الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1004 لسنة 5 ق – جلسة 27 /02 /1960 

مجلس الدولة – المكتب الفنى – مجموعة المبادئ القانونية التى قررتها المحكمة الادارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثانى (من أول فبراير سنة 1960 الى آخر مايو سنة 1960) – ص- 494


جلسة 27 من فبراير سنة 1960

برياسة السيد/ السيد على السيد رئيس المجلس وعضوية السادة/ السيد ابراهيم الديوانى والامام الامام الخريبى وعلى بغدادى ومصطفى كامل اسماعيل المستشارين.

القضية رقم 1004 لسنة 5 القضائية

( أ ) تأديب – ضمانات التحقيق أمام المحاكم التأديبية – يكفى لتوافرها قيام الاصول والمقومات الاساسية التى تطلبها الشارع لسلامة التحقيق – لا الزام على المحكمة بسماع شهادة الرؤساء الاداريين للموظف المحال على المحاكمة التأديبية – أساس ذلك.
(ب) تأديب – مدى رقابة المحكمة الادارية العليا على احكام المحاكم التأديبية – لا مجال لهذه الرقابة الى فى احدى الاحوال الثلاثة المنصوص عليها فى المادة 15 من القانون رقم 55 لسنة 1959، فاذا لم توجد واحدة من هذه الاحوال وكان الحكم مستندا الى وقائع صحيحة لها أصول ثابتة من الأوراق وكان التكييف سليما والاستخلاص سائغا فلا وجه للتعقيب على الحكم من المحكمة الادارية العليا
1 – يخلص من استقراء النصوص الواردة فى شأن تأديب الموظفين فى كل من قانون نظام موظفى الدولة وقانون تنظيم النيابة الادارية والمحاكمات التأديبية انها تهدف فى جملتها الى توفير ضمانة لسلامة التحقيق وتيسير وسائل استكماله للجهة القائمة به، بغية الوصول الى اظهار الحقيقة من جهة ولتمكين الموظف المتهم من جهة أخرى من الوقوف على عناصر هذا التحقيق وأدلة الاتهام لابداء دفاعه فيما هو منسوب اليه، ولم تتضمن هذه النصوص ما يوجب افراغ التحقيق فى شكل معين أو وضع مرسوم، كما لم ترتب جزاء البطلان على اغفال اجرائه على وجه خاص. وكل ما ينبغى هو أن يتم التحقيق فى حدود الاصول العامة وبمراعاة الضمانات الاساسية التى تقوم عليها حكمته بأن تتوافر فيه ضمانة السلامة والحيدة والاستقصاء لصالح الحقيقة وأن تكفل به حماية حق الدفاع للموظف تحقيقا للعدالة، فاذا تم استجماع الوقائع المكونة للذنب التأديبى واستخلصت عناصر الاتهام بأسلوب مشروع من مصادرها الصحيحة وضمت الاوراق المؤيدة لها وأكملت بأقوال الشهود من الموظفين وغيرهم أو بالتحريات أو الايضاحات أو التقارير المقدمة منهم ووجه الموظف المحال الى المحاكمة التأديبية بهذا كله، سواء باستجوابه عن تلك الوقائع أو بمناقشته فيها أو تبليغه بها لابداء ملاحظاته أو رده عليها ومكن من الاطلاع على التحقيقات التى أجريت والاوراق المتعلقة بها أو أخذ صورة منها ان شاء، وأجيب الى طلبه فيما يتعلق بسماع شهود أو ضم أوراق أو تقارير أو استيفاء اجراء وسمح له بابداء أقواله ودفاعه وملاحظاته، أما كتابة بمذكرة أو شفهيا ببيان أو مرافعة سواء بنفسه أو بمحام عنه، اذا تحقق هذا ولم يقع اخلال به فان الغاية التى استهدفها المشرع من الاحكام الخاصة باجراءات التأديب فى هذا الخصوص تكون متحققة. ولا يقدح فى صحة هذا النظر ما ورد بالمرسوم الصادر فى 12 من يناير سنة 1953 باللائحة التنفيذية للقانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفى الدولة أو بقرار رئيس الجمهورية رقم 1489 لسنة 1958 الصادر فى 23 من نوفمبر سنة 1958 باللائحة الداخلية للنيابة الادارية والمحاكم التأديبية من نصوص خاصة بالتحقيق فى المحاكمات التأديبية لا تعدو أن تكون أحكاما توضيحية واردة على سبيل التوجيه والتنظيم فى حدود أحكام القانون الذى تستند اليه، دون الخروج على هذه الاحكام أو تناولها بالاضافة أو التعديل، ودون ترتيب جزاء البطلان على عدم اتباع شكلياتها وهو الجزاء الذى لم يقرره القانون ذاته على مثل هذه المخالفة.
