الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 568 لسنة 3 ق – جلسة 17 /05 /1958 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثاني (من فبراير سنة 1958 إلى آخر مايو 1958) – صـ 1236


جلسة 17 من مايو سنة 1958

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 568 لسنة 3 القضائية

فصل غير تأديبي – توقيع جزاءات متعددة على الموظف في فترات مختلفة – فصله بعد ذلك من الخدمة – ثبوت أن الفصل غير تأديبي لعدم الرضا عن عمله، ورداءة صحيفة خدمته، وعدم قدرته على القيام بأعباء وظيفته – القول بأن ذلك يعتبر عقوبة مزدوجة أو تكميلية بالإضافة إلى الجزاءات السابق توقيعها – في غير محله.
متى ثبت أن فصل المدعي من الخدمة لم يكن في الواقع من الأمر جزاء تأديبياً ولا عقوبة مزدوجة أو تكميلية بالإضافة إلى الجزاءات السابق توقيعها عليه من أجل ذات الأفعال التي أسندت إليه واستوجبت مؤاخذته بتلك الجزاءات، بل كان إنهاء لخدمته بالاستغناء عنه لعدم صلاحيته للبقاء في وظيفته العامة لأسباب قدرت الإدارة خطورتها، وأفصحت عنها في القرار الصادر بذلك وهي عدم الرضا عن عمله ورداءة صحيفة خدمته وعدم قدرته على القيام بأعباء وظيفته المتصلة بحركة القطارات وأمن الركاب في مرفق المواصلات، ورأت أن حسن سير هذا المرفق العام يقتضي الاستغناء عنه، وهي أسباب لها أصل ثابت في الأوراق يشهد بها ملف خدمته، وترويها صحيفة جزاءاته – متى ثبت ما تقدم، فإن هذا العزل غير التأديبي لا يستلزم أن يكون الشخص قد ارتكب ذنباً تأديبياً بالفعل، بل يقع صحيحاً ويعتبر قائماً على السبب المبرر له قانوناً متى استند إلى وقائع صحيحة مستمدة من أصول لها وجود ثابت في الأوراق إذا كانت الإدارة قد استخلصت منها النتيجة التي انتهت إليها في شأنه استخلاصاً سائغاً، وكانت تلك الوقائع تنتج هذه النتيجة مادياً أو قانوناً؛ ذلك أن الأصل في القانون أن لا يسمح بتولي الوظيفة العامة أو بالبقاء فيها إلا لمن كان قادراً على النهوض بأعبائها ومسئولياتها تحقيقاً لحسن سير المرافق العامة، فإذا فقد هذه القدرة أو ثبت عدم صلاحيته للبقاء في الوظيفة لعجزه أو ضعفت كفايته أو عدم إنتاجه أو ما أشبه مما تنفرد جهة الإدارة – في رعايتها للمصلحة العامة التي هي قوامة عليها – بتقدير خطورته وما يمكن ترتيبه عليه من آثار، كان لهذه الأخيرة أن تتدخل لإحداث أثر قانوني في حقه، بالاستغناء عن خدمته حرصاً على حسن سير العمل بالمرافق العامة، وهي في ذلك لا تستعمل سلطتها في التأديب بل سلطة أخرى لا يحدها سوى إساءة استعمال السلطة.


