الطعن رقم 156 لسنة 2 قضائية – جلسة 12 /07 /1958
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثالث (من أول يونيه إلى آخر سبتمبر سنة 1958) – صـ 1539
جلسة 12 من يوليه سنة 1958
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة سيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف المستشارين.
القضية رقم 156 لسنة 2 قضائية
( أ ) مجالس المديريات – قواعد التوظف بها – عدم خضوعها في الماضي
لنظام خاص – اتباعها القواعد السارية بالحكومة.
(ب) موظف – تعيينه تحت الاختبار – دكريتو 24/ 6/ 1901 بالتصديق على لائحة المستخدمين
الملكيين – المواد 8 و12 و15 من اللائحة – مفادها أن من يقضي فترة الاختبار من الموظفين
المشار إليهم على ما يرام يستمر في الخدمة وإلا فصل من وظيفته.
(ج) مجالس المديريات – اعتبار الموظف بها مثبتاً إذا قضى فترة الاختبار على ما يرام
– كتاب الداخلية الدوري رقم 9 لسنة 1931 – مؤداه أن الموظف الذي قضى فترة الاختبار
ولم يصدر قرار بشأنه يعد مثبتاً حكماً – الكتاب الدوري رقم 121 لسنة 1944 مجالس مديريات
– اعتباره الموظف مثبتاً منذ التحاقه بالخدمة متى ثبتت لياقته الصحية وكان قد مضى عليه
في الخدمة سنتان قبل 5/ 6/ 1944.
(د) مجالس المديريات – قرارا مجلس الوزراء في 8/ 7/ 1943 و5/ 3/ 1945 – سريانه على
رجال التعليم الأولي القديم – حقهم في التثبيت بالمعاش متى كانوا مثبتين بمجالس المديريات.
1 – يبين من تقصي قواعد التوظف بمجالس المديريات أن هذه المجالس لم يكن لها نظام خاص
بالتوظف، وإنما كانت تسير على سنن القواعد المتبعة في الحكومة. وقد صدرت في 26 من سبتمبر
سنة 1934 لائحة النظام الداخلي لمجالس المديريات، مقررة في المادة 62 منها ما جرى عليه
العمل قبل صدورها، فنصت على أنه "تسري القواعد الخاصة بتعيين موظفي الحكومة ومستخدميها
وترقيتهم وفصلهم وغير ذلك من شروط الخدمة على موظفي مجالس المديريات ومستخدميها، ولا
يترتب على هذا لموظفي المجالس ومستخدميها أي حق على الحكومة في معاش أو مكافأة من أي
نوع كان".
2 – يبين من الاطلاع على دكريتو 24 من يونيه سنة 1901 بالتصديق على لائحة المستخدمين
الملكيين في مصالح الحكومة، أن المادة 8 منه توجب على المترشحين الذين يدخلون لأول
مرة في خدمة الحكومة أن يقدموا شهادة دالة على حسن سيرهم. شهادة دالة على جنسيتهم.
شهادة من القومسيون الطبي بمصر أو الإسكندرية دالة على صحة بنيتهم. وتنص المادة
13 على أن "المترشحين من النوع الثالث يلزم أن يكونوا بلغوا من العمر 18 سنة كاملة
فيعينون على سبيل الاختبار لمدة سنة على الأقل أو سنتين على الأكثر… وأحكام الفقرتين
السابقتين لا تمس ما للوزير من الحق في رفت هؤلاء الموظفين في أي وقت كان في أثناء
مدة الاختبار أو عند انتهائها، ومع ذلك فلا يجوز استعمال هذا الحق إلا بناءً على تقرير
بالكتابة من رئيس المصلحة الذي لا يكون راضياً عن أعمالهم". وتنص المادة 15 على أن
"المترشحين الذين من الأنواع 3 و4 و5 و6 و7 متى تمموا على ما يرضي رؤساءهم مدة الاختبار
المنصوص عليها بالمادة 13 يعينون نهائياً.." ومفاد هذه الأحكام أن من يمضي مدة الاختبار
على ما يرضي الرؤساء يعين نهائياً. أي يستمر في الخدمة. وأما من لم تحسن الشهادة في
حقه فيفصل من الخدمة، سواء خلال فترة الاختبار أو عند انتهائها.