فاذا كان قرار احالة الطاعن الى المحاكمة التأديبية قد صدر بناء على ما كشفت عنه التحقيقات التى أجرتها مراقبة التشريع والتحقيقات بوزارة التموين ثم النيابة العامة ثم تقرير ادارة الخبراء بالوزارة من مؤاخذات أسندت اليه – ومن ثم فلا وجه للنعى على القرار المذكور بالبطلان بمقولة أنه لم يسبقه تحقيق ادارى أو تحقيق فى موضوع التهمة الخاصة بعملية الكيروسين. كما لا وجه فى تعييب حكم المحكمة التأديبية بدعوى مخالفته لنص المادة 21 من القانون رقم 117 لسنة 1958 لعدم سماع المحكمة أقوال الرؤساء الموكول اليهم مراقبة عملية الكيروسين، لان المادة المذكورة لا توجب هذا الاجراء على نحو ما يذهب اليه الطاعن بل تجعله جوازيا "اذا رأت المحكمة وجها لذلك". ولا بطلان على ترك العمل برخصة قررت المحكمة الاستغناء عنها بما بين يديها وتحت بصرها من دلائل وأسانيد وقرائن أحوال وايضاحات وأقوال فى التحقيق لشهود وخبراء رأت أنها تكفى لتكوين اقتناعها فيما انتهى اليه قضاؤها. كذلك لا بطلان فى اجراءات المحكمة التأديبية أو الحكم يمكن رده الى عدم مراعاة ما نصت عليه المادتان 47، 48 من اللائحة التنفيذية لقانون نظام موظفى الدولة ما دامت الأصول العامة والضمانات الأساسية التى تطلبها الشراع لسلامة التحقيق ولتمكين الموظف المحال الى المحاكمة من ابداء دفاعه قد تحققت وكملت لهذا الاخير على الوجه السابق ايضاحه.
2 – لما كانت أحكام المحاكم التأديبية طبقا لنص المادة 32 من القانون رقم 117 لسنة 1958 تعتبر نهائية ولا يجوز الطعن فيها الا أمام المحكمة الادارية العليا ويرفع الطعن وفقا لاحكام المادة 15 من القانون رقم 55 لسنة 1959 فى شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة أى فى الاحوال التى نصت عليها هذه المادة وهى: اذا كان الحكم المطعون فيه مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ فى تطبيقه أو تأويله اذا وقع بطلان فى الحكم أو بطلان فى الاجراءات أثر فى الحكم اذا صدر الحكم خلافا لحكم سابق حاز قوة الشئ المحكوم فيه سواء دفع بهذا الدفع أو لم يدفع. ولما كان الامر كذلك فانه اذا انتفى قيام حالة من هذه الاحوال، وكان الحكم مستندا الى وقائع صحيحة قائمة لها أصول ثابتة وموجودة فى الاوراق كيفها تكييفا قانونيا سليما، واستخلص منها نتيجة سائغة تبرر اقتناعه الذى بنى عليه قضاءه فلا محل للتعقيب عليه باستئناف النظر بالموازنة والترجيح فيما قام لدى المحكمة التى أصدرت الحكم من دلائل وبيانات وقرائن أحوال اثباتا أو نفيا فى خصوص قيام أو عدم قيام لحالة الواقعية أو القانونية التى تكون ركن السبب فى توقيع الجزاء، أو بالتدخل فى تقدير خطورة هذا السبب وما يمكن ترتيبه عليه من آثار أو فيما استخلصته من هذه الدلائل والبيانات وقرائن الاحوال وما كونت منه عقيدتها واقتناعها فيما انتهت اليه، مادام تكييفها للوقائع سليما وما استخلصته منها هو استخلاص سائغ من أصول تنتجه ماديا أو قانونا ولها وجود فى الاوراق. واذا كانت المحكمة التأديبية قد انتهت من مجموع العناصر التى طرحت عليها الى تكوين عقيدتها واقتناعها بادانة سلوك الطاعن فى التهم التى رأت مؤاخذته عليها لاخلاله بواجبات وظيفته ومقتضيات المصلحة العامة، والى تبرئته من التهمة التى قامت على الشك وقدرت لذلك الجزاء التى ارتأته مناسبا، وهو وقفه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بدون مرتب، مع التخفف فيه بمراعاة صحيفة أحواله وتقاريره السرية السنوية – فلا سبيل الى أعمال الرقابة على ما كونت منه عقيدتها واقتناعها أو الى الزامها بمناقشة وقائع معينة فيما يتعلق بعملية الكيروسين أو تقصى ما اذا كان واجب الحيطة لضبط هذه العملية وحسن تنظيمها ومنع التلاعب فيها يقتضى أمساك دفاتر خاصة بها أم لا سواء كانت تمت منشورات أو تعليمات من الوزارة بشأنها أو كان أمرها متروكا لكياسة القائمين على هذه العملية فى المراقبات المختلفة وصحيح تقديرهم لمسئولياتهم.


اجراءات الطعن

فى 24 من يونيه سنة 1959 أودع السيد/ محمود بسيونى سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1004 لسنة 5 القضائية فى الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لموظفى وزارات الخزانة والاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة والتموين بجلسة 10 من مايو سنة 1959 فى الدعوى التأديبية رقم 62 للسنة الاولى القضائية المقامة ضده من النيابة الادارية، للقاضى "بوقف محمود بسيونى عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بدون مرتب"، وطلب الطاعن للاسباب التى استند اليها فى صحيفة طعنه "احالة هذا الطعن الى المحكمة الادارية العليا لتقضى فيه بقبوله شكلا وقبل الفصل فى الموضوع بصفة مستعجلة الحكم مؤقتا باستمرار صرف مرتبه عن مدة الايقاف الى أن تفصل المحكمة العليا بالغاء حكم المحكمة التأديبية المطعون عليه وبراءة الطاعن مما نسب اليه مع الزام وزارة التموين بالمصروفات والأتعاب عن الدرجتين". وقد أعلن هذا الطعن الى وزارة التموين فى 14 من يوليه سنة 1959، وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن تقدم الجهة الادارية مذكرة بملاحظاتها عين النظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 21 من نوفمبر سنة 1959، وفى 14 من أكتوبر سنة 1959 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة وفيها قررت الدائرة احالة الطعن الى المحكمة العليا لنظره بجلسة 2 من يناير سنة 1960، وفى 3 من ديسمبر سنة 1959 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من ايضاحات ذوى الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت بجلسة 30 من يناير سنة 1960 ارجاء النطق بالحكم فى الطعن الى جلسة اليوم. وقد أودع الطاعن مذكرة مؤرخة 21 من نوفمبر سنة 1959 طلب فيها احالة الطعن الى المحكمة العليا لنظره أمام دائرة الموضوع كما قدم مذكرة بجلسة 30 من يناير سنة 1960 صمم فيها على طلباته.