إجراءات الطعن

في 16 من مارس سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 568 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بجلسة 15 من يناير سنة 1957 في الدعوى رقم 146 لسنة 3 القضائية المقامة من صبحي نجيب بطرس ضد مصلحة السكك الحديدة القاضي، "بعدم قبول الدعوى شكلاً، وألزمت رافعها بالمصاريف". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بقبول الدعوى، وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد" وقد أعلن هذا الطعن إلى مصلحة السكك الحديدية في 16 من إبريل سنة 1957، وإلى المطعون لصالحه في 27 منه؛ وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 25 من يناير سنة 1958، وفي 30 من نوفمبر سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها وفي جلسة 22 من مارس سنة 1958 التي أجل إليها نظر الطعن لاستيفاء الأوراق المبينة بمحضر الجلسة سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات خلال عشرين يوماً.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن عدم قبول الدعوى:
من حيث إنه يبين من أوراق الطعن أن المدعي التحق بخدمة مصلحة السكك الحديدية بوظيفة عامل باب باليومية اعتباراً من 13 من أغسطس سنة 1950 بوصفه حاصلاً على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية في عام 1946، ثم شغل وظيفة مساعد كمساري باليومية في 8 من ديسمبر سنة 1951، وكان قد حل عليه الدور للنقل من اليومية إلى الماهية الشهرية بالدرجة الخصوصية 72 – 108 ج خارج الهيئة المخصصة لوظيفة مساعد كمساري إلا أنه تخطى بقرار الإدارة العامة رقم 28/ 39/ 4 ج في 7 من ديسمبر سنة 1953 بسبب مجازاته لمخالفاته. وعند النظر في شغل الدرجات الخصوصية الشاغرة عرض موضوعه فقررت لجنة شئون الموظفين بجلستها المنعقدة في 25 من يناير سنة 1954 فصله من الخدمة لعدم الرضا عن أعماله ولرداءة صحيفة خدمته التي حفلت بجزاءات بلغ عددها 51 جزاء ولعدم صلاحيته للخدمة وكثرة انقطاعه عن العمل مع قصر عهده بالمصلحة إذ لم تمض عليه في خدمتها سوى ثلاث سنوات وعدم ارتداعه أو إصلاحه من شأنه خصوصاً وأن الأعمال المعهود بها إليه تتصل بحركة القطارات وأمن الركاب. وفي 30 من يناير سنة 1954 صدر القرار رقم من السيد مفتش عام الحركة والبضائع بفصله من الخدمة حيث رفت من العمل اعتباراً من 3 من فبراير سنة 1954، وتسلم إعلان فصله من الخدمة في 24 من مارس سنة 1954، وفى 29 من مارس سنة 1954 تقدم إلى لجنة المساعدة القضائية بمحكمة القضاء الإداري بطلب الإعفاء رقم 819 لسنة 8 القضائية لإعفائه من رسوم الدعوى التي يزمع رفعها ضد كل من مصلحة السكك الحديدية ووزارة المواصلات بطلب وقف تنفيذ القرار الصادر من مصلحة السكك الحديدية في 3 من فبراير سنة 1954 بفصله من الخدمة وإلغاء هذا القرار وما ترتب عليه من آثار، مع إلزام المدعى عليهما بأن يدفعا له مبلغ 500 م 17 ج قيمة ما ضاع عليه من مرتب عن شهري فبراير ومارس سنة 1954 بخلاف ما يستجد بواقع 750 م 8 ج شهرياً ابتداء من أول إبريل سنة 1954 والمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وبجلسة 2 من مايو سنة 1955 قررت اللجنة إحالة هذا الطلب إلى المحكمة الإدارية الخاصة بوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية حيث قيد بجدولها تحت رقم 6305 لسنة 2 القضائية. وبجلسة 8 من نوفمبر سنة 1955 صدر قرار السيد مفوض الدولة بقبول الطلب. وبناء على هذا أقام المدعي الدعوى الحالية رقم 146 لسنة 3 القضائية ضد مصلحة السكك الحديدية أمام المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 13 من ديسمبر سنة 1955 طلب فيها الحكم: (أولاً) بإلغاء القرار الصادر بفصله من الخدمة اعتباراً من 3 من فبراير سنة 1954 وما يترتب على ذلك من آثار. و(ثانياً) بإلزام المصلحة بأن تدفع له مبلغ 500 م و17 ج قيمة ما ضاع عليه من مرتب عن شهري فبراير ومارس سنة 1954 بخلاف ما يستجد ابتداء من أول إبريل سنة 1954 بواقع 750 م و8 ج. و(ثالثاً) بإلزام المصلحة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقد دفعت المصلحة بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد عملاً بحكم المادة 19 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة. وقدم السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه فيما يتعلق بهذا الدفع إلى التوصية برفضه وبقبول الدعوى، وذلك استناداً إلى أن المدعي تقدم في 29 من مارس سنة 1954 إلى لجنة المساعدة القضائية بمحكمة القضاء الإداري بطلب إعفائه من رسوم هذه الدعوى، ولما كان هذا الطلب