الطعن رقم 22 لسنة 2 ق ، 26 و28 لسنة 2 ق :لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
مجلس الدولة – المكتب الفنى – مجموعة المبادئ
القانونية التى قررتها المحكمة الادارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثانى (من أول فبراير سنة 1960 الى آخر مايو سنة 1960) – صـ
833
جلسة 26 من نيسان (أبريل) سنة 1960
برياسة السيد/ السيد على السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة على بغدادى ومصطفى كامل إسماعيل ومحمود محمد ابراهيم وعبد المنعم سالم مشهور المستشارين.
القضية رقم 22 لسنة 2 القضائية (ج)، 26 و28 لسنة 2 القضائية (ش) (1):
دعوى – اختصاص – إجراءات – احالة الدعوى – الاحالة لوحدة الموضوع أو للارتباط بين
دعويين – جوازها بين محكمتين من درجة واحدة تابعتين لجهة قضاء واحدة – احالة الدعوى
من جهة قضائية الى جهة قضائية أخرى للاختصاص – لا تجوز بغير نص تشريعى – أمثلة.
أن الحكم المطعون فيه – اذ قضى بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء ادارى بنظر الدعوى،
وباحالتها الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض للاختصاص – يكون
قد أصاب الحق فى شقه الذى انتهى الى عدم اختصاص مجلس الدولة واختصاص الهيئة العامة
للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض بها، الا انه قد أخطأ فى تأويل القانون وتطبيقه
باحالة الدعوى الى تلك الهيئة ما دامت قد رفعت بعد العمل بالقانون رقم 56 لسنة 1959
فى شأن السلطة القضائية الذى قضى فى مادته التسعين باختصاص الهيئة العامة للمواد المدنية
والتجارية بمحكمة النقض دون غيرها بالفصل فى منازعات رجال القضاء والنيابة ومن فى حكمهم
على الوجه المبين فيها، فيكون المدعى هو الذى أخطأ فى رفع دعواه أمام مجلس الدولة بهيئة
قضاء ادارى بعد أن صار الاختصاص معقودا لتلك الهيئة وحدها منذ نفاذ ذلك القانون، فلا
مناص من الحكم بعدم الاختصاص مع إلزام المدعى بمصروفات دعواه دون احالة الدعوى الى
تلك الهيئة المذكورة، اذ الاحالة لوحدة الموضوع أو للارتباط بين دعويين طبقا للاصول
العامة لا تجوز الا بين محكمتين من درجة واحدة تابعتين لجهة قضاء واحدة، ومن هنا يبين
وجه الخطأ فى تأويل القانون وتطبيقه فيما وقر فى روع المحكمة من أن "اعادة توزيع الولاية
بين جهات القضاء المختلفة فى الاقليم الشمالى تجعل من باب اللزوم افتراض وجود قاعدة
تسمح بالاحالة عند تطبيق التشريعات الجديدة"، إذ لا محل قانونا لمثل هذا الافتراض بغير
نص صريح، وهو ما قد يحدث عند اصدار تشريعات تغير توزيع الاختصاص بين جهات القضاء المختلفة،
وبالنسبة الى قضايا تكون مرفوعة فعلا، ويكون من مقتضى التشريع الجديد أن تصبح تلك القضايا
من اختصاص جهة قضاء غير تلك التى رفعت أمامها أصلا، فيعالج التشريع هذا الامر بحكم
انتقالى ييسر بموجبه نقل الدعاوى المذكورة الى الجهة القضائية الجديدة التى أصبحت مختصة،
دون ان يكلف ذوى الشأن رفع دعاوى جديدة باجراءات ومصروفات أخرى، لانهم كانوا قد رفعوا
تلك الدعاوى أمام المحكمة المختصة. ومثال ذلك ما نص عليه قانون السلطة القضائية رقم
56 لسنة 1959 فى مادته التاسعة إذ أمر باحالة الدعاوى الاستئنافية المنظورة امام محاكم
الاستئناف فى الاقليم الشمالى، والداخلة فى اختصاص المحاكم الابتدائية بصفتها الاستئنافية
الى هذه المحاكم بحسب الحال على النحو الذى فصله بتلك النصوص الصريحة، كما أمر بغير
ذلك من الاحالات التى ما كانت تجوز طبقا للاصول العامة على اعتبار انها بين محاكم من
درجات مختلفة الا بمثل هذه النصوص التشريعية الخاصة التى تعالج دورا انتقاليا.