المحكمة

بعد الاطلاع على الاوراق وسماع الايضاحات وبعد المداولة.
من حيث أن الطعن قد أستوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث أن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل فى أنه فى 28 من يناير سنة 1953 صدر قرار وكيل وزارة التموين باحالة محمود بسيونى الموظف بمراقبة تموين القاهرة الى مجلس تأديب لمحاكمته عن التهم المنسوبة اليه والموضحة بقرار الاتهام، وذلك بناء على مذكرة لجنة فصل الموظفين بغير الطريق التأديبى فى شأن المخالفات المنسوبة اليه وعلى ما قرره مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة فى 21 من ديسمبر سنة 1952 من احالته الى مجلس تأديب، وبيان هذه التهم كالآتى:
أثناء قيامه برئاسة قسم الكيروسين بمراقبة تموين الجيزة فى المدة من 28 من نوفمبر سنة 1945 الى 9 من يناير سنة 1948 لم يمسك سجلا خاصا لاثبات كميات كوبونات الكيروسين الباقية من مفتشى المكاتب الفرعية التى يقوم باستلامها منهم ليعيدها بالتالى للوزارة، كما أنه كان بتسلم تلك الكوبونات دون ايصالات أو محاضر.
تلاعب فى الكوبونات الباقية اذ تعمد عدم امساك السجل المشار اليه الامر الذى جعل عدد الكوبونات الواردة من كل من المكاتب الفرعية غير معروف بدليل أن ما كان يجب رده من مكتب تموين مركز الجيزة وحده فى شهر سنة 1946 هو 20764 لترا بينما الذى ردته المراقبة للوزارة فى هذا الشهر عن مكاتب مراكز المديرية الاربعة هو 10253 لترا وكذلك فى شهر مايو سنة 1946 وهذان الشهران على سبيل المثال لما كان يجرى عليه العمل فى باقى الشهور.
وأنه كان يستقطع كميات من كوبونات الكيروسين الخاصة بمركزى العياط والصف تتراوح بين 42 و48 صفيحة فى كل شهر وقد أثبت هذا الاستقطاع فى سجل تسليم كوبونات الكيروسين.
يشك فى أن المذكور قد مزق الورقة الخاصة باثبات كميات سكر "عبد الرحمن حبشى" فى سجل المفتش عن شهرى يناير وفبراير سنة 1949 بعد أن حل محل حضرة خالد سليمان وحرر ورقة أخرى أثبت بها بيانات أخرى لتتفق مع الإخطار المقدم من المفتش السابق الى المراقبة عن الباقى – بدليل أنه أضاف كمية سكر رمضان سنة 1948 فى يناير سنة 1949، كما أنه لم يوقع على هذه البيانات من التجار، الامر الذى يدل على أن هذه الورقة عملت بدلا من ورقة أخرى أصلية كان قد تم التوقيع عليها، ثم ترك هذا السجل وفتح سجلا آخر جديدا ابتداء من شهر مارس سنة 1949.
وقد دفع المتهم بأن قرار احالته الى المحكمة التأديبية جاء مخالفا للقانون لانه لم يبن على ثبوت ادانته من تحقيق ادارى أجرى مع شخصه عند تقديمه للمحاكمة، بل قام على اتهامات وهمية تضمنها تقرير مقدم ضده من شخص موتور، ولو أن الوزارة وجدت أى خطأ يمكن أن ينسب اليه لبادرت باجراء تحقيق ادارى معه فى سنة 1949 أو سنة 1952، ولكان هذا التحقيق كفيلا باظهار براءة ساحته. ورد على التهمة الاولى بأن النظام المتبع فى عملية الكيروسين يجعل موظف الكيروسين حلقة اتصال بين مفتشى المراكز والوزارة فحسب ولا يتضمن أية قواعد توجب على هذا الموظف أن يمسك سجلا خاصا لاثبات كميات الكوبونات الباقية والمرتدة لوجود ضمانات كافية فى هذا النظام تحول دون أى تلاعب، على أنه لا جدوى من استغلال الكوبونات الفائضة لانها لا تريد الا بعد نهاية الشهر الذى كان يمكن الإفادة منها خلاله، وأكد فيما يتعلق بالتهمة الثانية عدم وجود تعليمات اطلاقا تفرض أمساك السجل المشار الية فى قرار الاتهام، أما العجز فى كمية الكوبونات التى كان واجبا ردها فى شهر مارس سنة 1946 من مركز الجيزة الى المراقبة ولم يقم المكتب فعلا بردها فان مسئوليته تقع على عاتق المفتش المختص وحده، وأجاب عن التهمة الثالثة بأن استقطاع المراقبة لكوبونات الكيروسين من مركزى العياط والصف وغيرهما من المراكز شهريا، وهو الاستقطاع الثابت فى سجل تسليم الكوبونات، انما كان تنفيذا لتعليمات الوزارة بضرورة تسليم تفتيش صحة المديرية والزراعة كميات من هذه الكوبونات ثابتة حددتها الوزارة شهريا لأعمال التطهير وتدخين الاشجار، وكان تسليمها الى التفتيشيين المذكورين يتم بعد توقيع مندوبيهما على سجل التسليم. ودفع التهمة الرابعة بأنه لا يجوز قانونا أن تبنى الادانة على مجرد الشك، وأضاف أنه كان يهدف فى عمله الى الصالح العام، وأنه كان دائما