الطعن رقم 1756 سنة 2 ق – جلسة 29 /03 /1958
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثاني (من فبراير سنة 1958 إلى آخر مايو سنة 1958) – صـ 977
جلسة 29 من مارس سنة 1958
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1756 سنة 2 القضائية
موظف – ترقيته – الترقية في ظل القوانين واللوائح القديمة كانت
ولاية اختيارية مناطها الجدارة حسبما تقدره الإدارة مع مراعاة الأقدمية – تقدير الكفاية
ومدى صلاحية الموظف للوظيفة التي يرقى إليها – لا معقب على الإدارة فيه ما دام قد خلا
من مجاوزة حدود الصالح العام ولم يقرن بأي انحراف بالسلطة – للإدارة أن تضع لنفسها
قاعدة تلتزمها في الترقية تجرى على تطبيقها ولا تخالفها في حالات فردية.
إن ولاية الترقية، في ظل القوانين واللوائح القديمة، كانت ولاية اختيارية مناطها الجدارة،
حسبما تقدره الإدارة مع مراعاة الأقدمية، ثم صدرت بعض قرارات من مجلس الوزراء في شأن
الترقيات بالتنسيق وبالتيسير، قيدت سلطة الإدارة بالترقية بالأقدمية في حدود نسبة معينة،
وأطلقتها فيما وراء ذلك إذا رأت الترقية بالاختيار للكفاية. فإذا ثبت أن المطعون في
ترقيتهم كانوا في الواقع أكثر جدارة بالترقية إلى الدرجة الخامسة وصلاحية لها من المطعون
عليه بحكم امتيازهم عليه في درجة الكفاية، فإن الإدارة لا تكون قد جاوزت سلطتها إذا
ما اختصتهم بالترقية دونه، بعد إذ تبين لها من المفاضلة بين المرشحين أنهم كانوا يرجحونه
كفاية؛ ومن ثم فلا يشوب قرارها شائبة ما دام هذا القرار قد
صدر مبرءاً من إساءة استعمال السلطة، ذلك لأن تقدير الكفاية ومدى صلاحية الموظف للوظيفة
التي يرقى إليها أمر متروك لسلطة الإدارة تقدره حسب ما تلمسه في الموظف من شتى الاعتبارات
وما تخبره فيه من كفاية ملحوظة أثناء قيامه بأعماله، وما يتجمع لديها في ماضيه وحاضره
من عناصر تعين على الحكم في ذلك، وتقدير الإدارة في هذا الصدد له وزنه ولا معقب عليه،
إذا خلا من مجاوزة حدود الصالح العام، ولم يقرن بأي ضرب من ضروب الانحراف بالسلطة،
ولا جناح على جهة الإدارة، حرصاً منها على اصطفاء الأصلح، أن تضع لنفسها قاعدة تلتزمها
في الترقية، فإذا قدرت أن تجعلها مقصورة على من بلغت درجة كفايته في العمل، من واقع
تقاريره السرية 90%، فلا تثريب عليها في ذلك ما دامت قد اطردت في تطبيقها بصورة شاملة،
ولم تخالفها في حالات فردية، وهي تحقق بلا أدنى شبهة المصلحة العامة في ظل قواعد تنظيمية
عامة كانت تعول على عنصري الأقدمية والجدارة معاً لا على الأقدمية وحدها.
إجراءات الطعن
في 15 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة، قيد بجدولها تحت رقم 1756 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية بجلسة 16 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 35 لسنة 3 القضائية المقامة من السيد/ محمد توفيق صالح، ضد وزارة الشئون البلدية والقروية القاضي: "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، وبقبولها، وفي الموضوع بإلغاء القرار الوزاري الصادر من وزير الأشغال العمومية بتاريخ 14 من أغسطس سنة 1948 برقم 48315 فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى الدرجة الخامسة مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية من 28 من فبراير سنة 1949، وبعدم قبول طلب المدعي الحكم باستحقاقه الترقية إلى الدرجة الرابعة لعدم تقديمه بالطريق القانوني بلا مصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه – "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من القضاء بإلغاء القرار الصادر من وزير الأشغال العمومية في 14 من أغسطس سنة 1948 برقم 48315، فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى الدرجة الخامسة، مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية من 28 من فبراير سنة 1949، ورفض دعوى المدعي في هذا الشأن مع إلزام المدعي المصروفات"، وقد أعلن الطعن إلى وزارة الشئون البلدية والقروية في 21 من نوفمبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 25 من نوفمبر سنة 1956، وعين لنظره أخيراً أمام هذه المحكمة جلسة 8 من فبراير سنة 1958، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ النطق بالحكم إلى جلسة اليوم".
