الطعن رقم 1067 لسنة 41 ق – جلسة 14 /05 /1972
أحكام النقض – المكتب الفنى – جنائى
العدد الثانى – السنة 23 – صـ 691
جلسة 14 من مايو سنة 1972
برياسة السيد المستشار/ محمد عبد المنعم حمزاوى نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حسين سامح، ونصر الدين عزام، وسعد الدين عطية، وحسن الشربينى.
الطعن رقم 1067 لسنة 41 القضائية
بلاغ كاذب. جريمة: "أركانها". حكم: "بيانات التسبيب".
الركن الأساسى فى جريمة البلاغ الكاذب – وهو تعمد الكذب فى التبليغ – مقتضاه: علم المبلغ
علما يقينيا لا يداخله أى شك فى أن الواقعة التى أبلغ بها كاذبة وأن المبلغ ضده برئ
منها.
شرط صحة الحكم بكذب البلاغ: أن تستظهر المحكمة فى حكمها توافر هذا العلم اليقينى بطريق
الجزم بدليل ينتجه عقلا.
من المقرر أن الركن الأساسى فى جريمة البلاغ الكاذب هو تعمد الكذب فى التبليغ وهذا
يقتضى أن يكون المبلغ عالما علما يقينيا لا يداخله أى شك فى أن الواقعة التى أبلغ بها
كاذبة وأن المبلغ ضده برئ منها. كما أنه يلزم لصحة الحكم بكذب البلاغ أن يثبت للمحكمة
بطريق الجزم توافر هذا العلم اليقينى وأن تستظهر ذلك فى حكمها بدليل ينتجه عقلا.
الوقائع
أقام المدعى بالحقوق المدنية هذه الدعوى مباشرة أمام محكمة قصر النيل الجزئية ضد الطاعن متهما إياه بتاريخ 30 سبتمبر سنة 1969 بدائرة قسم قصر النيل: أبلغ كذبا مع سوء القصد ضده بأن نسب إليه الدأب على تهديده بالاعتداء وهو أمر لو صح لاستوجب عقابه قانونا. وطلب عقابه بالمادتين 303 و305 من قانون العقوبات مع الزامه أن يدفع مبلغ 51 جنيها على سبيل التعويض المدنى المؤقت مع المصاريف وأتعاب المحاماة. والمحكمة المذكورة قضت غيابيا عملا بمادتى الإتهام بحبس المتهم شهرا واحدا مع الشغل وكفالة عشرة جنيهات لوقف التنفيذ وبإلزامه بأن يدفع للمدعى بالحق المدنى مبلغ 51 جنيها على سبيل التعويض المؤقت والمصروفات ومبلغ مائة قرش مقابل أتعاب المحاماة. فعارض الطاعن فى هذا الحكم وعند نظر المعارضة طلب الحكم على المدعى المدنى بمبلغ 51 جنيها على سبيل التعويض المؤقت عن اقامة ادعائه الكيدى ضده وذلك عملا بالمادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية. وقضت المحكمة الجزئية بقبول المعارضة شكلا وفى الموضوع (أولا) بتأييد الحكم المعارض فيه وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة وقفا شاملا لكافة الآثار الجنائية (ثانيا) بعدم الاختصاص بنظر الدعوى المدنية المرفوعة عن المتهم وإحالتها بحالتها إلى محكمة عابدين الجزئية، فاستأنف. ومحكمة القاهرة الإبتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضوريا بقبول الإستئناف شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض. وقضت هذه المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة القاهرة الإبتدائية لتفصل فيها من جديد هيئة استئنافية أخرى. والمحكمة المذكورة سمعت الدعوى من جديد وقضت حضوريا بقبول الإستئناف شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف، فطعن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض للمرة الثانية…الخ. وقضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه وحددت جلسة لنظر الموضوع…الخ.
المحكمة
حيث إن الوقائع – حسبما تبينتها المحكمة – توجز فى أن المدعى بالحق
المدنى…… أقام هذه الدعوى بطريق الإدعاء المباشر ضد….. بوصف أنه بتاريخ 30 من
سبتمبر سنة 1969 أبلغ كذبا وبسوء القصد ضده بأن نسب إليه الدأب على تهديده بالاعتداء
وهو أمر لو صح لاستوجب عقابه وانتهى إلى طلب معاقبته طبقا لنص المادتين 303 و305 من
قانون العقوبات وبالزامه بأن يدفع له مبلغ 51 جنيها على سبيل التعويض المدنى المؤقت
والمصاريف. وقال المدعى بالحق المدنى شارحا لدعواه إنه نظرا لنزاع بينه وبين المتهم
بخصوص مبالغ سلمها اليه للتخليص على سيارة بالجمرك فقد أبلغ الأخير ضده كذبا نقطة شرطة
الجزيرة بتاريخ 30 من سبتمبر سنة 1969 بأنه دأب على تهديده بالقتل وأشهد على ذلك…..