ومثال ذلك ايضا ما نص عليه قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 فى مادته الثانية من
ان (جميع القضايا المنظورة امام المحكمة العليا بدمشق والتى اصبحت بموجب هذا القانون
من اختصاص محكمة القضاء الادارى أو المحاكم الادارية تحال بحالتها وبدون رسوم الى المحكمة
المختصة). وقد تكون تلك المحكمة اما المحكمة الادارية أو محكمة القضاء الادارى بحسب
الاحوال على ما فى ذلك من اختلاف الدرجة فى التدرج القضائى، الى غير ذلك من النصوص
التشريعية الصريحة التى تصدر كما سلف البيان لتعالج دورا انتقاليا أصبح لابد من علاجه
بمثل تلك النصوص حتى لا يتكبد ذوو الشأن رفع دعاوى جديدة بمصروفات جديدة وهم لا دخل
لهم فى تغيير الاوضاع حسبما انتهت اليه التشريعات الجديدة.
اجراءات الطعن
فى يوم 27 من كانون الثانى (يناير) سنة 1960 أودع السيد رئيس هيئة
مفوضى الدولة فى الاقليم الشمالى سكرتيرية المحكمة عريضة طعن فى الحكم الصادر من محكمة
القضاء الادارى بدمشق بجلسة 3 من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1959 فى القضية رقم 130
سنة 2 القضائية المقامة من السيد اميل فوتى، ضد رئاسة الجمهورية ووزارة العدل التنفيذية
بالاقليم الشمالى ووزارة الخزانة التنفيذية بالاقليم الشمالى، والقاضى "بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الدعوى وباحالتها الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة
النقض للاختصاص"، وطلب رئيس هيئة المفوضين للأسباب التى استند إليها فى عريضة الطعن،
الحكم بقبول الطعن شكلا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من احالة الدعوى الى
الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض وبتأييده فى قضائه بعدم اختصاص
محكمة القضاء الادارى بنظر الدعوى مع إلزام المدعى المصروفات ومقابل اتعاب المحاماة.
وقد أعلن الطعن للحكومة فى 4 من شباط (فبراير) سنة 1960، والمدعى فى 6 من شباط سنة
1960، وفى يوم 9 من آذار (مارس) سنة 1960 أودع السيد مستشار ادارة قضايا الحكومة فى
الاقليم الشمالى سكرتيرية المحكمة عريضة طعن فى ذات الحكم، وطلب الحكم بقبول الطعن
شكلا وبتأييد الحكم بعدم اختصاص محكمة القضاء الادارى فى الدعوى المنازع بها، والزام
المدعى بكامل النفقات المترتبة قانونا وبالغاء الحكم المطعون فيه فيما يختص باحالة
إضبارة الدعوى الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية فى محكمة النقض.
وقد أعلن الطعن للمدعى فى 17 من آذار (مارس) سنة 1960.
وتحدد لنظر الطعنين امام دائرة فحص الطعون جلسة 22 من آذار (مارس) سنة 1960، وفى 5
من آذار (مارس) سنة 1960 أبلغت الحكومة والمدعى بميعاد هذه الجلسة وفيها قررت المحكمة
ضم الطعنين أحدهما الى الآخر ليصدر الحكم فيها معا، ثم قررت احالة الطعنين الى المحكمة
الادارية العليا، عين لذلك جلسة 16 من نيسان (ابريل) سنة 1960، وفيها سمعت المحكمة
ما رأت سماعه من ايضاحات ذوى الشأن على الوجه الموضح بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق
بالحكم الى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الاوراق وسماع الايضاحات، وبعد المداولة.