3 – استناداً إلى نصوص المواد 8 و13 و15 من لائحة المستخدمين الملكيين في مصالح الحكومة
التي كانت تنطبق على موظفي مجالس المديريات، يعتبر مثبتاً بمجالس المديريات من يمضي
مدة الاختبار على ما يرام. وإنه ولئن كانت المادة 15 سالفة الذكر لم تشترط صدور قرار
بالتعيين النهائي بعد قضاء مدة الاختبار، إلا أنه جرى العمل في مجالس المديريات على
أن تعرض إدارات المستخدمين على المجالس أمر من أمضى فترة الاختبار على ما يرام من الموظفين
ليصدر قراراً بتثبيته. ولما لاحظت وزارة الداخلية في سنة 1931 أن هذا الإجراء لم يتبع
– وهو إجراء تقوم به الإدارة من تلقاء نفسها دون دخل للموظف في ذلك – أصدرت في 31 من
يناير سنة 1931 الكتاب الدوري رقم 9 لسنة 1931 "لمجالس المديريات بشأن تثبيت موظفي
ومستخدمي مجالس المديريات الذين مضى عليهم سنتان فأكثر تحت الاختبار ولم يصدر قرار
بتثبيتهم للآن"، فجاء بالكتاب الدوري المذكور ما يأتي "لاحظت الوزارة أن بعض المجالس
يعين موظفين ومستخدمين لمدة سنة تحت التجربة، وبعد مضي هذه المدة لا ينظر في أمر تثبيتهم
أو إطالة مدة اختبارهم لمدة سنة أخرى أو فصلهم لعدم تمضية مدة الاختبار على ما يرام،
ويظل الموظف في الخدمة بهذه الصفة وهو في الواقع معتبر من المثبتين دون أن يصدر قرار
بتثبيته. وحيث إن هذا العمل يتنافى مع التعليمات المالية، فتلافيا له تلفت الوزارة
نظر المجالس إلى أنه لا يجوز تعيين موظف أو مستخدم إلا على سبيل التجربة لمدة لا تقل
عن سنة بحال من الأحوال، على أنه يجوز امتداد سنة أخرى فقط على الأكثر. وإذا رؤي أن
الموظف أو المستخدم قد أمضى مدة التجربة على ما يرام، فعندئذٍ يجب إصدار قرار بتثبيته
وحفظه بملف خدمته، وإلا وجب فصله من الخدمة لعدم تمضيته مدة التجربة بحالة مرضية، وحيث
إن كثيرين من موظفي المجالس معينون تحت الاختبار من زمن طويل، ولم تصدر المجالس قرارات
بتثبيتهم في وظائفهم للآن، وحيث إن من قضى أكثر من سنتين في خدمة المجلس وكان معيناً
تحت التجربة فقد أصبح مثبتاً حكماً؛ لذلك نرجو التنبيه إلى مراعاة هذه التعليمات عند
كل تعيين جديد، مع التنبيه أيضاً إلى مراجعة ملفات خدمة جميع موظفي ومستخدمي المجالس،
حتى إذا لوحظ أن أحداً منهم قد أمضى في التجربة تحت الاختبار سنتين فأكثر ولم يصدر
قرار بتثبيته فتصدرون حضرتكم هذا القرار استيفاءً لملف الخدمة من جهة، وإقراراً لحالة
الموظف من جهة أخرى". وجاء بالكتاب الدوري رقم 121 لسنة 1944 لمجالس المديريات بشأن
تنفيذ اللائحتين الصادرتين بصناديق الادخار والمكافأة على مدة الخدمة التي لا تجرى
عليها أحكام لائحة الادخار بآخر البند الرابع من التعليمات التنفيذية ما يأتي: "وكل
من مضى عليه في وظيفته – مؤقتاً كان أو دائماً – سنتان قبل تاريخ سريان اللائحة الجديدة
(وهو يوم 5 يونيه سنة 1944) وكان قد ثبتت لياقته الصحية للخدمة، يعد مثبتاً في وظيفته
منذ التحاقه بالخدمة، ولو لم يكن قد صدر قرار صريح بتثبيته".