محل رضاء رؤسائه طوال مدة خدمته منذ سنة 1927، ولم يوقع عليه أى جزاء كما يشهد بذلك ملف خدمته وتقاريره السنوية السرية. وقد أودعت الجهة الادارية بيانا بحالته يتضح منه أنه حاصل على شهادة أتمام الدراسة الابتدائية فى سنة 1944 وأنه عين فى أول نوفمبر سنة 1927 ووصل الى الدرجة السادسة الكتابية ولم توقع عليه جزاءات ودرجة تقديره فى تقريره السرى عن سنة 1953 وسنة 1954 هى 98، 100. وقد أحيلت الدعوى التى كانت منظورة أمام مجلس التأديب الى المحكمة التأديبية لموظفى وزارات الخزانة والاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة والتموين التى حلت محل مجلس التأديب بمقتضى القانون رقم 117 لسنة 1958 وذلك بايداع أوراقها من النيابة الادارية سكرتيرية المحكمة المذكورة فى 31 من ديسمبر سنة 1958. وبجلسة 10 من مايو سنة 1959 قضت المحكمة "بوقف محمود بسيونى عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بدون مرتب" وأقامت قضاءها على أن الدفع الذى أبداه المتهم بعدم أجراء تحقيق ادارى معه مردود بأن اعلانه بقرار الاحالة الى المحاكمة التأديبية, وتقديمه مذكرة بدفاعه الى مجلس التأديب، وعدوله عن طلب استيفاء التحقيق الذى أبداه أمام مجلس التأديب بجلسة 5 من سبتمبر 1956, وطلبه حجز القضية للحكم بجلسة 19 من أبريل سنة 1959 كل أولئك بمثابة تحقيق يجيز المحاكمة ما دام قد ووجه بالتهمة المنسوبة اليه وأبدى دفاعه فيها. أما عن التهم المسندة اليه فان الثلاث الاولى منها لا تعدو فى حقيقتها أن تكون تهمة واحدة وقد أقر بعدم مسكه السجل الخاص باثبات كميات الكيروسين الباقية من مفتشى المكاتب الفرعية متذرعا بأن القواعد التنظيمية لا تتضمن أى نص يوجب ذلك, بيد أن مسك مثل هذا السجل أمر تقتضيه طبائع الاشياء لضبط العملية ومنع التلاعب فى الكوبونات وسهولة اكتشاف هذا التلاعب أن وقع, وامكان التعرف على مرتكبة، والا فان المتهم يكون هو المسئول عما يضيع من الكوبونات, فضلا عن الريبة فى مسلكه الامر الذى يوجب مؤاخذته عن هذا الذنب. وليس يشفع له دفاعه بأن الكوبونات المرتدة لا جدوى منها لانها تكون قد استنفذت أغراضها، ذلك أنه جاء فى تقرير الخبير المقدم الى نيابة الجيزة فى القضية رقم 79 لسنة 1949 جنح مركز الجيزة فى الصحيفة رقم 36 ما يلى: "الا أن مراقبة تموين الجيزة قد اتبعت نظاما غريبا فى بابه بالنسبة لاعادة الكوبونات الباقية فانها تأمر رؤساء مكاتب التموين قبل انقضاء الشهر بأيام بلغت فى بعض الاشهر ستة أيام أن يحضروا بأنفسهم ومعهم الكوبونات الباقية لديهم لتسليمها للمراقبة واستلام الكوبونات الجديدة". ومعنى هذا أن الكوبونات كانت ترد الى المتهم قبل استنفاد أغراضها أى قبل نهاية الشهر بمدة كافية لا مكان استعمالها. ومن ثم يكون صحيحا ما ذكره الخبير من أنه لاشك فى أن المتهم مسئول عن العجز فى الكيروسين وما دام لم يثبت رد هذا العجز الى المراقبة فانه يكون قد صرفه لغير مستحقيه وهو قول سديد لا مطعن عليه من جانب المتهم ولا يقبل منه القاء تبعته على غيره ما دام لم يمسك سجلا خاصا بذلك, وما دام هو رئيس المكتب الذى يتلقى الفائض من الكوبونات ويسأل عن أى عجز فيها, وليس من المستساغ أن تدبر كمية الكيروسين التى صرفت من المراقبة الى مكتبى الزراعة والصحة بالمديرية باستقطاعها من المكاتب الفرعية لعدم امكان التنبؤ بوجود فائض من الكوبونات التى لم يتسلمها أربابها وعدم امكان الاستقطاع سلفا اذا حصل كل مستحق على كمية الكوبونات المخصصة له. وانتهت المحكمة من هذا الى أنها ترى لذلك كله أدانة المتهم عن التهم الثلاث الاولى ووجوب مؤاخذته عليها. أما التهمه الرابعة فقد رأت تبرئته منها, لا تأسيسا على عدم ثبوتها قبله, بل على أنها قامت على مجرد الشك، ذلك أن النيابة العامة انتهت فى التحقيق الذى أجرته فى القضية رقم 79 لسنة 1949 مستعجل الجيزة المقيدة ضد التاجر ابراهيم عبد الرحمن حبشى لتلاعبه فى مقررات السكر الى وجود تقصير من المتهم محمود بسيونى فى مراقبة التاجر المذكور وفى العناية بتحرير البيانات الخاصة برصيد التجار بدفتره وفى مراقبة صرف سكر الطوارئ فى شهر رمضان. وقد راعت المحكمة فى تقدير الجزاء الذى رأت توقيعه على المتهم بوقفه ثلاثة أشهر بدون مرتب, ماضى خدمته الثابت بصحيفة أحواله.