من حيث أن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الاوراق، تتلخص فى أن المدعى أودع فى
16 من آب (أغسطس) سنة 1959 سكرتيرية محكمة القضاء الادارى بدمشق عريضة دعواه طالبا
الغاء القرار الجمهورى رقم 338 سنة 1959 المؤرخ فى 22 من شباط (فبراير) سنة 1959 المنشور
فى الجريدة الرسمية فى 23 من شباط (فبراير) سنة 1959، والقاضى باحالته الى المعاش واضافة
سنتين الى مدة خدمته، وقال المدعى شرحا لدعواه، بأن مجلس الدولة يختص بهيئة قضاء ادارى
بالفصل فى الطلبات التى يقدمها الموظفون العموميون بالغاء القرارات الادارية الصادرة
باحالتهم الى المعاش، وذلك وفقا للفقرة الخامسة من المادة الثامنة من قانون مجلس الدولة،
وقد اصدرت رئاسة الجمهورية العربية المتحدة قرارا جمهوريا بتاريخ 23 من شباط (فبراير)
سنة 1959 بإحالته الى المعاش قبل بلوغه سن التقاعد، فأضحى مجلس الدولة هو المختص موضوعيا
بالنظر بطلب الالغاء هذا، لوجود عيب فى شكل تنظيم القرار، ولصدوره بصورة مخالفة للقوانين،
أدت الى خطأ فى تطبيقها أو تأويلها..
واستطرد المدعى فأبان أن القرار المطعون فيه قد نشر بتاريخ 23 من شباط (فبراير) سنة
1959 فى الجريدة الرسمية، وأنه تظلم بالبريد الى رئاسة الجمهورية فى 21 من نيسان (ابريل)
سنة 1959، أى بعد ثمانية وخمسين يوما من تاريخ نشر القرار المطعون فيه، وانتظر مدة
ستين يوما على تقديمه، ثم تقدم بطلب الالغاء قبل انتهاء الستين يوما على انقضاء مدة
التظلم، وأرفق المدعى بعريضة الدعوى مذكرة بسط فيها أسانيد طلب الالغاء مع صورة من
القرار المطعون فيه والبطاقة البريدية
وطلبت وزارة العدل رفض الدعوى والزام المدعى بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وذكرت
أنه اتبع فى صرف المدعى من الخدمة ما تضمنته المادة 22 من قانون الاصدار المتعلق بالقانون
رقم 56 لسنة 1959 فى شأن السلطة القضائية، وأودعت هيئة مفوضى الدولة مذكرة حددت فيها
وقائع الدعوى والمسائل القانونية التى أثارها النزاع، ضمنتها ان المدعى كان يشغل وظيفة
قاضى الصلح، وأحيل الى المعاش بالقرار الجمهورى رقم 338 لسنة 1959، وأبانت أن المادة
90 من قانون السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959 تنص على أن "تختص الهيئة العامة للمواد
المدنية والتجارية بمحكمة النقض دون غيرها بالفصل فى كافة الطلبات التى يقدمها رجال
القضاء والنيابة العامة والموظفون القضائيون بالديوان العام وبمحكمة النقض بالغاء القرارات
الجمهورية والقرارات الوزارية المتعلقة بأى شأن من شئون القضاة". وقالت انه لذلك لا
تختص محكمة القضاء الادارى بالفصل فى طلب المدعى، وانتهت الى طلب الحكم بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الدعوى والزام المدعى بالرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة.
وبجلسة 3 من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1960 قضت محكمة القضاء الادارى بدمشق بعدم اختصاصها
بنظر الدعوى وباحالتها الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض للاختصاص،
وأقامت المحكمة قضاءها على أن القرار المطعون فيه قد صدر فى شأن من شئون القضاة، وأن
طلب الغائه من الطلبات التى تختص بها الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة
النقض دون غيرها، طبقا لحكم المادة 90 من قانون السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959،
بوصفها ذات الاختصاص العام فى كل شئون القضاة فيما عدا التعيين والترفيع والنقل والندب،
وأنه لهذا لا يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء ادارى بالفصل فى الطلب المقدم من المدعى
بالغاء القرار المطعون فيه. وذكرت المحكمة أنه ولئن كانت الاحالة غير جائزة بين جهات
القضاء المختلفة كأصل عام، الا أن اعادة توزيع الولاية بين هذه الجهات فى الاقليم الشمالى
تجعل من باب اللزوم افتراض وجود قاعدة تسمح بالاحالة عند تطبيق التشريعات الجديدة.
