الطعن رقم 1192 سنة 45 ق – جلسة 22 /11 /1928
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة بين 8 نوفمبر سنة 1928 وبين 27 فبراير سنة 1930) – صـ 22
جلسة الخميس 22 نوفمبر سنة 1928
برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات مسيو سودان وأصحاب العزة محمد لبيب عطيه بك وزكى برزى بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 1192 سنة 45 قضائية (النيابة العامة ضد عيسوى أحمد الشريف)
عدم الرضا المنصوص عنه بالمادة 230 ع يتحقق بالاكراه الأدبى.
1 – إن عدم الرضا المنصوص عنه بالمادة (230 ع) كما يتحقق بوقوع الإكراه المادى على
المجنى عليها فإنه يتحقق كذلك بكل مؤثر يقع على المجنى عليها من شأنه أن يحرمها حرية
الاختيار فى الرضاء وعدمه سواء أكان هذا المؤثر آتيا من قبل الجانى كالتهديد والإسكار
والتنويم المغناطيسى وما أشبه أم كان ناشئا عن حالة قائمة بالمجنى عليها كحالة النوم
أو الإغماء وما أشبه.
2 – ليس للزوجة المسلمة حرية الاختيار فى التسليم فى نفسها لزوجها وعدم التسليم. بل
هى مجبرة بحكم عقد الزواج وبحكم الشرع إلى مواتاة زوجها عند الطلب. وليس لها أن تمتنع
بغير عذر شرعى وإلا كان له حق تأديبها. وللزوج فى الشريعة الإسلامية حق إيقاع الطلاق
بمشيئته وحده من غير مشاركة الزوجة ولا اطلاعها. فإذا طلق زوج زوجته وجهّل عليها أمر
الطلاق فإنها تظل قائمة فعلا على حالها من التأثر بذلك الإكراه الأدبى الواقع عليها
من قبل عقد الزواج والشرع المانع لها من حرية اختيار عدم الرضا إن أرادته.
وإذن فإذا طلق زوج زوجته طلاقا مانعا من حل الاستمتاع، وكتم عنها أمر هذا الطلاق عامدا
قاصدا، ثم واقعها وثبت بطريقة قاطعة أنها عند المواقعة كانت جاهلة تمام الجهل بسبق
وقوع هذا الطلاق المزيل للحل، وثبت قطعا كذلك أنها لو كانت علمت بالطلاق لامتنعت عن
الرضاء له، كان وقاعه إياها حاصلا بغير رضاها. وحق عليه العقاب المنصوص عنه بالمادة
(230 ع). لأن رضاءها بالوقاع لم يكن حرا بل كان تحت تأثير إكراه عقد زال أثره بالطلاق
وهى تجهله [(1)].
وقائع الدعوى
اتهمت النيابة العامة المتهم المذكور بأنه فى المدة ما بين يوم
16 من شهر أبريل سنة 1925 ويوم 12 من شهر سبتمبر سنة 1925 (الموافقين ليومى 22 من شهر
رمضان سنة 1343 و24 من شهر صفر سنة 1344) بجهة ميت ابيار مركز كفر الزيات بمديرية الغربية
(أولا) واقع بمنزله مطلقته الست نعمت محمد منيب بغير رضاها بأن عاشرها معاشرة الأزواج
وهى مطلقة منه فى التاريخ الأوّل ولم يخبرها بهذا الطلاق حالة كونه من المتولين ملاحظتها
وله سلطة عليها بصفته المتقدمة. ولأنه فى المدة ما بين 16 من شهر أبريل سنة 1925 و14
من شهر سبتمبر سنة 1925 "الموافقين 22 من شهر رمضان سنة 1343 و26 من شهر صفر سنة 1344"
بمصر واقع مطلقته الست تفيدة أحمد الطوبجى بغير رضاها بأن عاشرها معاشرة الأزواج وهى
مطلقة منه فى التاريخ الأول ولم يخبرها بهذا الطلاق حالة كونه من المتولين ملاحظتها
وله سلطة عليها بصفته المتقدّمة. وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالته على محكمة الجنايات
لمحاكمته بالفقرتين الأولى والثانية من المادة 230 من قانون العقوبات. كما اتهمته النيابة
العامة فى قضية أخرى نمرة 1849 سايرة كفر الزيات سنة 1925 أيضا بأنه فى المدة ما بين
3 من شهر أبريل سنة 1924 و23 من شهر مايو سنة 1924 بجهة منية ابيار بمركز كفر الزيات
بمديرية الغربية واقع مطلقته الست مفيدة عبد العزيز كرارة بغير رضاها بأن عاشرها معاشرة
الأزواج وكان قد طلقها بتاريخ 3 من شهر ابريل سنة 1924 ولم يخبرها بذلك حالة كونه من
المتولين ملاحظتها ومن لهم سلطة عليها بصفته المتقدمة. وطلبت من قاضى الإحالة أيضا
إحالته على محكمة الجنايات لمحاكمته بالفقرتين المتقدّمتى الذكر من المادة المذكورة.