ومن حيث أن المتهم طعن فى هذا الحكم الصادر من المحكمة التأديبية أمام هذه المحكمة بعريضة أودعها سكرتيريتها فى 24 من يونية سنة 1959 طلب فيها احالة هذا الطعن الى المحكمة الادارية العليا لتقضى فيه بقبوله شكلا وقبل الفصل فى الموضوع بصفة مستعجلة الحكم مؤقتا باستمرار صرف مرتبه عن مدة الايقاف الى أن تفصل المحكمة العليا بالغاء حكم المحكمة التأديبية المطعون عليه وبراءة الطاعن مما نسب اليه مع الزام وزارة التموين بالمصروفات والاتعاب عن الدرجتين "وبنى طعنه على الاسباب الآتية:
أولا – أن الحكم المطعون فيه شابه البطلان من ناحيتين: الناحية الاولى الخطأ فى تطبيق القانون والثانية بطلان الاجراءات لعدم سماع دفاع المتهم، اذ يؤخذ من نص المادتين 47, 48 من اللائحة التنفيذية لقانون نظام موظفى الدولة أن ثمت تحقيقا يجرى فى حالة تأديب الموظفين وهو تحقيق كتابى يثبت فى محضر يوقع عليه الموظف وهذا يدل على أن القانون أراد تحصين الموظف المقدم للمحاكمة التأديبية من اجراءات تعسفية تكون قد صدرت من السلطة الادارية وقد أغفلت المحكمة فى حكمها تحقيق هذا.
ثانيا – أن الحكم المطعون فيه جاء مخالفا للقانون وبالذات لحكم المادة 21 من القانون رقم 117 لسنة 1958 التى توجب سماع أقوال رئيس الموظف الذى يحاكم، اذ أنه على الرغم من تسليمه بأن المتهم لم يجر معه أي تحقيق ادارى فيما نسب اليه وعلى الرغم من تمسك هذا الاخير بجلسة 5 من سبتمبر سنة 1956 بطلب اجراء تحقيق معه ومن عدم وجود التحقيق الادارى الذى أجلت الدعوى عدة جلسات متعاقبة لضمه, فان المحكمة ذهبت الى أن اعلان المتهم بقرار احالته الى المحكمة التأديبية وابداء دفاعه بمذكرة وعدوله عن طلب استيفاء التحقيق بأن طلب حجز القضية للحكم هو بمثابة بحقيق يجيز المحاكمة, الأمر الذى يناقض ما هو ثابت بمحاضر جلسات المحكمة وطلبات المتهم والذى يفقد الاتهام سنده ويجعله قولا مرسلا بغير دليل, مع أن ما تجاوزت عنه المحكمة هو من صميم الضمانات الجوهرية المقررة لسلامة التحقيق والمحاكمة التى لا يتعلق الامر فيها برضاء المتهم وارادته.
ثالثا – ان قرارات وزارة التموين ومنشوراتها وتعليماتها المنظمة لعملية الكيروسين لا تتضمن أى اجراء بشأن تنظيم مسك هذه العملية بمراقبات التموين، ولا توجب اعداد سجلات مخصصة لكوبونات الكيروسين المرتدة من مكاتب التموين, وانما ينحصر عمل المراقبات فى تحويل المظاريف المحتوية على هذه الكوبونات والواردة من مكاتب التموين الفرعية الى ادارة البترول بوزارة التموين بحالتها دون فحص محتويات هذه المظاريف أو محاسبة المكاتب الفرعية على الكميات المرتدة من كل منها, ومع هذا فقد اكتفى الحكم التأديبى بالاستناد الى أقوال موظف بالوزارة فى تقرير مقدم منه الى نيابة الجيزة فى قضية أخرى دون مناقشة هذا الموظف فى الطريقة التى استخلص بها التهم التى قال بها للتحقيق من صحة ثبوتها قبل الطاعن. أما ما جاء بالحكم المطعون فيه عن استقطاع كميات تصرف من المراقبة لتفتيش الزراعة والصحة بالمديرية من فائض الكوبونات التى لم يتسلمها أربابها فهو فهم خاطئ للواقع، اذ أن الكميات المشار اليها انما هى مضافة أصلا على مقطوعية المراكز لاستعمالها فى الاستهلاك الزراعى والصناعى وفى تدخين الأشجار والتطهير ولا تحجز من مقطوعية الأفراد كما فهمت ذلك المحكمة التأديبية خطأ.
رابعا: أن ما ختمت به المحكمة حكمها من بياض صحيفة الطاعن وخلوها منذ سنة 1947 من الجزاءات وحصوله على درجات عالية فى تقاريره السرية السنوية كان يستوجب التدقيق فى التحقق من ثبوت التهم المنسوبة اليه لتتبين وجه الحقيقة قبل انزال العقاب به وفتح باب المرافعة لمناقشة التهم الواردة فى قرار الاحالة.