التى أثبت على لسانها بمحضر الشرطة أقوالا تؤيد بلاغه، وإذ ووجه المدعى بالحق المدنى
بهذه الشكوى كذب ما جاء بها وطلب إعادة سؤال الشاهدة التى أنكرت صدور الأقوال المنسوبة
إليها بالمحضر ونفت صدور عبارات التهديد بالقتل من المدعى بالحق المدنى.
وحيث إن الحكم المستأنف بين واقعة الدعوى بما محصله أن المدعى بالحق المدنى….. ذكر
فى صحيفة دعواه إن المتهم….. أبلغ ضده نقطة شرطة الجزيرة بأنه دأب على تهديده بالاعتداء
عليه وأنه ذكر للسيدة…… بأنه "سيمحو المتهم من الوجود" فاصطحبها إلى نقطة الجزيرة
حيث أثبت هذه الأقوال على لسانها فى المحضر فلما سئل المدعى بالحق المدنى أنكر هذه
الواقعة، كما أنه بإعادة سؤال….. نفت صدور ما نسب إليها من أقوال أثبتت بالمحضر وأورد
الحكم أقوال شاهدة الإثبات….. بما مؤداه أن المدعى بالحق المدنى لم تصدر عنه فى حضورها
أقوال تنطوى على التهديد بقتل المتهم وأن كل ما تفوه به مما نقلته للمتهم هو أنه "سيتخذ
اجراءاته" وأن الأخير طلب إليها بعد يومين من هذه الواقعة أن تتوجه معه إلى قسم الدقى
حيث وقعت على محضر لم تسأل فيه ولم تطلع على فحواه رغم معرفتها للقراءة والكتابة نظرا
لأنها كانت على عجلة من أمرها مشغولة بولدها كما أورد أقوال شاهد الإثبات….. بما
محصله أن المدعى المدنى طلب اليه أن ينقل إلى المتهم أن باستطاعته الحصول على حقوقه
بالقوة والقانون معا دون أن يصدر عنه ثمة تهديد بالقتل، وبعد أن أورد الحكم أقوال باقى
شهود الإثبات وشهود النفى ونوه عن بعض المستندات المقدمة فى الدعوى وأوجه الدفاع التى
اعتصم بها المتهم وأشار إلى بعض المبادئ القانونية فى التعريف بأركان جريمة البلاغ
الكاذب، انتهى إلى معاقبة المتهم بحبسه شهرا مع الشغل مع وقف تنفيذ العقوبة وإلزامه
بأن يدفع للمدعى بالحق المدنى 51 جنيها على سبيل التعويض المؤقت والمصروفات وذلك فى
قوله "….. ومن حيث إنه بإنزال هذه القواعد على واقعة الدعوى وهى قيام المتهم بابلاغ
شرطة الجزيرة فى 30/ 9/ 1969 ضد المدعى بالحق المدنى يتهمه إياه بتهديده بالمحو من
الوجود واستنادا إلى أقوال…… فإن المحكمة يهمها أن تشير إلى أنها تطمئن اطمئنانا
كاملا إلى أقوال الشاهد…… الذى جرت شهادته من بدايتها فى خط صريح واضح ألقى الضوء
على أركان الواقعة…… ومن حيث أن الشاهد….. قرر فى شهادته أن الفاظا بذاتها تحمل
معنى التهديد الذى يمس حياة المتهم لم تصدر عن المدعى بالحق المدنى وأن كل ما قاله
هو اتخاذ الإجراءات التى تكفل استرداد حقوقه وهو ذات ما قررته الشاهدة….. فى شهادتها
أمام المحكمة وفى أقوالها أمام شرطة الدقى مقررة بأن أقوالها السابقة كانت بغير علمها
وفى حضور المتهم الذى اصطحبها إلى الشرطة حيث كان يتواجد محاميه، وأيا كان الشأن فى
صحة ما قررته نفس الشاهدة من أنها وقعت دون أن تقرأ أقوالها فان الذى يبين من الأوراق
أنها كانت مدينة للمتهم بموجب شيك لا يقابله رصيد بادر المتهم إلى تحويله إلى وكيل
محاميه واتخاذ الإجراءات الجنائية ضدها أمام محكمة عابدين إثر هذا العدول مما يرجح
معه أنها كانت على الأقل غير مختارة فى الادلاء بنفس الأقوال….. والذى تخلص اليه
