الطعن رقم 60271 لسنة 74 ق – جلسة 22/ 10/ 2007
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الاثنين (ج)
المؤلفة برئاسة السيد المستشار/ محمد حسام الدين الغرياني نائب
رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين/ عبد الرحمن هيكل ورفعت حنا ومدحت دغيم نواب رئيس المحكمة
ومهاد حليفة.
الطعن رقم 60271 لسنة 74 قضائية
جلسة 22/ 10/ 2007م
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي
المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانونًا.
من حيث إن هذه المحكمة قضت بنقض الحكم المطعون فيه لثاني مرة وحددت جلسة لنظر الموضوع.
ومن حيث إن الاستئناف المقام من المتهمين سبق أن قضي بقبوله شكلاً.
ومن حيث إن النيابة العامة اتهمت المستأنفين وآخر قضى بانقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة
له بوفاته بأنهم في يوم 22 من يونيه سنة 1987 بدائرة محافظتي القاهرة والجيزة – أولاً:
باشروا على وجه الاعتياد عملاً من أعمال البنوك دون الحصول على ترخيص بذلك من الجهات
المختصة بأن قام الأول بتجميع مدخرات المصريين العاملين في الكويت من النقد الأجنبي،
وقام الثاني بتحويل النقد الأجنبي قيمة هذه المدخرات إلى نقد مصري خارج البنوك أو شركات
الصرافة المرخص لها بذلك على النحو المبين بالتحقيقات وتقرير لجنة الفحص، ثانياً: تعاملوا
في النقد الأجنبي المبين بتقرير لجنة الفحص على غير الشروط والأوضاع المقررة قانوناً
خارج المصارف والجهات المرخص لها بذلك على النحو المبين بالتحقيقات وتقرير لجنة الفحص،
وطلبت عقابهم بالمواد 19 و56 و65 من القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك
والائتمان المعدل بالقانون رقم 50 لسنة 1984 والمادتين 14، 1 من القانون رقم 97 لسنة
1967 بشأن التعامل في النقد الأجنبي المعدل بالقانون رقم 67 لسنة 1980 والمادة 18 من
لائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الوزاري رقم 316 لسنة 1976. وركنت النيابة في إثبات
الاتهام إلى التحريات وأقوال ضابط الواقعة وعضوي لجنة الفحص وتقريرهما. إذ شهد محمد
سامي عبد اللطيف الضابط بالإدارة العامة بمباحث الأموال العامة بأن تحريات تلك الإدارة
توصلت إلى أن المتهمة الثانية وزوجها عادل عبد الله عبد اللطيف (المتهم المتوفى) يمارسان
أعمال البنوك والاتجار في النقد الأجنبي بغير ترخيص ويعملان عن طريق المتهم الأول مندوبهما
في الكويت على تجميع مدخرات المصريين العاملين بتلك الدولة فاستصدر إذناً من النيابة
العامة بضبط المتهمة وزوجها وتفتيش مسكنهما وإذ انتقل لتنفيذ ذلك الإذن تقابل مع شقيق
الأخير الذي أرشده عن مكان تواجدهما بمسكن المتهم الأول شقيق المتهمة الثانية الذي
سمح له بتفتيش مسكنه، فأسفر التفتيش عن ضبط مستندات تفيد قيامه بنشاط تجميع مدخرات
العاملين بدولة الكويت وتعامله في النقد الأجنبي وضبط مبلغ اثنين وثلاثين ألف جنيه
مصري كانت معدة لتسليمها لأصحابها مقابل النقد الذي قام بتجميعه بدولة الكويت وشيك
بمبلغ 125250 جنيه، وأنه واجه المتهم بذلك فقرر له أنه كان يعتقد شرعية ما قام به وأنه
لا دخل للمتهمين الآخرين بذلك.
وشهد حافظ إمام حافظ المليجي المفتش بالبنك المركزي وعضو اللجنة التى شكلت لفحص المستندات
المضبوطة بأن الفحص أسفر عن قيام المتهمين الثلاثة بارتكاب الجريمتين المسندتين إليهما.
وشهد مصطفى السيد علي إسماعيل الخبير بإدارة النقد وعضو لجنة الفحص بمضمون ما شهد به
السابق، وأضاف بشهادته أمام المحكمة بأن اللجنة لم تقم بمراجعة حسابات المتهمة الثانية
وزوجها بالبنوك.
وأبان تقرير لجنة الفحص المخالفات التي ارتكبها المتهمون والمبالغ التي قام المتهم
الأول بتجميعها بدولة الكويت وتحويلها إلى داخل البلاد، وأن المبالغ التي كانت محلاً
للتعامل في النقد الأجنبي بلغت 4849308 دولار أمريكي و562 ماركاً ألمانياً و800 جنيه
استرليني.