ومن حيث أن الطاعن أودع مذكرة مؤرخة 21 من نوفمبر سنة 1959 علق فيها على تهمة عدم قيده كميات كوبونات الكيروسين المرتدة من المكاتب الفرعية فى نهاية الشهر فى سجل خاص بأنها لا أساس لها، اذ لا شأن لموظف المراقبة فى اثبات هذه الكوبونات أو قيدها ولم تصدر أية تعليمات من الوزارة تلزم مراقبة التموين بقيد المظاريف التى توضع بها الكوبونات المتبقية لدى مكاتب التموين الفرعية فى نهاية كل شهر بعد صرف جميع المقررات فى سجل خاص، وانما تقتصر هذه التعليمات على ارسال المظاريف المذكورة بحالتها للوزارة التى قتوم بفضها ومراجعتها على المحاضر المرفقة بها، وبذلك تكون المحكمة قد ألصقت به تهمة لا أساس لها، مع أنه ليس من مقتضيات عمله مسك سجل، وأنه لم يخالف أية تعليمات أو قرارات صادرة فى هذا الشأن. كما عقب على تهمة استقطاع كمية من الكوبونات المخصصة للمستهلكين لتفتيشى الزراعة والصحة بأن المحكمة التأديبية قد اعتقدت خطأ أن له دخلا فى التصرف فى توزيع الكوبونات المرسلة لكل مركز مع أن رئيس المكتب الفرعى هو الذى يقوم بالتوزيع على مسئوليته طبقا لتعليمات الوزارة وأن ما كان يحجز ويسلم لتفتيشى الزراعة والصحة هى كميات مقررة من قبل الوزارة ومضافة زيادة على مقررات المراكز وقد كانت تسلم للتفتيشيين المذكورين بمستندات رسمية، وبذلك تكون المحكمة قد أخطأت فى تصورها أن الطاعن له شأن فى التوزيع وأن الكوبونات المخصصة للصحة والزراعة تخصم من مقطوعية المستهلكين، ولو أن المحكمة قبلت سماع أقواله أو قامت بمناقشته أو طلبت منه شرح عمليته لما صدرت حكمها على هذا الوجه. ولكنها رفضت سماع أقواله استنادا الى أن الاتهام لا يقوم على أساس لعدم وجود تحقيق ادارى، وبعد أن أحيلت القضية ثلاث جلسات لعدم وجود تحقيق ادارى، وبعد أن أجلت القضية ثلاث جلسات لضم هذا التحقيق الذى اتضح أنه لم يحصل أصدرت حكمها المطعون فيه دون تمكينه من ابداء دفاعه وشرح عمليته.
ومن حيث أن الطاعن قد بجلسة 30 من يناير سنة 1960 مذكرة أخرى ضمنها دفاعه السابق تفصيلا على أسباب الحكم المطعون فيه شارحا اختصاصه فى عملية الكيروسين وما كان مكلفا به أثناء قيامه بها فيما يتعلق بتسم كميات كوبونات الكيروسين وبالكوبونات المرتدة ثم علق على التحقيقات التى استندت اليها المحكمة فى ادانته وذكر أن النيابة لم تكن تستقصى عملية الكيروسين بل كان تحقيقها يدور حول اتهام تاجر بالبدرشين بتبديد كميات من سكر التموين المسلم اليه. وقد جاءت المناقشة فى عملية الكيروسين عرضا دون تناول الكيروسين ونظامه أو سؤال رجال وزارة التموين المختصين فى هذا الشأن كما أنه لم يوجد أى تحقيق ادارى مما ينبنى عليه اهدار الضمانات الاساسية التى يجب توافرها فى المحاكمة التأديبية، وأضاف أن الاسباب التى قام عليها الحكم المطعون فيه قد انتزعت من عناصر غير صحيحة لا سند لها فى الاوراق ولا تؤدى الى استخلاص النتيجة التى انتهت منها المحكمة الى ادانته، وتكلم عن الكوبونات الخاصة بالمصالح وخلص من هذا كله الى أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فى تطبيق القانون وشابه بطلان فى الاجراءات وفى إسناد وقائع لم يقم عليها دليل من الاوراق بل كانت مجرد شبهات قامت لدى وزارة التموين على أثر تقرير مقتضب من موظف موتور أخذت المحكمة بما جاء فيه دون أن تستجلى حقائق الاتهام الذى تضمنه.
ومن حيث أنه لا محل للفصل بحكم على حدة فى الطلب المستعجل القائم على القضاء مؤقتا باستمرار صرف مرتب الطاعن عن مدة وقفه عن العمل الذى قضى به حكم المحكمة التأديبية المطعون فيه ما دام الطعن مهيأ للفصل فى موضوعه.
