الطعن رقم 529 لسنة 42 ق – جلسة 12 /06 /1972
أحكام النقض – المكتب الفنى – جنائى
العدد الثانى – السنة 23 – صـ 914
جلسة 12 من يونيه سنة 1972
برياسة السيد المستشار/ جمال صادق المرصفاوى نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمود العمراوى، ومحمود عطيفة، وابراهيم الديوانى، وحسن المغربى.
الطعن رقم 529 لسنة 42 القضائية
(أ، ب) قضاة: "صلاحيتهم للحكم". "ردهم". نظام عام. تحقيق. قانون:
"تفسيره". بطلان. حكم: "بطلانه". رد القضاة. إجراءات المحاكمة.
( أ ) وجوب امتناع القاضى عن الحكم فى الدعوى فى الحالات المبينة فى المادة 247 إجراءات.
أساسه.
(ب) الحالات التى يمتنع فيها على القاضى الحكم فى الدعوى. حددتها المادة 247 إجراءات
من بينها قيام القاضى بعمل من أعمال التحقيق.
نص هذه المادة. تعلقه بالنظام العام. على القاضى. من تلقاء نفسه. الامتناع عن الحكم.
وإلا وقع قضاؤه باطلا. علة ذلك؟
(ج، د، هـ) قضاة: "صلاحيتهم للحكم". تحقيق. حكم: "بطلانه". بطلان. دعارة. دفوع: "الدفع
ببطلان الحكم". نقض. "حالات الطعن. الخطأ فى تطبيق القانون". قانون: "تفسيره".
(ج) التحقيق. كسبب لامتناع القاضى عن الحكم. ماهيته.
د) الإذن الذى يصدره القاضى بتفتيش غير المتهم أو منزل غير منزله أو بمراقبة المحادثات
السلكية واللاسلكية. إجراء من إجراءات التحقيق. وجوب امتناعه عن نظر موضوع الدعوى.
(هـ) ثبوت أن القاضى الذى أذن بمراقبة المحادثات التلفونية هو ذاته الذى فصل فى موضوع
الدعوى إبتدائيا. بطلان قضائه. قضاء المحكمة الاستئنافية برفض الدفع ببطلان الحكم المستأنف.
رغم ذلك. خطأ فى تطبيق القانون.
(و) محكمة ثانى درجة: "نظرها الدعوى والحكم فيها". دعوى جنائية: "نظرها والحكم فيها".
نظام عام. حكم: "بطلانه". نقض: "الحكم فى الطعن". إجراءات المحاكمة. قضاة: "صلاحيتهم
للحكم". بطلان.
صدور الحكم الابتدائى باطلا بطلانا متصلا بالنظام العام لصدوره من قاض محظور عليه الفصل
فى الدعوى. عدم الإعتداد به كدرجة أولى للتقاضى. ولو كان قد فصل فى موضوع الدعوى.
تصحيح محكمة ثانى درجة هذا البطلان عملا بالمادة 419/ 1 إجراءات. غير جائز. لما فيه
من تفويت لإحدى درجتى التقاضى.
وجوب أن يكون النقض فى هذه الحالة مقرونا بالغاء الحكم الابتدائى وإعادة الدعوى إلى
محكمة الدرجة الأولى.
1 – إن أساس وجوب امتناع القاضى عن الحكم فى الدعوى فى الحالات المبينة فى المادة 247
من قانون الإجراءات الجنائية هو قيام القاضى بعمل يجعل له رأيا فى الدعوى يتعارض مع
ما يشترط فى القاضى من خلو الذهن عن موضوعها ليستطيع أن يزن حجج الخصوم وزنا مجردا.
2 – حددت المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية الأحوال التى يمتنع فيها على القاضى
الحكم فى الدعوى لما بينها وبين وظيفة القضاء من تعارض. ومن هذه الأحوال أن يكون قد
قام فى الدعوى بعمل من أعمال التحقيق. وهو نص مقتبس مما ورد فى المادة 313 من قانون
المرافعات الصادر به القانون رقم 77 لسنة 1949 المطابقة لنص المادة 146 من قانون المرافعات
الحالى ومتعلق بالنظام العام فيتعين على القاضى فى تلك الأحوال أن يمتنع من تلقاء نفسه
عن الحكم فى الدعوى ولو لم يطلب أحد الخصوم رده وإلا وقع قضاؤه باطلا بحكم القانون
لتعلقه بأصل من أصول المحاكمة مقرر للاطمئنان إلى توزيع العدالة بالفصل بين أعمال التحقيق
والقضاء.