4 – إن مجلس الوزراء وافق بجلسته المنعقدة في 8 من يوليه سنة 1943 على تسوية حالة موظفي
مجالس المديريات المنقولين للحكومة في أول أكتوبر سنة 1936، واعتبر مثبتاً – دون كشف
طبي – من كان مثبتاً في المجالس حتى تاريخ نقله، ومن كان مشتركاً في صندوق الادخار
من الموظفين الذين تعادل درجاتهم الدرجة الثامنة الحكومية فما فوقها، وتسترد منه المكافأة
التي استولى عليها ويطالب بدفع فروق الاحتياطي عن مدة الخدمة بالمجالس، والاحتياطي
عن مدة الخدمة بالحكومة. وفي 5 من مارس سنة 1945 وافق مجلس الوزراء على تسوية حالة
طوائف أخرى من بينها موظفو مدارس مجالس المديريات الفنيون والإداريون والكتابيون الذين
ضموا للحكومة قبل أكتوبر سنة 1936 أو بعده، سواء كان تعيينهم بصفة فردية أو بضم مدارسهم
للحكومة، وقضي بأن تسوى حالة هؤلاء وفقاً للأحكام التي قررها المجلس في 8 من يوليه
سنة 1943. وقد استفسرت وزارة المعارف العمومية من وزارة المالية عن كيفية تطبيق قرار
مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 على رجال التعليم الأولي القديم؛ نظراً
لوجود تضارب بين تطبيق القرار المذكور وبين ما تضمنه قرار 16 من أكتوبر سنة 1946 من
عدم انطباق القرار على التعليم الأولي إطلاقاً، فأجابت وزارة المالية بكتابها رقم 78
– 1 – 22 مؤقت أ المؤرخ 10 من فبراير سنة 1947 بأن "قرار 16 من أكتوبر سنة 1946 فقرة
ثانية خاصة بالتعليم الإلزامي، ولا تسري عليهم قواعد التسوية الصادر بها قرار مجلس
الوزراء في 5 من مارس سنة 1945. أما رجال التعليم الأولي القديم فهؤلاء لهم حالة خاصة،
حيث وضعوا منذ تعديل درجات سنة 1921 في درجات ثامنة وسابعة، كما أجيز بتثبيتهم في وظائف
بمقتضى قرار اللجنة المالية الصادر في 24 من إبريل سنة 1939. وبناءً عليه ترى وزارة
المالية الاستمرار في معاملة رجال التعليم الأولي القديم بالتطبيق لقرار مجلس الوزراء
الصادر في 5 من مارس سنة 1945، على أن تكون هذه المعاملة قاصرة عليهم دون غيرهم من
رجال التعليم الأولى". واستناداً إلى هذا الرأي طبقت وزارة المعارف العمومية قرار 5
من مارس سنة 1945 على رجال التعليم الأولي القديم.
إجراءات الطعن
في 4 من فبراير سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 7 من ديسمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 5569 لسنة 8 القضائية المرفوعة من وزارة التربية والتعليم ضد محمد عبد القادر الأنبعاوي، والقاضي "برفض الطعن، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت الحكومة بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء قرار اللجنة القضائية، ورفض التظلم، وإلزام المتظلم بالمصروفات". وأعلن الطعن إلى الجهة الإدارية في 11 من فبراير سنة 1956، وإلى الخصم في 14 منه، ثم عين لنظر الدعوى جلسة 5 من مايو سنة 1956، وفيها سمعت إيضاحات الطرفين على الوجه المبين بمحضر الجلسة. وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يستفاد من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون
عليه تقدم إلى اللجنة القضائية لوزارة التربية والتعليم، وطلب الحكم باعتباره مثبتاً
دون الكشف عليه طبياً منذ بدء خدمته في أول سبتمبر سنة 1934، مع ضم مدة خدمته بمجلس
مديرية جرجا من أول إبريل سنة 1917 إلى 31 من أغسطس سنة 1924؛ مؤسساً دعواه على قراري
مجلس الوزراء الصادر أولهما في 8 من يوليه سنة 1943 وثانيهما في 5 من مارس سنة 1945.