ومن حيث أن القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفى الدولة نص فى المادة 89 مكررا ثانيا منه على أن "يتضمن قرار الاحالة الى المحاكمة التأديبية بيانا بالمخالفات المنسوبة الى الموظف ويخطر الموظف بهذا القرار وبتاريخ الجلسة المعينة لمحاكمته قبل هذا التاريخ بخمسة عشر يوما على الاقل" كما نص فى المادة 90 منه على أن "لمجلس التأديب من تلقاء نفسه أو بناء على طلب ممثل الاتهام أو الموظف المتهم أن يأمر باستيفاء التحقيق. وله أن يعهد بذلك الى أحد أعضائه أو أحد أعضاء النيابة الادارية – وللموظف فى جميع الاحوال أن يطلع على التحقيقات التى أجريت وعلى جميع الأوراق المتعلقة بها وله أن يأخذ صورة منها كما أن له أن يطلب ضم التقارير السنوية عن كفايته" كذلك نص فى الفقرة الأولى من المادة 90 مكررا منه على أن "يقرر مجلس التأديب الاجراءات التى يتبعها ويجوز له استجواب الموظف المتهم وسماع الشهود من الموظفين وغيرهم". ونص فى الفقرة الاولى من المادة 93 منه على أن "يجوز للموظف أن يحضر بنفسه جميع اجراءات التحقيق الا اذا اقتضت مصلحة التحقيق أن يجرى فى غيبته" وفى الفقرة الاولى من المادة 93 مكررا على أن "يتولى التحقيق فيما ينسب الى الموظفين الذين يختص مجلس التأديب العالى بمحاكمتهم واحد أو أكثر من أعضاء النيابة الادارية" وفى الفقرة الأولى من المادة 94 على أن "للموظف المحال الى المحاكمة التأديبية أن يحضر جلسة المحاكمة وله أن يدافع عن نفسه كتابة أو شفهيا" وقد نص القرار بالقانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الادارية والمحاكمات التأديبية فى الاقليم المصرى فى المادة 7 منه على حق عضو النيابة الادارية عند اجراء التحقيق فى الاطلاع على ما يراه لازما من الاوراق بالوزارات وفى استدعاء الشهود وسماع أقوالهم بعد حلف اليمين وفى المادة 8 منه على جواز حضور الموظف بنفسه جميع اجراءات التحقيق الا اذا اقتضت مصلحة التحقيق أن يجرى فى غيبته كما نص فى المادة 27 منه على حق المحكمة التأديبية فى استجواب الموظف المقدم للمحاكمة وسماع الشهود من الموظفين وغيرهم بعد حلف اليمين وفى المادة 29 على حق الموظف فى حضور جلسات المحكمة بنفسه أو بمحام موكل عنه وفى ابداء دفاعه كتابة أو شفهيا وكذا على حق المحكمة أن تقرر حضور المتهم بنفسه وعلى جواز محاكمته والحكم عليه غيابيا فى جميع الأحوال اذا لم يحضر بعد إخطاره.
ومن حيث انه يخلص من استقراء النصوص الواردة فى شأن تأديب الموظفين فى كل من قانون نظام موظفى الدولة وقانون تنظيم النيابة والمحاكمات التأديبية أنها تهدف فى جملتها الى توفير ضمانة لسلامة التحقيق وتيسير وسائل استكماله للجهة القائمة به بغية الوصول الى اظهار الحقيقة من جهة ولتمكين الموظف المتهم من جهة أخرى من الوقوف على عناصر هذا التحقيق وأدلة الاتهام لابداء دفاعه فيما هو منسوب اليه ولم تتضمن هذه النصوص ما يوجب افراغ التحقيق فى شكل معين أو وضع مرسوم كما لم ترتب جزاء البطلان على اغفال اجرائه على وجه خاص، وكل ما ينبغى هو أن يتم التحقيق فى حدود الاصول العامة وبمراعاة الضمانات الاساسية التى تقوم عليها حكمته بأن تتوافر فيه ضمانة السلامة والحيدة والاستقصاء لصالح الحقيقة وأن تكفل به حماية حق الدفاع للموظف تحقيقا للعدالة، فاذا تم استجماع الوقائع المكونة للذنب التأديبى واستخلصت عناصر الاتهام بأسلوب مشروع من مصادرها الصحيحة وضمت الاوراق المؤيدة لها وأكملت بأقوال الشهود من الموظفين وغيرهم أو بالتحريات أو الايضاحات أو التقارير المقدمة منهم ووجه الموظف المحال الى المحاكمة التأديبية بهذا كله، سواء باستجوابه عن تلك الوقائع أو بمناقشته فيها أو تبليغه بها لابداء ملاحظاته أو رده عليها ومكن من الاطلاع على التحقيقات التى أجريت والاوراق المتعلقة بها أو أخذ صورة منها ان شاء، وأجيب الى طلبه فيما يتعلق بسماع شهود أو ضم أوراق أو تقارير أو استيفاء اجراء وسمح له بابداء أقواله ودفاعه وملاحظاته أما كتابة بمذكرة أو شفهيا ببيان أو مرافعة، سواء بنفسه أو بمحام عنه. اذا تحقق هذا ولم يقع اخلال به فان الغاية التى استهدفها المشرع من الاحكام الخاصة باجراءات التأديب فى هذا الخصوص تكون متحققه. ولا يقدح فى صحة هذا النظر ما ورد بالمرسوم الصادر فى 12 من يناير سنة 1953 باللائحة التنفيذية للقانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفى الدولة أو بقرار رئيس الجمهورية رقم 1489 لسنة 1958 الصادر فى 23 من نوفمبر سنة 1958 باللائحة الداخلية للنيابة الادارية والمحاكم التأديبية من نصوص خاصة بالتحقيق فى المحاكمات التأديبية اذ لا تعدو أن تكون أحكاما توضيحية واردة على سبيل التوجيه والتنظيم فى حدود أحكام القانون الذى تستند اليه دون الخروج على هذه الاحكام أو تناولها بالاضافة أو التعديل ودون ترتيب جزاء البطلان على عدم اتباع شكلياتها وهو الجزاء الذى لم يقرره القانون ذاته على مثل هذه المخالفة.
