الطعن رقم 688 لسنة 3 ق – جلسة 29 /03 /1958
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثاني (من فبراير سنة 1958 إلى آخر مايو سنة 1958) – صـ 1013
جلسة 29 مارس سنة 1958
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 688 لسنة 3 القضائية
( أ ) تيسير – قرار مجلس الوزراء في 17/ 5/ 1950 – تقييده سلطة
الإدارة في الترقية في بعض الحالات وإطلاقها في حالات أخرى – حدود رقابة القضاء الإداري
في كل من هاتين الحالتين.
(ب) ترقية – صدورها بالتطبيق للسلطة المطلقة المنصوص عليها بقرار مجلس الوزراء الصادر
في 17/ 5/ 1950 -ترخص الإدارة في إجرائها بشرط عدم إساءة استعمال السلطة.
(جـ) ترقية – صدورها من الإدارة في نطاق سلطتها المطلقة – افتراض حملها على الصحة –
على مدعي العكس عبء الإثبات – مثال.
1 – إن مفاد قواعد التيسير الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 17 من مايو سنة 1950، أنها
جعلت سلطة الإدارة التقديرية في شئون الترقية محددة ومقيدة في حالات ومطلقة في حالات
أخرى، فهي محددة في الحالات التي تلتزم فيها الإدارة بترقية الموظف بالأقدمية، في حدود
النسبة المعينة وذلك بالنسبة إلى الترقيات لغاية الدرجة الثالثة إلا حيث يقوم مبرر
للتخطي وعندئذ يتعين أن يصدر قرار من الوزير المختص يبين فيه أسباب هذا التخطي، ولكن
سلطتها تصبح مطلقة في الترقية إلى تلك الدرجات فيما وراء نسبة الأقدمية وفي الترقيات
إلى الدرجة الثانية فما فوقها، ويترتب على اختلاف سلطة الإدارة التقديرية سعة وضيقاً
على الوجه المبين آنفاً اختلاف مدى رقابة القضاء الإدارة لقرارات الترقية التي تصدر
بالتطبيق لقواعد التيسير سالفة الذكر.. فإذا كانت سلطة الإدارة التقديرية مطلقة أي
غير مقيدة بأي حد أو قيد قانوني بل كان الأمر موكولاً إلى محض ترخصها واختيارها. كان
قرارها غير خاضع لرقابة القضاء إلا حيث يكون ثمة انحراف بالسلطة، أما إذا كانت سلطتها
محددة فعلاً بنسبة معينة للترقية بالأقدمية المطلقة ومقيدة في الآن ذاته بعدم جواز
التخطي إلا لمبرر يصدر من سلطة معينة في شكل مخصوص، وبعد اتباع إجراءات مرسومة، كان
قرار الترقية خاضعاً لرقابة القضاء الإداري من حيث مدى مطابقة القانون – فضلاً عن الانحراف
بالسلطة، وعلى ذلك لا بد أن يراقب هذا القضاء مدى التزام القرار الإداري لنسبة الأقدمية
ولترتيب الدور فيها، أو اختصاص السلطة التي أصدرت قرار التخطي والإجراءات التي روعيت
في شأنه والأسباب التي قام عليها ومبلغ صحتها وجديتها من حيث الواقع.
2 – متى تبين أن الترقيات إلى الدرجة الثانية الصادرة من وزارة التربية والتعليم في
أغسطس سنة 1950 كانت مستندة إلى سلطة الإدارة، إعمالاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في
17 من مايو سنة 1950 – بحيث يعود القول الفصل فيها إلى تقديرها المطلق وإلى محض ترخصها،
ولا يؤثمها إلا عيب الانحراف بالسلطة – فإنه لا محل للوقوف عند أقدمية المطعون لصالحه
بالنسبة إلى من تخطوه، أو التشبث بمقارنة كفايته بكفايتهم، لأن المفاضلة بين الموظفين
في مجال الترقية بالاختيار أمر متروك لتقدير الإدارة تستهدي فيه بما يتحلى به الموظف
من مزايا وصفات، وما تلمسه فيه من كفاية واستعداد خلال اضطلاعه بعمله، وما يتجمع لديها
عن ماضيه وحاضره من عناصر تعينها على إقامة موازين التفاضل بالقسط، وهذا التقدير تستقل
به الإدارة بلا معقب عليها في ذلك ما دام قد برئ قرارها من عيب الانحراف بالسلطة، وهو
ما لم يقم عليه دليل.
3 – إن سلامة قرار الإدارة في الترقية التي تنبثق من سلطتها المطلقة، طبقاً لقواعد
التيسير الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 17 من مايو سنة 1950، لا تتوقف على دعواها
أنها اصطفت الصالحين النابهين بالقياس إلى من تخطتهم في الترقية رغم أقدميتهم، لأن
هذه القرارات محمولة على الصحة، ومفروض أنها بنيت على الأرجحية في الصلاحية بين المرشحين،
وأنها صدرت عن مسلك إداري لحمته استقامة القصد وسداه عدم الانحراف بالسلطة، ولمن يدعي
خلاف هذا الظاهر أن يدحضه بدليل ينقض سلامته المفترضة، فإذا ثبت أن المدعي لم يعين
زملاءه الذين تخطوه ويدعي تفوقه عليهم في الكفاية، بل اقتصر على مجرد أقوال مرسلة وعلى
تصوير أنه تخطى بمن هم أحدث منه خدمة وتخرجاً، فإن هذا لا تقوم به حجة ولا ينهض به
دليل على قيام عيب الانحراف بالسلطة بالقرار موضوع الدعوى.
إجراءات الطعن
في 21 من إبريل سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 688 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة "ب") بجلسة 3 من مارس سنة 1957 في الدعوى رقم 2340 لسنة 8 القضائية المقامة من السيد/ الأستاذ لبيب يوسف ضد وزارة التربية والتعليم، والقاضي: "برفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه – الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة الدعوى إلى محكمة القضاء الإداري لتقدير التعويض". وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون لصالحه في 4 من مايو سنة 1957، وإلى وزارة التربية والتعليم في التاريخ ذاته، وعين لنظره جلسة من 8 من فبراير سنة 1958 وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 16 من ديسمبر سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون لصالحه
قدم إلى اللجنة القضائية لوزارة التربية والتعليم التظلم رقم 1370 لسنة 1 القضائية
بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 31 من ديسمبر سنة 1952، ذكر فيها أن وزير المعارف
أصدر قراراً في أغسطس سنة 1950 بترقية لفيف من زملائه الذين تخرجوا بعده إلى الدرجة
الثانية وأنه تخطى بموجب القرار المذكور في الترقية إلى الدرجة الثانية بزملاء ممن
يلونه في أقدمية التخرج والدرجات السابقة، وأنه قدم عدة تظلمات إلى وزير المعارف الأسبق
الدكتور طه حسين للنظر في أمر هذا التخطي، وكان لا يلقى منه غير الوعود، وأنه طالب
بالترقية إلى وظيفة مراقب، ولكن بعض زملائه الذين رقوا معه إلى وظيفة مراقب مساعد في
أوائل يناير سنة 1948 قد ظفر بالترقية إلى هذه الوظيفة دونه، وترتب على أن رقي هذا
البعض إلى الدرجة الثانية ثم إلى الأولى في سنتي 1950، 1951، وهذا ما يتضح بالتظلم
المبين وقد ختم ظلامته بطلب الحكم بتقديم تاريخ ترقيته إلى الدرجة الثانية برده إلى
التاريخ الذي رقي فيه زملاؤه خريجي سنة 1951 وأن هذا التقديم يترتب عليه أيضاً ترقيته
إلى الدرجة الأولى في التاريخ الذي رقي فيه هؤلاء الزملاء، وبجلسة 30 من يوليه سنة
1953 قررت اللجنة القضائية "عدم قبول التظلم لرفعه بعد الميعاد". وأقامت قضاءها على