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون
عليه قدم في 28 من فبراير سنة 1954 تظلماً إلى اللجنة القضائية لوزارتي الأشغال والحربية
قيد بجدولها تحت رقم 4817 لسنة 2 القضائية جاء فيه أنه رقي إلى الدرجة السادسة في أول
يوليه سنة 1943 بالتطبيق لقواعد المنسيين، وفي سنة 1953 رقي إلى الدرجة الخامسة تطبيقاً
لقواعد المنسيين أيضاً، ثم تبين له فيما بعد أن لفيفاً من زملائه الذين رقوا إلى الدرجة
السادسة في 23 من يوليه سنة 1944، كمثل السادة محمد محمد الخشاب والسيد السمنودي ومحمد
لطفي عبد العظيم وزكي محمد ناشد قد رقوا إلى الدرجة الخامسة في غضون عام 1948 بموجب
القرار الوزاري رقم 48315، وأن تخطيه لم يكن له مبرر، وطلب إلغاء القرار المتقدم الذكر
فيما تضمنه من تخطيه في الترقية مبيناً، أنه لو كان يعلم بهذا القرار في حينه لبادر
إلى طلب إلغائه ولكنه علم به أثناء حديث عابر جرى بينه وبين أحد الزملاء في صدد تطبيق
قانون المعادلات، وقد أضاف المطعون عليه في مذكرته المؤرخة 22 من إبريل سنة 1954 طلباً
جديداً هو ترقيته إلى الدرجة الرابعة اعتباراً من أول إبريل سنة 1954 أي من التاريخ
الذي رقي فيه زملاؤه الذين تخطوه بموجب القرار الأصلي المطعون فيه. وقد دفعت مصلحة
المباني الدعوى بأن المطعون عليه حاصل على دبلوم مدرسة الفنون والصناعات في سنة 1937
وبأنه اعتبر – طبقاً لقواعد الإنصاف – معيناً في الدرجة السابعة من تاريخ تعيينه بالحكومة
في 18 من يوليه سنة 1937، وقالت إنه رقي إلى الدرجة السادسة الشخصية في أول يوليه سنة
1943، وطبقاً لقواعد المعادلات رقي إلى الدرجة الخامسة الشخصية اعتباراً من 7 من مارس
سنة 1953، وأوضحت المصلحة أن المدعي وجه إليه إنذار في 22 من يونيه سنة 1938 لإهماله
في عمله ثم جوزي بخصم ثلاثة أيام من ماهيته في 28 من أكتوبر سنة 1948، لخطئه في المراجعة
الحسابية في عطاء أعمال النجارة بمستشفى مناعة المركزي، وأن سبب تخطيه في حركة الترقيات
المطعون فيها التي أجريت في 14 من أغسطس سنة 1948 يرجع إلى أن المصلحة قد آثرت بالترقية
من يفضلونه في درجة الكفاية في العمل مما دعا لجنة الترقيات إلى تخطيه، وختمت ردها
بطلب رفض الدعوى وقد قضت المحكمة الإدارية لوزارة الأشغال بجلسة 20 من يونيه سنة 1955
بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية،
وبجلسة 16 من يونيه سنة 1956، قضت هذه المحكمة في الموضوع "بإلغاء القرار الوزاري الصادر
من وزير الأشغال العمومية بتاريخ 14 من أغسطس سنة 1948 برقم 48315 فيما تضمنه من تخطي
المدعي في الترقية إلى الدرجة الخامسة مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية من
28 من فبراير سنة 1949" وأقامت قضاءها على "إن القضاء قد استقر على أن الإدارة متى
سببت قرارها كان على المحكمة أن تراقب هذا التسبيب لمعرفة مدى اتفاقه مع القانون" وعلى
"إن الإدارة قد سببت اختيارها عمن رقته من الموظفين في هذا القرار بأنهم تزيد تقديراتهم
على 90% والمدعي يبلغ تقديره 85%" وعلى "إن محكمة القضاء الإداري قضت بأن مثل هذا الخلاف
الضئيل في التقدير السنوي ليس في حد ذاته سبباً كافياً للقول بامتياز موظف على آخر،
وتكون الإدارة – والحالة هذه – قد أسست قرارها في تخطي المدعي لعدم كفايته على سبب
ثابت في الأوراق لا يصلح قانوناً للوصول إلى النتيجة التي انتهت إليها، وهي امتياز
من رقي بالقرار المطعون فيه على المدعي، وتكون بذلك قد خالفت القانون مخالفة تبطل قرارها
ويكون المدعي محقاً في طلب إلغائه" وعلى "إن ترتيبه قبل إجراء الحركة الرابع والعشرون
وعدد من رقي فيها خمسة وعشرون موظفاً".
ومن حيث إن الطعن قد بني على ما سبق أن قضت به هذه المحكمة من أن ولاية الترقية في
ظل القوانين واللوائح القديمة كانت في الأصل ولاية اختيارية مناطها الجدارة حسبما تقدرها
الإدارة مع مراعاة الأقدمية، وعلى أن الحكم المطعون فيه إذ ذهب مذهباً على خلاف هذا
القضاء، يكون قد خالف القانون، وأخطأ في تطبيقه وتفسيره.