ومن حيث أن قرار احالة الطاعن الى المحاكمة التأديبية قد صدر بناء على ما كشفت عنه التحقيقات التى أجرتها مراقبة التشريع والتحقيقات بوزارة التموين ثم النيابة العامة ثم تقرير ادارة الخبراء بالوزارة من مؤاخذات أسندت اليه. ومن ثم فلا وجه للنعى على القرار المذكور بالبطلان بمقولة أنه لم يسبقه تحقيق ادارى أو تحقيق فى موضوع التهمة الخاصة بعملية الكيوسين. كما لا وجه فى تعييب حكم المحكمة التأديبية بدعوى مخالفته لنص المادة 21 من القانون رقم 117 لسنة 1958 لعدم سماع المحكمة أقوال الرؤساء الموكول اليهم مراقبة عملية الكيروسين، لأن المادة المذكورة لا توجب هذا الاجراء على نحو ما يذهب اليه الطاعن بل تجعله جوازيا "اذا رأت المحكمة وجها لذلك" ولا بطلان على ترك العمل برخصة قررت المحكمة الاستغناء عنها بما بين يديها وتحت بصرها من دلالات وأسانيد وقرائن أحوال وايضاحات وأقوال فى التحقيق لشهود وخبراء رأت أنها تكفى لتكوين اقتناعها فيما انتهى اليه قضاؤها. كذلك لا بطلان فى اجراءات المحكمة التأديبية أو الحكم يمكن رده الى عدم مراعاة ما نصت عليه المادتان 47، 48 من اللائحة التنفيذية لقانون نظام موظفى الدولة ما دامت الأصول العامة والضمانات الاساسية التى تطلبها الشراع لسلامة التحقيق ولتمكين الموظف المحال الى المحاكمة من ابراء دفاعه قد تحققت وكفلت لهذا الأخير على الوجه السابق ايضاحه.
ومن حيث انه لما كانت أحكام المحاكم التأديبية طبقا لنص المادة 32 من القانون رقم 117 لسنة 1958 تعتبر نهائية ولا يجوز الطعن فيها الا أمام المحكمة الادارية العليا وبرفع الطعن وفقا لاحكام المادة 15 من القانون رقم 55 لسنة 1959 فى شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة أى فى الأحوال التى نصت عليها هذه المادة وهى: اذا كان الحكم المطعون فيه مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ فى تطبيقه أو تأويله اذا وقع بطلان فى الحكم أو بطلان فى الاجراءات أثر فى الحكم اذا صدر الحكم خلافا لحكم سابق حاز قوة الشئ المحكوم فيه سواء دفع بهذا الدفع أو لم يدفع. ولما كان الأمر كذلك فانه اذا انتهى قيام حالة من هذه الأحوال، وكان الحكم مستندا الى وقائع صحيحة قائمة لها أصول ثابتة وموجودة فى الاوراق كيفها تكييفا قانونيا سليما، واستخلص منها نتيجة سائغة تبرر اقتناعه الذى بنى عليه قضاءه فلا محل للتعقيب عليه باستئناف النظر بالموازنة والترجيح فيما قام لدى المحكمة التى أصدرت الحكم من دلائل وبيانات وقرائن أحوال اثباتا أو نفيا فى خصوص قيام أو عدم قيام لحالة الواقعية أو القانونية التى تكون ركن السبب فى توقيع الجزاء أو بالتدخل فى تقدير خطورة هذا السبب وما يمكن ترتيبه عليه من آثار أو فيما استخلصته من هذه الدلائل والبيانات وقرائن الاحوال وما كونت منه عقيدتها واقتناعها فيما انتهت اليه ما دام تكييفها للوقائع سليما وما استخلصته منها هو استخلاص سائغ من أصول تنتجه ماديا أو قانونا ولها وجود فى الاوراق. واذا كانت المحكمة التأديبية قد انتهت من مجموع العناصر التى طرحت عليها الى تكوين عقيدتها واقتناعها بادانة سلوك الطاعن فى التهم التى رأت مؤاخذته عليها لاخلاله بواجبات وظيفته ومقتضيات المصلحة العامة، والى تبرئته من التهمة التى قامت على الشك وقدرت لذلك الجزاء التى ارتأته مناسبا وهو وقفه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بدون مرتب مع التخفف فيه بمراعاة صحيفة أحواله وتقاريره السرية السنوية فلا سبيل الى أعمال الرقابة على ما كونت منه عقيدتها واقتناعها أو الى الزامها بمناقشة وقائع معينة فيما يتعلق بعملية الكيروسين أو تقصى ما اذا كان واجب الحيطة لضبط هذه العملية وحسن تنظيمها ومنع التلاعب فيها يقتضى أمساك دفاتر خاصة بها أم لا سواء كانت ثمت منشورات أو تعليمات من الوزارة بشأنها أو كان أمرها متروكا لكياسة القائمين على هذه العملية فى المراقبات المختلفة وصحيح تقديرهم لمسئولياتهم.
ومن حيث أنه لما تقدم فان حكم المحكمة التأديبية المطعون فيه يكون قد أصاب الحق فى قضائه ويكون الطعن المقدم من الطاعن فى هذا الحكم على غير أساس سليم من القانون متعينا رفضه مع الزام الطاعن بالمصروفات.

فلهذه الاسباب:

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وبرفضه موضوعا وألزمت الطاعن بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات