الطعن رقم 519 لسنة 3 ق – جلسة 12 /07 /1958
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثالث (من أول يونيه إلى آخر سبتمبر سنة 1958) – صـ 1568
جلسة 12 من يوليه سنة 1958
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 519 لسنة 3 القضائية
دعوى – صفة في الدعوى – جعل المحكمة الإدارية بالإسكندرية مختصة
بالفصل في المنازعات التي تقوم بين ذوي الشأن ومصالح الحكومة بالإسكندرية – مؤداه الإقرار
لهذه المصالح بأهلية التقاضي في هذه المنازعات.
إن القانون المنشئ للجنة القضائية لمصالح الحكومة ووزاراتها بالإسكندرية والقوانين
التالية التي أحلت بصورة عامة المحاكم الإدارية محل اللجان القضائية – هذه القوانين
كلها، إذ ناطت بالمحكمة الإدارية بالإسكندرية اختصاص الفصل في المنازعات التي تقوم
بين ذوي الشأن ومصالح الحكومة بالإسكندرية، قد انطوت على معنى الإقرار لهذه المصالح
بأهلية التقاضي في شأن ما يشجر بينها وبين أولي الشأن من منازعات عهد بالفصل فيها إلى
اللجنة القضائية ثم إلى المحكمة الإدارية بالإسكندرية؛ ومن ثم فلا محل لما أثاره السلاح
البحري (المدعى عليه) من أنه مجرد عن الشخصية المعنوية التي تسمح باختصامه أمام القضاء،
ويكون الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء الصفة في غير محله، متعيناً رفضه.
إجراءات الطعن
في 28 من فبراير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 519 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بالإسكندرية بجلسة أول يناير سنة 1957 في الدعوى رقم 765 لسنة 3 القضائية المقامة من: السيدة/ حفيظة إبراهيم القناوي، والسيد/ محمد عبد الله عطوة بصفته، ضد السلاح البحري، القاضي "باستحقاق المدعية الأولى عن نفسها والمدعي الثاني بصفته للمكافأة عن مدة خدمة مورثهما عملاً بالمرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف المناسبة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه – "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، مع إلزام المدعيين المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى الجهة الإدارية في 2 من إبريل سنة 1957، وإلى المطعون عليهما في 8 من إبريل سنة 1957، وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 31 من مايو سنة 1958، وفي 19 من مارس سنة 1958 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعيين
أقاما الدعوى رقم 765 لسنة 3 القضائية ضد السلاح البحري بالإسكندرية أمام المحكمة الإدارية
بالإسكندرية بعريضة أودعاها سكرتيرية المحكمة في 9 من أغسطس سنة 1956 بناءً على قرار
لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة المذكورة الصادر بجلسة 25 من يوليه سنة 1956 في الطلب
رقم 672 م لسنة 3 القضائية بإعفائه من رسوم هذه الدعوى. وقالا شرحاً لدعواهما إن مورثهما
المرحوم الريس البحري محمد عبد الله عطوة فصل من الخدمة في 17 من أكتوبر سنة 1954 للوفاة،
وقام السلاح البحري بصرف مكافأته للورثة حسبت على أساس آخر مرتب أصلي كان يتقاضاه دون
إعانة غلاء المعيشة. وقالا إن قضاء المحكمة الإدارية بالإسكندرية قد استقر على إفادة
المستخدمين الخارجين عن الهيئة التابعين للقوات المسلحة – كما هو الشأن بالنسبة إلى
مورثهما – من أحكام المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 بشأن عقد العمل الفردي من جهة
استحقاق الورثة للمكافأة محسوبة على أساس إضافة إعانة غلاء المعيشة إليها، ومن ناحية
استحقاقهم كذلك لمقابل الإجازات الاعتيادية التي لم ينتفع بها المورث عن السنة الأخيرة
من خدمته. وبجلسة 20 من نوفمبر سنة 1956 قصر الحاضر عن المدعيين في المرافعة طلباته
على الطلب الأول الخاص بفروق المكافأة، وتنازل عن المطالبة بمقابل الإجازات الاعتيادية.
ودفعت الجهة الإدارية بأن مورث المدعيين كان من المستخدمين الخارجين عن الهيئة، ويعامل
مثله – من ناحية تقدير مكافأته – معاملة الخدمة السايرة، وقدمت كشفاً بالوظائف التي
تقلب فيها حتى فصل من خدمة السلاح البحري في 17 من أكتوبر سنة 1954 لوفاته. وبجلسة
أول يناير سنة 1957 قضت المحكمة الإدارية "باستحقاق المدعية الأولى عن نفسها والمدعي
الثاني بصفته للمكافأة عن مدة خدمة مورثهما عملاً بالمرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952،
مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف المناسبة". وأقامت قضاءها على أن المرسوم بقانون
رقم 317 لسنة 1952 في شأن عقد العمل الفردي ينطبق في حق المستخدمين الخارجين عن الهيئة
ومنهم مورث المدعيين، وأنه يتعين لذلك حساب المكافأة المستحقة عن مدة خدمة مورثهما
على أساس آخر أجر كان يتقاضاه، مضافاً إليه إعانة المعيشة طبقاً للمواد 4 و37 و38 من
المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952.
ومن حيث إن الطعن يقوم على ما قضت به المحكمة الإدارية العليا من أن العلاقة التنظيمية
العامة التي تربط الحكومة والموظف لا تدخل في النطاق العقدي، بل تتميز بتكييفها المستقل
كرابطة من روابط القانون العالم مصدرها القوانين واللوائح؛ ومن ثم فلا يسوغ القول بانتفاع
الموظف أو المستخدم بأحكام المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952، وإذ ذهب الحكم المطعون
فيه على خلاف هذا المذهب فقد وقع مخالفاً للقانون.
