره مجرّد الألفة وسقوط الكلفة
أو فعل أو إشارة لا تعدو أن تكون سبة أو خدشا للشرف. إذ الشرف شعور أعم من العرض. وحمايته
إنما تقضى بتحريم اعتداءات أخرى تختلف عما يقع على العرض بالذات.
وحيث إنه ما دام الفارق بين الجريمتين لا يمكن وجوده لا فى العنصر المعنوى ولا فى جسامة
الفعل ولا فى كونه بطبيعته واضح الإخلال بالحياء. كما لا يمكن وجوده فى مجرّد مادية
العمل لما يجوز من تمثل الوصفين فيه فى وقت واحد – ما دام ذلك فلا مناص من استنباط
الفكرة القانونية الأساسية التى يقوم عليها كل من هتك العرض والفعل الفاضح. وذلك ببحث
معنى الحياء العرضى بالذات بحثا قائما على ذاتية الأشياء المختلفة التى يمكن أن تكون
موضوعا لهذا الشعور الخاص.
وحيث إن الحياء العرضى لشخص ما من هذه الناحية يتعلق على الأخص بذات جسمه الذى تدعو
الفطرة لأن يحميه الانسان من كل الأفعال الفاحشة مهما كانت جسامتها وسواء أكانت إيجابية
أو سلبية ما دامت هذه الأفعال موجهة لهذا الجسم الذى لا يدخر المرء وسعا فى صونه عما
قل أو جل من الأفعال التى تمس ما فيه مما يعبر عنه بالعورات تلك العورات التى لا يجوز
العبث بحرمتها والتى هى جزء داخل فى خلقة كل إنسان وكيانه الفطرى. فكل فعل يخدش العاطفة
من هذه الناحية يعتبر فى نظر القانون هتكا للعرض.
وحيث إن الحياء العرضى – من جهة أخرى – ينفعل أيضا بما لا يتعلق إلا بجسم الغير بمعنى
أنه يربأ بالشخص عن مشهدٍ فيه يظهر الغير عورته أمامه بدون رضائه مهما تضاءلت جسامة
هذا الفعل ومهما يكن فى هذا الإظهار من عدم المساس بجسم المجنى عليه بالذات. فالأفعال
التى تخدش الحياء العرضى على هذا الشكل الأخير وحده هى التى يصفها القانون بأنها أفعال
فاضحة لا هتك عرض.
وحيث إنه يترتب على هذا التقسيم أن الشخص الأعمى الأصم تماما يمكن هتك عرضه بكيفيات
مختلفة ولكن لا يصح قانونا أن يكون مجنيا عليه فى جريمة فعل فاضح.
على ذلك يمكن تعريف الفعل الفاضح بأنه هو الفعل العمد المخل بالحياء الذى يخدش من المجنى
عليه حياء العين والأذن ليس إلا. أما بقية الأفعال العمدية المخلة بالحياء والتى تستطيل
الى جسم المرء وعوراته وتخدش عاطفة الحياء عنده من هذه الناحية فمن قبيل هتك العرض.
وحيث إن هذا الضابط المميز بين الجريمتين هو الذى اعتمدت عليه هذه المحكمة فى حكم سبق
صدوره منها بتاريخ 28 من شهر أكتوبر سنة 1911. وهو ما هدى البحث الى أنه الضابط الوحيد
الذى يساعد على استخراج قاعدة أكيدة من مختلف الأحكام وآراء الشراح. كما أن به وحده
أيضا يمكن تفسير التضارب الذى قد يبدو لأوّل وهلة فى اعتبار رفع ملابس شخص أو نزعها
وإظهاره عاريا أمام الناس من قبيل هتك عرض هذا الشخص حتى ولو لم يكن هناك ملابسات مخلة
بالحياء حالة أن تعريض العورة للأنظار أو إبداءها أمام هذا الشخص بالذات بدون رضائه
لا يخرج عن كونه فعلا فاضحا.
وحيث إن الوقائع الثابتة فى قرار قاضى الإحالة المطعون فيه هى أفعال اختيارية مخلة
بالحياء بقطع النظر عن جسامتها. فمتى ثبت فيما بعد أنها وقعت على جسم المجنى عليها
بطريق المفاجأة أو بالقوّة فانها تعتبر خادشة لعرضها لتعلقها بجسمها. فكل الأركان المكوّنة
لهتك العرض تبدو إذن متوفرة فيها ويكون قاضى الإحالة قد أخطأ فى تطبيق القانون فيتعين
نقض قراره.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض القرار وإعادة القضية لقاضى الإحالة للسير فيها على اعتبارها جناية هتك عرض منطبقة على المادة 231 من قانون العقوبات.