أن "المتظلم قد قرر بجلسة 30 من يوليه سنة 1953 أنه تظلم من القرارات المطعون فيها
في سنة 1950 كما تظلم منها بعد ترقيته في سنة 1951 وأنه كان يتعين عليه رفع الدعوى
أمام مجلس الدولة في الميعاد المحدد في المادة 12 من قانون مجلس الدولة". وبعد إعلانه
بقرار اللجنة القضائية في 7 من نوفمبر سنة 1953 أقام الدعوى رقم 2340 لسنة 8 القضائية
طالباً إلزام وزارة التربية والتعليم بأن تدفع إليه مبلغ ألفي جنيه على سبيل التعويض
مع المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وكانت إقامتها بعريضة أودعها سكرتيرية محكمة
القضاء الإداري في 10 من يناير سنة 1954 وفصل فيها أسانيد طلبه بالقول بأنه تخرج في
مدرسة المعلمين العليا في عام 1951، وأنه التحق بخدمة وزارة المعارف في 25 من سبتمبر
سنة 1915 حيث أفنى حياته في خدمة التعليم بأمانة ونشاط، ورغم ذلك لم ينل حظه من الترقية
أسوة بزملاء له يلونه في أقدمية التخرج والخدمة، وأنه رقي أخيراً إلى وظيفة مراقب مساعد
في يناير سنة 1948 متأخراً سنوات عدة بالنسبة إلى زملائه، ومع ذلك لم ينل الدرجة الثانية
المختصة لهذه الوظيفة إلا في اليوم الأول من شهر أكتوبر سنة 1951، بينما كان يستحقها
منذ تاريخ توليه لهذه الوظيفة في سنة 1948 أو في القليل منذ أغسطس سنة 1950 حين رقي
إلى الدرجة الثانية زملاؤه وبعض من يلونه في الأقدمية، وأوضح أنه تقدم إلى الوزارة
بالتظلم تلو التظلم هو وبعض زملائه متشكين من التخطي في الترقية إلى الدرجة الثانية
في حركة أغسطس سنة 1950، ولما لم يظفر من التظلم بطائل لجأ إلى اللجنة القضائية متظلماً
في 31 من أكتوبر سنة 1952، ولكن اللجنة قررت عدم قبول التظلم للأسباب التي استندت إليها
في قرارها، ثم أبان المطعون لصالحه أنه قد لحقه ضرر مادي بعدم ترقيته إلى الدرجة الثانية
في أغسطس سنة 1950، لا سيما أنها الدرجة المخصصة للوظيفة التي كان يشغلها بجدارة منذ
أكتوبر سنة 1948 وأن كثير من زملائه ممن يلونه في الأقدمية قد رقوا إلى هذه الدرجة
اعتباراً من اليوم الأول من أغسطس سنة 1950، ثم رقوا إلى الدرجة الأولى في سنتي 1951
و1952، بينما لم يرق هو إلى الدرجة الثانية إلا في أكتوبر سنة 1951، وبقي بها حتى أحيل
إلى المعاش في 20 من إبريل سنة 1953، وأنه لا يسعه حيال ذلك إلا أن يقيم هذه الدعوى
مطالباً بإلزام وزارة التربية والتعليم بمبلغ ألفي جنيه على سبيل التعويض عما لحقه
من ضرر ناشئ عن تأخير ترقيته إلى الدرجة الثانية أربعة عشر شهراً، وما ترتب على ذلك
من تفويت فرصة الترقية إلى الدرجة الأولى عليه وحرمانه من فروق المرتب والمعاش. وقد
دفعت الوزارة الدعوى بأن ما نوه به المدعي من أن وظيفة المراقب المساعد مخصص لها الدرجة
الثانية في الميزانية لا يستند إلى أساس؛ إذ أن وظيفة المراقب هي التي كانت درجتها
الثانية، مما ينهار معه ما رتبه المدعي على ذلك من استحقاقه للدرجة الثانية بمجرد منحه
لقب المراقب المساعد في سنة 1948، وأوضحت أن قرارات مجلس الوزراء وتعليمات المالية
في خصوص ضوابط شغل درجات التيسير في أول أغسطس سنة 1950 كانت تقضي بأن لا تمنح الدرجة