ودفعت الحكومة الدعوى بأن المتظلم عين بإحدى المدارس الأولية التابعة لمجلس مديرية
جرجا اعتباراً من نوفمبر سنة 1923 لغاية آخر أغسطس سنة 1924، ثم عين في 8 من سبتمبر
سنة 1924 بإحدى مدارس المشروع الأولية، ثم من 4 من أكتوبر سنة 1924 بإحدى مدارس وزارة
التربية والتعليم الأولية القديمة، فلا ينتفع من أحكام هذين القرارين؛ لأنهما خاصان
بموظفي مدارس مجالس المديريات غير الأولية، فضلاً عن تخلف شرط لم يتحقق في المدعي،
وهو أن يكون الموظف مثبتاً أو مشتركاً في صندوق الادخار. وفي 2 من ديسمبر سنة 1953
أصدرت اللجنة القضائية قرارها "باستحقاق المتظلم للتثبيت بالمعاش بالتطبيق لقراري مجلس
الوزراء الصادرين في 8 من يوليه سنة 1943 و5 من مارس سنة 1945". وأسست اللجنة قرارها
على أن "كتاب وزارة المالية الدوري رقم م 78 – 1 – 22 مؤقت أ بتاريخ 10 من فبراير سنة
1947 صريح في معاملة رجال التعليم الأولي القديم بالتطبيق لقرار مجلس الوزراء الصادر
في 5 من مارس سنة 1945، على أن تكون هذه المعاملة قاصرة عليهم دون غيرهم من رجال التعليم
الإلزامي؛ ذلك أن لرجال التعليم الأولي القديم حالة خاصة، حيث وضعوا منذ تعديل الدرجات
عام 1921 في درجات ثامنة وسابعة، كما أجيز تثبيتهم في وظائفهم بمقتضى قرار اللجنة المالية
الصادر في 24 من إبريل سنة 1939؛ ومن ثم لا يمكن القول بأن قرار مجلس الوزراء الصادر
في 16 من أكتوبر سنة 1946 قضي بعدم انطباق قرار 5 من مارس سنة 1945 على رجال التعليم
الأولي إطلاقاً" وقد طعنت وزارة التربية والتعليم في هذا القرار طالبة إلغاءه وإلزام
المطعون عليه بالمصروفات. وبنت طعنها على أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 8 من يوليه
سنة 1943 إنما يهدف إلى تثبيت موظفي مدارس مجالس المديريات التي ضمت للوزارة في أول
أكتوبر سنة 1936، وهي المدارس الابتدائية، بشرط أن يكون الموظف مثبتاً في المجالس أو
مشتركاً في صندوق الادخار، وأما قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 فهو
خاص بتثبيت الموظفين الذين ضموا من المجالس للحكومة قبل أو بعد أول أكتوبر سنة 1936
بصفة فردية أو مع مدارسهم، يؤيد ذلك ما جاء بقرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من أكتوبر
سنة 1946 من أن أحكام قرار 5 من مارس سنة 1945 لا تسري إلا على موظفي مدارس مجالس المديريات
غير الأولية، فضلاً عن أن المطعون ضده لم تتوافر له شروط التثبيت؛ لأنه لم يكن مثبتاً
بالمجالس وفقاً لقرار 8 من يوليه سنة 1943، وقد قضت محكمة القضاء الإداري بحكمها الصادر
في 7 من ديسمبر سنة 1955 "برفض الطعن، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت
الحكومة بالمصروفات". وأسست قضاءها على أن كتاب وزارة المالية رقم 78 – 1 – 22 مؤقت
أ الصادر في 10 من فبراير سنة 1947 قد أفصح عن وجوب معاملة رجال التعليم الأولي القدامى
وفقاً لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 إذا توافر في أحدهم شرط
التثبيت في مجلس المديرية الذي كان يعمل فيه، وأن هذا الشرط متوافر في حق المطعون عليه؛
لأنه كان معيناً على ربط درجة دائمة؛ فهو لذلك في حكم المثبت.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن قرار مجلس الوزراء، الصادر في 8 من يوليه سنة 1943 (والكتاب
الدوري المنفذ له) الذي أشار إليه قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945،
قد اشترط لاعتبار الموظفين المنقولين من مجالس المديريات مثبتين دون كشف طبي أن يكونوا
مثبتين في المجالس حتى تاريخ نقلهم، أو أن يكونوا مشتركين في صندوق الادخار، والمطعون
عليه لم يكن مشتركاً في صندوق الادخار ولم يكن مثبتاً؛ لأنه حتى تاريخ نقله إلى الحكومة
لم يصدر قرار بتثبيته.