ومن حيث أن طعن هيئة المفوضين يقوم على أن قضاء المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى
استنادا الى نص المادة 90 من القانون رقم 56 لسنة 1959 فى شأن السلطة القضائية صحيح
فى شقه الخاص بعدم الاختصاص. أما الشق الخاص باحالة الدعوى الى الهيئة العامة للمواد
المدنية والتجارية بمحكمة النقض، فان الحكم قد استند الى افتراض وجود قاعدة تسمح بالاحالة
عند تطبق التشريعات الجديدة بإعادة توزيع الولاية بين هذه الجهات فى الاقليم الشمالى،
وهذا النظر خاطئ قانونا لان المشرع وهو بصدد توحيد القوانين المتعلقة بالقضاء فى اقليمى
الجمهورية العربية المتحدة أورد نصوصا صريحة تقضى بالاحالة بين الجهات القضائية المختلفة،
منها على سبيل المثال: نص المادة 3 من القانون رقم 56 لسنة 1959 فى شأن السلطة القضائية،
ونص المادة 2 من مواد إصدار القانون رقم 55 لسنة 1959 فى شأن تنظيم مجلس الدولة، ومن
ثم فانه ما كان يجوز للمحكمة إزاء هذه النصوص أن تفترض وجود قاعدة تسمح بالاحالة عند
الحكم بعدم اختصاصها فى غير ما نص عليه المشرع، إذ الاصل العام أن الاحالة غير جائزة
بين جهتى القضاء العادى والقضاء الادارى لاستقلال كل من القضاءين عن الآخر بنص فى القانون
هذا، ولا يمكن تصحيح الحكم المطعون فيه، فيما قضى به خاصا بالاحالة، بالاستناد الى
نص المادة 3 من قانون السلطة القضائية، إذ أنها وان كانت قد قضت باحالة طلبات رجال
القضاء الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض، الا أن الاحالة هنا
مشروطة بتوافر شرطين: الاول – أن تكون تلك الطلبات عند العمل بقانون السلطة القضائية
مرفوعة أمام هيئة أخرى. والثانى – ألا يكون قد تم الفصل فيها عند العمل بهذا القانون.
وما دام الثابت من اضبارة الدعوى انها لم تكن مرفوعة قبل العمل بالقانون المذكور أمام
أية هيئة أخرى، بل أقيمت ابتداء أمام محكمة القضاء الادارى بعريضة أودعت بسكرتيريتها
فى 16 من آب (أغسطس) سنة 1959، فانه ما كان يمكن للحكم أن يستند الى هذا النص فيما
قضى به من احالة الدعوى الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض عند
الحكم بعدم الاختصاص بنظرها.
واذا كانت المحكمة من تقرير الحق للمحكمة التى تحكم بعدم اختصاصها فى أن تقضى باحالة
الدعوى الى المحكمة المختصة هو الا تنقضى الخصومة بالحكم بعدم الاختصاص، وحتى لا يتحمل
رافعها عنت الاضطرار الى تجديدها بدعوى مبتدأة، مع احتمال أن يكون رفع الدعوى الى محكمة
غير مختصة نتيجة خطأ مغتفر فى تطبيق قواعد الاختصاص، إذا كانت هذه الحكمة تتوافر فى
حالة الحكم بعدم الاختصاص المحلى (المادة 147من قانون أصول المحاكمات) فانها لا تتحقق
كلها فى الحكم بعدم الاختصاص تأسيسا على دخول النزاع فى ولاية جهة قضائية أخرى، اذ
ليس من العدالة مراعاة شخص يرفع دعوى الى جهة قضائية غير مختصة بنظرها فيضيع وقتها
وجهودها، ثم تصدر حكمها بعد هذا كله بتوجيه دعواه توجيها صحيحا باحالتها الى الجهة
المختصة دون أن تحمله عناء اقامتها أمام هذه الجهة صاحبة الولاية من جديد.