ومن حيث إنه قد تبين لهذه المحكمة من واقع الأوراق أن لجنة شئون الموظفين لموظفي مصلحة
المباني الأميرية قد اجتمعت في 14 من أغسطس سنة 1948 برياسة وكيل الوزارة، ورشحت للترقية
إلى الدرجة الخامسة بالكادر المتوسط السادة محمد محمد الخشاب (وترتيبه الثاني والعشرون
في كشف أقدمية موظفي الدرجة السادسة) ومحمد لطفي عبد العظيم (وترتيبه السابع والعشرون)
والسيد محمد السمنودي (وترتيبه الثلاثون) وزكي محمد ناشد (وترتيبه الثالث والثلاثون)
وأنها راعت فيما رشحتهم للترقية إلى الدرجة المذكورة امتيازهم الظاهر وكفايتهم في أعمالهم
بالقياس إلى زملائهم، وأنها رأت تأجيل ترقية من تقل درجة كفايته في العمل عن 90% وقصرها
على ذوي الكفاية الممتازة الذين حصلوا على درجة في التقدير تزيد على 90%، كما تبين
من ملف خدمة المطعون عليه أنه حاصل على درجة 85% وأن جميع من تخطوه في الترقية ممن
يلونه في ترتيب أقدمية موظفي الدرجة السادسة حاصلون على درجة في تقدير الكفاية تزيد
على 90%.
ومن حيث إنه قد جرى قضاء هذه المحكمة على أن ولاية الترقية في ظل القوانين واللوائح
القديمة كانت ولاية اختيارية، مناطها الجدارة حسبما تقدره الإدارة مع مراعاة الأقدمية،
ثم صدرت بعض قرارات من مجلس الوزراء في شأن الترقيات بالتنسيق وبالتيسير قيدت سلطة
الإدارة بالترقية بالأقدمية في حدود نسبة معينة، وأطلقتها فيما وراء ذلك إذا رأت الترقية
بالاختيار للكفاية.
ومن حيث إنه إذا ثبت على هدي هذه المبادئ أن المطعون في ترقيتهم كانوا في الواقع أكثر
جدارة بالترقية إلى الدرجة الخامسة وصلاحية لها من المطعون عليه بحكم امتيازهم عليه
في درجة الكفاية، حسبما سلف البيان، فإن الإدارة لا تكون قد جاوزت سلطتها إذا ما اختصتهم
بالترقية دونه، بعد إذ تبين لها من المفاضلة بين المرشحين أنهم كانوا يرجحونه كفاية؛
ومن ثم فلا يشوب قرارها أدنى شائبة، ما دام هذا القرار قد صدر مبرءاً من إساءة استعمال
السلطة، ذلك لأن تقدير الكفاية ومدى صلاحية الموظف للوظيفة التي يرقى إليها أمر متروك
لسلطة الإدارة تقدره حسبما تلمسه في الموظف من شتى الاعتبارات، وما تخبره فيه من كفاية
ملحوظة أثناء قيامه بأعماله، وما يتجمع لديها في ماضية وحاضره من عناصر تعين على الحكم
في ذلك، وتقدير الإدارة في هذا الصدد له وزنه ولا معقب عليه إذا خلا من مجاوزة حدود
الصالح العام، ولم يقرن بأي ضرب من ضروب الانحراف بالسلطة.
ومن حيث إنه لا جناح على الجهة الإدارة – حرصاً منها على اصطفاء الأصلح – أن تضع لنفسها
قاعدة تلزمها في الترقية، فإذا قدرت أن تجعلها مقصورة على من بلغت درجة كفايته في العمل
من واقع تقاريره السرية 90% فأكثر، فلا تثريب عليها في ذلك، ما دامت قد أطردت في تطبيقها
بصورة شاملة ولم تخالفها في حالات فردية، وهي تحقق بلا أدنى شبهة المصلحة العامة في
ظل قواعد تنظيمية عامة كانت تعول على عنصري الأقدمية والجدارة معاً لا على الأقدمية
وحدها.
ومن حيث إنه لا محل لإجابة المطعون عليه إلى طلب ترقيته إلى الدرجة الرابعة اعتباراً
من أول إبريل سنة 1954، يعد إذ رفض طلبه الأصلي بإلغاء قرار وزير الأشغال الصادر في
14 من أغسطس سنة 1948؛ لأن ذلك الطلب الإضافي هو طلب تبعي لاحق حتماً وبطبيعة الحال
لطلبه الأول، فإذا رفض هذا الطلب الأخير سقط الطلب التبعي لزوماً.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن الطعن قد قام على أساس سليم من القانون، ويتعين من ثم
إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضي به من إلغاء القرار الوزاري رقم 48315 الصادر من
وزير الأشغال في 14 من أغسطس سنة 1948 والقضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات.