الثانية إلا لمن يتولى المناصب الرئيسية التي لها الصدارة في وزارة التربية والتعليم،
وبأن يفسح لجهة الإدارة ولاية الاختيار في هذا الصدد، وأن المدعي لما كان شاغلاً لوظيفة
مراقب مساعد، وهي ليست من الوظائف الرئيسية التي يمنح أربابها الدرجة الثانية، فلا
مطعن على مسلك الوزارة إذا كان اختيارها لم يقع عليه، وإذا كانت الترقية إلى الدرجة
الثانية قد أبطأت به حتى أول أكتوبر سنة 1951، وإذا كان قد لبث في هذه الدرجة حتى أحيل
إلى المعاش لبلوغه الستين في 20 من إبريل سنة 1953. وأنه إزاء ذلك لا ترى الوزارة أنه
قد أحاق به أي ضرر يستحق عنه التعويض المطالب به، وخاصة وأن قرار اللجنة القضائية بعدم
قبول دعوى إلغاء القرار المشكو منه قد صدر صحيحاً متفقاً مع القانون لأنه كان يتعين
عليه مراعاة ميعاد الطعن في القرار الذي تخطاه في الترقية إلى الدرجة الثانية في أغسطس
سنة 1950، أما ما ذهب إليه من المطالبة بتعويض قدره ألفا جنيه لقاء ما لحقه من ضرر
ناشئ عن تأخير ترقيته إلى الدرجة الثانية، فإن المدعي غاب عنه أن الترقية من الدرجة
الثانية إلى ما يعلوها من درجات إنما تتم بالاختيار مما يسوغ للإدارة أن تشغل الدرجات
بالأكفاء في حدود إطلاقاتها وسلطتها التقديرية التي خولها إياها القانون، وأن هذا هو
الذي يقضي به القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، والذي كانت تقضي به
قواعد الترقية السابقة على القانون المشار إليه، ولذلك لم يكن يترتب على ترقية المدعي
إلى الدرجة الثانية ترقيته إلى الدرجة الأولى حتماً، ما دام إجراء هذه الترقية الأخيرة
متروكاً لمطلق تقدير الجهة الإدارية، وختمت الوزارة ردها بأن حق المدعي قد سقط بالتقادم
الثلاثي من تاريخ علمه بالضرر وفقاً لنص المادة 172 من القانون المدني. وبجلسة 3 من
مارس سنة 1957 حكمت محكمة القضاء الإداري "برفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات" وأسست
قضاءها على أن "قرار الترقية موضوع هذه الدعوى قد صدر في أول أغسطس سنة 1959؛ ومن ثم
فإن القواعد التي تحكمه هي تلك الواردة في قرار مجلس الوزراء الصادر في 17 من مايو
سنة 1950، والتي تقضي بأن الترقية إلى الدرجة الثانية وما فوقها تكون بالاختيار للكفاية".
وعلى "أنه لا يجدي المدعي القول بأن وظيفته كمراقب مساعد هي من الوظائف الرئيسية، وأنه
لا يعلوها إلا وظيفة المراقب والمدير العام، إذ أن الوزارة هي صاحبة الاختصاص في تقدير
أهمية الوظائف بعضها بالنسبة لبعض متى كان رائدها في ذلك المصلحة العامة"، وعلى "أن
الوزارة وقد التزمت في الاختيار للترقية إلى الدرجة الثانية القاعدة التي وضعتها للاختيار،
فإن قرارها من هذه الناحية يكون سليماً مطابقاً للقانون، ولا يعطي المدعي حقاً في التعويض"،
وعلى أن "قانون الميزانية قد خلا من تخصيص درجة بذاتها لوظيفة بعينها، بل إن الثابت
من الاطلاع على ميزانية وزارة التربية والتعليم عن السنة المالية 1950/ 1951 التي صدر
القرار موضوع الدعوى خلالها أنها رتبت الدرجة الثانية لوظيفة المراقب والدرجة الثالثة
المراقب المساعد".
