الطعن رقم 18 لسنة 4 ق – جلسة 03 /05 /1958
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثاني (من فبراير سنة 1958 إلى آخر مايو سنة 1958) – صـ 1163
جلسة 3 من مايو سنة 1958
برياسة السيد/ السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة علي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل والدكتور ضياء الدين صالح المستشارين.
القضية رقم 18 لسنة 4 القضائية
( أ ) تنظيم – القانون رقم 344 لسنة 1956 – حظره هدم المنشئات غير
الآيلة للسقوط الواقعة في حدود المجالس البلدية إلا بعد موافقة لجنة تشكل لهذا الغرض
– اشتراطه لموافقة اللجنة أن يكون قد مضى على إقامة البناء المراد هدمه مدة أربعين
عاماً على الأقل، ما لم تر اللجنة مخالفة هذا الشرط لاعتبارات تتعلق بالصالح العام
– إبقاؤه على التراخيص السابقة التي شرع أصحابها في الهدم نفاذاً لها.
(ب) تنظيم – الإبقاء على تراخيص الهدم السابقة على صدور القانون رقم 344 لسنة 1956
منوط بتوافر شرطين: انعدام المانع القانوني من إجراء الهدم، والشروع فعلاً في إجرائه
قبل نفاذ ذلك القانون – صدور قرار من لجنة توجيه أعمال البناء والهدم برفض الهدم لتخلف
هذين الشرطين – صحته قانوناً – لا يقدح في ذلك سبق صدور حكم من القضاء العادي بإخلاء
المستأجرين من العقار ليتمكن المالك من هدمه.
1 – نصت المادة الخامسة من القانون رقم 344 لسنة 1956 فيما يتعلق بإزالة المباني على
أنه "لا يجوز هدم المنشئات غير الآيلة للسقوط الواقعة في حدود المجالس البلدية إلا
بعد موافقة اللجنة المشار إليها في المادة الأولى من هذا القانون، وبشرط أن تكون قد
مضت على إقامة هذه المباني مدة 40 عاماً على الأقل، وذلك ما لم تر اللجنة الموافقة
على الهدم لاعتبارات تتعلق بالصالح العام، ولا يكون قرارها نهائياً في هذا الشأن إلا
بعد موافقة وزير الشئون البلدية والقروية… وتعتبر تراخيص الهدم التي لم يشرع أصحابها
في تنفيذ الأعمال المرخص لهم فيها قبل صدور هذا القانون ملغاة، ويجوز لأصحابها أن يتقدموا
من جديد إلى اللجنة المذكورة في المادة الأولى بطلب الموافقة على الهدم في الحدود والأوضاع
المبينة في هذه المادة". وواضح من هذا النص أن المشرع غاير في الحكم بين المنشئات الواقعة
في حدود المجالس البلدية وبين تلك الواقعة خارج هذه الحدود، وفرق بالنسبة للأولى منها
بين تلك الآيلة للسقوط وغير الآيلة؛ فلم يقيد هدم المنشئات الآيلة للسقوط – التي عالج
أمرها بالقانون رقم 605 لسنة 1954 – بالقيد الذي أورده على المنشآت غير الآيلة للسقوط؛
إذ حظر هدم هذه الأخيرة إلا بعد موافقة لجنة توجيه أعمال البناء والهدم التي نصت عليها
المادة الأولى من القانون، التي صدر بتشكيلها قرار وزير البلدية والقروية رقم 1106
في 19 من سبتمبر سنة 1956. وفرض قيداً على هذه اللجنة ذاتها؛ إذ اشترط لموافقتها على
الهدم أن تكون قد مضت على إقامة المباني المراد هدمها مدة أربعين عاماً على الأقل كقاعدة
عامة، فإن تخلف هذا الشرط الزمني – الذي يقع عبء إثبات توافره على عاتق طالب الترخيص
– لم يجز الهدم إلا إذا رأت اللجنة الموافقة عليه لاعتبارات تتعلق بالصالح العام، وجعل
صيرورة قرار هذه اللجنة نهائياً في هذا الشأن منوطة بموافقة وزير الشئون البلدية والقروية.
كما اعتبر الأصل في تراخيص الهدم السابقة أن تكون ملغاة، ولكن رغبة منه في عدم الإضرار
بذوي الشأن ممن استصدروا تراخيص سابقة في الهدم ولم يشرعوا في ذلك فعلاً، أجاز الشارع
لهم أن يتقدموا من جديد إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم بطلب موافقتها على الهدم
في الحدود والأوضاع المقررة قانوناً.
2 – للإبقاء على تراخيص الهدم السابقة على نفاذ القانون رقم 344 لسنة 1956، يجب: أولاً
– أن يكون العقار جائزاً هدمه؛ بأن لم يكن ثمة مانع قانوني من إجراء هذا الهدم. ثانياً
– أن يتم فعلاً وقبل نفاذ القانون المذكور شروع في الهدم. وغني عن البيان أن العقار
إذا لم يكن خالياً من السكان فلا يمكن هدمه إلا بعد إخلائه منهم، وذلك بحسب ما إذا
كان الهدم جزئياً؛ فإن كان الترخيص في الهدم وارداً على أحد أجزائه دون باقيه وأخلى
الجزء المرخص في هدمه فقط من سكانه فلا يكون ثمة مانع من هدم هذا الجزء، ما دام لوحظ
في الترخيص في الهدم الجزئي إمكان ذلك دون إخلاء باقي العقار من سكانه. أما إذا كان
الترخيص في الهدم كلياً، فيلزم – بحكم الضرورة وحرصاً على حياة شاغلي العقار – أن يتم
إخلاؤه كله أولاً، ثم يشرع في الهدم بعد ذلك. وغني عن البيان كذلك أن الشروع في الهدم
المبرر استثناء للإبقاء على الترخيص السابق على نفاذ القانون المذكور يجب أن يتكون
من أعمال تنفيذية بالهدم يمكن اعتبارها شروعاً حقيقياً في هدم المبنى، فإذا كان ما
تم من أعمال لا يمس كيان المبنى ذاته، فلا يعتبر شروعاً في الهدم على مقتضى نص القانون
وفحواه، وهذا ما عنى الشارع بترك تقديره إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم. فإذا
ثبت أن الشرطين الواجب توافرهما لإمكان الإبقاء على ترخيص الهدم السابق غير متوافرين،
أو صدر ذلك الترخيص بالهدم الكلي ولم يكن العقار جائزاً هدمه كله حتى صدور القانون
رقم 344 لسنة 1956 لأنه مشغول بالسكان فيما عدا شقتين أخليتا بالتراضي، كما أن ما تم
من أعمال قبل ذلك القانون لا يعدو أن يكون مجرد نزع بعض الأبواب والنوافذ والأدوات
الصحية والأرضيات ونحو ذلك، مما لا يخل بكيان المبنى ذاته وسلامته – إذا ثبت ما تقدم،
فإن هذا لا يرقى إلى حد الشروع في الهدم الحقيقي والجدي، ويكون القرار المطعون فيه
الصادر من لجنة توجيه أعمال البناء والهدم قد طابق القانون فيما قرره من رفض طلب المدعي
الترخيص له بهدم المبنى. ولا يقدح في ذلك صدور حكم للمدعي من القضاء الوطني بإخلاء
المستأجرين من العقار ليتمكن من هدمه؛ ذلك أن القرار الإداري المذكور قد صدر في مجاله
الإداري بالتطبيق لأحكام القانون رقم 344 لسنة 1956 برفض طلب المدعي الإبقاء على الترخيص
السابق صدوره له بالهدم، وقد أعملت لجنة توجيه أعمال البناء والهدم في ذلك سلطتها الإدارية
التقديرية بالتطبيق لأحكام القانون المشار إليه، وهو مجال يختلف عن المجال الذي صدر
فيه حكم القضاء الوطني؛ إذ الدعوى التي صدر فيها هذا الحكم كانت خصومة بين المدعي ومستأجريه
تقوم على سبب مرده إلى قواعد القانون الخاص في علاقة بين مالك ومستأجريه، ولم تكن الإدارة
طرفاً فيها، بل ما كان يجوز اختصام القرار الإداري أمام هذا القضاء بوقفه أو بإلغائه
لعدم الولاية القضائية، أما الدعوى الحالية فهي دعوى اختصام القرار الإداري أمام الجهة
القضائية صاحبة الولاية في اختصامه ضد الإدارة، والتي تملك وقفه أو إلغاءه، كما تقوم
على أساس قانوني وسبب آخر هو ما يزعمه المدعي من مخالفة هذا القرار لأحكام القانون
رقم 344 لسنة 1956.