ومن حيث إن الدعوى نظرت – أمام هذه المحكمة – فمثل المتهم الأول ومعه مدافع عنه، كما
حضر محام موكل عن المتهمة الثانية، وأنكر المتهم الأول الاتهام المسند إليه، وأضاف
بأن النقد الأجنبي محل الاتهام يخص بعض أقربائه وأصدقائه، وأنه استلمه منهم بدولة الكويت
لتوصيله إلى ذويهم بالقطر المصري بالجنيه المصري لقاء مبلغ بسيط لا يتجاوز بضع قروش
عن الدولار الواحد، ثم قام بتحويل النقد الأجنبي من حسابه بالبنك في الكويت إلى حساب
المتهمة الثانية وزوجها بالبنوك في مصر، وأن الأخيرين كانا يقومان بتحويله إلى نقد
مصري عن طريق البنوك، ثم يسلمانه إلى المرسل إليهم، وبجلسة 27/ 8/ 2007 قررت المحكمة
حجز الدعوى للحكم لجلسة 22/ 10/ 2007 وصرحت بمذكرات لمن يشاء خلال أجل حددته، فتقدم
المتهمان بأربعة مذكرات ضمنوها دفاعهم ودفوعهم ومنها الدفع ببطلان ضبط وتفتيش شخص ومسكن
المتهم الأول لحصولهما بغير إذن من النيابة العامة ولعدم قيام حالة التلبس، وأن رضاءه
بالتفتيش كان لاحقاً لإجرائه وصدر وليد إكراه معنوي، وطلب المتهمان في ختام مذكراتهما
الحكم ببراءتهما مما أسند إليهما.
وحيث إنه أثناء نظر الدعوى في مراحلها السابقة قضي بانقضاء الدعوى الجنائية قبل التهم
عادل عبد الله عبد اللطيف بوفاته وببراءة المتهمة فاطمة جاد سعداوي حسن الدش من تهمة
الاتجار في النقد الأجنبي فبات معروضاً على هذه المحكمة أمر المتهم الأول في التهمتين
والمتهمة الثانية بالنسبة للتهمة الأولى وحدها.
ومن حيث إن أصل البراءة يعتبر قاعدة أساسية في النظام الاتهامي، لا ترخص فيه، تفرضها
حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الإجرائية وحماية الفرد في مواجهة صور التحكم والتسلط
والتحامل، يما يحول دون اعتبار وقاعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل جاد قاطع يبلغ
مبلغ الجزم واليقين ولا يدع مجالاً لشبهة انتفاء التهمة أو الشك فيها، ودون ذلك لا
ينهدم أصل البراءة، وكان من المقرر أنه من اللازم في أصول الاستدلال أن يكون الدليل
الذي يعول عليه مؤدياً إلى ما رتب عليه من نتائج في غير تعسف في الاستنتاج ولا تنافر
في حكم العقل والمنطق. لما كان ذلك، وكان الثابت من مطالعة الأوراق وما تضمنته من أقوال
شهود الإثبات أو تقرير لجنة الفحص، أنها خلت من دليل – تطمئن إليه المحكمة – يقطع على
سبيل الجزم بارتكاب المتهمين لجريمة مباشرة عمل من أعمال البنوك على وجه الاعتياد بغير
ترخيص أو ارتكاب المتهم الأول لجريمة التعامل في النقد الأجنبي على غير الأوضاع والشروط
المقررة قانوناً وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: أن الوقائع المنسوبة إلى المتهمين تمت في ظل القانون رقم 163 لسنة 1957 والقانون
رقم 97 لسنة 1976 المشار إليهما آنفاً، إلا أنه صدر من بعد القانون رقم 88 لسنة 2003
بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد وحل محل القانونين المذكورين وهو – على
ما سيلي من بعد – أصلح للمتهمين من ذينك القانونين، ومن ثم فإن المحكمة تنظر إلى واقعة
الاتهام في ظل هذا القانون عملاً بالمادة 5/ 2م قانون العقوبات، وتنوه المحكمة بأن
أساس الاتهام هو واقعة التعامل بالنقد الأجنبي باعتبارها مخالفة للقواعد المنظمة لذلك
التعامل وباعتبارها ممارسة لأعمال البنوك وبغيرها لا تقوم لأي من المتهمين قائمة، فقد
خلت الأوراق من اتهام المتهمين بأي واقعة أخرى – خلاف الاتجار بالنقد الأجنبي – مما
يعد من أعمال البنوك حسبما عرفها نص المادة 31/ 2 من القانون رقم 88 لسنة 2003 المشار
إليه إذ لا يعد ما أقر به المتهم الأول من شراء النقد الأجنبي في الكويت من قبيل قبول
الودائع أو الحصول على التمويل أو تقديمه، ولا يغير من ذلك وصف النيابة العامة لما
أتاه المتهم من أنه "تجميع لمدخرات" فهو وصف لا يصادف واقعاً ولا معنى له في القانون
يدخله في نطاق التأثيم.
