الطعن رقم 26767 لسنة 71 ق – جلسة 20/ 11/ 2008
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الخميس (ب)
المؤلفة برئاسة السيد المستشار/ رضا القاضي نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين/ محمد محجوب وأبو بكر البسيوني أبو زيد وعبد الرسول طنطاوي
نواب رئيس المحكمة وحسام خليل.
الطعن رقم 26767 لسنة 71 قضائية
جلسة 20/ 11/ 2008م
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة
وبعد المداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة القتل العمد مع سبق
الإصرار قد شابه القصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق والفساد في الاستدلال والإخلال
بحق الدفاع ذلك بأنه دفع بأنه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه إلا أن الحكم أطرح هذا
الدفاع برد قاصر ويخالف الثابت بالأوراق. كما دفع بانتفاء نية القتل بيد أنها أطرحت
هذا الدفع بما لا يصلح رداً، واستخلصت ظرف سبق الإصرار بما لا ينته إذ أن الجريمة وقعت
إثر استفزاز المجني عليه له وحدوث مشادة كلامية بينهما، وأن أداة الجريمة من مستلزمات
وظيفة الطاعن بما ينفي سبق إعداده للجريمة، وإعراض الحكم عما أثاره الدفاع من وجود
تعارض بين قول الطاعن والمؤيد بقول الخفير عبد الرحمن وما ورد بتقرير الصفة التشريحية
في شأن عدد الطلقات التي أطلقها الطاعن وفي موقعه من المجني عليه وقت إطلاقها فعلى
حين قرر الطاعن أنه أطلق ست طلقات وأنه كان في مواجهة المجني عليه أثبت التقرير أن
الإصابات تحدث من ثماني أو تسع طلقات وهو ما يرشح لوجود شخص آخر كان يطلق النار على
المجني عليه. كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية
لجريمة القتل العمد التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة مستمدة من اعترافه
بالتحقيقات وأقوال النقيب هشام فوزي هاشم والنقيب عبد العزيز محمد عبد القادر وما ثبت
من تقرير الصفة التشريحية بحق المجني عليه وهي أدلة سائغة لها معينها الصحيح في الأوراق
وتؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما دفع
به الطاعن من أنه كان في حالة دفاع شرعي ونفذه وأطرحه بقوله "وحيث إنه عن قالة المتهم
أنه كان في حالة دفاع شرعي فإنه قول يعوزه المنطق وينقصه الدليل فضلاً عن مخالفته للثابت
في الأوراق ذلك أن حالة الدفاع الشرعي لا تقوم إلا إذا ثبت أن اعتداء مدعيها كان دفعاً
لعدوان وقع عليه أو أن يكون المتهم قد اعتقد على الأقل وجود خطر محدق حال على نفسه
أو ماله أو على نفس غيره أو ماله وليس بلازم أن يقع بالفعل اعتداء على النفس أو المال
بل يكفي لقيامها أن يقع فعل يخشى منه حصول هذا الاعتداء والعبرة هي بتقدير الواقعة
أو الظروف التي كان فيها بشرط أن يكون مبنياً على أسس مقبولة من شأنها أن تبرره وهو
أمر لا دليل عليه في الأوراق ولا ركيزة له من واقع الدعوى وذلك أن الثابت من اعتراف
المتهم بالتحقيقات أن المجني عليه لم يحاول الاعتداء عليه ولم يكن من ثمة أسلحة نارية
أو غيرها توهم المتهم من خلالها أن اعتداء سوف يقع عليه وإنما كل ما حدث هو حوار دار
بين المتهم والمجني عليه أخرج على أثره المتهم سلاحه الميري وأطلق منه وابلاً من الرصاص
صوب المجني عليه فأرداه قتيلاً، ولو صح ما قرره بالتحقيقات من أن المجني عليه قد أدار
الجرار ناحيته فوقع على الأرض وأخرج سلاحه وأطلق صوبه عيارين ناريين من سلاحه الميري
لوجدت آثار للطلقات بالجرار أو آثار دماء من المجني عليه على الجرار، ومن ثم يتضح أن
وقت الاعتداء على المجني عليه لم يكن هناك ثمة فعل أو شئ يخشى منه المتهم من حصول اعتداء
حيث إن المجني عليه كان مجرداً من أي سلاح أو أداة الأمر الذي يدحض فدية المتهم التي
تشبث بها دفاعه في محاولة يائسة للإفلات من هول جريمته وبشاعة وزره وذلك بعد أن أضناه
البحث عن مخرج وضاقت عليه كل السبل". لما كان ذلك، وكان من المقرر أن من حق محكمة الموضوع
أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة
لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليها اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها
سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وهي في ذلك
ليست مطالبة بالأخذ بالأدلة المباشرة بل لها أن تستخلص صورة الدعوى كما ارتسمت في وجدانها
بطريق الاستنتاج والاستواء وكافة الممكنات العقلية ما دام ذلك سليماً متفقاً مع حكم
العقل المنطق كما أن تقدير الوقائع التي يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعي أو انتفاؤها
متعلق بموضوع الدعوى لمحكمة الموضوع الفصل فيه بلا معقب عليها ما دام استدلالها سليماً
يؤدي إلى ما انتهى إليه، ولما كان ما ساقه الحكم المطعون فيه من أدلة منتجة في اكتمال
اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه من رفض الدفع بقيام حالة الدفاع الشرعي،
فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير المحكمة للدليل مما
لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لنية
القتل وأثبت توافرها في حقه في قوله "وحيث إنه عن نية القتل فهي ثابتة لدى المتهم من
استعمال سلاح قاتل بطبيعته ومن كيله عدة أعيرة نارية صوب المجني عليه قاربت على الثماني
أو التسع طلقات وفي مواضع قاتلة من جسده ومن أنه لم يتركه إلا جثة هامدة ثم قام بتسليم
نفسه بعد أن تأكد من وفاته". لما كان ذلك، وكان المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك
بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي
يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه، فإن استخلاص هذه النية من عناصر الدعوى موكل
إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية وكان ما أورده الحكم على النحو المتقدم كافياً
وسائغاً في التدليل على توافر نية القتل فإنه ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير
سديد. لما كان ذلك، وكانت العقوبة الموقعة على الطاعن – وهي الأشغال الشاقة لمدة عشرة
سنوات – تدخل في الحدود المقررة لجناية القتل العمد مجردة من أي ظرف مشدد، فلا مصلحة
له فيما أثاره من قصور الحكم في استظهار ظرف سبق الإصرار. لما كان ذلك، وكان من المقرر
أنه ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشاهد أو اعترافات المتهم ومضمون الدليل الفني على
الحقيقة التي وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يكفي أن يكون جماع
الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصى على الملاءمة والتوفيق،
ولما كانت أقوال الطاعن كما أوردها الحكم – والتي لا ينازع الطاعن في أن لها سندها
من الأوراق – لا تتعارض بل تتلاءم مع ما نقله عن التقرير الفني، وكان الحكم قد خلا
مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولي والفني، وكان لسي بلازم أن يورد الحكم ما
أثاره الدفاع عن الطاعن من وجود تناقض بين الدليلين ما دام ما أورده في مدوناته يتضمن
الرد على ذلك الدفاع إذ المحكمة لا تلزم بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه المختلقة والرد
عليها في استقلال طالما أن الرد يستفاد من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم، ومن ثم يضحى
ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص ولا محل له. لما كان ذلك، وكان يبين من مطالعة محاضر
جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يثر شيئاً مما يبديه في طعنه من وجود آخر كان يطلق أعيرة
نارية وصولاً منه للدفع بشيوع التهمة بينه وبين الشخص الآخر، وكان هذا الدفع من الدفوع
الموضوعية التي كان يتعين عليه التمسك بها أمام محكمة الموضوع فإنه لا يسوغ له إثارتها
لأول مرة أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الحكم قد قضى بمعاقبة الطاعن بالأشغال
الشاقة المؤقتة، وكان قد صدر من بعد القانون رقم 95 لسنة 2003 بتعديل بعض أحكام قانوني
العقوبات والإجراءات الجنائية ونص في مادته الثانية على أن "تلغى عقوبة الأشغال الشاقة
أينما وردت في قانون العقوبات أو في أي قانون أو نص عقابي آخر ويستعاض عنها بعقوبة
السجن المؤبد إذا كانت مؤبدة وبعقوبة السجن المشدد إذا كانت مؤقتة"، وهو ما يتحقق به
معنى القانون الأصلح للمتهم في حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات. ومن ثم فإنه
يتعين نقض الحكم المطعون فيه نقضاً جزئياً وتصحيحه عملاً بنص المادة 35 من القانون
رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض بجعل العقوبة المقضي
بها السجن المشدد لمدة عشر سنوات بدلاً من الأشغال الشاقة ورفض الطعن فيما عدا ذلك.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه نقضاً جزئياً وتصحيه بجعل العقوبة السجن المشدد بدلاً من الأشغال الشاقة ورفض الطعن فيما عدا ذلك.