ومن حيث إن الأمر يقتضي: (أولاً) بحث أحكام وقواعد التثبيت في مجالس المديريات، وهل
يعتبر المدعي مثبتاً بالمجالس قبل نقله إلى وزارة المعارف أم لا. (وثانياً) مدى انطباق
قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 على المدعي، وهل يفيد من أحكامه أم
لا.
ومن حيث إنه بالنسبة للأمر الأول، فإنه يبين من تقصي قواعد التوظف بمجالس المديريات
أن هذه المجالس لم يكن لها نظام خاص بالتوظف، وإنما كانت تسير على سنن القواعد المتبعة
في الحكومة، وقد ورد ذلك صراحة في كتاب وكيل وزارة الداخلية إلى رئيس هيئة المفوضين
المؤرخ 24 من يوليه سنة 1956؛ إذ جاء به أن "لائحة المستخدمين لمجلس مديرية جرجا المصدق
عليها من وزارة الداخلية في 17 من سبتمبر سنة 1913 لم تتعرض لمدة اختبار الموظفين والمستخدمين
الذين يلحقون بخدمة المجلس، وهذا مؤداه أن تلك المدة (مدة الاختبار) إما أن يكون منصوصاً
عليها في عقد الاستخدام… وإما ألا يكون منصوصاً عليها في العقد؛ فيكون المرجع في
ذلك إلى أحكام القواعد العامة، وكانت خاضعة وقتئذٍ لحكم المادة 27 من قانون المصلحة
المالية طبعة سنة 1908". وقد صدرت بعد ذلك في 26 من سبتمبر سنة 1934 لائحة النظام الداخلي
لمجالس المديريات مقررة في المادة 62 منها ما جرى عليه العمل قبل صدورها؛ فنصت على
أنه "تسري القواعد الخاصة بتعيين موظفي الحكومة ومستخدميها وترقيتهم وفصلهم وغير ذلك
من شروط الخدمة على موظفي مجالس المديريات ومستخدميها، ولا يترتب على هذا لموظفي المجالس
ومستخدميها أي حق على الحكومة في معاش أو مكافأة من أي نوع كان…". ويبين من الاطلاع
على دكريتو 24 من يونيه سنة 1901 بالتصديق على لائحة المستخدمين الملكيين في مصالح
الحكومة أن المادة 8 منه توجب على المترشحين الذين يدخلون لأول مرة في خدمة الحكومة
أن يقدموا: شهادة دالة على حسن سيرهم. شهادة دالة على جنسيتهم. شهادة من
القومسيون الطبي بمصر أو الإسكندرية دالة على صحة بنيتهم. وتنص المادة 13 على أن "المترشحين
من النوع الثالث يلزم أن يكونوا بلغوا من العمر 18 سنة كاملة، فيعينون على سبيل الاختبار
لمدة سنة على الأقل أو سنتين على الأكثر… وأحكام الفقرتين السابقتين لا تمس ما للوزير
من الحق في رفت هؤلاء الموظفين في أي وقت كان في أثناء مدة الاختبار أو عند انتهائها،
ومع ذلك فلا يجوز استعمال هذا الحق إلا بناءً على تقرير بالكتابة من رئيس المصلحة الذي
لا يكون راضياً عن أعمالهم". وتنص المادة 15 على أن "المترشحين الذين من الأنواع 3
و4 و5 و6 و7 متى تمموا على ما يرضي رؤساءهم مدة الاختبار المنصوص عليها بالمادة 13
يعينون نهائياً…". ومفاد هذه الأحكام أن من يمضي مدة الاختبار على ما يرضي الرؤساء
يعين نهائياً، أي يستمر في الخدمة، وأما من لم تحسن الشهادة في حقه فيفصل من الخدمة،