وتطبيقا لما تقدم، فإن محكمة القضاء الادارى إذ قضت باحالة الدعوى الى الهيئة العامة
للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض تكون قد خالفت القانون وأخطأت فى تطبيقه وتأويله،
وقامت بحكمها بالنسبة لهذا الشق، حالة من حالات الطعن أمام المحكمة الادارية العليا
المنصوص عليها فى البند من الفقرة الاولى من المادة 15 من قانون تنظيم مجلس الدولة.
ومن حيث أن طعن إدارة قضايا الحكومة يقوم على أنه من حق المحكمة الادارية أن تقرر عدم
اختصاصها، وهو ما ذهبت اليه فى حكمها المطعون فيه، ولكن ليس من حقها أن تقرر احالة
أوراق الدعوى الى المرجع القانونى للفصل فى النزاع موضوع الدعوى، لان الشارع لم يخول
المحكمة ممارسة مثل هذا الاجراء، ولان ممارسته تترتب عليها آثار قانونية تؤثر على أصل
النزاع وجواز رؤيته أو عدم جواز ذلك، لأن مما استقر عليه الفقة والاجتهاد أن تقرير
عدم الاختصاص لا يقطع المهل المحددة لطرق المراجعة، ولا توقفها، وهو من النظام العام
المتعلق بالتنظيم القضائى خاصة وليس ثمت من تشريع ينص على مغايرة هذا المبدأ العام
القانونى.
ومن حيث أن هيئة المفوضين قدمت تقريرا بالرأى القانونى فى الطعن المقدم من ادارة قضايا
الحكومة عن رئاسة الجمهورية ووزارتى العدل والخزانة التنفيذيتين بالاقليم الشمالى ضمنته
أن باستقراء الطعون المقدمة للمحكمة الادارية العليا، تبين أن الحكم المطعون فيه ذاته
سبق لهيئة المفوضين ان طعنت فيه بالطعن رقم 26 لسنة 2 ق، وأن الطعن المقدم من الحكومة
موضوعه ذات موضوع الطعنين الآخر وعن الحكم ذاته، وتقول هيئة المفوضين أنها ترى ضم الطعنين
لنظرهما معا، وليصدر فيهما قرار واحد، وذلك للارتباط الوثيق، كما تقول هيئة المفوضين
أن الثابت أن الحكم المطعون فيه صدر بجلسة 3 من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1959، ومن
ثم يتعين الطعن فيه فى ميعاد غايته 2 من شباط (فبراير) سنة 1960، فانه يكون من ثم قدم
بعد أكثر من ستين يوما من تاريخ صدور الحكم، أى بعد الميعاد القانونى، الامر الذى من
أجله يكون الطعن غير مقبول شكلا.
ومن حيث ان الطعنين هما عن حكم واحد ويتحدان فى موضوعهما ويتفقان فى الاسباب التى قام
كل منهما عليها، وفى النتيجة التى يستهدفها، من أجل ذلك يتعين ضم الطعنين أحدهما للآخر
وإصدار حكم واحد فيهما على الوجه الذى قررته دائرة فحص الطعون.
1 – عن الدفع بعدم قبول الطعن رقم 38 لسنة 2 المقدم من ادارة قضايا الحكومة:
ومن حيث أن دفع هيئة المفوضين يقوم على عدم قبول الطعن شكلا لرفعه بعد الميعاد
ويتحصل هذا الدفع فى أن المادة 15 من القانون رقم 55 لسنة 1959 فى شأن تنظيم مجلس الدولة
للجمهورية العربية المتحدة تقضى بأن يرفع الطعن خلال ستين يوما من تاريخ صدور الحكم،
ومؤدى ذلك انه لا يجوز بحال من الاحوال أن يجاوز ميعاد الطعن ستين يوما من تاريخ صدور
الحكم، ولما كان الحكم المطعون فيه قد صدر فى 3 من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1959 وطعنت
فيه إدارة قضايا الحكومة بعريضة أودعت سكرتيرية المحكمة الادارية العليا فى 9 من آذار(مارس)
سنة 1960 فإن الطعن يكون قد فات ميعاده.