المحكمة من كل ما تقدم أن المتهم استغل العبارة التى صدرت من المدعى بالحق المدنى من
أنه سوف يشوف شغله ويتخذ اجراءاته على النحو الذى فيه راحة له – مستغلا شعور الشاهدة
التى استبد بها الخوف نتيجة الشك الذى حررته ولا يقابله رصيد ومن ثم يتحقق كذب البلاغ
وعلمه بذلك…" لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الركن الأساسى فى جريمة البلاغ الكاذب
هو تعمد الكذب فى التبليغ، وهذا يقتضى أن يكون المبلغ عالما علما يقينا لا يداخله أى
شك فى أن الواقعة التى أبلغ بها كاذبة وأن المبلغ ضده برئ منها كما أنه يلزم لصحة الحكم
بكذب البلاغ أن يثبت للمحكمة بطريق الجزم توافر هذا العلم اليقينى وأن تستظهر ذلك فى
حكمها بدليل ينتجه عقلا. لما كان ذلك، وكانت أوراق الدعوى والتحقيقات التى تمت فيها
قد جاءت خلوا مما ينبئ أو يرشح بأن المتهم عند إبلاغه ضد المدعى بالحق المدنى قد تعمد
الكذب فى هذا التبليغ أو أنه تواطأ مع….. للإدلاء بما أدلت به من أقوال فى محضر الشرطة.
وكان ما أورده الحكم المستأنف للتدليل على علم المتهم بكذب ما أبلغ به لا يؤدى إلى
ما رتبه عليه من نتيجة، ذلك بأنه استمد عقيدته فى هذا الصدد من أمرين: (أولهما) أن
الرواية التى أثبتت على لسان….. بمحضر الشرطة من أن المدعى بالحق المدنى سيمحو المتهم
من الوجود، والتى على أساسها قدم الأخير بلاغه – رواية مختلفة لم تصدر منها، وبفرض
صحة ذلك فالغالب أن يكون المتهم هو الذى أجبرها على الإدلاء بها تحت تأثير التهديد
بالإبلاغ ضدها فى جريمة إصدار شيك لا يقابله رصيد قائم وما أورده الحكم فى هذا الشأن
لا يؤدى إلى النتيجة التى استخلصتها المحكمة، ذلك بأنه اثبت فى مدوناته أن الشاهدة…..
أقرت بأنها توجهت لقسم الشرطة بمحض إرادتها واختيارها وأنها تعرف القراءة والكتابة
مما ينتفى معه عقلا مظنة توقيعها على أقوال لم تصدر منها، كما أن ما ذهب إليه الحكم
من ترجيح أن الشاهدة المذكورة أدلت بأقوالها عن غير طواعية واختيار – فضلا عن أنه لا
يكفى على ما سلف بيانه للإدانة فى جريمة البلاغ الكاذب – فإنه لا سند له من أقوال الشاهدة
فى أية مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة (وثانيهما) أن….. شهد بأن المدعى بالحق
المدنى لم يصدر عنه ثمة تهديد بقتل المتهم وكل ما قاله وطلب إليه نقله إلى المتهم هو
أنه سيعمل على اتخاذ الإجراءات التى تكفل استرداد حقوقه وما أورده الحكم فى هذا المقام
لا يؤدى هو الآخر إلى ما رتبه عليه ذلك بأن أقوال الشاهد المذكور كما أثبتها الحكم
لا تنصب على الواقعة موضوع البلاغ الكاذب بل تتناول واقعة أخرى سابقة عليها وبالتالى
فإنها لا تصلح أساسا لإثبات تعمد المتهم الكذب فى التبليغ فى الدعوى المطروحة.
وحيث إنه لما تقدم جميعه، فإن الحكم المستأنف إذ قضى بإدانة المتهم وإلزامه بالتعويض
المدنى يكون قد خالف صحيح القانون ومن ثم يتعين إلغاؤه والقضاء ببراءة المتهم مما أسند
إليه عملا بنص المادة 304/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية ورفض الدعوى المدنية قبله
وإلزام رافعها مصروفاتها.