فقرر حضرته فى الدعويين بتاريخ أول ديسمبر سنة 1925 إحالة المتهم المذكور على محكمة
جنايات طنطا لمحاكمته بالفقرتين السالفتى الذكر من المادة المشار إليها آنفا.
وقد أقامت المطالبات بالحق المدنى أنفسهن مدعيات بحق مدنى أثناء نظر الدعويين أمام
محكمة الجنايات وطلبت السيدتان نعمت محمد منيب ومفيدة عبد العزيز كرارة الحكم لكل منهما
بمبلغ 6000 جنيه بصفة تعويض كما طلبت الست تفيدة أحمد الطوبجى الحكم لها بمبلغ 3000
جنيه بصفة تعويض – فقررت محكمة جنايات طنطا ضم القضيتين إلى بعضهما البعض ليحكم فيهما
معا بحكم واحد وبعد سماعها إياهما قد تنازلت الست تفيده أحمد الطوبجى عن دعواها المدنية
والتزمت بمصاريفها. وقضت محكمة جنايات طنطا المذكورة بتاريخ 9 من شهر يناير سنة 1928
حضوريا: (أوّلا) ببراءة عيسوى أحمد الشريف من التهم الثلاث المنسوبة إليه وبإلزامه
بأن يدفع للسيدتين مفيدة عبد العزيز كراره ونعمت محمد منيب كل واحدة منهما ألف جنيه
وبمصاريف دعوييهما المدنية وخمسمائة قرش صاغ مقابل أتعاب محاماة فى كل دعوى. (وثانيا)
بقبول تنازل الست مفيدة أحمد الطوبجى عن دعواها مع إلزامها بمصاريفها. وذلك عملا بالمادة
50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات.
فقرر المحكوم عليه بالطعن فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى يوم 17 من شهر يناير
سنه 1928 وقدّم تقريرين بأسباب نقضه فى يومى 26 و28 من شهر يناير سنة 1928 كما قرّرت
النيابة العامة بالطعن فى الحكم السالف الذكر بطريق النقض والإبرام فى يوم 24 من شهر
يناير سنة 1928 وقدمت تقريرا بأسباب نقضها فى يوم 24 المذكور.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعنين قدّما وتلاهما تقارير بالأسباب فى الميعاد فهما مقبولان شكلا.
وحيث إن الطعن المقدّم من النيابة ينحصر فى أن المحكمة بنت حكمها بالبراءة على عدم
توفر ركن عدم الرضاء قائلة إن رضاء المجنى عليهن بالاستمتاع بهن بعد الطلاق لم يكن
بتأثير إكراه مادى ولا أدبى وإنهن وقت المعاشرة لم تكنّ فى حالة من حالات فقد الإرادة
وسلب الاختيار وإن رضاءهن وإن كان فاسدا توصل اليه المتهم بطريق الغش بإخفاء أمر الطلاق
عليهن إلا أن هذا الفساد لا ينفى كون الرضاء فى ذاته كان موجودا عند الوقاع وان القانون
يشترط أن تكون المواقعة حصلت بغير رضا. ولم يرد نص عن المواقعة برضاء فاسد. وتقول النيابة
إن المحكمة أخطأت بعدم تطبيق المادة 230 من قانون العقوبات إذ لم تعتبر أن تجهيل المتهم
أمر الطلاق على المجنى عليهن إنما هو غش سالب للرضاء. فإنهن لو علمن بالطلاق لما رضين
بالمعاشرة وبذلك يكون وقاعهن حصل بغير رضائهن. وإن هذا الخطأ مبطل للحكم.