قاطعاً لسريان ميعاد رفع دعوى الإلغاء وكان قد قدم قبل فوات المواعيد المقررة لرفع هذه الدعوى فإن الدعوى تكون مقبولة شكلاً، ويكون الدفع بعدم قبولها على غير أساس متعيناً رفضه. وبجلسة 15 من يناير سنة 1957 قضت المحكمة الإدارية "بعدم قبول الدعوى شكلاً، وألزمت رافعها بالمصاريف". وأقامت قضاءها على أن المدعي علم بالقرار المطعون فيه في 3 من فبراير سنة 1954 كإقراره في عريضة دعواه ولم يتظلم منه، ولم يرفع دعواه إلا في 13 من ديسمبر سنة 1955، وبذلك يكون قد فوت على نفسه الميعاد المحدد لرفعها في المادة 12 من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة الذي يحكم حالته، ولا يؤثر في ذلك أنه قدم طلباً إلى لجنة المساعدة القضائية في 29 من مارس سنة 1954 إذ ليس من شأن هذا الطلب أن يقطع ميعاد الستين يوماً الذي يتعين رفع الدعوى خلاله؛ ومن ثم فإن دعواه تكون غير مقبولة شكلاً لرفعها بعد الميعاد. وبعريضة مودعة في 16 من مارس سنة 1957 طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم طالباً إلغاءه والقضاء بقبول الدعوى وإعادتها إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد، وذلك استناداً إلى أثر طلب الإعفاء القاطع لميعاد رفع دعوى الإلغاء.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن مقتضيات النظام الإداري قد مالت بالقضاء الإداري إلى تقرير أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه، وأن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة، إذ هو أبلغ في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه، وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو في الحق يجمع بين طبيعة التظلم الإداري من حيث الإفصاح بالشكوى من التصرف الإداري وبين طبيعة التظلم القضائي من حيث الاتجاه إلى القضاء طلباً للانتصاف، فلا أقل – والحالة هذه – من أن يترتب على طلب المساعدة القضائية ذات الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، ويظل هذا الأثر قائماً ويقف سريان التقادم أو الميعاد لحين صدور القرار في الطلب سواء بالقبول أو بالرفض، طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره، ولكن إذا ما صدر القرار وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء تعين أن تكون خلال الستين يوماً التالية.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت أيضاً بأن المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة استحدثت قاعدة تقضي بعدم قبول الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء القرارات الإدارية التي عينتها، وذلك قبل التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو الهيئات الرئيسية وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم الذي تبين إجراءاته وطريقة الفصل فيه بقرار من مجلس الوزراء، وقد صدر هذا القرار في 6 من إبريل سنة 1955؛ فعدم قبول الدعوى بإلغاء هذه القرارات يترتب – والحالة هذه – على عدم اتخاذ إجراء معين قبل رفعها أمام القضاء الإداري، فيسري على كل دعوى ترفع بعد 29 من مارس سنة 1955، تاريخ العمل بالقانون رقم 165 لسنة 1955، ولو كانت الدعوى بطلب إلغاء قرار صدر قبل ذلك ما دام، لم يتظلم صاحب الشأن منه إلى الجهة التي أصدرت القرار أو إلى الجهات الرئيسية ولم ينتظر فوات المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم، ولكن بمراعاة أن الإجراء الذي يكون قد تم صحيحاً في ظل قانون مجلس الدولة السابق رقم 9 لسنة 1949 ويعتبر طبقاً له منتجاً لأثر التظلم الإداري، يظل منتجاً لأثره في هذا الخصوص في ظل القانون الجديد، وذلك بالتطبيق للمادة الثانية من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
ومن حيث إنه، ولئن كان القرار المطعون فيه قد صدر في30 من يناير سنة 1954، إلا أن المدعي وقد علم به في 3 من فبراير سنة 1954 تقدم إلى لجنة المساعدة القضائية في 29 من مارس سنة 1954، أي في الميعاد القانوني، وقد تم هذا الإجراء صحيحاً في ظل قانون مجلس الدولة السابق منتجاً لأثر التظلم الإداري، وظل هذا الأثر قائماً وموقفاً لسريان التقادم أو ميعاد رفع دعوى الإلغاء حتى صدر قرار اللجنة بجلسة 8 من نوفمبر سنة 1955 بقبول الطلب المقدم من المدعي لإعفائه من رسوم الدعوى الحالية التي أقامها بعد ذلك بإيداع صحيفتها سكرتيرية المحكمة الإدارية في13 من ديسمبر سنة 1955، أي خلال الستين يوماً التالية؛ فمن ثم تكون الدعوى مقبولة شكلاً لرفعها في الميعاد القانوني، ويتعين القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وبقبولها.