ومن حيث أن الطعن أمام المحكمة الادارية العليا يتم وفقا للمادة 16 من القانون رقم
55 لسنة 1959 فى شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة بتقرير يودع قلم
كتاب تلك المحكمة خلال ستين يوما من تاريخ صدور الحكم طبقا للمادة 15 من القانون المشار
اليه، ويقع الطعن صحيحا ما دامت عريضته قد استوفت البيانات الجوهرية التى تضمنتها المادة
16، وبه تنعقد المنازعة الادارية، وتكون تلك المنازعة مقامة فى الميعاد القانونى ما
دام الايداع قد تم خلاله.
ومن حيث أن الحكم المطعون فيه قد صدر بجلسة 3 من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1959، وأودعت
ادارة قضايا الحكومة تقرير الطعن المقدم منها قلم كتاب المحكمة فى يوم 9 من آذار (مارس)
سنة 1960، فمن يكون الدفع قائما على أساس سليم ويتعين من أجل ذلك الحكم بعدم قبول الطعن
رقم 38 لسنة 2 المقدم من ادارة قضايا الحكومة شكلا لتقديمه بعد الميعاد.
2 – عن اختصاص القضاء الادارى:
ومن حيث أن طعن هيئة المفوضين قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث أن لقانون رقم 56 لسنة 1959 فى شأن السلطة القضائية قد خول فى مادته التسعين
الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض دون غيرها سلطة الفصل فى كافة
الطلبات التى يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة والموظفون القضائيون بالديوان العام
وبمحكمة النقض بإلغاء القرارات الجمهورية والقرارات الوزارية المتعلقة بأى شأن من شئون
القضاة عدا التعيين والترقية والنقل والندب، وعهد لمحكمة النقض مشكلة على النحو السابق
بيانه دون غيرها بسلطة الفصل فى الطلبات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة
لهم أو لورثتهم، وقضى كذلك بأن تختص تلك الهيئة دون غيرها بالفصل فى طلبات التعويض
الناشئة عن كل ذلك، وخص القانون المشار اليه مجلس القضاء الاعلى بسلطة الفصل فى التظلمات
الخاصة بالطعن فى القرارات الصادرة بالترقية وقضى بأنه لا يجوز الطعن بأى طريق من طرق
الطعن أو أمام أية هيئة قضائية أخرى فى القرارات الصادرة بالتعيين أو النقل أو الندب.
ومن حيث أن مقتضى ما تقدم أن مجلس الدولة بهيئة قضاء ادارى لا اختصاص له فى المنازعات
الخاصة بالطلبات التى يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة والموظفون القضائيون بالديوان
العام وبمحكمة النقض، والمتعلقة بأى شأن من شئون القضاة.
3 – عن الاحالة:
ومن حيث أنه يخلص مما تقدم أن الحكم المطعون فيه اصاب الحق فى شقه الذى انتهى فيه
الى عدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء ادارى بنظر الدعوى واختصاص الهيئة العامة للمواد
المدنية والتجارية بمحكمة النقض بها، الا أنه قد أخطأ فى تأويل القانون وتطبيقه، اذ
قضى باحالة الدعوى الى تلك الهيئة بمقولة "انه ولئن كانت الاحالة غير جائزة بين جهات
القضاء المختلفة كأصل عام، الا ان اعادة توزيع الولاية بين هذه الجهات فى الاقليم الشمالى
تجعل من باب اللزوم افتراض قاعدة تسمح بالاحالة عند تطبيق التشريعات الجديدة". وقد
أخطأ الحكم هذا التأويل ما دامت هذه الدعوى قد رفعت بعد العمل بالقانون رقم 56 لسنة
1959 فى شأن السلطة القضائية الذى قضى فى مادته التسعين باختصاص الهيئة العامة للمواد
المدنية والتجارية بمحكمة النقض دون غيرها بالفصل فى منازعات رجال القضاء والنيابة
ومن فى حكمهم على الوجه المبين فيها، فيكون المدعى هو الذى أخطأ فى رفع دعواه أمام
مجلس الدولة بهيئة قضاء ادارى بعد أن صار الاختصاص معقودا لتلك الهيئة وحدها منذ نفاذ
