الطعن رقم 54634 لسنة 75 ق – جلسة 20/ 1/ 2009
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الثلاثاء ( أ )
المؤلفة برئاسة السيد المستشار/ سمير أنيس نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ عمر بريك وعبد التواب أبو طالب نواب رئيس المحكمة ومحمود عبد السلام وصلاح محمد.
الطعن رقم 54634 لسنة 75 قضائية
جلسة 20/ 1/ 2009م
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
وحيث إن مما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهما بجريمة الضرب المفضي
إلى الموت مع سبق الإصرار ودان الأول أيضاً بإحراز سلاح أبيض بغير ترخيص قد شابه القصور
في التسبيب والفساد في الاستدلال، ذلك أنه لم يدلل على توافر سبق الإصرار في حق المتهمين
إذ اقتصر في بيانه على عبارات مرسلة لا تشمل سوى أحكامه القانونية من شرائط وعناصر
دون أن يبين الوقائع التي استخلصه منها، وعول في إدانة الطاعنين على ما حصله من أقوال
الشهود والتحريات وتقرير الصفة التشريحية مع أن ما أورده الحكم من هذه الأدلة لا يؤدي
إلى مساءلة الطاعنة الثانية عن الجريمة التي دانها عنها مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى وأدلتها تحدث عن ظرف سبق الإصرار
في قوله: "من المقرر أن سبق الإصرار وهو ظرف مشدد عام في جرائم القتل والجرح والضرب
يتحقق بإعداد وسيلة الجريمة ورسم خطة تنفيذها بعيداً عن ثورة الانفعال مما تقضي الهدوء
والروية قبل ارتكابها ولا عبرة بمضي الزمن بين التصميم على الجريمة ووقوعها طال هذا
الزمن أو قصر بل العبرة هي بما يقع في ذلك الزمن من تفكير وتدبر وأنه ما دام الجاني
انتهى تفكيره إلى خطة معينة رسمها لنفسه قبل تنفيذ الجريمة كان سبق الإصرار متوافراً
في حقه ومن ثم فإن المحكمة بعد استعراضها للواقعة وبأدلة الثبوت بها على النحو المتقدم
ترى أن ما أتاه المتهمين من أفعال يتوافر به ظرف سبق الإصرار في حقهما". لما كان ذلك،
وكان من المقرر في تفسير المادة 231 من قانون العقوبات أن سبق الإصرار ظرف مشدد عام
في جرائم القتل والجرح والضرب، يتحقق بإعداد وسيلة الجريمة ورسم خطة تنفيذها بعيداً
عن ثورة الانفعال مما يقتضي الهدوء والروية قبل ارتكابها لا أن تكون وليدة الدفعة الأولى
في نفس جاشت بالاضطراب وجمح بها الغضب حتى خرج صاحبها عن طوره، وكلما طال الزمن بين
الباعث عليها وبين وقوعها، صح افتراض قيامه، وأن البحث في توافر هذا الظرف ولئن كان
من إطلاقات محكمة الموضوع تستنتجه من ظروف الدعوى وملابساتها، إلا أن ذلك مشروط بأن
يكون موجب تلك الظروف والملابسات غير متنافر عقلاً مع ذلك الاستنتاج. لما كان ذلك،
وكان ما أورده الحكم عن سبق الإصرار فيما تقدم، لا يخرج عن كونه عبارات مرسلة تشمل
معناه وشروطه، يتعين على المحكمة أن تستظهرها بما يدل عليها وأن تبين الوقائع والأمارات
والمظاهر الخارجية التي تكشف عنها مما كان ينبغي على المحكمة أن توضح كيف انتهت إلى
ثبوت توافر ظرف سبق الإصرار في حق الطاعنين وذلك بعد أن خلت أدلة الدعوى المتمثلة في
أقوال شهود الإثبات وتحريات الشرطة مما يدل على ذلك يقيناً". لما كان ذلك، فإن ما أثبته
الحكم في صدد سبق الإصرار لا يكفي للقول بأن الطاعنين وقد تدبرا جريمتهما وفكرا فيها
تفكيراً هادئاً لا يخالطه اضطراب المشاعر ولا انفعال، ومن ثم يكون الحكم قد تعيب بالقصور
في التسبيب وفي التدليل على توافر سبق الإصرار وهو ما جره إلى الخطأ في تطبيق القانون
بترتيب مسئولية الطاعنة الثانية عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت باعتبارها مساهمة
أصلية في هذه الجريمة مع الطاعن الأول محدث الضربات جميعها التي أفضت إلى الوفاة، مما
يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه والإعادة للطاعنين، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه
وإن كان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص واقعة الدعوى من أدلتها وسائر عناصرها إلا أن
ذلك مشروط أن يكون استخلاصها سائغاً، وأن يكون الدليل الذي تعول عليه مؤدياً إلى ما
رتبه عليه من نتائج في غير تعسف في الاستنتاج ولا تنافر مع حكم العقل والمنطق، وكان
الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه قد استدل في إدانة الطاعنين بأقوال شهود الإثبات
فحصل أقوال الشاهدة الأولى "بأن والدها المجني عليه قد أخبرها هاتفياً بوقوع مشاجرة
بينه وبين المتهم الأول وبوصولها لمسرح الحادث أبصرت الأخير مسرعاً بالفرار وجلبابه
ملطخاً بالدماء وبصعودها لشقة المجني عليه وجدت جثته مسجاة أرضاً أمام الشقة وفوجئت