سواء خلال فترة الاختبار أو عند انتهائها. واستناداً إلى النصوص المتقدمة يعتبر مثبتاً
بمجالس المديريات من يمضي مدة الاختبار على ما يرام، وأنه ولئن كانت المادة 15 سالفة
الذكر لم تشترط صدور قرار بالتعيين النهائي بعد قضاء مدة الاختبار، إلا أنه جرى العمل
في مجالس المديريات على أن تعرض إدارات المستخدمين على المجالس أمر من أمضى فترة الاختبار
على ما يرام من الموظفين؛ ليصدر قراراً بتثبيته، ولما لاحظت وزارة الداخلية في سنة
1931 أن هذا الإجراء لم يتبع – وهو إجراء تقوم به الإدارة من تلقاء نفسها دون دخل للموظف
في ذلك، أصدرت في 31 من يناير سنة 1931 الكتاب الدوري رقم 9 لسنة 1931 "لمجالس المديريات
بشأن تثبيت موظفي ومستخدمي مجالس المديريات الذين مضى عليهم سنتان فأكثر تحت الاختبار
ولم يصدر قرار بتثبيتهم للآن"، فجاء بالكتاب الدوري المذكور ما يأتي "لاحظت الوزارة
أن بعض المجالس يعين موظفين ومستخدمين لمدة سنة تحت التجربة، وبعد مضي هذه المدة لا
ينظر في أمر تثبيتهم أو إطالة مدة اختبارهم لمدة سنة أخرى، أو فصلهم لعدم تمضية مدة
الاختبار على ما يرام، ويظل الموظف في الخدمة بهذه الصفة وهو في الواقع معتبر من المثبتين
دون أن يصدر قرار بتثبيته. وحيث إن هذا العمل يتنافى مع التعليمات المالية؛ فتلافياً
له تلفت الوزارة نظر المجالس إلى أنه لا يجوز تعيين موظف أو مستخدم إلا على سبيل التجربة
لمدة لا تقل عن سنة بحال من الأحوال، على أنه يجوز امتدادها سنة أخرى فقط على الأكثر،
وإذا رؤي أن الموظف أو المستخدم قد أمضى مدة التجربة على ما يرام، فعندئذٍ يجب إصدار
قرار بتثبيته وحفظه بملف خدمته وإلا وجب فصله من الخدمة لعدم تمضيته مدة التجربة بحالة
مرضية. وحيث إن كثيرين من موظفي المجالس معينون تحت الاختبار من زمن طويل، ولم تصدر
المجالس قرارات بتثبيتهم في وظائفهم للآن، وحيث إن من قضى أكثر من سنتين في خدمة المجلس
وكان معيناً تحت التجربة فقد أصبح مثبتاً حكماً، لذلك نرجو التنبيه إلى مراعاة هذه
التعليمات عند كل تعيين جديد، مع التنبيه أيضاً إلى مراجعة ملفات خدمة جميع موظفي ومستخدمي
المجالس حتى إذا لوحظ أن أحداً منهم قد أمضى في التجربة تحت الاختبار سنتين فأكثر ولم
يصدر قرار بتثبيته، فتصدرون حضرتكم هذا القرار استيفاءً لملف الخدمة من جهة، وإقراراً
لحالة الموظف من جهة أخرى". وجاء بالكتاب الدوري رقم 121 لسنة 1944 لمجالس المديريات
– بشأن تنفيذ اللائحتين الصادرتين لصناديق الادخار والمكافأة على مدة الخدمة التي لا
تجرى عليها أحكام لائحة الادخار بآخر البند الرابع من التعليمات التنفيذية – ما يأتي:
"وكل من مضى عليه في وظيفته مؤقتاً كان أو دائماً سنتان قبل تاريخ سريان اللائحة الجديدة
(وهو يوم 5 من يونيه سنة 1944) وكان قد ثبتت لياقته الصحية للخدمة، يعد مثبتاً في وظيفته