إجراءات الطعن
في 30 من فبراير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 18 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) بجلسة 15 من أكتوبر سنة 1957 في الدعوى رقم 295 لسنة 11 القضائية المقامة من: الدكتور عبد الله علي بصفته الشخصية وبصفته ولياً شرعياً على أولاده القصر شامل ومجيب ووفية عبد الله علي ضد وزارة الشئون البلدية والقروية والسادة إبراهيم إسماعيل وماكس حزان بصفته مديراً لشركة ياسين الهندسية ومحمد مسعود وكامل فؤاد والدكتور عباس حسني والدكتور أحمد حسني (خصوماً ثالثاً)، القاضي "بإلغاء قرار لجنة توجيه أعمال البناء والهدم لوزرة الشئون البلدية والقروية الصادر في 14 من أكتوبر سنة 1956 بعدم الموافقة على طلب هدم العمارة رقم 2 و12 و2 ب بشارع سليمان باشا بالقاهرة، مع إلزام الحكومة بمصروفات الدعوى وخمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنة "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع ببطلان الحكم المطعون فيه لقصور أسبابه، وبرفض دعوى المطعون ضده، وإلزامه بمصروفاتها". وقد أعلن هذا الطعن إلى كل من وزارة الشئون البلدية والقروية والمطعون عليه في 10 من ديسمبر سنة 1957، وإلى الخصوم الثوالث في 24 منه. وفي 27 من يناير سنة 1958 تقدم الخصوم الثوالث إلى السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة بطلب وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى يقضي في موضوع الطعن. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 8 من فبراير سنة 1958، وفي 29 من يناير سنة 1958 أبلغ الأطراف جميعاً بميعاد هذه الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وطلبت هيئة مفوضي الدولة وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إلى أن يفصل في موضوع الطعن، وأمرت المحكمة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى يفصل في الطعن مع تأجيل نظر الطعن إلى جلسة أول مارس سنة 1958، وبالجلسة المذكورة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات خلال عشرين يوماً. وقد قدم المطعون عليه بعد حجز الطعن للحكم مذكرة صمم فيها على طلب رفض الطعن، كما قدم الخصوم الثلث مذكرة طلبوا فيها الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع ببطلان الحكم المطعون فيه، مع إلزام المطعون عليه عن نفسه وبصفته بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
المحكمة
بعد الاطلاع على أوراق الطعن وسماع إيضاحات ذوي الشأن وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 295 لسنة 11 القضائية ضد وزارة الشئون البلدية والقروية أمام محكمة القضاء
الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 13 من ديسمبر سنة 1956 طلب فيها بصفته الشخصية
وبصفته ولياً شرعياً على أولاده القصر شامل ومجيب ووفية عبد الله علي "الحكم بصفة مستعجلة
بإيقاف قرار لجنة توجيه أعمال البناء والهدم الصادر بتاريخ 14 من أكتوبر سنة 1956 بعدم
الموافقة على طلب هدم العمارة رقم 2 و2 أ و2 ب بشارع سليمان باشا، واستمرار الطالب
في هدم العمارة المذكورة، مع إلزام الوزارة المدعى عليها مصاريف هذا الطلب ومقابل أتعاب
المحاماة. وفي الموضوع – بعد تحضير الدعوى وتحديد جلسة للمرافعة فيها – تسمع الوزارة
المدعى عليها الحكم بإلغاء القرار المذكور واعتباره كأن لم يكن، وإلغاء جميع الآثار
المترتبة عليه وبسريان رخصتي الهدم والبناء الصادرتين للطالب والرقيمتين 137 و110 لسنة
1956، مع إلزام الوزارة المدعى عليها مصاريف هذا الطلب ومقابل أتعاب المحاماة". وذكر
بياناً لدعواه أنه اشترى العقارات رقم 2 و2 أ و2 ب بشارع سليمان باشا بالقاهرة بموجب
عقد بيع رسمي مؤرخ 18 من مارس سنة 1956 ومشهر تحت رقم 3473 في 4 من إبريل سنة 1956.
ولما كان قصده من شراء هذه العقارات هو هدمها لإعادة بنائها بشكل أوسع وفقاً لأحكام
القانون رقم 121 لسنة 1947، فقد أرسل في 27 من مارس سنة 1956 إلى جميع المستأجرين خطابات
موصى عليها يخطرهم فيها برغبته هذه وينبه عليهم بإخلاء الأماكن التي يشغلونها، وقد
استجاب بعض السكان فعلاً إلى هذه الرغبة فأخليت بعض الشقق بينما آثر باقي السكان الانتظار
حتى يفصل القضاء في دعوى الإخلاء التي رفعها المدعي أمام محكمة القاهرة الابتدائية،
واقتصاداً للوقت رأى المدعي أن يقوم بهدم الشقق التي أخلاها شاغلوها، وتنفيذاً لرخصة
الهدم التي حصل عليها في شهر مايو سنة 1956 اتفق مع مقاول بعقد ثابت التاريخ في يوم
28 من مايو سنة 1956 على هدم تلك الشقق بفك جميع الأبواب والنوافذ والأرضيات الخشبية
والرخام والبلاط والأدوات الصحية والكهربائية وهدم الشرفات الموجودة بها، ونفذ هذا
الاتفاق فعلاً منذ ذلك التاريخ، فلم تبق من الشقق المذكورة سوى حوائطها الجانبية وأسقفها
وقد صدر بعد ذلك قانون المباني الجديد رقم 344 لسنة 1956 الذي نص في الفقرة الأخيرة
من مادته الخامسة على أن "تعتبر تراخيص الهدم التي لم يشرع أصحابها في تنفيذ الأعمال
المرخص لهم فيها قبل صدور هذا القانون ملغاة، ويجوز لأصحابها أن يتقدموا من جديد إلى
اللجنة المذكورة في المادة الأولى بطلب الموافقة على الهدم في الحدود والأوضاع المبينة
في هذه المادة". ولما كان المدعي قد قام بأعمال الهدم فعلاً قبل صدور هذا القانون فإن
هذه المادة لا تنطبق عليه، ويكون من حقه تكملة أعمال الهدم التي بدأها ونفذها، كما
هو ثابت على الطبيعة. كما أن رخصة الهدم رقم 137 لسنة 1956 السابق منحها له قبل صدور
القانون المشار إليه تظل قائمة وسارية. ومما يؤيد ذلك أن بعض المستأجرين كانوا قد تضرروا
من أعمال الهدم التي قام بها، فتقدموا إلى قسم بوليس قصر النيل بالشكوى رقم 2360 لسنة
1956 في 31 من مايو سنة 1956 من هذا الهدم، ثم أقاموا الدعوى رقم 4637 لسنة 1956 أمام
محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة يطلبون فيها وقف أعمال الهدم المذكورة، وكان دفاع
المدعي في هذه الدعوى أن أعمال الهدم قد تمت فعلاً فلما صدر القانون رقم 344 لسنة 1956
رأى أخذاً بالأحوط أن يتقدم إلى لجنة توجيه أعمال الهدم والبناء كي تصرح له بالاستمرار
في عملية الهدم التي بدأها، ولكنه فوجئ بخطاب مؤرخ 14 من أكتوبر سنة 1956 صادر من تلك
اللجنة تخطره فيه بأنها "لم توافق بجلستها المنعقدة في30 من سبتمبر سنة 1956 على طلب
الهدم المذكور". وقد تظلم من هذا القرار دون جدوى، مع أنه جاء مخالفاً للقانون؛ إذ
لا حق للجنة المذكورة في منعه من الاستمرار في عملية الهدم في حين أن حقه في رخصة الهدم
رقم 137 لسنة 1956 التي صدرت له لا زال قائماً؛ ومن ثم فإن من حقه أن يطلب إلغاء القرار
المشار إليه وسريان رخصة الهدم الصادرة له وبالتالي رخصة البناء رقم 110 لسنة 1956،
مع وقف تنفيذ قرار اللجنة حتى يفصل في الدعوى؛ لأن قيام هذا القرار يلحق به أضراراً
جسيمة لا سبيل إلى تعويضه عنها؛ إذ هو معطل لعملية الهدم التي شرع فيها، وقد أصبح استغلال
عمارته بالحالة التي هي عليها بعد الهدم مستحيلاً ومهدراً لمصالحه وللمنفعة التي تعود
عليه من استغلالها، كما أنه سيترتب على ذلك تعطيل إنشاء المباني التي أعدها.