3 – إن التحقيق فى مفهوم حكم المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية كسبب لامتناع
القاضى عن الحكم هو ما يجريه القاضى فى نطاق تطبيق قانون الإجراءات الجنائية بصفته
سلطة تحقيق.
4 – متى كانت المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية الواردة فى باب – التحقيق بمعرفة
النيابة العامة – المعدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962 إذ أجازت للنيابة العامة تفتيش
غير المتهم أو منزل غير منزله متى اتضح من إمارات قوية أنه حائز أشياء تتعلق بالجريمة،
وإذ أجازت لها أن تراقب المحادثات السلكية واللاسلكية متى كان لذلك فائدة فى ظهور الحقيقة،
قد اشترطت لاتخاذ أى من هذه الإجراءات الحصول مقدما على إذن بذلك من القاضى الجزئى
الذى يصدر الإذن بعد اطلاعه على الأوراق وسماعه، إن رأى لزوما لذلك، أقوال من يراد
تفتيشه أو تفتيش منزله أو مراقبة المحادثات المتعلقة به – فإن مفاد ذلك أن الإذن الذى
يصدره القاضى بشئ من ذلك إنما هو من إجراءات التحقيق، وأن للقاضى مطلق الحرية فى الإذن
أو الرفض، فإذا صدر الإذن من القاضى فإنه ينطوى على إظهار رأيه بأنه اقتنع بجدية وقوع
الجريمة ومن ثم يتعارض مع ما يتطلب فى القاضى من خلو الذهن عن موضوع الدعوى ليستطيع
أن يزن حجج الخصوم وزنا مجردا وتتوافر به الحكمة التى تغياها الشارع من درء شبهة تأثر
القاضى برأى سبق أن أبداه فى الدعوى صونا لمكانة القضاء وعلو كلمته بين الناس.
5 – متى كان الثابت من مدونات الحكم الابتدائى أن قاضى محكمة الآداب أصدر إذنا للنيابة
العامة بمراقبة وتسجيل المحادثات المتعلقة بتليفون الطاعنة الأولى كما أصدر إذنا بتفتيش
مسكنين لغير متهمين وذلك لضبط ما يوجد بهما من حالات دعارة ونسوة ساقطات سهلت دعارتهن
الطاعنة الأولى، وكان الثابت من مدونات الحكم الاستئنافى المطعون فيه أن القاضى الذى
أذن بمراقبة وتسجيل تلك المحادثات وتفتيش مساكن غير المتهمين هو الذى نظر الدعوى إبتدائيا
وأصدر فيها الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه، وإذ كانت هذه
الدعوى قد جاءت نتيجة ما أذن به هذا القاضى ذاته من مراقبة وتفتيش، مما كان لزومه أن
يمتنع عن نظرها والحكم فيها، ومن ثم كان قضاؤه فيها قد وقع باطلا، ويكون الحكم الاستئنافى
المطعون فيه – إذ قضى برفض الدفع ببطلان الحكم المستأنف – معيبا بالخطأ فى تطبيق القانون.
6 – متى كانت محكمة أول درجة وإن قضت فى موضوع الدعوى إلا أنه وقد وقع قضاؤها باطلا
بطلانا متصلا بالنظام العام لصدوره من قاض محظور عليه الفصل فيها، فإنه لا يعتد به
كدرجة أولى للتقاضى ولا يجوز لمحكمة ثانى درجة تصحيح هذا البطلان – عملا بالفقرة الأولى
من المادة 419 من قانون الإجراءات الجنائية، لما فى ذلك من تفويت تلك الدرجة على الطاعن
مما يتعين معه أن يكون النقض مقرونا بإلغاء الحكم الإبتدائى المستأنف وإحالة القضية
إلى محكمة أول درجة للفصل فيها مجددا من قاض آخر.