ثانياً: ورغم أن تحريات مأمور الضبط القضائي انصبت بصفة رئيسية على المتهم الذي توفي
وزوجته المتهمة الماثلة، وانصرف إليهما وإلى مسكنهما إذن النيابة بالضبط والتفتيش،
فإن المأمور لم يفتش ذلك المسكن حين توجه إليه ولم يفتش صاحبيه فلم يضبط لديهما أية
أوراق نقد أجنبي ولا مستندات تفيد في كشف الحقيقة فيما أسندته إليهما التحريات هما
والمتهم الأول، وفضلاً عن ذلك فقد تضمن محضر التحريات المحرر بتاريخ 18 يونيه سنة 1987
أن المتهم الأول بالكويت في حين أن الثابت من جواز سفره أنه عاد إلى القاهرة قبل ذلك
في يوم 8 من الشهر المذكور، وكل ذلك مما ويوهن من الدليل في الدعوى وينال من جدية التحريات
ومصداقيتها وأقوال مجريها.
ثالثاً: قرر المتهمون بأن تحويل النقد الأجنبي من الخارج إلى مصر تم عن طريق البنوك
وأن التعامل فيه تم عن طريقها سواء ببيعه للشركات أو للأفراد الذين يعملون بالاستيراد
وهي أمور – مهما كان أمرها من قبل – أضحت مباحة عملاً بنص المادة 111/ 1، 2 من القانون
رقم 88 لسنة 2003 آنف الذكر، وخلت الدعوى من ضبط أية أوراق نقد أجنبي في حوزة أي من
المتهمين الثلاثة.
رابعاً: اقتصر عمل الجنة التي شكلتها النيابة العامة على فحص الأوراق المضبوطة والتي
قرر الضابط أن المتهم الأول سلمها إليها، ولم يتضمن التحقيق فحص حسابات المتهم المتوفى
وزوجته المتهمة الماثلة.
خامساً: ليس في مجرد سداد المتهمين في مصر ما التزم به المتهم الأول في الكويت من مبالغ
بالجنيه المصري لأربابها ما يعد تعاملاً محضوراً في النقد الأجنبي أو ممارسة لأعمال
البنوك في ظل أحكام القانون رقم 88 لسنة 2003 المشار إليه. أما ما جاء بتقرير اللجنة
وأقوال عضويها عن سحب المتهمين لنقد أجنبي وبيعه في السوق السوداء خارج البنوك والجهات
المصرح بها بذلك، فقد جاء على سبيل الاستنتاج مما تضمنته الكشوف والأوراق المضبوطة
من بيان المبالغ بالنقد الأجنبي يقابلها مبالغ النقد المصري بسعر يجاوز سعر الصرف المحدد
من البنك المركزي في ذلك الوقت، وهو استنتاج لا يؤيده دليل، إذ أن مجرد البيع بأزيد
من سعر الصرف المحدد من البنك المركزي لا يدل على أن ذلك البيع تم خارج البنوك، بل
إن إشعارات الخصم والإضافة من وإلى حساب المتهمة الماثلة والتي ضبطت لدى المتهم الأول
– على ما سطرته اللجنة في تقريرها – تؤكد أن استبدال النقد الأجنبي بنقد مصري كان يجري
داخل البنك بين حسابات المتهمة وحسابات من ذكرت أسماؤهم في تلك الإشعارات ورغم أن المقابل
بالجنيه المصري يجاوز سعر الصرف في ذلك الوقت. لما كان ذلك، وكان البيع بأزيد من سعر
الصرف لدى البنك المركزي لم يعد مؤثماً بعد تحرير سعر الصرف وإخضاعه لعوامل السوق من
عرض وطلب عملاً بنص المادة 112 من القانون رقم 88 لسنة 2003 المشار إليه آنفاً، وهو
نص أصلح للمتهمين ويتعين تطبيقه عليهما، وإنا المؤثم أن يتم التعامل في أوراق النقد
خارج البنوك أو الجهات المصرح لها بذلك، وقد خلت الأوراق على ما سلف مما يؤكد استنتاج
مأمور الضبط القضائي وعضوي اللجنة وينفي دفاع المتهمين من أن تعاملاتهم كافة كانت عن
طريق البنوك.
سادساً: أن الأوراق المضبوطة لدى المتهم الأول – وهي وعاء أعمال الفحص التي باشرتها
اللجنة المنتدبة – قد اصابها التلف على النحو الثابت بمحضر جلسة المحاكمة لدرجة أنه
تعذر على عضو اللجنة أن يرجع إليها مرة أخرى ليجيب على الأسئلة التي وجهت إليه، ومن
ثم فلا جدوى من ندبه – أو غيره – مرة أخرى لفحص تلك الأوراق. لما كان ما تقدم، فإن
الدعوى تكون خلواً مما يثبت على سبيل الجزم واليقين أن المتهمين قد قارفا أياً من الجريمتين
موضوع الاتهام، وإذ كان الحكم المستأنف قد انتهى إلى إدانتهما رغم ذلك، فإنه يكون حرياً
بالإلغاء مع القضاء ببراءة المتهمين مما أسند إليهما عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة
304 من قانون الإجراءات الجنائية
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: ببراءة كل من العليم جاد سعداوي حسن الدش وفاطمة جاد سعداوي حسن الدش مما أسند إليهما.