أما الطعن المقدّم من المتهم فيتحصل فى أن المحكمة لم تبحث صحة ما أسندته النيابة اليه
من الوقائع بل افترضت صحتها وقصرت بحثها على ركن عدم الرضاء بحيث لا يعرف من عبارة
الحكم ما إذا كانت الوقائع ثابتة أم لا. ولذلك هى اعتبرت المجنى عليهن مطلقات من أن
هذا موضوع شرعى تفصل فيه الجهة المختصة به. وما دام الطلاق لم تثبته الجهة المختصة
فليس للمحكمة أن تعتبر ما يدعى بأنه وقع من المتهم فعلا ذميما يستوجب التعويض. كما
أن هذا التعويض لم يكن محل للحكم به ما دامت المحكمة قد برأته. وأن ذلك خطأ مبطل للحكم.
وحيث إن الجريمة التى طلبت النيابة محاكمة المتهم من أجلها كان منصوصا عليها بالفقرة
الثانية من المادة 247 من قانون العقوبات قبل التعديل الذى أدخل عليه بقانون سنة 1904
وكان التعبير عنها هكذا: "كل من اغتصب ثيبا أو بكرا" "أو فجر بها قهرا يعاقب…..".
فلما عدل القانون جعلت هذه الفقرة هى المادة وجاء التعبير عنها هكذا: "من واقع
أنثى بغير رضاها يعاقب….". ومع اختلاف هذين النصين القديم والجديد فان التعبير عن
هذه الجريمة فى النسخة الفرنسية كان ولا زال لفظا واحدا هو كلمة (Viol) أى "اغتصاب"
مما يدل دلالة واضحة على أن هذه الجريمة هى جريمة اغتصاب النساء المنصوص عليها بهذا
الاسم الخاص فى المادة 332 من قانون العقوبات الفرنسى. فتعريفها يجب إذن أن يرجع فيه
إلى أقوال علماء القانون الفرنسى فى تحديد معنى كلمة (Viol) عندهم. ولما كان القانون
لم يعرف هذه الجريمة ببيان أركانها بل ذكرها بالاسم المفرد الذى تعرف به اضطرت محكمة
النقض والإبرام الفرنسية فى حكم صدر منها بتاريخ 26 يونيه سنة 1857 بعد أن قالت: "إن
من اختصاص قاضى الموضوع أن يتقصى ويبين فى حكمه" "توافر الأركان التى تتكوّن منها هذه
الجريمة مسترشدا بطبيعتها الخاصة وبفداحة" "النتائج التى قد تجرها على المجنى عليهن
وعلى شرف العائلات" إلى أن تعرف هذه الجريمة فقالت "إنها تنحصر فى العبث بامرأة ضد
إرادتها سواء أكان عدم رضاها" "ناشئا عن إكراه مادى أو أدبى وقع عليها أم كان ناشئا
من أى وسيلة أخرى" "من وسائل الجبر والمباغتة والتى يتذرع بها الفاعل الى الوصول لبغيته
خارجا عن" "إرادة المجنى عليها". هكذا قالت محكمة النقض. ومع نقد العلماء للشطر الأول
من هذا التعريف وإيرادهم تعريفات أخرى منها ما أورده جارسون من وضعه وهو: "مواقعة امرأة
مواقعة غير شرعية مع العلم بأنها لا ترضى بها ألبتة" – نقول إنهم مع هذا النقد وإيراد
مختلف التعاريف فإنهم أجمعوا على أن ما قرّرته تلك المحكمة من أن عدم الرضا قد يكون
ناشئا من إكراه مادى أو من إكراه أدبى أو من غير ذلك من الوسائل التى أشارت اليها هو
صواب واجب الأخذ به (راجع فى كل هذا الجزء الأوّل من تعليقات جارسون على قانون العقوبات
مادة 332 تحت عنوان كلمة "Viol" نبذة 11 وما بعدها صحيفة 844 وما بعدها).
هذا وقد سبق أن أصدرت محكمة النقض والإبرام المصرية حكما فى 18 ديسمبر سنة 1915 (منشورا
بالمجموعة الرسمية السنة السابعة عشرة صحيفة 99) أتت فيه على تفصيل واف لتحديد معنى
هذه الجريمة ومكوناتها نقلا عن أقوال العلماء وأحكام القضاء فى البلاد التى فيها النص
مقصور على اسم مفرد كفرنسا ومن حذا حذوها. وواضح أن المحكمة فى حكمها المذكور أصابت
إذ قررت "أن الأكراه الأدبى يكوّن" "جريمة الاغتصاب متى وصف بأنه كاف لازالة حرية الرضا
عند المجنى عليها".