منذ التحاقه بالخدمة ولو لم يكن قد صدر قرار صريح بتثبيته". يؤكد ذلك كله ما ورد بكتاب
رئيس مجلس مديرية جرجا إلى وكيل وزارة المعارف العمومية المؤرخ 29 من يونيه سنة 1947
في شأن حالة المدعي؛ حيث ورد به ما يأتي "…. نتشرف بالإفادة أنه بالبحث في السجلات
وجد أن المعلم المذكور عين بخدمة المجلس في أول إبريل سنة 1917 ونقل إلى وزارة المعارف
في 31 من أغسطس سنة 1924؛ وبذلك يكون قد أمضى مدة التجربة؛ وعملاً بأحكام الكتاب الدوري
رقم 9 لسنة 1931 يعتبر الموظف المذكور مثبتاً في وظيفته لمضي مدة التجربة وقدرها سنتان".
وهذا الذي ورد بالكتب سالفة الذكر هو تطبيق سليم لما ورد بدكريتو سنة 1901؛ إذ أنه
طبقاً للدكريتو المذكور يستمر الموظف في الخدمة نهائياً إذا قضى مدة الاختبار على ما
يرضي رؤساءه وإلا فصل من الخدمة، ولم يكن هناك وضع ثالث للموظف، فالأمر لا يحتمل إلا
تثبيتاً في الوظيفة أو فصلاً منها.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المدعي أنه عين مدرساً بمجلس مديرية جرجا
اعتباراً من أول إبريل سنة 1917 بعد أن كشف عليه طبياً، وقد استمر في خدمة المجلس المذكور
إلى أغسطس سنة 1924 حيث نقل إلى وزارة المعارف؛ ومن ثم فإنه طبقاً للقواعد السابق بيانها
يعتبر مثبتاً بالمجالس بعد إذ أمضى مدة التجربة على ما يرام.
ومن حيث إنه بالنسبة للأمر الثاني فإن مجلس الوزراء وافق بجلسته المنعقدة في 8 من يوليه
سنة 1943 على تسوية حالة موظفي مجالس المديريات المنقولين للحكومة في أول أكتوبر سنة
1936، واعتبر مثبتاً – دون كشف طبي – من كان مثبتاً في المجالس حتى تاريخ نقله، ومن
كان مشتركاً في صندوق الادخار من الموظفين الذين تعادل درجاتهم الدرجة الثامنة الحكومية
فما فوقها، وتسترد منه المكافأة التي استولى عليها، ويطالب بدفع فروق الاحتياطي عن
مدة الخدمة بالمجالس، والاحتياطي عن مدة الخدمة بالحكومة. وفي 5 من مارس سنة 1945 وافق
مجلس الوزراء على تسوية حالة طوائف أخرى من بينها موظفو مدارس مجالس المديريات الفنيون
والإداريون والكتابيون الذين ضموا للحكومة قبل أكتوبر سنة 1936 أو بعده، سواء كان تعيينهم
بصفة فردية أو بضم مدارسهم للحكومة، وقضي بأن تسوى حالة هؤلاء وفقاً للأحكام التي قررها
المجلس في 8 من يوليه سنة 1943. وقد استفسرت وزارة المعارف العمومية من وزارة المالية
عن كيفية تطبيق قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 على رجال التعليم الأولي
القديم؛ نظراً لوجود تضارب بين تطبيق القرار المذكور وبين ما تضمنه قرار 16 من أكتوبر
سنة 1946 من عدم انطباق القرار على التعليم الأولي إطلاقاً، فأجابت وزارة المالية بكتابها
رقم 78/ 1/ 22 مؤقت أ المؤرخ 10 من فبراير سنة 1947 بأن "قرار 16 من أكتوبر سنة 1946
فقرة ثانية خاصة بالتعليم الإلزامي ولا تسري عليهم قواعد التسوية الصادر بها قرار مجلس
الوزراء في 5 من مارس سنة 1945، أما رجال التعليم الأولي القديم فهؤلاء لهم حالة خاصة
حيث وضعوا منذ تعديل درجات سنة 1921 في درجات ثامنة وسابعة، كما أجيز بتثبيتهم في وظائف
بمقتضى قرار اللجنة المالية الصادر في 24 من إبريل سنة 1939. وبناءً عليه ترى وزارة
المالية الاستمرار في معاملة رجال التعليم الأولي القديم بالتطبيق لقرار مجلس الوزراء
الصادر في 5 من مارس سنة 1945، على أن تكون هذه المعاملة قاصرة عليهم دون غيرهم من
رجال التعليم الأولي". واستناداً إلى هذا الرأي طبقت وزارة المعارف العمومية قرار 5
من مارس سنة 1945 على رجال التعليم الأولي القديم. بل إنها سوت حالة المدعي نفسه وفقاً
لأحكام ذلك القرار كما يبين من الاطلاع على استمارة تعديل الماهية والأقدمية طبقاً
لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من مارس سنة 1945 المؤرخة 30 من إبريل سنة 1947
المودعة ملف خدمة المدعي، ولكنها اقتصرت في تسوية حالته على ذلك دون تثبيته طبقاً لأحكام
هذا القرار، وهو من حقه ما دام قد استوفى شرائطه في هذا الخصوص، وقد بان مما تقدم أن
هذه الشرائط مستوفاة في حقه؛ لأنه كان معتبراً مثبتاً بمجالس المديريات قبل نقله، كما
أن القرار المذكور يسري على رجال التعليم الأولي القدامى وهو منهم، ولم يتوان المدعي
في طلب تثبيته، فعلى أثر تسوية حالته وفقاً لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 5 من
مارس سنة 1945 قدم المذكور طلباً للوزارة يلتمس بتثبيته طبقاً للقرار سالف الذكر، فردت
الوزارة في 9 من يوليه سنة 1947 بأنه "لا يجوز تثبيته بأحكام هذا القرار لعدم انطباقه
على حالته"، وهو رد ليس له أساس سليم من القانون لما تقدم، هذا إلى أن الوزارة حسبت
مدة خدمة زميله الأستاذ عبد الرحيم محمود العربي في مجلس مديرية جرجا، وهي المدة من
30 من يونيه سنة 1918 إلى أول نوفمبر سنة 1924، في المعاش بالتطبيق لقرار 5 من مارس
سنة 1945 سالف الذكر، على ما يبين من الاطلاع على ملف خدمته، وحالته مماثلة تماماً
لحالة المدعي، فكلاهما كان من رجال التعليم الأولي القدامى بمجلس المديرية ذاته، ثم
نقلا بعد ذلك إلى الوزارة، وكانا قد أمضيا فترة التجربة على ما يرام بالمجلس، فيعتبران
مثبتين فيه قبل نقلهما إلى الوزارة؛ وبهذه المثابة يستحق كلاهما التثبيت طبقاً لأحكام
القرار المذكور، فلا وجه للتفرقة في المعاملة بينهما في هذه الخصوص.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق فيما انتهى إليه من استحقاق
المدعي للتثبيت بالمعاش بالتطبيق لقراري مجلس الوزراء الصادرين في 8 من يوليه سنة 1943
و5 من مارس سنة 1945، ويكون الطعن، والحالة هذه، قد قام على غير أساس سليم من القانون،
متعيناً رفضه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.