بالمتهمة الثانية تقوم بالتعدي عليه فقامت بالاستغاثة بالمارة وعللت تعدي المتهمين
على والدها برغبتهما في إخلاء الشقة المستأجرة له" كما حصل أقوال الشاهد الثاني بأنه
أخبر من شقيقته بوجود مشاجرة بين والده والمتهم وبالوصول إلى مكان الحادث أبصر المتهم
مسرعاً وبملابسه آثار دماء وبالصعود إلى شقتهم أبصر جثة والدهم مسجاة على الأرض"، كما
حصل أقوال الشاهد الثالث – المقدم "بهاء عبد العزيز الطحاوي" – بأن تحرياته السرية
أسفرت عن قيام كل من المتهمين باستدراج المجني عليه إلى مسرح الحادث بسبب تركه "ماتور"
مياه الشقة الخاصة به يعمل وما أن وصل المجني عليه وصعد إلى شقته لفصل ماتور المياه
حتى ظفر به المتهم الأول والذي أعد سلفاً لذلك سلاحاً أبيضاً "سكيناً" وعاجل المجني
عليه بطعنتين بالصدر من الناحية اليسرى واليمنى فأحدث به الإصابة التي أودت بحياته
حال تواجد المتهمة الثانية للشد من أزره ثم لاذ الأول بالفرار إلى أن تم ضبطه وبمواجهته
بالتحريات أقر له بارتكاب الواقعة وقام بضبط السكين بإرشاد المتهم" ثم حصل تقرير الطب
الشرعي بقوله: "وثبت من تقرير الطب الشرعي أنه وجد بجثة المجني عليه إصابة حيوية حديثة
عبارة عن جرح مستوي الحواف يقع بأعلى يمين الصدر بوضع طولي طوله حوالي 2 سم أسفل الترقوة
بحوالي 2 سم يبعد عن الخط المنصف للصدر بحوالي 7 سم وجرح مستوي الحواف طوله 3 سم والبعد
بين حوافه 1 سم يقع يسار الصدر يبعد عن الخط المنصف للصدر حوالي 2.5 سم وأسفل الترقوة
بحوالي 7 سم، وبعض سحجات مغطاة بقشرة باليد اليمنى، وأن الإصابات الموصوفة بيمين ويسار
الصدر هي إصابات طعنية حدثت من المصادفة بجسم ذو حافة حادة وطرف مدبب أياً كان نوعها
وهي جائزة الحدوث من مثل أي من السلاحين المرسلين وفي تاريخ معاصر للواقعة وفق التصوير
الوارد بمذكرة النيابة العامة وتعزى الوفاة للإصابات الطعنية في الصدر وما ينتج عنها
من تمزق بالرئة اليمنى والأوعية الدموية بالصدر ونزيف بالصدر وصدمة نزفية غير مرتجعة"
لما كان ذلك، وكانت أقوال شاهدي الإثبات الأولى والثاني كما حصلها الحكم قد خلت مما
يفيد رؤيتهما الطاعنة الثانية لدى مساهمتها مع الطاعن الأول في ارتكاب الفعل المادي
لجريمة الضرب المفضي إلى الموت مع سبق الإصرار المسند إليها أو جزءاً منه، وكان لا
يغني في ذلك أن الحكم استند أيضاً إلى أقوال الشاهد الثالث – المقدم "بهاء عبد العزيز
الطحاوي" – بأن تحرياته أسفرت عن قيام الطاعنين باستدراج المجني عليه إلى مسرح الحادث
للاعتداء عليه لخلافات بينهما وأن الطاعن الأول عاجله بطعنتين في صدره من سكين أعده
سلفاً فأحدث إصاباته التي أودت بحياته وذك في حضرة الطاعنة الثانية التي تواجدت للشد
من أزره لما هو مقرر من أن الأحكام يجب أن تبنى على الأدلة التي يقتنع منها القاضي
بإدانة المتهم أو ببراءته صادراً في ذلك عن عقيدة يحصلها هو مما يجريه من التحقيق مستقلاً
في تحصيل هذه العقيدة بنفسه لا يشاركه فيها غيره ولا يصح في القانون أن يدخل في تكوين
عقيدته بصحة الواقعة التي أقام قضاءه عليها أو بعدم صحتها حكماً لسواه، لأنه وإن كان
الأصل أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته
من أدلة طالما أنها كانت مطروحة على بساط البحث إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون قرينة
معينة أو دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة، وإذ كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها
رأي مجري التحريات ولم يورد حكمها أية شواهد أو قرائن تؤدي بطريق اللزوم إلى ثبوت مساهمة
الطاعنة الثانية مع الطاعن الأول في الجريمة المسند إليهما اقترافها مساهمة أصلية كانت
أو تبعية فإن تدليل الحكم بالنسبة للطاعنة الثانية يكون غير سائغ وقاصراً عن حمل قضائه
بما يبطله، ولا يعصم الحكم من هذا البطلان، أن يكون قد عول في الإدانة على ما ورد بتقرير
الصفة التشريحية، لما هو مقرر من أن التقارير الطبية في ذاتها لا تنهض دليلاً على نسبة
الاتهام إلى المتهم وإن كانت تصح كدليل يؤيد أقوال الشهود، ومن ثم فإن استناد الحكم
إلى التقرير ذلك، لا يغير من حقيقة كونه اعتمد بصفة أساسية على التحريات وحدها، وهي
لا تصلح دليلاً منفرداً في هذا المجال. لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون
فيه والإعادة بالنسبة للطاعنين دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن الأخرى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى محكمة جنايات القاهرة لتحكم فيها من جديد دائرة أخرى.