(ب) عن الموضوع:
من حيث إن الدعوى صالحة للفصل في موضوعها.
ومن حيث إن المدعي يطلب الحكم: أولاً – بإلغاء القرار الصادر بفصله من الخدمة اعتباراً من 3 من فبراير سنة 1954 وما يترتب على ذلك من آثار.
ثانياً – بإلزام مصلحة السكك الحديدية بأن تدفع له مبلغ 500 م و17ج قيمة ما ضاع عليه من مرتب عن شهري فبراير ومارس سنة 1954 بخلاف ما يستجد ابتداء من أول إبريل سنة 1954 بواقع 750 م و8 ج شهرياً. ثالثاً – بإلزام المصلحة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. ويذكر بياناً لدعواه أنه التحق بخدمة مصلحة السكك الحديدية في 13 من أغسطس سنة 1949 بوظيفة عامل باب، ثم رقي إلى وظيفة كمساري في 13 من إبريل سنة 1950، وظل يشغل هذه الوظيفة حتى 3 من فبراير سنة 1954، حيث فوجئ بفصله من الخدمة دون مسوغ قانوني، وأنه تظلم من هذا القرار مراراً دون جدوى، الأمر الذي حدا به إلى التقدم إلى لجنة المساعدة القضائية بطلب إعفائه من رسوم الدعوى الحالية، وهو الطلب الذي تقرر قبوله بجلسة 8 من نوفمبر سنة 1955، وقد جاء قرار فصله من الخدمة المطعون فيه مخالفاً للقوانين واللوائح ومجحفاً بحقوقه إذ ترتب عليه حرمانه من مرتبه الذي كان يتقاضاه ومقداره 750 مليم و8 جنيهات شهرياً اعتباراً من أول فبراير سنة 1954. وقد ردت مصلحة السكك الحديدية على هذه الدعوى بأن المدعي التحق بخدمتها بوظيفة عامل باب باليومية اعتباراً من 13 من أغسطس سنة 1950، ثم نقل إلى وظيفة مساعد كمساري باليومية في 8 من ديسمبر سنة 1951، وكان قد حل عليه الدور للنقل من اليومية إلى الماهية بالدرجة الخصوصية (72 – 108 ج) خارج الهيئة المخصصة لوظيفة مساعد كمساري، إلا أنه تخطي بقرار الإدارة العامة رقم 28/ 39/ 4 ج الصادر في 7 من ديسمبر 1953 وذلك بسبب مجازاته بخصم عشرة أيام في أول يونيه سنة 1953 لمخالفاته ومجازاته بخصم عشرة أيام أخرى وحرمانه هو وعائلته من التذاكر لمدة عام من 29 من نوفمبر 1953. وعندما عرضت حالته على لجنة شئون الموظفين بجلسة 25 من يناير سنة 1954 بمناسبة حلول دوره للتعيين في الدرجة الخصوصية (72 – 108 ج) رأت اللجنة أن صحيفة خدمته مليئة بالجزاءات التي بلغ عددها 51 جزاء، وأنه على الرغم من مجازاته بخصم خمسة أيام في 19 من يوليه سنة 1952 وعشرة أيام في أول يونيه سنة 1953 وعشرة أيام في 5 من ديسمبر سنة 1953، مع أنه لم يمض عليه في خدمة المصلحة سوى ثلاث سنوات،فإنه لم يرتدع ولم يصلح من شأنه، وبعد إذ تبين اللجنة أنه لا يرجى من بقائه في الخدمة، مع حداثة سنه وعهده بها، خصوصاً وأن الأعمال المعهود بها إليه تتصل بحركة القطارات وأمن الركاب، قررت فصله من الخدمة؛ لعدم الرضاء عن أعماله، ولرداءة