ومن حيث إن الطعن قد بني على أن ولاية الترقية في ظل القوانين واللوائح القديمة قبل
القانون رقم 210 لسنة 1951 ولاية اختيارية مناطها الجدارة حسبما تقدره الإدارة مع مراعاة
الأقدمية، فترقي الأحدث إذا كان أكفأ من الأقدم دون معقب، ما دام تصرفها قد خلا من
إساءة استعمال السلطة وبشرط أنه عند التساوي في درجة الكفاية بين المرشحين، تكون الترقية
بينهم بالأقدمية، ولم تخرج عن هذا الأصل قرارات التيسير فيما يتعلق بالترقية إلى الدرجة
الثانية وما فوقها، ولما كانت الوزارة لم تدع في دفاعها أن المرقين في قرار أول أغسطس
سنة 1950 إلى الدرجة الثانية الذين هم أحدث من المدعي – لم تدع أنهم أكفأ منه فإنه
كان يتعين ترقية المدعي باعتبار أنه الأقدم، وإذ تخطاه القرار المطعون فيه في هذه الترقية
فإنه يكون قد خالف القانون، ويجب من ثم تعويض المدعي بقدر ما ناله من ضرر بسبب هذا
التخطي، ولما كان الحكم المطعون فيه قد حاد عن هذا المذهب فقد وقع مخالفاً للقانون.
ومن حيث إن مثار المنازعة في هذه الدعوى، هو في تبين مدى سلطة الإدارة في الترقية إلى
الدرجة الثانية في ظل أحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 17 من مايو سنة 1950، وهو
القرار التنظيمي لعام الذي تسري أحكامه على قرار الترقية موضوع التعويض في المنازعة
الحالية.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه لم يصب وجه الحق فيما قرره من أن قرار الترقيات موضوع
الدعوى إنما تحكمه الضوابط التي تضمنها قرار مجلس الوزراء الصادر في 17 من مايو سنة
1950، كما تجرى عليه أحكام قانون موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951، إذ الصحيح أن أحكام
هذا القانون لا يصح تنزيلها على الوقائع والتصرفات الإدارية السابقة على صدوره، ولا
يبقى بعد ذلك إلا أن يخضع قرار الترقية موضوع الدعوى لأحكام قرار مجلس الوزراء الذي
سبقت الإشارة إليه.
ومن حيث إن مفاد قواعد التيسير الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 17 من مايو سنة 1950
أنها جعلت سلطة الإدارة التقديرية في شئون الترقية محددة ومقيدة في حالات ومطلقة في
حالات أخر، فهي محددة في الحالات التي تلتزم فيها الإدارة ترقية الموظف بالأقدمية في
حدود النسبة المعينة وذلك بالنسبة إلى الترقيات لغاية الدرجة الثالثة إلا حيث يقوم
مبرر التخطي، وعندئذ يتعين أن يصدر قرار من الوزير المختص يبين فيه أسباب هذا التخطي،
ولكن سلطتها تصبح مطلقة في الترقية إلى تلك الدرجات فيما وراء نسبة الأقدمية وفي الترقيات
إلى الدرجة الثانية فما فوقها. ويترتب على اختلاف سلطة الإدارة التقديرية سعة وضيقاً،
على الوجه المبين آنفاً، اختلاف مدى رقابة القضاء الإداري لقرارات الترقية التي تصدر
بالتطبيق لقواعد التيسير سالفة الذكر؛ فإذا كانت سلطة الإدارة التقديرية مطلقة أي غير
مقيدة بأي حد أو قيد قانوني، بل كان الأمر موكولاً إلى محض ترخصها واختيارها، كان قرارها
غير خاضع لرقابة القضاء إلا حيث يكون ثمة انحراف بالسلطة، أما إذا كانت سلطتها محددة
مثلاً بنسبة معينة للترقية بالأقدمية المطلقة، ومقيدة في الآن ذاته بعدم جواز التخطي
إلا لمبرر يصدر من سلطة معينة في شكل مخصوص وبعد اتباع إجراءات مرسومة، كان قرار الترقية
خاضعاً لرقابة القضاء الإداري، من حيث مدى مطابقته للقانون، فضلاً عن الانحراف بالسلطة،
وعلى ذلك لا بد أن يراقب هذا القضاء مدى التزام القرار الإداري لنسبة الأقدمية، ولترتيب
الدور فيها، أو اختصاص السلطة التي أصدرت قرار التخطي والإجراءات التي روعيت في شأنه،
والأسباب التي قام عليها ومبلغ صحتها وجديتها من حيث الواقع.
ومن حيث إنه على هدي ما تقدم، متى تبين أن الترقيات إلى الدرجة الثانية الصادرة من
وزير التربية والتعليم في أغسطس سنة 1950 كانت مستندة إلى سلطة الإدارة المطلقة، بحيث
يعود القول الفصل فيها إلى تقديرها المطلق، وإلى محض ترخصها، ولا يؤثمها إلا عيب الانحراف
بالسلطة، فإنه لا محل للوقوف عند أقدمية المطعون لصالحه بالنسبة إلى من تخطوه، أو التشبث
بمقارنة كفايته بكفايتهم؛ لأن المفاضلة بين الموظفين في مجال الترقية بالاختيار أمر
متروك لتقدير الإدارة تستهدي فيه بما يتحلى به الموظف من مزايا وصفات، وما تلمسه فيه
من كفاية واستعداد خلال اضطلاعه بعمله، وما يتجمع لديها عن ماضيه وحاضره من عناصر تعينها
على إقامة موازين التفاضل بالقسط، وهذا التقدير تستقل به الإدارة بلا معقب عليها في
ذلك، ما دام قد برئ قرارها من عيب الانحراف بالسلطة، وهو ما لم يقم عليه دليل في المنازعة
الحالية.
ومن حيث إن سلامة قراراتها التي تنبثق من سلطتها المطلقة طبقاً لقواعد التيسير لا تتوقف
على دعواها أنها اصطفت الصالحين النابهين بالقياس إلى من تخطتهم في الترقية رغم أقدميتهم،
لأن هذه القرارات محمولة على الصحة، ومفروض أنها بنيت على الأرجحية في الصلاحية بين
المرشحين، وأنها صدرت عن مسلك إداري لحمته استقامة القصد وسداه عدم الانحراف بالسلطة،
ولمن يدعي خلاف هذا الظاهر أن يدحضه بدليل ينقض سلامته المفترضة، ولكن المطعون لصالحه
في دعواه التي أقامها أمام محكمة القضاء الإداري لم يعين الزملاء الذين تخطوه ويدعي
تفوقه عليهم في الكفاية، بل اقتصر على مجرد أقوال مرسلة، وعلى تصوير أنه تخطى بمن هم
أحدث منه خدمة وتخرجاً، وهذا الذي انتهجه لا تقوم به حجة ولا ينهض به دليل على قيام
عيب الانحراف بالسلطة بالقرار موضوع الدعوى.
ومن حيث إنه إذا كان القرار مثار المنازعة سليماً مطابقاً للقانون، فلا تسأل الإدارة
عن نتائجه مهما بلغت جسامة الضرر الذي أحاق بذي الشأن من تنفيذه، لأن قيام المسئولية
الإدارية رهين بأن يكون القرار معيباً، وأن ينجم عنه ضرر وأن تقوم علاقة السببية بين
عدم مشروعية القرار، أي بين خطأ الإدارة، وبين الضرر الذي أصاب المضرور.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الطعن قد قام على غير أساس سليم من القانون، حقيقاً بالرفض.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.