ومن حيث إن المحكمة عينت جلسة 25 من ديسمبر سنة 1956 لنظر طلب وقف التنفيذ، ثم تداول
نظر هذا الطلب بالجلسات، وخلال ذلك أودعت وزارة الشئون البلدية والقروية مذكرة بملاحظاتها
أوضحت فيها أنه نظراً لما لوحظ من استمرار نشاط استثمار رءوس الأموال في مشروعات المباني
السكنية بصورة متزايدة بسبب حرية تقدير الإيجارات بالنسبة إلى المباني الجديدة ووفرة
الأرباح التي تدرها مما يشجع الكثيرين على هدم المباني الحديثة نسبياً على الرغم من
أنها لا زالت صالحة للاستعمال في الأغراض التي أعدت لها؛ رغبة في إقامة مبان جديدة
مكانها أوفر غلة، ولما كان هذا الاتجاه ضاراً بالصالح العام وكانت وجهة الحكومة هي
تصنيع البلاد واستغلال رءوس الأموال في المشروعات الإنتاجية، مما يتطلب الحد من هدم
المباني القائمة والتدبر في تشييد الجديد منها والخفض من صرف العملات الصعبة التي تنفق
في هذا السبيل، ولا سيما أن البلاد في مسيس الحاجة إليها ليتسنى استخدامها فيما يعود
على الثروة القومية العامة بفائدة أكبر؛ لهذا كله رأت الحكومة وضع نظام يكفل الإشراف
على نشاط أعمال البناء والهدم ومراقبة استعمال المواد والخامات المخصصة لهذا الغرض،
سواء المحلية منها أو المستوردة من الخارج؛ فصدر القرار بقانون رقم 344 لسنة 1956 بتنظيم
توجيه أعمال البناء والهدم وعمل به اعتباراً من 19 من سبتمبر سنة 1956، ثم صدر قرار
السيد وزير الشئون البلدية والقروية رقم 1106 في 19 من سبتمبر سنة 1956 تنفيذاً لهذا
القانون بتشكيل لجنة توجيه أعمال البناء والهدم. وفي 29 من سبتمبر سنة 1956 تقدم المدعي
عن نفسه وبصفته ولياً شرعياً على أولاده القصر إلى اللجنة المذكورة بطلبين أوضح في
أحدهما أنه يرغب في الحصول على تصريح من اللجنة بإتمام هدم الموقع رقم 2 و2 أ بشارع
سليمان باشا (عمارة واحدة ومبنى واحد)، والتمس في الثاني الموافقة على بناء عمارة سكنية
على الموقع ذاته وذكر أنه حصل قبل صدور القرار بقانون رقم 344 لسنة 1956 على رخصتين
إحداهما للهدم والثانية للبناء. وأرفق بهذين الطلبين المستندات والأوراق اللازمة مشفوعة
بمذكرة قال فيها إنه أخلى بعض شقق هذه العمارة من سكانها وأن باقي الشقق لا تزال مشغولة
بمستأجريها. وقد عرض طلب الهدم في 30 من سبتمبر سنة 1956 على لجنة توجيه أعمال البناء
والهدم؛ فتبين للجنة: أن الطالب يرغب في هدم العمارة المشار إليها لا على أساس
أيلولة مبانيها للسقوط، بل على أساس إعادة بنائها بشكل أوسع. إن البناء الحالي
مكون من عدة شقق ودكاكين وهو متين وغير آيل للسقوط إطلاقاً وصالح للاستعمال ومشغول
بالسكان؛ ومن ثم يكون طلب الهدم قد أملته الرغبة في الإثراء العاجل على حساب المستأجرين،
سواء للشقق أو الدكاكين دون مبالاة بما يلحقهم من أضرار جسيمة وخسائر فادحة، ويكون
المالك مدفوعاً في هذا بالرغبة في مضاعفة إيراداته من أيسر السبل دون مراعاة للصالح
العام. إن قيام المالك بنزع بعض النوافذ والأبواب من بعض الشقق التي أخلاها بطريقة
أو بأخرى لم يكن إلا وسيلة لمضايقة السكان الذين ما زالوا يشغلون باقي الشقق لإرغامهم
على إخلائها. إن الموافقة على طلب الهدم تتعارض والأهداف التي استصدرت الحكومة
من أجلها القرار بقانون رقم 344 لسنة 1956 بتنظيم توجيه أعمال البناء والهدم، ومن بينها
الحد من هدم المباني القائمة. ومن أجل هذا قررت اللجنة بجلستها المنعقدة في 30 من سبتمبر
سنة 1956 رفض طلب المدعي وذلك بإجماع الآراء. وخلصت الوزارة من هذا إلى طلب الحكم برفض
الدعوى.
ومن حيث إن المدعي عقب على ذلك بمذكرة أشار فيها إلى أن بعض المستأجرين الباقين في
العمارة أقاموا الدعوى رقم 4637 لسنة 1956 مستعجل القاهرة طالبين الحكم بوقف أعمال
الهدم، وكان دفاعه في هذه الدعوى أن الأعمال المذكورة مقصورة على الشقق التي خلت من
شاغليها فعلاً والواقعة في الأدوار العليا البعيدة عنهم؛ ولذلك فإنها لا تعكر انتفاعهم
بالأماكن التي يشغلونها في الدور الأرضي على واجهة الشارع. وقد رأت المحكمة أن تقضي
بوقف أعمال الهدم الجارية وصدر حكمها بذلك في 26 من يونيه سنة 1956، فاستأنف المدعي
هذا الحكم طالباً إلغاءه استناداً إلى ذات الفكرة التي قام عليها دفاعه أمام محكمة
أول درجة، ورأت المحكمة أن تندب خبيراً لمعاينة العقار موضوع النزاع، وبيان ما إذا
كانت أعمال الهدم قد تمت أم لا تزال جارية، وهل يترتب عليها ضرر بالمستأنف عليهم يحول
دون انتفاعهم بالأعيان التي يشغلونها. وقد باشر الخبير مأموريته وقدم تقريره الذي أثبت
فيه تفصيلاً أعمال الهدم التي تمت في كل شقة من الشقق التي خلت. ولما كانت هذه الأعمال
لم تقف عند حد الشروع في الهدم وإنما تجاوزت ذلك إلى مرحلة التنفيذ الفعلي الشامل لجميع
الشقق التي خلت والحاصل على صورة جدية بحيث أصبحت هذه الشقق خربة لا تصلح للسكن فإن
ترخيص الهدم الصادر للمدعي قبل القانون رقم 344 لسنة 1956 يبقى قائماً ويكون لصاحبه
حق الاستمرار في تنفيذ الأعمال المرخص له فيها دون حاجة إلى استئذان لجنة توجيه أعمال
البناء والهدم في تكملة ما بدأ تنفيذه من هدم بالفعل؛ إذ أن القانون المشار إليه لا
تسري أحكامه في هذه الحالة ولا ينطبق على واقعة الدعوى ما دام ترخيص الهدم قد صدر قبل
العمل به، والشروع في أعمال الهدم المرخص فيها قد تم قبل ذلك التاريخ أيضاً، والمفهوم
أن أعمال الهدم تتم على مراحل متعاقبة وأن الإقدام على إحدى تلك المراحل يعتبر شروعاً
في عملية الهدم بلا نزاع دون استلزام أن تكون هذه الأعمال قد اكتملت وانتهت، أو أن
يكون العقار المراد هدمه قد أصبح خراباً بأسره. وقد جاء تقرير الخبير مؤيداً لكل ما
تقدم، وما كان للجهة الإدارية أن تتناول في مذكرتها ما لا يدخل في نطاق اختصاصها بالتعليق
على مسلك المدعي ونواياه بعد إذ خوله القانون رقم 121 لسنة 1947 رخصة لا يمكن القول
بمخالفتها للصالح العام، وكان الأجدر بها أن تترك إنزال حكم القانون على حالته إلى
المحكمة تقول فيه كلمتها. وليس من شك في أن وقف عملية الهدم تنجم عنه أضرار لا سبيل
للتعويض عنها؛ إذ هو معطل لأعمال الهدم التي بدأت ولاستغلال العمارة بعد إتمام هذه
الأعمال. وانتهى المدعي من هذا إلى التصميم على طلب الحكم بوقف تنفيذ قرار لجنة توجيه
أعمال البناء والهدم الصادر في 14 من أكتوبر سنة 1956، وذلك إلى أن يحكم في الدعوى
الموضوعية مع إلزام الحكومة بمصروفات هذا الطلب ومقابل أتعاب المحاماة.
ومن حيث إن السيد مفوض الدولة قدم إلى محكمة القضاء الإداري تقريراً بالرأي القانوني
أوصى فيه للأسباب التي استند إليها الحكم بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه مع إلزام الحكومة
بالمصروفات.
ومن حيث إنه بعد أن أودع السيد مفوض الدولة تقريره المتقدم ذكره قدم السادة إبراهيم
إسماعيل وماكسي حزان بصفته مديراً لشركة ياسين الهندسية ومحمد مسعود وكامل فؤاد والدكتور
عباس حسني والدكتور أحمد حسني إلى السيد رئيس الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري
في 10 من فبراير سنة 1957 طلباً بصفتهم مستأجرين لبعض الأماكن في العمارة موضوع النزاع
المملوكة للمدعي وأولاده يلتمسون فيه قبول تدخلهم خصوماً ثلثاً منضمين إلى الحكومة
في طلب رفض الدعوى، وذكروا أن المدعي رفع ضدهم دعوى إخلاء أمام دائرة الإيجارات بمحكمة
القاهرة الابتدائية، وأن المحكمة قررت بجلسة 14 من أكتوبر سنة 1956 وقفها لحين صدور
قرار اللجنة المشكلة طبقاً للقانون رقم 344 لسنة 1956 في شأن توجيه أعمال الهدم والبناء،
وأن اللجنة المذكورة رفضت بجلسة 30 من سبتمبر سنة 1956 الموافقة على طلب المدعي هدم
العمارة لمخالفته لأحكام القانون المشار إليه، وأن لهم مصلحة في التدخل في الدعوى الحالية
التي أقامها على إثر قرار اللجنة منضمين إلى وزارة الشئون البلدية والقروية في طلب
رفض الدعوى درءاً للخطر الداهم الذي يهدد مصالحهم في الصميم، ولكي يتمكنوا من دحض ما
قد يبديه من افتراءات. وبجلسة 26 من فبراير سنة 1957 قررت المحكمة قبول تدخل المذكورين
خصوماً ثلثاً في الدعوى منضمين إلى الحكومة في طلب رفضها.
ومن حيث إن المدعي أودع في 10 من مارس سنة 1957 مذكرة تكميلية رد فيها على دفاعه المتدخلين
بأن القانون رقم 121 لسنة 1947 يجيز للمالك طلب إخلاء المكان المؤجر إذا أراد هدم العقار
المؤجر لإعادة بنائه بشكل أوسع، ولما كان هذا حقاً للمالك شرعه له القانون فليس للخصوم
الثلث أن يردوه عنه أو يعارضوا فيه بحجة أن من شأنه أن يؤدي بهم إلى إخلاء العقار الذي
يشغلونه.
ومن حيث إنه بجلسة 19 من مارس سنة 1958 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) "بوقف
تنفيذ قرار لجنة أعمال البناء والهدم الصادر بتاريخ 14 من أكتوبر سنة 1956 بعدم الموافقة
على هدم العمارة رقم 2 و2 أ و2 ب بشارع سليمان باشا القاهرة". وأسست قضاءها على ما
استشفته من ظاهر الأوراق من أن نعي المدعي على القرار المطعون فيه تغشاه مسحة الجدية
فيما استند إليه من القيام بهدم بعض أجزاء العقار موضوع الدعوى تنفيذاً لرخصة الهدم
التي صدرت له في 17 من مايو سنة 1956 قبل تاريخ العمل بالقانون رقم 344 لسنة 1956،
وترتيباً على ذلك تظل تلك الرخصة قائمة. أما ما يبغيه الخصوم الثلث بتدخلهم من حماية
حقهم في البناء في الأجزاء المؤجرة لهم من العقار فيخضع في تنظيمه لأحكام القانون رقم
121 لسنة 1947 ومحله دعوى الإخلاء المقامة ضدهم أمام محكمة القاهرة الابتدائية؛ ومن
ثم فإن طلب وقف تنفيذ قرار اللجنة المطعون فيه القاضي برفض طلب الهدم يكون في محله".
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة قامت بعد ذلك بتحضير الدعوى وأودعت تقريراً بالرأي القانوني
مسبباً في موضوعها أيدت فيه رأيها الأول بإلغاء القرار المطعون فيه مع إلزام الحكومة
بالمصروفات باعتبار أن هذا القرار قد صدر بالمخالفة لأحكام القانون.
ومن حيث إن المدعي أودع مذكرة بملاحظاته ردد فيها دفاعه السابق وأضاف إليه أنه صدر
حكم من محكمة استئناف القاهرة في 24 من إبريل سنة 1957 قضى بإلغاء الحكم الصادر من
محكمة القاهرة الابتدائية بوقف دعوى الإخلاء التي رفعها المدعي ضد المستأجرين الذين
لم يخلوا العقار، وأنه ثابت من حكم محكمة الاستئناف المشار إليه أن المذكور قام بأعمال
الهدم وهي التي سجل الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ إقرار الجهة الإدارية بها؛ ومن
ثم فإن القرار المطعون فيه يكون قد وقع مخالفاً للقانون حقيقاً بالإلغاء.
ومن حيث إن الخصوم الثلث المتدخلين في الدعوى قدموا مذكرة بدفاعهم قالوا فيها إن المدعي
لم يشرع في الهدم بالمعنى الصحيح المقصود من هذه الكلمة، بل إنه قام ببعض الأعمال التي
من شأنها تعكير انتفاعهم بالأماكن المؤجرة لهم حتى يدفعهم إلى إخلائها، وذلك بإزالة
بعض النوافذ في غرفتين كانتا خاليتين بالدور الثاني من العمارة، ورفع أرضية هاتين الغرفتين،
وإجراء مثل هذا في شقة كانت خالية بالعمارة الخلفية. وقد أقر هو نفسه في صحيفة استئنافه
للدعوى المستعجلة التي قضى فيها ابتدائياً بوقف الأعمال التي يجريها بأن هذه الأعمال
لا يمكن تصويرها بأنها أعمال هدم، وبأن وصفها كذلك فيه مجاوزة للواقع لأنها مستحيلة
بحكم الواقع وحكم وجود السكان جميعاً في العمارتين موضوع النزع. هذا إلى أن الهدم أو
الشروع فيه لكي يمكن إجراؤه صحيحاً لا بد من إخلاء السكان بحكم من القضاء، الأمر الذي
لم يحدث. وقد جاء قرار لجنة توجيه أعمال البناء والهدم صريحاً في أن الأعمال التي أجراها
المدعي لا تعتبر شروعاً في الهدم بل مجرد وسيلة لمضايقة السكان الذين ما زالوا يشغلون
باقي الشقق وإرغامهم على إخلائها. وواضح من نص المادة الخامسة من القانون رقم 344 لسنة
1956 أن الهدم مشروط بشرطين: أن يكون البناء آيلاً للسقوط أن يكون قد مضى على
إنشائه أكثر من أربعين عاماً على الأقل. ولما كان القانون قد قيد اللجنة بهذين الشرطين
فإنها ما كانت تملك الموافقة على طلب الهدم الذي تقدم به المدعي لأن العمارتين المطلوب
هدمهما ليستا من المباني الآيلة للسقوط، كما أنه لم يمض على إقامتها أكثر من أربعين
عاماً إذ أنهما أنشئتا في سنة 1928؛ وليس ثمة اعتبار يتصل بالصالح العام يمكن أن يبرر
الموافقة على هدمهما. والمفهوم من نص الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة المشار إليها
أن تراخيص الهدم التي لم يشرع أصحابها في تنفيذ الأعمال المرخص لهم فيها قبل صدور القانون
تصبح ملغاة. فإذا كانوا قد شرعوا في الهدم بقى الترخيص سارياً، إلا أن سريانه في هذه
الحالة لا يعفي من صدر له من التقدم إلى اللجنة لكي توافق على استمراره في الهدم؛ إذ
ثمة فرق بين الترخيص بالهدم الصادر من السلطة القائمة على أعمال التنظيم وبين موافقة
اللجنة على طلب الهدم، لأن نص المادة جاء شاملاً لكل من بيده ترخيص ومن ليس بيده هذا
الترخيص، فلا بد للاثنين من التقدم إلى اللجنة للحصول على موافقتها على الإجراء الصادر
من أجله الترخيص. وقد حظر الشارع على السلطة القائمة على أعمال التنظيم النظر في طلب
الترخيص بالهدم إلا بعد قيام الطالب بتقديم موافقة اللجنة المذكورة، فليس صحيحاً ما
زعمه المدعي من أن سريان ترخيصه يغنيه عن التقدم إلى اللجنة بطلب الموافقة على الهدم
لأن سريان الترخيص لا يقيد اللجنة ولا يمنعها من النظر في طلبه بعد إذ أصبحت هي السلطة
المهيمنة على الهيئة القائمة بإعطاء التراخيص. ولا ريب أن الشروع المقصود في القانون
هو قيام حامل الترخيص بأعمال يصبح من المتعذر بعدها إعادة الحالة إلى ما كانت عليه،
أي أن تكون هذه الأعمال على قدر من الجسامة بحيث لا يمكن الرجوع فيها وأن يسبقها إخطار
من المرخص له إلى السلطة القائمة على أعمال التنظيم بكتاب موصى عليه بعزمه على القيام
بها وذلك وفقاً لنص المادة السابعة من القانون رقم 656 لسنة 1954، الأمر الذي لم يتم
من جانب المدعي. وإذا صح في الجدول إن موافقة اللجنة ليست ضرورية للشروع في أعمال الهدم
فإن هذه الموافقة لازمة لإمكان البناء. وقد رفضت اللجنة الموافقة على طلبي المدعي الخاصين
بالهدم والبناء مجتمعين ولا حجة له في القول بوجود ترخيص للبناء تحت يده؛ إذ أن هذا
الترخيص قد انتهى مفعوله لعدم تنفيذ أعمال البناء المرخص فيها خلال مدة سنة كما نصت
على ذلك المادة الرابعة من القانون رقم 656 لسنة 1954 في شأن تنظيم المباني. وعلى ذلك
تكون المصلحة القانونية الواجب توافرها في الدعوى منتفية؛ إذ أن المدعي يرغب في الهدم
للبناء، فإذا ما تعذر تحقيق أي من الرغبتين لمانع قانوني انتفت المصلحة بالنسبة إلى
الرغبة الأخرى. وخلص المتدخلون من هذا إلى طلب القضاء "برفض الدعوى وإلزام المدعي مصروفاتها
ومقابل أتعاب المحاماة مع حفظ كافة الحقوق الأخرى".
ومن حيث إنه بجلسة 15 من أكتوبر سنة 1957، قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى)
"بإلغاء قرار لجنة توجيه أعمال البناء والهدم لوزارة الشئون البلدية والقروية الصادر
في 14 من أكتوبر سنة 1956 بعدم الموافقة على طلب هدم العمارة رقم 2، 2 أ، 2 ب بشارع
سليمان باشا بالقاهرة، مع إلزام الحكومة بمصروفات الدعوى وخمسمائة قرش مقابل أتعاب
المحاماة"، وأقامت المحكمة قضاءها على أنه تبين لها من أوراق الدعوى وخاصة من الشكوى
رقم 2360 لسنة 1956 إداري قصر النيل المقدمة من بعض مستأجري العقار في 31 من مايو سنة
1956 يتضررون فيها من أعمال الهدم التي يجريها المدعي في العقار المذكور، ومن القضية
رقم 4647 لسنة 1956 مستعجل القاهرة المقامة من بعض هؤلاء المستأجرين لوقف تلك الأعمال،
ومن الدعوى رقم 224 لسنة 1956 مستأنف القاهرة، ومن تقرير الخبير المقدم فيها، ومن أقوال
الحكومة ذاتها في قرارها المطعون فيه، أن المدعي قام فعلاً بأعمال الهدم في أجزاء من
العقار موضوع الدعوى الأمر الذي يعتبر على الأقل شروعاً في تنفيذ ما رخص فيه للمدعي
من أعمال. وقد حدث هذا التنفيذ قبل صدور القانون رقم 344 لسنة 1956، ومن ثم فإن حق
المدعي في الترخيص الصادر له يظل قائماً وفقاً لأحكام هذا القانون بمفهوم المخالفة
لنص الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة منه. وترتيباً على ذلك ما كان المدعي في حاجة
إلى عرض ترخيصه النافذ المفعول على لجنة توجيه أعمال البناء والهدم التي أصدرت بشأنه
القرار المطعون فيه الذي يتعين إلغاؤه بحق".
ومن حيث إن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعن في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية
هذه المحكمة في 30 من نوفمبر سنة 1957، طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي
الموضوع ببطلان الحكم المطعون فيه لقصور أسبابه، وبرفض دعوى المطعون ضده وإلزامه بمصروفاتها".
واستند في أسباب طعنه إلى أن الحكم المطعون فيه جاء قاصراً عن بيان الأعمال التي أجراها
المطعون عليه واعتبرها الحكم شروعاً في الهدم حتى تسلط المحكمة العليا رقابتها عليه
لإنزال حكم القانون على الوجه الصحيح؛ ومن ثم فإنه يكون قد وقع باطلاً لقصوره عن تبيان
هذه الواقعة. على أن الأعمال التي يعول عليها في تقدير الشروع أو عدمه هي تلك التي
تمت في الفترة السابقة على 18 من سبتمبر سنة 1956، تاريخ صدور القانون رقم 344 لسنة
1956، لا بعد ذلك. والمرجع في حصر هذه الأعمال إلى الشكوى رقم 2360 لسنة 1956، إداري
قصر النيل التي يتضح منها أن الهدم يقع في شقة مكونة من غرفتين داخل بعضهما ويتمثل
في خلع الأبواب والنوافذ وإزالة سور الشرفة في هذه الشقة كما أثبت ذلك الخبير المعين
في الدعوى رقم 1224 لسنة 1956 استئناف القاهرة. أما باقي الأعمال التي يزعم المدعي
القيام بها في الشقة الكائنة بالدور الخامس بالقسم الثاني من العمارة المطل على المنور
القبلي فإنه لم يثبت إجراؤها في الفترة السابقة على صدور القانون المشار إليه ومن ثم
فلا يعتد بأمرها قانوناً. وعلى أية حال فقد وصف المدعي نفسه ما تم من أعمال في صحيفة
الاستئناف المرفوع منه رقم 1224 لسنة 1956 بما ينفي كونها أعمال هدم لاستحالتها بحكم
الواقع، أو شروعاً فيه إذ أن الشروع خوض في عملية الهدم ذاتها. ولما كان واثقاً من
أنه لم يقم بعمل من هذا القبيل فقد لجأ طائعاً مختاراً إلى لجنة توجيه أعمال البناء
والهدم يلتمس موافقتها على الهدم. ولو أنه كان قد قام بالهدم فعلاً لما كان بحاجة إلى
طرق بابها. وقد خذلته اللجنة بإجماع آراء أعضائها، وهم من أقطاب مهندسي الوزارة، إذ
رفضت طلبه للأسباب التي أبدتها بعد أن استعرضت ما قام به من أعمال اعتبرتها مجرد وسيلة
لمضايقة السكان الذين لم يخلوا أماكنهم. وقد جاء الحكم المطعون فيه مخالفاً لأحكام
القانون رقم 344 لسنة 1956 ولأهدافه التي كشفت عنها المذكرة الإيضاحية إذ أن المشرع
قد وضع ضابط الحكم على الأعمال التي يكون المالك قد قام بها أو شرع في تنفيذها قبل
صدور هذا القانون. فإذا كان من شأن هذه الأعمال أن تهدد العقار بالسقوط أو تجعله غير
صالح للاستعمال في الأغراض التي أعد لها جاز لصاحبه متى كان حاصلاً على رخصة سابقة
بالهدم أن يستمر في تنفيذ أعمال الهدم وإلا فلا يجوز له هدمه إلا بموافقة لجنة توجيه
أعمال البناء والهدم حتى ولو كانت بيده رخصة قديمة بالهدم إذ تغدو الرخصة ملغاة في
هذه الحالة. ولما كانت الأعمال التي قام بها المدعي من نزع أبواب ونوافذ وأرضيات في
شقتين من عمارته بقسميها المحتوى أولهما على ثلاثة أدوار والثاني على ستة أدوار لا
تخل بسلامة العمارة أو تعطل الانتفاع بها وهي لا تزال مشغولة حتى الآن، فإن الرخصة
القديمة التي كانت ممنوحة بالهدم تصبح ملغاة ويكون قرار اللجنة المطعون فيه قد صدر
مطابقاً للقانون. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب الصحيح فإنه يكون قد وقع
مخالفاً للقانون متعيناً الطعن فيه.
ومن حيث إن المدعي أودع بعد حجز الطعن مذكرة بملاحظاته ردد فيها دفاعه السابق وزاد
عليه أنه صدر حكمان نهائيان أحدهما من محكمة استئناف القاهرة بإلغاء الحكم الصادر من
محكمة القاهرة الابتدائية بوقف دعوى الإخلاء التي رفعها ضد المستأجرين الذين لم يخلوا
العقار، والآخر من دائرة الإيجارات بإخلاء هؤلاء المستأجرين من العقار المذكور، وأن
هذين الحكمين قضيا بأن المدعي قام بأعمال الهدم في عقاره قبل صدور القانون رقم 344
لسنة 1956، وبأن ترخيص الهدم الصادر له يعتبر قائماً ونافذ المفعول وأنه لا وجه لما
يتمسك به طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة من أن المدعي ذكر في صحيفة استئنافه للحكم
الصادر ضده بوقف أعمال الهدم أن ما قام به في العقار لا يعتبر من أعمال الهدم – لا
وجه لذلك لأن خصوم المدعي احتجوا عليه بهذه الأقوال في الاستئناف المرفوع منه عن الحكم
الذي أصدرته دائرة الإيجارات بوقف نظر دعوى الإخلاء، فردت عليهم المحكمة بأنه لا محل
للتحدي بما قاله المذكور في استئنافه المستعجل في معرض الدفاع في الدعوى، إذ لا يغير
هذا القول من أمر ما وقع وقام الدليل فعلاً على صحته. وقد أقرت دائرة الإيجارات عند
نظرها دعوى الإخلاء رأي محكمة الاستئناف ورددته في حكمها. وأضاف المدعي أن المراد بعبارة
"شرع في تنفيذ الأعمال المرخص له فيها" الواردة في المادة الخامسة من القانون رقم 344
لسنة 1956 لا يمكن أن يعني أن يصبح العقار مهدداً بالسقوط أو غير صالح للاستعمال. وأنه
لا حجة فيما يقال من أنه لا يجوز هدم العقار كله أو بعضه إلا بعد إخلائه تماماً ذلك
أن المالك ملزم بهدم ما يخليه المستأجرون من الأماكن التي يشغلونها خلال شهر من تاريخ
الإخلاء وإلا تعرض لجزاءات وفقاً لأحكام القانون رقم 121 لسنة 1947 – ومن ثم فإن المدعي
لم يكن بحاجة للالتجاء إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم لاستصدار ترخيص جديد. وخلص
المدعي من هذا إلى التصميم على طلب رفض الطعن.
ومن حيث إن الخصوم الثلث قدموا أيضاً مذكرة فصلوا فيها ما سبق أن أبدوه من دفاع، وذكروا
أن المدعي لم يكن له الحق في الشروع في الهدم إلا بعد إخلاء العقار بتمامه من جميع
شاغليه رضاء أو قضاء؛ ومن ثم تسقط حجته في الاعتماد على أفعال قام بها بالمخالفة لأحكام
القانون، ويكون تأسيسه لدعواه على نص الفقرة السادسة من المادة الخامسة من القانون
رقم 344 لسنة 1956 في غير محله. هذا إلى أن جميع الأعمال التي أجراها في الشقتين لا
يمكن بحال من الأحوال اعتبارها من قبيل أعمال الهدم أو الشروع فيه، لأن حقه في ذلك
لا يمكن أن يقوم إلا بعد إزالة جميع العقبات القانونية التي تعترضه وأهمها وجود المستأجرين
شاغلين للعقار المراد هدمه، ولا يتأتى هذا إلا بعد حصوله على حكم من القضاء بإخلاء
العقار المذكور بالتطبيق لأحكام القانون رقم 121 لسنة 1947، ولما كان هذا الحكم لم
يصدر إلا في تاريخ لاحق لصدور القانون رقم 344 لسنة 1956 فلا يمكن القول بأنه كان ثمة
شروع في الهدم بالمعنى المقصود من هذا القانون. ومتى كان الأمر كذلك فإنه كان يتعين
على المدعي الالتجاء إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم للحصول على موافقتها على إجراء
الهدم، وهو ما فعله وما رفضته اللجنة، ولما كانت اللجنة قد رفضت في الوقت ذاته طلبه
الثاني الخاص بالموافقة على إقامة البناء، وكان قرارها في هذا الشأن قد أصبح نهائياً
لعدم الطعن فيه في الميعاد القانوني المقرر، فإن مصلحة المدعي في الدعوى تصبح منعدمة
لأنه إن استطاع الهدم فلن يستطيع البناء لصيرورة الترخيص السابق صدوره له بالبناء عديم
الأثر. ولا عبرة بصدور حكم بالإخلاء لصالحه من دائرة الإيجارات بمحكمة القاهرة الابتدائية
لأن هذا الحكم هو في الواقع منشئ لحقه في الهدم ابتداء من تاريخ انتهاء المهلة التي
حددها للمستأجرين. واختتم الخصوم الثلث مذكرتهم بطلب الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي
الموضوع ببطلان الحكم المطعون فيه مع إلزام المدعي عن نفسه وبصفته بالمصاريف ومقابل
أتعاب المحاماة".
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن مثار النزاع هو ما إذا كان قد توافر في حق المدعى الشروط
القانونية طبقاً للقرار بالقانون رقم 344 لسنة 1956 في شأن تنظيم توجيه أعمال البناء
والهدم قد توافرت في حقه الشروط التي تسوغ الإبقاء على الترخيص السابق صدوره له بالهدم
قبل نفاذ القانون المذكور أم لا.
ومن حيث إن القانون رقم 344 لسنة 1956 في شأن توجيه أعمال البناء والهدم قام على حكمة
استهدف بها مصلحة عامة أفصح عنها في مذكرته الإيضاحية التي جاء فيها أنه لوحظ أن نشاط
الاستثمار في مشروعات المباني السكنية والمرتفعة التكاليف منها على وجه الخصوص قد "استمر
بصورة متزايدة حتى تحول الكثير من رؤوس الأموال إلى الاستغلال في مشروعات البناء نظراً
لحرية تقدير الإيجارات بالنسبة إلى هذه المباني الجديدة ووفرة الأرباح التي تدرها بسبب
الإقبال عليها، مما شجع الكثيرين على هدم المباني الحديثة نسبياً بالرغم من أنها لا
زالت صالحة للاستعمال في الأغراض التي أعدت لها، رغبة في إقامة مبان جديدة مكانها أكثر
غلة وأوفر فائدة – ولما كان هذا الاتجاه لا يتفق مع الصالح العام، وكانت الحكومة آخذة
بسبيل تصنيع البلاد وتشجيع الاستغلال في المشروعات الإنتاجية، الأمر الذي تطلب القصد
في هدم المباني القائمة والتدبر في تشييد الجديد منها والحد من صرف العملات الأجنبية
ليتسنى استخدامها فيما يعود على الثروة القومية العامة بفائدة أكبر والمحافظة على التوازن
اللازم في وجوه الاستغلال المختلفة – لذلك رؤى وضع نظام يكفل الإشراف على نشاط أعمال
البناء في البلاد ومراقبة استعمال المواد والخامات المحلية أو المستوردة والحد من إزالة
مبان لها قيمتها تعتبر جزءاً من الثروة القومية…..". وتحقيقاً لهذه الغاية نصت المادة
الخامسة من القانون المتقدم ذكره فيما يتعلق بإزالة المباني على أنه "لا يجوز هدم المنشآت
غير الآيلة للسقوط الواقعة في حدود المجالس البلدية إلا بعد موافقة اللجنة المشار إليها
في المادة الأولى من هذا القانون، وبشرط أن تكون قد مضت على إقامة هذه المباني مدة
40 عاماً على الأقل، وذلك ما لم تر اللجنة الموافقة على الهدم لاعتبارات تتعلق بالصالح
العام ولا يكون قرارها نهائياً في هذا الشأن إلا بعد موافقة وزير الشئون البلدية والقروية.
وتعتبر تراخيص الهدم التي لم يشرع أصحابها في تنفيذ الأعمال المرخص لهم فيها قبل صدور
هذا القانون ملغاة، ويجوز لأصحابها أن يتقدموا من جديد إلى اللجنة المذكورة في المادة
الأولى بطلب الموافقة على الهدم في الحدود والأوضاع المبينة في هذه المادة وواضح من
هذا النص أن المشروع غاير في الحكم بين المنشآت الواقعة في حدود المجالس البلدية وبين
تلك الواقعة خارج هذه الحدود، وفرق بالنسبة للأولى منها بين تلك الآيلة للسقوط وغير
الآيلة. فلم يقيد هدم المنشآت الآيلة للسقوط التي عالج أمرها بالقانون رقم 605 لسنة
1954 بالقيد الذي أورده على المنشآت غير الآيلة للسقوط، إذ حظر هدم هذه الأخيرة إلا
بعد موافقة لجنة توجيه أعمال البناء والهدم التي نصت عليها المادة الأولى من القانون
والتي صدر بتشكيلها قرار وزير الشئون البلدية والقروية رقم 1106 في 19 من سبتمبر سنة
1956. وفرض قيداً على هذه اللجنة ذاتها، إذ اشترط لموافقتها على الهدم أن تكون قد مضت
على إقامة المباني المراد هدمها مدة أربعين عاماً على الأقل كقاعدة عامة، فإن تخلف
هذا الشرط الزمني الذي يقع عبء إثبات توافره على عاتق طالب الترخيص لم يجز الهدم إلا
إذا رأت اللجنة الموافقة عليه لاعتبارات تتعلق بالصالح العام. وجعل صيرورة قرار هذه
اللجنة نهائياً في هذا الشأن منوطة بموافقة وزير الشئون البلدية والقروية، كما اعتبر
الأصل في تراخيص سابقة في الهدم السابقة أن تكون ملغاة، ولكن رغبة منه في عدم الإضرار
بذوي الشأن ممن استصدروا تراخيص سابقة في الهدم ولم يشرعوا في ذلك فعلاً، أجاز الشارع
لهم أن يتقدموا من جديد إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم بطلب موافقتها على الهدم
في الحدود والأوضاع المقررة قانوناً.
ومن حيث إنه للإبقاء على تراخيص الهدم السابقة على نفاذ القانون المشار إليه يجب (أولاً)
أن يكون العقار جائزاً هدمه بأن لم يكن ثمة مانع قانوني من إجراء هذا الهدم (وثانياً)
أن يتم فعلاً وقبل نفاذ القانون المذكور شروع في الهدم – وغني عن البيان أن العقار
إذا لم يكن خالياً من السكان، فلا يمكن هدمه إلا بعد إخلائه منهم وذلك بحسب ما إذا
كان الهدم جزئياً أو كلياً، فإن كان الترخيص في الهدم وارداً على أحد أجزائه دون باقيه
وأخلى الجزء المرخص في هدمه فقط من سكانه، فلا يكون ثمة مانع من هدم هذا الجزء ما دام
لوحظ في الترخيص في الهدم الجزئي إمكان ذلك دون إخلاء باقي العقار من سكانه، أما إذا
كان الترخيص في الهدم كلياً فيلزم بحكم الضرورة وحرصاً على حياة شاغلي العقار أن يتم
إخلاؤه كله أولاً، ثم يشرع في الهدم بعد ذلك – وغني عن البيان كذلك أن الشروع في الهدم
المبرر استثناء للإبقاء على الترخيص السابق على نفاذ القانون المذكور يجب أن يتكون
من أعمال تنفيذية بالهدم ويمكن اعتبارها شروعاً حقيقياً في هدم المبنى. فإذا كان ما
تم من أعمال لا يمس كيان المبنى ذاته فلا تعتبر شروعاً في الهدم على مقتضى نص القانون
وفحواه. وهذا ما عنى الشارع بترك تقديره إلى لجنة توجيه أعمال البناء والهدم.
ومن حيث إنه يبين من أوراق الشكوى رقم 2360 لسنة 1956 إداري قصر النيل التي تقدم بها
إلى البوليس بعض سكان العمارة موضوع النزاع ضد المدعي، ومن المعاينة التي أجراها البوليس
بمناسبة هذه الشكوى في 31 من مايو سنة 1956 وأقوال المشكو في حقه نفسه أن الأعمال المشكو
منها تنحصر في نزع الأبواب والنوافذ والأرضية والأدوات الصحية والشرفات من شقة أخليت
من شاغلها مكونة من غرفتين متداخلتين. كما أنه ورد على لسان المدعي في صحيفة الاستئناف
رقم 1224 لسنة 1956 استئناف مصر المرفوع منه عن الحكم الصادر من محكمة الأمور المستعجلة
الجزئية بالقاهرة في الدعوى رقم 4637 لسنة 1956 التي أقامها ضده بعض المستأجرين بطلب
وقف أعمال الهدم التي يجريها بالعمارة التي يستأجرون بعض الأماكن فيها "إن تصوير الأعمال
التي يجريها بأنها أعمال هدم فيه مجاوزة للواقع الماثل على الطبيعة. ذلك لأن المستأنف
اشترى العمارة موضوع الدعوى ليهدمها ويعيد بناءها بشكل أوسع، وقد نبه على المستأجرين
بذلك، فاستجاب بعض مستأجري الشقق وقاموا بالإخلاء فعلاً، فلما خلت هذه الشقق نزع المستأنف
أبوابها ونوافذها وأدواتها الصحية والحدايد المركبة فيها، دون أن يقوم بأي عمل من أعمال
الهدم التي زعمها المستأنف عليهم… ولا يمكن أن يترتب على رفع نوافذها وأبوابها وأدواتها
الصحية أي تعكير لانتفاع المستأنف عليهم… وقد أغلفت محكمة أول درجة هذا، وأغفلت معه
أن أعمال الهدم المدعى بها مستحيلة بحكم الواقع، لأن الشقق التي خلت تعلوها شقق أخرى
مشغولة بسكانها مما لا يتصور معه أن تجرى أعمال هدم بالصورة التي زعمها المستأنف عليهم"
وقد ردد المستأنف مثل هذا الكلام في مذكرته المقدمة منه للمحكمة في 10 من أكتوبر سنة
1956 أي بعد نفاذ القانون رقم 344 لسنة 1956 بقوله "هذا ولا زال المستأنف يقرر أن الأعمال
التي قام بها ليست فيها أية مخالفة للقانون، وليس فيها أي تعكير لانتفاع المستأنف عليهم
بالأماكن التي يشغلونها وليس فيها تشويه لمنظر العمارة، لأن تلك الأعمال اقتصرت كما
قلنا على نزع النوافذ والأبواب والأدوات الكهربائية والصحية ونزع أرضيات الشقق التي
خلت من العمارة وتلك أعمال تجرى كلها داخل تلك الشقق…. وقد جاء بأسباب الحكم الصادر
في هذا الاستئناف بندب خبير لمعاينة العقار موضوع النزاع وما تم به من أعمال "ومن حيث
إن المستأنف ذهب إلى أن ما يفعله لا يزيد على نزع الأبواب والنوافذ في بعض أجزاء المبنى،
وأن ذلك لا يضار به المستأنف ضدهم ولا يعكر انتفاعهم" كذلك يبين من تقرير الخبير الذي
عينته المحكمة الاستئنافية أن الأعمال التي قام بها المدعي تنحصر في الغرفتين القبليتين
على الممر القبلي للمنزل بالدور الثاني فوق الأرضي من القسم الأول من العمارة المطل
على شارع سليمان باشا، وهذه الأعمال هي فك جميع الأبواب والنوافذ وأبواب الشرفات والأرضيات
وإزالة الدرابزين الخاص بالشرفات القبلية للغرفتين وابتداء في نزع أرضية إحدى هذه الشرفات،
وكذا في شقة بالدور الخامس من القسم الثاني من العمارة المطل على المنور القبلي، وقد
أجري فيها نزع جميع الأبواب والنوافذ وأبواب الشرفات وفك الدساتير الخاصة بتثبيت الأبواب
والنوافذ وكذا الأدوات الصحية والصنابير والمواسير والتوصيلات الكهربائية وإزالة جميع
الأرضيات البلاط وفك أكثر الأرضيات الخشبية بما أصبحت معه هاتان الشقتان عديمتي المنفعة
ولا تصلحان للسكن. وقد أودع الخبير تقريره هذا قلم كتاب المحكمة في 15 من يناير سنة
1957، أي بعد صدور القانون رقم 344 لسنة 1956، ولم يبين فيه تاريخ إجراء الأعمال التي
عاينها في كل من الشقتين آنفتي الذكر وهل تمت كلها أو بعضها في إحداهما أو في كليتهما
قبل أو بعد صدور هذا القانون. ويذهب تقرير طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة إلى أن
باقي الأعمال التي شاهدها الخبير في الشقة الكائنة بالدور الخامس لم يثبت قيامها في
الفترة السابقة على صدور القانون المشار إليه، كما أن لجنة توجيه أعمال البناء والهدم
بوزارة الشئون البلدية والقروية قررت بجلستها المنعقدة في 30 من سبتمبر سنة 1956 بإجماع
الآراء رفض الطلب المقدم إليها من المدعي لهدم العمارة موضوع النزاع، لما تبين لها
من "أن قيام المالك بنزع بعض الشبابيك والأبواب من بعض الشقق التي أخلاها بطريقة أو
بأخرى لم يكن إلا وسيلة لمضايقة السكان الذين ما زالوا يشغلون باقي الشقق أو إرغامهم
على إخلائها" و"أن الموافقة على طلب الهدم تتعارض والأهداف التي استصدرت الحكومة من
أجلها القرار بقانون رقم 344 لسنة 1956 بتنظيم توجيه أعمال البناء والهدم ومن بينها
الحد من هدم المباني القائمة، ولا سيما "أن الطالب يرغب في هدم هذه العمارة لا على
أساس أيلولة مبانيها للسقوط بل على أساس إعادة بنائها بشكل أوسع" و"أن البناء الحالي
مكون من عدة شقق ودكاكين وغير آيل للسقوط إطلاقاً وصالح للاستعمال ومشغول بالسكان..".
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن الشرطين الواجب توافرهما لإمكان الإبقاء على ترخيص الهدم
السابق غير متوافرين فلم يكن العقار جائزاً هدمه كله ما دام مشغولاً بالسكان فيما عدا
الشقتين اللتين أخليتا بالتراضي، وما دام الترخيص بالهدم كان كلياً وليس جزئياً منحصراً
في هاتين الشقتين، ومع ذلك فلا يمكن هدمهما على استقلال لأنه تعلوهما شقق أخرى لم تخل
من سكانهما ولأن ما تم من أعمال قبل نفاذ القانون رقم 344 لسنة 1956 بإقرار المدعي
نفسه في الشكوى الإدارية وفي صحيفة استئناف الحكم الصادر في الدعوى المستعجلة المرفوعة
من بعض المستأجرين بوقف تنفيذ أعمال الهدم وعدم تعكيرهم في انتفاعهم بالأماكن التي
يشغلونها، وفي مذكرته المقدمة للمحكمة الاستئنافية في 10 من أكتوبر سنة 1956، لا يعدو
أن يكون مجرد نزع بعض الأبواب والنوافذ والأدوات الصحية والأرضيات ونحو ذلك، مما لا
يخل بكيان المبنى ذاته وسلامته وهذا لا يرقى إلى حد الشروع في الهدم الحقيقي والجدي
بالمعني الذي حددته المحكمة آنفاً، فيكون القرار المطعون فيه – والحالة هذه – قد صدر
مطابقاً للقانون، ولا يقدح في ذلك صدور حكم للمدعي من القضاء الوطني بإخلاء المستأجرين
من العقار ليتمكن من هدمه، ذلك أن القرار الإداري المذكور قد صدر في مجاله الإداري
بالتطبيق لأحكام القانون رقم 344 لسنة 1956 برفض طلب المدعي الإبقاء على الترخيص السابق
صدوره له بالهدم، وقد أعملت لجنة توجيه أعمال البناء والهدم في ذلك سلطتها الإدارية
التقديرية بالتطبيق لأحكام القانون المشار إليه. وهو مجال يختلف عن المجال الذي صدر
فيه حكم القضاء الوطني – ذلك أن الدعوى التي صدر فيها هذا الحكم كانت خصومة بين المدعي
ومستأجريه تقوم على سبب مرده إلى قواعد القانون الخاص في علاقة بين مالك ومستأجريه
ولم تكن الإدارة طرفاً فيها، بل ما كان يجوز اختصام القرار الإداري أمام هذا القضاء
بوقفه أو بإلغائه لعدم الولاية القضائية، أما الدعوى الحالية فهي دعوى اختصام القرار
الإداري أمام الجهة القضائية صاحبة الولاية في اختصامه ضد الإدارة والتي تملك وقفه
أو إلغاءه، كما تقوم على أساس قانوني وسبب آخر، هو ما يزعمه المدعي من مخالفة هذا القرار
لأحكام القانون رقم 344 لسنة 1956، يكون ومن كل ما تقدم الحكم المطعون فيه قد أخطأ
في تأويل القانون وتطبيقه، فيتعين إلغاؤه والقضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.