صحيفة خدمته، وعدم صلاحيته للوظيفة، وكثرة انقطاعه عن العمل، وقد عرض أمره على المفتش العام للحركة والبضائع، فأصدر قراره في 30 من يناير سنة 1954 بفصله من الخدمة لهذه الأسباب، ورفت من العمل اعتباراً من 2 من فبراير سنة 1954، وتسلم إعلان فصله في 24 من مارس سنة 1954، وقد جاء قرار الفصل هذا عقوبة تكميلية للمخالفات العديدة التي وقعت منه، وصدر من السلطة التي تملكه، وهو السيد المهندس مفتش عام الحركة والبضائع وفقاً لأحكام القرار الوزاري رقم 329 لسنة 1953، وبالطريق المرسوم في الفقرة الرابعة من المادة 130 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، وخلا من أي عيب يشوبه، وخلصت المصلحة من هذا إلى طلب الحكم برفض الدعوى مع إلزام رافعها بالمصروفات وبمقابل أتعاب المحاماة. وقد عقب المدعي على ذلك بأن القرار المطعون فيه إنما هو تكرار للعقوبة التي سبق أن وقعت عليه بسبب المخالفات التي ارتكبها، وأن هذا معناه التعسف في استعمال السلطة والخروج على ما تقضي به القوانين واللوائح؛ إذ لا يسوغ توقيع الجزاء مرتين على الموظف من أجل فعل واحد، ولا سيما أن مثل ما وقع عليه من جزاءات هو من المسائل الطبعية بين موظفي الحركة والبضائع والأقسام الأخرى بالمصلحة. وإذا كان للرئيس الإداري أن يتدخل بسلطته لإيقاع الجزاء ابتغاء حسن سير العمل فإن سلطته في ذلك ليست سلطة تقديرية، بل هي سلطة محددة بحدود القانون ينبغي أن يحدوها عدم إساءة استعمال السلطة أو التعسف في استعمال الحق؛ ومن ثم كانت رقابة القضاء الإداري للقرار في هذه الحدود هي رقابة قانونية وليست موضوعية؛ وآية التعسف في استعمال السلطة هو أن لجنة شئون الموظفين لم تقدم على فصل المدعي بسبب تعدد الجزاءات التي وقعت عليه من تلقاء ذاتها، بل كان ذلك بمناسبة عرض حالته عليها عند حلول دوره للتعيين في الدرجة الخصوصية المخصصة لوظيفة كمساري، أي لدى ترشيحه لترقية مستقبلة. وانتهى المدعي من هذا إلى التصميم على الحكم له بطلباته. وقد أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً ذهب فيه إلى التوصية بالحكم للمدعي بطلباته؛ تأسيساً على أن القرار التأديبي يجب أن يقوم على سبب يبرره وهو أن يرتكب الموظف فعلاً أو أفعالاً تعتبر إخلالاً بواجبات وظيفته أو بمقتضاها، وأنه بمراجعة ملف خدمة المدعي يتضح أنه جوزي عن جميع الجرائم التأديبية التي يصدق عليها هذا الوصف. فإذا ما أصدرت المصلحة القرار المطعون فيه فإنها بذلك تكون قد أضافت عقوبة أخرى غير تلك التي وقعت عليه بمناسبة الجرائم التأديبية، وهو ما يعتبر تعسفاً في استعمال السلطة، وإذا ما فصلت المدعي بهذا القرار كان هذا بمثابة جزاء جديد يتعين القضاء بإلغائه.