ومن حيث إن ما أثاره السلاح البحري المدعى عليه من أنه مجرد عن الشخصية المعنوية التي
تسمح باختصامه أمام القضاء مردود بأن القانون المنشئ للجنة القضائية لمصالح الحكومة
ووزاراتها بالإسكندرية والقوانين التالية التي أحلت بصورة عامة المحاكم الإدارية محل
اللجان القضائية – هذه القوانين كلها، إذ ناطت بالمحكمة الإدارية بالإسكندرية اختصاص
الفصل في المنازعات التي تقوم بين ذوي الشأن ومصالح الحكومة بالإسكندرية، قد انطوت
على معنى الإقرار لهذه المصالح بأهلية التقاضي في شأن ما يشجر بينها وبين أولي الشأن
من منازعات عهد بالفصل فيها إلى اللجنة القضائية ثم إلى المحكمة الإدارية بالإسكندرية؛
ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء الصفة في غير محله، متعيناً رفضه.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن الدولة في قيامها على المرافق العامة تلجأ إلى
استخدام وسائل متنوعة، وتقوم بينها وبين ذوي الشأن علاقات قانونية تختلف في طبيعتها
بحسب الظروف والأحوال، منها ما يدخل في روابط القانون العام، ومنها ما يندرج في روابط
القانون الخاص، ومن بين تلك الوسائل والأدوات الموظفون الداخلون في الهيئة والمستخدمون
الخارجون عنها والعمال والصناع، ومن هؤلاء من تكون علاقتهم بالدولة علاقة تنظيمية عامة
تحكمها القوانين واللوائح فتدخل بهذه المثابة في نطاق القانون العام، كما أن منهم من
تكون علاقته بالدولة علاقة عقد عمل فردي فتندرج على هذا التكييف في نطاق القانون الخاص؛
وأن مجال تطبيق قانون عقد العمل الفردي لا يكون إلا إذا كانت العلاقة قائمة على أساس
عقد عمل رضائي بالمعنى المفهوم في فقه القانون الخاص وليست خاضعة لتنظيم لائحي، وذلك
بصريح نص المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 في شأن عقد العمل الفردي
التي نصت على أن "تسري أحكام هذا القانون على العقد الذي يتعهد بمقتضاه عامل بأن يشتغل
تحت إدارة صاحب العمل وإشرافه في مقابل أجر…". وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون
عن العقد المشار إليه أنه "يشترط لانعقاده ما يشترط توافره في جميع العقود الرضائية
من رضاء ومحل وسبب". ولا جدال في أن هذه النصوص إنما عنت العلاقة التي تعتبر في التكييف
القانوني عقد عمل فردي، أي التي مصدرها عقد رضائي في نطاق القانون الخاص، كما أنه من
المقرر أن العلاقة التنظيمية العامة لا تدخل في هذا النطاق العقدي، بل تتميز بتكييفها
المستقل كرابطة من روابط القانون العام مصدرها القوانين واللوائح الصادرة في هذا الشأن؛
فلا مندوحة إزاء ذلك من أن تفهم سائر أحكام قانون عقد العمل الفردي عند التأويل والتطبيق
على هذا الأساس، فيتحدد مجال تطبيق هذا القانون في نطاق علاقة الحكومة بالغير حيثما
تكون العلاقة علاقة عمل فردي، أي مصدرها عقد رضائي، كأداة تلجأ إليهما الدولة في تسييرها
للمرافق العامة في نطاق القانون الخاص، فلا ينسحب إلى علاقات تدخل في نطاق القانون
العام وتنظمها القوانين واللوائح.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق أن مورث المدعيين الشاويش بحري محمد المغربي محمد عبد
الله عطوة كان في ضمن المستخدمين خارج الهيئة التابعين للقوات البحرية بالإسكندرية،
وظل على هذا الوضع حتى توفي في 17 من أكتوبر سنة 1954، ولما كان هذا المستخدم يعد من
المستخدمين الخارجين عن الهيئة وخاضعاً بهذه المثابة للقواعد التنظيمية العامة في علاقته
بالحكومة، فإن أحكام عقد العمل الفردي سواء الواردة في القانون رقم 41 لسنة 1944 أو
المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 أو في المواد من 674 إلى 698 من القانون المدني لا
تسري في حقه، تأسيساً على ما سلف بيانه، وإنما يكون الفصل في المنازعة هو للقواعد التنظيمية
العامة المقررة في هذا الشأن.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بطلب المدعيين بصفتيهما منحهما الفرق بين ما صرف وما يستحقه
مورثهما من مكافأة على أساس أجره الأخير مضافة إليه إعانة غلاء المعيشة، فإن الأساس
الذي يتمسكان به إنما يلتمس فحسب فيما أورده المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952، فإذا
تبين أن قانون عقد العمل الفردي المشار إليه – والذي استحدث تقدير المكافأة على الأساس
المطالب به – غير مطبق في حق مورثهما، وأن تقدير مكافأته يخضع للقواعد التنظيمية المطبقة
التي لا تسمح بإضافة إعانة غلاء المعيشة إلى المكافآت المستحقة، فإن طلبهما في هذا
الخصوص في غير محله متعيناً رفضه.
ومن حيث إنه على مقتضى ما تقدم يكون الطعن على أساس سليم، ويكون الحكم المطعون فيه
قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله، ويتعين من ثم القضاء بإلغائه، وبرفض دعوى المدعين
بصفاتهم، وإلزامهم بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعين بصفاتهم بالمصروفات.