وحيث إن الحكم المطعون فيه الآن وإن كان أتى بخلاصة صحيحة مستوفاة لما أجمع عليه العلماء
إذ قبل هو أيضا عنصر الإكراه الأدبى وعبر عنه بما يفيد أنه "كل مؤثر يحرم المرأة حرية
الاختيار فى الرضا وعدمه سواء أكان هذا المؤثر آتيا" "من قبل الجانى كالتهديد والإسكار
والتنويم المغناطيسى وما أشبه أم كان ناشئا من" "حالة قائمة بالمجنى عليها كحالة النوم
أو الإغماء وما أشبه" غير أنه تخلص إلى القول بأن المجنى عليهن رضين بالوقاع ولم تكنّ
فى حالة من حالات فقد الإرادة وسلب الاختيار التى ذكرها فيكون أهم أركان الجريمة معدوما
وأنه لا يهم أن يقال إن هذا الرضاء فاسد، توصل اليه المتهم عن طريق الغش بإخفاء أمر
الطلاق عليهن فإن هذا الفساد لا ينفى أن الرضاء فى ذاته كان موجودا فعلا.
وحيث إن هذه المحكمة ترى أن هذا الحكم قد أصاب فى مقدماته التى قرّر فيها وجوب الأخذ
بالإكراه الأدبى وعبر عنه بما يفيد أنه التأثير الذى يحرم المرأة حرية الاختيار كما
أصاب فى التمثيل له بالمثل التى ذكرها إلا أنه أخطأ فى اعتبار أن ما قد يكون وقع من
الرضاء فى صورة الدعوى الحالية ليس أثرا لهذا التأثير.
وحيث إنه حتى بقطع النظر عن كل غش يكون حصل من المتهم بإخفاء أمر الطلاق على المجنى
عليهن فإن رضاءهن فى صورة هذه الدعوى إنما هو رضاء حاصل بسبب الإكراه الأدبى الذى ما
كان ليترك لهن حرية الاختيار فى التسليم فى نفوسهن وعدم التسليم. ذلك بأن المفهوم من
الدعوى أنهن كن متزوّجات بالمتهم بعقد تمّ صحيحا على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية.
والزواج بمقتضى أحكام الشريعة هو "عقد وضع" "لتملك المتعة بالأنثى قصدا". ومن أحكامه
متى تم أن تحتبس المرأة فى بيت زوجها وأن يكون عليها طاعته والمبادرة إلى فراشه اذا
التمسها لذلك ولم تكن ذات عذر شرعى، وأن للرجل أن يعاقبها العقاب الشرعى إذا لم تجبه
الى هذا الالتماس وهى طاهرة. فالزوجة مجبرة بحكم العقد وبحكم الشرع إلى مواتاة زوجها
عند الطلب وليس لها أن تمتنع بغير عذر شرعى وإلا كان له حق عقابها وإكراهها بالعقاب.
وقانون العقوبات الأهلى فى مادته السابقة يحترم الحقوق الشخصية المقرّرة فى الشريعة
الغرّاء ويأمر بعدم الإخلال بها. ومتى كان الأمر كذلك تعين النظر فى أمر واحد هو: هل
تغيرت حال المجنى عليهن بعد الطلاق عما كانت عليه قبله فيما يتعلق بالإكراه الأدبى
الواقع عليهن من قبل العقد والشرع والذى لا يجعل لهن حرية اختيار عدم الرضا إن كن أردنه؟.
إن نظام الطلاق فى الشريعة الإسلامية يجعل للزوج حق إيقاعه بمشيئته وحده وبقوله وحده
وبغير مشاركة الزوجة ولا اطلاعها. فما دام لم يبلغها أمر الطلاق فهى قائمة فعلا على
حالها من التأثر بذلك الإكراه. ولا يصح القول بتغير حالها إلا إذا فرض أنها تعلم الغيب
وهذا غير ممكن. إذا لوحظ هذا علم أنه حتى بقطع النظر عن الغش الذى يكون قد وقع من المتهم
فى إخفاء أمر الطلاق على المجنى عليهن وبعدم الاعتداد بهذا الغش إلا فى التدليل على
القصد الجنائى فإنهن كن ولا زلن الى وقت علمهن بالطلاق فى حال من الإكراه الأدبى مانعة
لهن من حرية اختيار عدم الرضا. ويكفى تحقق هذا حتى يكون الموطن موطن تطبيق قاعدة الإكراه
الأدبى التى أشار اليها العلماء والقضاء الفرنسى وأخذت بها محكمة النقض المصرية فى
حكمها سالف الذكر واعتمدها الحكم المطعون فيه. ولو أن نظام الزواج والطلاق فى البلاد
الأجنبية كان كنظامه عندنا وحدثت مثل الواقعة التى هى موضوع النظر الآن لرجحنا كثيرا
أنه كان يؤخذ فيها بهذا الذى رأينا. ولكن اختلاف النظامين هو الذى منع من وقوع مثل
هذه الحادثة عندهم.
وحيث إن المحكمة ترى أنه ليمكن تحقق الجريمة فى مثل هذه الصورة يجب: (أولا) أن يثبت
بطريقة قاطعة أن المواقعة حصلت فعلا بعد طلاق مانع شرعا من حل الاستمتاع. (ثانيا) أن
يثبت بطريقة قاطعة أن المجنى عليها كانت جاهلة تمام الجهل عند المواقعة بسبق وقوع هذا
الطلاق المزيل للحل. (ثالثا) أن تبين المحكمة اقتناعها بأن المجنى عليها لو كانت علمت
بالطلاق لامتنعت عن الرضاء مع بيان وجه هذا الاقتناع. وأخيرا أن تبين المحكمة اقتناعها
بأن كتمان أمر الطلاق قد تعمده الجانى قصدا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه وإن كان يؤخذ منه أن المواقعة حصلت بعد الطلاق إلا أن عبارته
فيها شىء من الإبهام جعل محلا لقول المتهم فى طعنه بأن هذا الثبوت جاء فيه على سبيل
الفرض. كما أنه لم يبين ما إذا كانت المواقعة حصلت بعد طلاق مانع من حل الاستمتاع شرعا
أم بعد طلاق غير مانع. وكذلك هو لم يبين ما إذا كانت المجنى عليهن لو كنّ علمن بالطلاق
لامتنعن عن الرضاء. وكل هذا قصور فى بيان الواقعة وأسانيدها مبطل للحكم. وظاهر أن هذا
القصور آت من أن المحكمة اعتبرت أن هناك رضاءً فلم تر محلا لأى بحث آخر.
وحيث انه لذلك يتعين قبول الطعن المرفوع من النيابة العامة ونقض الحكم وإعادة القضية
لمحكمة الجنايات للحكم فيها ثانية من دائرة أخرى. وكذلك يتعين قبول طعن المتهم ونقض
هذا الحكم فيما يتعلق بالتعويض المحكوم به عليه. لأن الحكم بالتعويض تابع لما يثبت
بعد لدى المحكمة من وجود ما يقتضيه أو ما يمنع منه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعنين المقدّمين من النيابة العمومية ومن
المتهم شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه برمته وإحالة القضية على محكمة جنايات
طنطا للحكم فيها مجددا من دائرة أخرى فى الدعويين العمومية والمدنية.
الحكم الصادر بجلسة 7 فبراير سنة 1927 فى القضية رقم 310 سنة 44 ق.
وقائع الدعوى
اتهمت النيابة المذكورين بأنهما من مدّة ثمانية شهور قبل تاريخ
المحضر المؤرّخ 9 أغسطس سنة 1925 ببنى صالح مركز ومديرية الفيوم – الأوّل واقع عزيزة
بنت غبريال بغير رضاها وذلك بأن أوهمها أنه غير متزوّج ثم تزوّج بها وعاشرها معاشرة
الأزواج مع أنه من المسيحيين. والثانى اتفق مع المتهم الأوّل على ارتكاب الجريمة المذكورة
وساعده على ارتكابها بأن حرر له شهادة مزوّرة باسم القسيس غبريال شنوده تتضمن أن زوجته
الأولى متوفاة ووقع عليها بختم مزوّر فوقعت الجريمة بناء على هذا الاتفاق والمساعدة.
وطلبت من حضرة قاضى الإحالة إحالتهما على محكمة الجنايات لمحاكمة الأول بالمادة 230
من قانون العقوبات والثانى بالمواد 230 و40 و41 من ذلك القانون.
وحضرة قاضى الإحالة قرّر بتاريخ 17 نوفمبر سنة 1925 إحالتهما على محكمة جنايات بنى
سويف لمحاكمتهما بالمواد سالفة الذكر.
وبعد أن سمعت محكمة الجنايات هذه الدعوى حكمت بتاريخ 13 فبراير سنة 1926 حضوريا عملا
بالمواد المذكورة والمادة 17 عقوبات بحبس كل من المتهمين مدّة سنتين مع الشغل.
فطعن المحكوم عليهما يوم صدور الحكم فيه بطريق النقض والإبرام وقدم أخو المتهم الثانى
تقريرا بأوجه طعنه فى 3 مارس سنة 1926.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن النقض مقبول شكلا.
وحيث إن الوقائع الثابتة فى الحكم تتلخص فى أن المحكوم عليه الأوّل احتال لزواجه من
المجنى عليها عزيزة بنت غبريال مع كونه متزوّجا بغيرها ودينه لا يسمح له بالزواج عليها
فاتفق مع الثانى على أن يرسل مكتوبا منه لأهل عزيزة يفيد وفاة زوجة الأوّل وتزوير شهادة
بوفاتها بجعلها صادرة من الجهة المختصة بإثبات الوفاة وخطب عزيزة من أهلها وعقد له
عليها بناءً على المكتوب والشهادة المزوّرة وعاشرها معاشرة الأزواج نحو سبعة شهور وحملت
منه.
وحيث إن القانون لا يعاقب على المواقعة إلا اذا كانت قد وقعت بغير رضاء ممن ووقعت فى
حال التلبس بالفعل. وعدم الرضاء قد يكون له أثر ظاهر كالمقاومة بالقوّة من جانب المواقعة
أو الإكراه من جانب المواقع أو غير ظاهر كزوال الاختيار بالنوم أو بمادة مخدّرة. أما
أن يحتال المواقع ويدخل الغش على من واقعها حتى ترضى بالوقاع فذلك لم ينص على عقابه
القانون.
وحيث إنه لا يمكن قياس فساد رضا المواقعة بالغش هنا بفساده فى العقود المدنية واعتباره
غير حاصل وايجاب العقاب على المواقع تطبيقا لنص المادة 230 من قانون العقوبات. لأن
العبرة فى باب المواقعة بحصول الرضا مهما كان سببه. وقد حصل واستمر استمتاع كل من الزوجين
بالآخر مدّة طويلة فلا معنى للقول بأن المواقعة كانت بغير رضا.
ومن حيث إن لهذا نظيرا فيما قرره فقهاء الشرع الإسلامى فقد قالوا إن الوطء إذا كان
له شبهة فلا يقام الحدّ على الواطئ. وعند أبى حنيفة أنه إذا كان الوطء بعقد يدرأ عنه
الحدّ ولو كان عالما بتحريمه. فقد جاء فى كتاب فتح القدير لكمال الدين ابن الهمام بالجزء
الرابع صحيفة 43 ما نصه "ان الشبهة عند أبى حنيفة رحمه الله" "تثبت بالعقد وان كان
متفقا على تحريمه وهو عالم به".
ومن حيث إن الغش الذى وقع من المتهمين وإن كان مدعاة للوم فانه يخرج عن متناول قانون
العقوبات الذى لا يصح فيه القياس. وللجهة المختصة إلغاء العقد وقد ألغته فعلا. وللزوجة
التى عقد عليها بالغش أن تطالب المتهمين بما تريده من التعويض أمام المحكمة المدنية.
كذلك للنيابة أن تحاكم المتهم الثانى على ما اقترفه من التزوير.
ومن حيث إنه من جميع ما ذكر يتعين نقض الحكم وتبرئة المتهمين من الجريمة المسندة إليهما
عملا بالمادتين 229 فقرة أولى و232 من قانون تحقيق الجنايات.
من أجل هذا
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وموضوعا وإلغاء الحكم المطعون فيه
وبراءة المتهمين الاثنين مما نسب إليهما فى هذه
الدعوى.
[(1)] أصدرت محكمة النقض بجلسة 7 فبراير سنة 1927 برياسة معالى أحمد طلعت باشا فى القضية رقم 310 سنة 44 ق (الطعن المرفوع من يعقوب معوّض وتادرس فرج ضد النيابة العمومية فى قضيتها رقم 874 سنة 1925 – 1926) حكما قررت فيه أن العبرة فى المواقعة هى بحصول الرضاء أيا كان سببه وأن احتيال المواقع وإدخاله الغش على من واقعها حتى ترضى بالوقاع لا عقاب عليه بمقتضى نصوص القانون وان كان هو فى ذاته مدعاة للوم. وقد نشرنا هذا الحكم برمته فليراجع.