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء تكييف طبيعة القرار الصادر في 30 من يناير سنة 1954 بفصل المدعي من الخدمة كمساعد كمساري باليومية بمصلحة السكك الحديدية، وهل هذا الفصل جزاء تأديبي يخضع للقواعد والإجراءات المقررة لذلك أم هو إنهاء لخدمته بسبب ثبوت عدم صلاحيته للوظيفة العامة، ثم استظهار ما إذا كان هذا القرار قد صدر في الحدود القانونية من السلطة المختصة التي تملك إصداره أم لا.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي كان يشغل وظيفة عامل باب باليومية بمصلحة السكك الحديدية منذ التحق بخدمتها اعتباراً من 13 من أغسطس سنة 1950، ثم قام بعمل مساعد كمساري باليومية من 8 من ديسمبر سنة 1951، ولما حل عليه الدور لنقله من اليومية إلى الماهية صدر قرار المصلحة ملف رقم 28/ 39/ 4 ج (ج 15 – 1/ 54) في 7 من ديسمبر سنة 1953، بناء على ما جاء بمحضر لجنة شئون الموظفين بإدارة الحركة والبضائع بجلستها المنعقدة في 12 من نوفمبر سنة 1953، بتأجيل نقله من اليومية إلى الماهية في الدرجة الخصوصية (60 – 84) ج خارج الهيئة المخصصة لوظيفة مساعد كمساري وذلك لمجازاته بخصم عشرة أيام في أول يونيه سنة 1953 لمخالفاته، ومجازاته بخصم عشرة أيام أخرى وحرمانه وعائلته من التذاكر لمدة عام من 29 من نوفمبر سنة 1953، وقد ظل باليومية حتى صدر قرار السيد مفتش عام الحركة والبضائع رقم في 30 من يناير سنة 1954 بناء على توصية لجنة شئون الموظفين بإدارة الحركة والبضائع بجلستها المنعقدة في 25 من يناير سنة 1954 بفصله من الخدمة بسبب عدم الرضاء عن عمله، ورداءة صحيفة خدمته، وعدم صلاحيته للخدمة، على الرغم من قصر عهده بالمصلحة، إذ وقعت عليه خلال مدة خدمته الوجيزة التي لم تجاوز ثلاث سنوات وبضعة أشهر جزاءات تأديبية بلغ عددها واحداً وخمسين جزاء، من بينها أكثر من جزاء بخصم عشرة أيام وبعضها يرجع إلى مآخذ خطيرة كتسببه بإهماله الشديد في احتراق عربة قطار، وتلاعبه وتزويره في سركى تشغيله، ومسئوليته عن تأخير قطارات، وتخلفه عن تسلم عمله بالقطارات في المواعيد المقررة، وركوبه بدون تذكرة مصلحية، وعدم ملاحظته شحن بعض العربات أو إفراغها، وعدم استيفائه أوراقها، وانقطاعه المتكرر عن العمل، ورفضه القيام ببعض القطارات، وتركه بعض الركاب بدون تذاكر وبعض القطارات بدون حراسة، وغير ذلك من مخالفات وتصرفات قائمة على الإهمال وعدم إدراك المسئولية على الرغم من اتصال عمله بحركة القطارات وأمن الركاب، ومع تعدد هذه المخالفات والجزاءات التي وقعت عليه من أجلها، فإنه بدلاً من أن يرتدع أو يصلح من شأنه كان يزداد إهمالاً ويمعن في الإخلال بواجبات وظيفته، الأمر الذي كان يستدعي تشديد الجزاء عليه بتزايد خطئه وإهماله.
ومن حيث إنه يتضح مما تقدم أن فصل المدعي من الخدمة لم يكن في الواقع من الأمر جزاء تأديبياً ولا عقوبة مزدوجة أو تكميلية بالإضافة إلى الجزاءات السابق توقيعها عليه من أجل ذات الأفعال التي أسندت إليه واستوجبت مؤاخذته بتلك الجزاءات، بل كان إنهاء لخدمته بالاستغناء عنه لعدم صلاحيته للبقاء في وظيفته العامة لأسباب قدرت الإدارة خطورتها وأفصحت عنها في القرار الصادر بذلك، وهي عدم الرضاء عن عمله، ورداءة صحيفة خدمته، وعدم قدرته على القيام بأعباء وظيفته المتصلة بحركة القطارات وأمن الركاب في مرفق المواصلات، ورأت أن حسن سير هذا المرفق العام يقتضي الاستغناء عنه، وهي أسباب لها أصل ثابت في الأوراق يشهد بها ملف خدمته وترويها صحيفة جزاءاته. وهذا العزل غير التأديبي لا يستلزم أن يكون الشخص قد ارتكب ذنباً تأديبياً بالفعل، بل يقع صحيحاً ويعتبر قائماً على السبب المبرر له قانوناً متى استند إلى وقائع صحيحة مستمدة من أصول لها وجود ثابت في الأوراق إذا كانت الإدارة قد استخلصت منها النتيجة التي انتهت إليها في شأنه استخلاصاً سائغاً وكانت تلك الوقائع تنتج هذه النتيجة مادياً أو قانوناً؛ ذلك أن الأصل في القانون أن لا يسمح بتولي الوظيفة العامة أو بالبقاء فيها إلا لمن كان قادراً على النهوض بأعبائها ومسئولياتها تحقيقاً لحسن سير المرافق العامة، فإذا فقد هذه القدرة أو ثبت عدم صلاحيته للبقاء في الوظيفة لعجزه أو ضعف كفايته أو عدم إنتاجه أو ما أشبه مما تنفرد جهة الإدارة في رعايتها للمصلحة العامة التي هي قوامة عليها بتقدير خطورته وما يمكن ترتيبه عليه من آثار، كان لهذه الأخيرة أن تتدخل لإحداث أثر قانوني في حقه بالاستغناء عن خدمته حرصاً على حسن سير العمل بالمرافق العامة، وهي في ذلك لا تستعمل سلطتها في التأديب، بل سلطة أخرى لا يحدها سوى إساءة استعمال السلطة.