ذلك القانون، فلا مناص من الحكم بعدم الاختصاص، مع الزام المدعى بمصروفات دعواه دون
احالة الدعوى الى تلك الهيئة المذكورة، اذ الاحالة لوحدة الموضوع أو للارتباط بين دعويين
طبقا للأصول العامة، لا تجوز الا بين محكمتين من درجة واحدة تابعتين لجهة قضاء واحدة،
ومن هنا يبين وجه الخطأ فى تأويل القانون وتطبيقه فيما وقر فى روع المحكمة من أن اعادة
توزيع الولاية بين جهات القضاء المختلفة فى الاقليم الشمالى تجعل من باب اللزوم افتراض
وجود قاعدة تسمح بالاحالة عند تطبيق التشريعات الجديدة، إذ لا محل قانونا لمثل هذا
الافتراض بغير نص صريح، وهو ما قد يحدث عند اصدار تشريعات تغير توزيع الاختصاص بين
جهات القضاء المختلفة، وبالنسبة الى قضايا تكون مرفوعة فعلا، ويكون من مقتضى التشريع
الجديد ان تصبح تلك القضايا من اختصاص جهة قضاء غير تلك التى رفعت أمامها اصلا، فيعالج
التشريع هذا الامر بحكم انتقالى ييسر بموجبه نقل الدعاوى المذكورة الى الجهة القضائية
الجديدة التى أصبحت مختصة، دون أن يكلف ذوى الشأن رفع دعاوى جديدة باجراءات ومصروفات
أخرى، لانهم كانوا قد رفعوا تلك الدعاوى أمام المحكمة المختصة. ومثال ذلك ما نص عليه
قانون السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959 فى مادته التاسعة إذ أمر باحالة الدعاوى الاستئنافية
المنظورة أمام محاكم الاستئناف فى الاقليم الشمالى، والداخلة فى اختصاص المحاكم الابتدائية
بصفتها الاستئنافية الى هذه المحاكم بحسب الحال على النحو الذى فصله بتلك النصوص الصريحة،
كما أمر بغير ذلك من الاحالات التى ما كانت تجوز طبقا للأصول العامة على اعتبار انها
بين محاكم من درجات مختلفة الا بمثل هذه النصوص التشريعية الخاصة التى تعالج دورا انتقاليا.
ومثال ذلك أيضا ما نص عليه قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 فى مادته الثانية من
أن "جميع القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا بدمشق والتى أصبحت بموجب هذا القانون
من اختصاص محكمة القضاء الادارى أو المحاكم الادارية تحال بحالتها وبدون رسوم الى المحكمة
المختصة". وقد تكون تلك المحكمة أما المحكمة الادارية أو محكمة القضاء الادارى بحسب
الاحوال على ما فى ذلك من اختلاف الدرجة فى التدرج القضائى، الى غير ذلك من النصوص
التشريعية الصريحة التى تصدر كما سلف البيان لتعالج دورا انتقاليا أصبح لابد من علاجه
بمثل تلك النصوص حتى لا يتكبد ذوو الشأن رفع دعاوى جديدة بمصروفات جديدة وهم لا دخل
لهم فى تغيير الاوضاع حسبما انتهت اليه التشريعات الجديدة.
ومن حيث انه لكل ما تقدم يكون الطعن المقدم من هيئة المفوضين على أساس سليم، وأن الحكم
المطعون فيه فى شقه الخاص باحالة الدعوى الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية
بمحكمة النقض قد أخطأ فى تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين إلغاؤه فى هذا الشق وتأييده
فيما عدا ذلك.
فلهذه الاسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الطعن رقم 38 لسنة 2 ق المقدم من الجهة
الادارية شكلا، والزمتها بمصروفاته، وبقبول الطعن رقم 26لسنة 2 ق المقدم من هيئة مفوضى
الدولة شكلا، وفى موضوعه بإلغاء ما قضى به الحكم المطعون فيه من احالة الدعوى الى الهيئة
العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض، وبتأييده فيما عدا ذلك، وألزمت المدعى
بمصروفات دعواه.
(1) بمثل هذا المبدأ قضت المحكمة فى الجلسة نفسها فى القضيتين رقمى 23 لسنة 2 ق (ج)/ 27 لسنة 2 ق و39 لسنة 2 ق (ش)، 24 لسنة 2 ق (ج) / 28 لسنة 2 ق (ش).