الوقائع
إتهمت النيابة العامة الطاعنتين وآخرين بأنهم فى يوم 16 ديسمبر سنة 1970 بدائرة قسم شرقى محافظة الإسكندرية: المتهمة الأولى (الطاعنة الأولى) (أولا) سهلت دعارة المتهمة الرابعة (الطاعنة الثانية) بأن قدمتها للمدعو…… نظير أجر. (ثانيا) استغلت بغاء المتهمة الرابعة. (ثالثا) أدارت مسكنها للدعارة. المتهمات من الثانية إلى السابعة. اعتدن ممارسة الدعارة. وطلبت عقابهن بمواد القانون رقم 10 لسنة 1961. ومحكمة جنح الإسكندرية المستعجلة قضت حضوريا بتاريخ 28 ديسمبر سنة 1970 عملا بمواد الإتهام بالنسبة إلى الأولى والرابعة (الطاعنتين) وعملا بالمادة 304/ 1 من قانون الإجراءات بالنسبة إلى باقى المتهمات. (أولا) بحبس المتهمة الأولى سنة مع الشغل والنفاذ وتغريمها مبلغ ثلاثمائة جنيه ووضعها تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة الحبس فى المكان الذى يحدده وزير الداخلية ومصادرة النقود التى تم ضبطها معها والمنقولات والمفروشات التى تم جردها فى محضر تحقيق الشرطة الموجودة بمسكنها وغلق هذه الشقة وذلك عما هو منسوب إليها. (ثانيا) بحبس المتهمة الرابعة ثلاثة أشهر مع الشغل والنفاذ وتغريمها 25 جنيها وإيداعها إحدى المؤسسات المخصصة لهذا الغرض بعد تنفيذ العقوبة إلى أن تأمر جهة الإدارة باخراجها. (ثالثا) ببراءة باقى المتهمات من التهمة المسندة إلى كل منهن وذلك بلا مصروفات جنائية لجميع المتهمات. فاستأنفت المحكوم عليهما هذا الحكم. كما استأنفته النيابة العامة ومحكمة الإسكندرية الإبتدائية – بهيئة إستئنافية – قضت حضوريا بتاريخ 24 يناير سنة 1971 بقبول الإستئناف شكلا وفى الموضوع وباجماع الآراء بتعديل الحكم المستأنف وبإضافة عقوبة المراقبة لمدة ثلاثة أشهر بالنسبة للمتهمة الثانية تبدأ من تاريخ إنتهاء تنفيذ عقوبة الحبس وتأييده فيما عدا ذلك. فطعنت المحكوم عليهما فى هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.
المحكمة
حيث إن مما تنعاه الطاعنتان على الحكم المطعون فيه أنه مشوب بالخطأ
فى تطبيق القانون ذلك بأن الحاضر عنهما دفع أمام محكمة ثانى درجة ببطلان الحكم المستأنف
لصدوره من قاض فقد صلاحية الحكم فى الدعوى لاشتراكه فى عمل من أعمال التحقيق إلا أن
الحكم المطعون فيه رفض هذا الدفع بما لا يتفق وصحيح القانون واعتبر إذن هذا القاضى
بتفتيش منازل غير المتهمين وبمراقبة المحادثات السلكية ليس من أعمال التحقيق التى تحرم
القاضى من حق الفصل فى الدعوى التى أصدر فيها الإذن.
وحيث أن المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية قد حددت الأحوال التى يمتنع فيها على
القاضى الحكم فى الدعوى لما بينها وبين وظيفة القضاء من تعارض ومن هذه الأحوال أن يكون
القاضى قد قام فى الدعوى بعمل من أعمال التحقيق وهو نص مقتبس مما ورد فى المادة 313
من قانون المرافعات الصادر به القانون رقم 77 لسنة 1949 والمطابقة لنص المادة 146 من
قانون المرافعات الحالى – ومتعلق بالنظام العام فيتعين على القاضى فى تلك الأحوال أن
يمتنع من تلقاء نفسه عن الحكم فى الدعوى ولو لم يطلب أحد الخصوم رده والا وقع قضاؤه
باطلا بحكم القانون لتعلقه بأصل من أصول المحاكمة مقرر للإطمئنان إلى توزيع العدالة
بالفصل بين أعمال التحقيق والقضاء إذ أساس وجوب هذا الإمتناع هو قيام القاضى بعمل يجعل
له رأيا فى الدعوى يتعارض مع ما يشترط فى القاضى من خلو الذهن عن موضوعها ليستطيع أن
يزن حجج الخصوم وزنا مجردا. والتحقيق فى مفهوم حكم المادة 247 سالفة الذكر كسبب لامتناع
القاضى عن الحكم هو ما يجريه القاضى فى نطاق تطبيق قانون الإجراءات الجنائية بصفته
سلطة تحقيق. لما كان ذلك، وكانت المادة 206 من هذا القانون الواردة فى باب "التحقيق
بمعرفة النيابة العامة" والمعدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962. إذ أجازت للنيابة العامة
تفتيش غير المتهم أو منزل غير منزله متى اتضح من أمارات قوية أنه حائز أشياء تتعلق
بالجريمة، وإذ أجازت لها أن تراقب المحادثات السلكية واللاسلكية متى كان لذلك فائدة
فى ظهور الحقيقة، قد اشترطت لاتخاذ أى من هذه الإجراءات الحصول مقدما على إذن بذلك
من القاضى الجزئى الذى يصدر الإذن بعد اطلاعه على الأوراق، وسماعه إن رأى لزوما لذلك
أقوال من يراد تفتيشه أو تفتيش منزله أو مراقبة المحادثات المتعلقة به، ومفاد ذلك أن
الإذن الذى يصدره القاضى بشيء من ذلك إنما هو من إجراءات التحقيق، وان للقاضى مطلق
الحرية فى الإذن أو الرفض، فاذا صدر الاذن من القاضى فانه ينطوى على إظهار رأيه بأنه
اقتنع بجدية وقوع الجريمة ومن ثم يتعارض مع ما يتطلب فى القاضى من خلو الذهن عن موضوع
الدعوى ليستطيع أن يزن حجج الخصوم وزنا مجردا وتتوافر به الحكمة التى تغياها الشارع
من درء شبهة تأثر القاضى برأى سبق أن أبداه فى الدعوى صونا لمكانة القضاء وعلو كلمته
بين الناس. لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم الابتدائى أن قاضى محكمة الآداب
قد أصدر إذنا للنيابة العامة بتاريخ 14/ 12/ 1970 بمراقبة وتسجيل المحادثات المتعلقة
بتليفون الطاعنة الأولى كما أصدر إذنا بتفتيش الشقة رقم…. مسكن….. وتفتيش الشقة
رقم…. مسكن….. "وهما غير متهمين" وذلك لضبط ما يوجد بهما من حالات دعارة ونسوة
ساقطات سهلت دعارتهن الطاعنة الأولى وكان الثابت من مدونات الحكم الاستئنافى المطعون
فيه أن القاضى الذى أذن بمراقبة وتسجيل تلك المحادثات وتفتيش مساكن غير المتهمين هو
الذى نظر الدعوى ابتدائيا وأصدر فيها الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم
المطعون فيه وإذ كانت هذه الدعوى قد جاءت نتيجة ما أذن به هذا القاضى ذاته من مراقبة
وتفتيش، مما كان لزومه أن يمتنع عن نظرها والحكم فيها ومن ثم كان قضاؤه فيها قد وقع
باطلا ويكون الحكم الاستئنافى المطعون فيه – إذ قضى برفض الدفع ببطلان الحكم المستأنف
– معيبا بالخطأ فى تطبيق القانون، متعينا نقضه. لما كان ذلك وكانت محكمة أول درجة وإن
قضت فى موضوع الدعوى إلا أنه وقد وقع قضاؤها باطلا بطلانا متصلا بالنظام العام لصدوره
من قاض محظور عليه الفصل فيها، فانه لا يعتد به كدرجة أولى للتقاضى ولا يجوز لمحكمة
ثانى درجة تصحيح هذا البطلان – عملا بالفقرة الأولى من المادة 419 من قانون الاجراءات
الجنائية لما فى ذلك من تفويت تلك الدرجة على الطاعنتين مما يتعين معه أن يكون النقض
مقرونا بالغاء الحكم الابتدائى المستأنف وإحالة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فيها
مجددا من قاض آخر وذلك دون حاجة لبحث الوجه الآخر من الطعن.