ومن حيث إن الفقرة الثانية من المادة 15 من التعليمات المالية رقم 6 الصادرة في أول يوليه سنة 1912 نصت على أنه "يتحتم على الوزارات ومصالح الحكومة الإعلان بالرفت قبل حصوله بشهر كلما دعت الحال لرفت مستخدم ظهورات أو عامل خارج عن هيئة العمال بسبب إلغاء وظيفته أو انتهاء الأعمال أو عدم كفاءته للعمل المعين لأجله"، وقد أكد هذا المعنى منشور المالية رقم 9 لسنة 1942 (ملف وزارة المالية رقم ف 234 – 6/ 2)، "خصوصاً في الأحوال التي يكون سبب الاستغناء عن الخدمة منطوياً على عدم الرضا عن عمله"، وقد وافق مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 11 من يونيه سنة 1950 على رأي اللجنة المالية الذي ذكرت فيه أنها "توافق على الإجراء المتبع في مصلحة السكك الحديدية من حيث إبقاء العمال والخدمة الخارجين عن الهيئة والمؤقتين في الخدمة لحين بلوغهم سن 65 سنة إذا كانت صحتهم جيدة وصحائف مدة خدمتهم نظيفة ومنتجين في عملهم".
ومن حيث إنه لما كان الظاهر من الأوراق أن المدعي لم يكن قد نقل بعد من اليومية إلى الماهية، بل كان لا يزال عاملاً باليومية في التاريخ الذي صدر فيه قرار إنهاء خدمته المطعون فيه، وكان هذا القرار قد صدر من السيد المفتش العام للحركة والبضائع بناء على توصية لجنة شئون الموظفين استناداً إلى قرار وزير المواصلات رقم 329 الصادر في 16 من نوفمبر سنة 1953 بوصفة من رؤساء الفروع، فإن القيود والضمانات الواردة في القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة – فيما يتعلق بالموظفين الداخلين في الهيئة والمستخدمين الخارجين عن الهيئة الذين ينطبق عليهم هذا القانون، والتي قد تحول دون إمكان تفويض رؤساء الفروع في مباشرة الاختصاصات التي لوكيل الوزارة أو لرئيس المصلحة أو مديرها العام في شأن هؤلاء الموظفين والمستخدمين – هذه القيود والضمانات، طبقاً لما سبق أن قضت به هذه المحكمة، لا تصدق على أرباب اليومية بالمصلحة؛ لعدم سريان أحكام القانون المشار إليه في حقهم، وقد أناب القرار الوزاري سالف الذكر في مادته الثالثة السيد المفتش العام للحركة والبضائع، وهو من رؤساء الفروع، في اختصاصات مدير عام المصلحة المقررة له بالقانون رقم 104 لسنة 1949 المعدل بالقانون رقم 10 لسنة 1953 باختصاصات مجلس إدارة السكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات إنابة صحيحة فيما يتعلق بطائفة أرباب اليومية؛ ومن ثم فإن قرار إنهاء خدمة المدعي يكون قد صدر صحيحاً ممن يملك سلطة إصداره قانوناً في حدود اختصاصه وتوافر له ركن السبب الذي يبرر مشروعيته؛ وذلك قبل صدور القرار الوزاري رقم 103 في 3 من أكتوبر سنة 1955 بإلغاء القرار رقم 329 لسنة 1953 إلغاء غير منسحب على الماضي. ومتى كانت الأمر كذلك فإن المدعي لا يكون على حق في دعواه لقيامها على غير أساس سليم من القانون ويتعين القضاء برفضها مع إلزامه بمصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه؛ وبقبول الدعوى وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات