الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 621 لسنة 3 ق – جلسة 01 /03 /1958 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الثاني (من فبراير سنة 1958 إلى آخر مايو سنة 1958) – صـ 813


جلسة أول مارس سنة 1958

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 621 لسنة 3 القضائية

اختصاص – القضاء الإداري في مصر ذو اختصاص محدد بنص القانون – قرارات نقل وندب الموظفين ليست مما يدخل في اختصاصه إلا إذا حملت في طياتها قراراً مما يختص به – مثال.
إن اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري هو اختصاص محدد بما نص عليه في القانون. ويبين من مراجعة الفقرات 3 و4 و5 من المادة 8 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بتنظيم مجلس الدولة التي حددت اختصاصه في إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شأن الموظفين، أن قرارات النقل والندب ليست من بينها. وغني عن البيان أن هذه القرارات لا يخرج طلب إلغائها عن اختصاص المجلس إلا إذا كانت إرادة الإدارة قد اتجهت إلى إحداث الأثر القانوني بالنقل أو الندب فقط، أما إذا كان القرار، وإن صيغ في الظاهر بعبارات النقل أو الندب، يحمل في طياته قراراً مما يختص المجلس بطلب إلغائه، كما لو كان في حقيقته تعييناً أو تأديباً، فإن المجلس عندئذ يختص بطلب إلغاء مثل هذا القرار؛ إذ العبرة بالمعاني وبما اتجهت إرادة الإدارة إلى إحداثه من آثار قانونية، بصرف النظر عن العبارات المستعملة في صياغة القرار.


إجراءات الطعن

في 28 من مارس سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بالإسكندرية بجلسة 29 من يناير سنة 1957 في الدعوى رقم 713 سنة 3 ق المرفوعة من محمد زكي عبد القادر ضد بلدية الإسكندرية، القاضي "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد وبقبولها، وفي الموضوع بإلغاء الأمر الإداري الصادر من السيد مدير عام بلدية الإسكندرية في 7 من أغسطس سنة 1955 بنقل المدعي من وظيفة معاون تقدير وتحقيق إلى وظيفة بقلم ضريبة الملاهي، وما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات ومبلغ 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن – الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى، مع إلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للبلدية في 3 من أغسطس سنة 1957، وللمدعي في 6 من أغسطس سنة 1957، وعين لنظره جلسة 11 من يناير سنة 1958، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من الأوراق – تتحصل في أنه بصحيفة أودعت المحكمة الإدارية بالإسكندرية في 12 من يوليه سنة 1956 أقام المدعي الدعوى رقم 713 سنة 3 ق ضد مدير بلدية الإسكندرية طالباً الحكم "بإلغاء القرار الصادر من السيد مدير عام بلدية الإسكندرية في 7 من أغسطس سنة 1955 فيما قضى به من نقله إلى وظيفة كتابية غير ذات صلة بجمهور الممولين، وبأحقيته في العودة إلى وظيفته الأصلية كمعاون تحقيقات وتقديرات بقسم الإيرادات من ذلك التاريخ، وما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال في بيان ذلك إنه في 7 من أغسطس سنة 1955 أصدر السيد مدير عام بلدية الإسكندرية القرار رقم 202 الذي قضى بأن "ينقل من اليوم السيد/ محمد زكي عبد القادر معاون التحقيقات والتقديرات، والسيد محمد ناجي محمود أبو خضر الموظف بقلم ضريبة الملاهي كل منهما مكان الآخر بحالتهما الحالية". وقد سبق للمدعي أن تظلم من ذلك القرار إلى مراقب التحقيقات والتقديرات في 3 من أغسطس سنة 1955، كما تظلم منه إلى السيد وزير الشئون البلدية والقروية في 2 من فبراير سنة 1956. وقد تبين للمدعي أنه لم يكن عالماً بالقرار المطعون فيه علماً شاملاً؛ ذلك أنه علم في 14 من إبريل سنة 1956 أن قسم المستخدمين والمعاشات أرسل إلى قسم الإيرادات مذكرة مؤرخة في 20 من يوليه سنة 1955 جاء فيها "بناء على تقرير قسم التفتيش العام والتحقيقات وافقت الإدارة العامة على نقل السيد محمد زكي عبد القادر معاون تحقيقات وتقديرات بقسم الإيرادات إلى وظيفة كتابية ليس لها اتصال بجمهور الممولين" فأرسل في اليوم عينه تظلماً آخر من القرار المذكور بعد أن تكشف له فيه عنصر لم يكن يعلم به من قبل، وهو عنصر له كل الأهمية بالنسبة للقرار وفي تقدير المدعي على السواء. والعلم بهذا العنصر هو وحده الذي يحدد بدء سريان مواعيد الطعن بالإلغاء في حق المدعي؛ ومن ثم فإن ميعاد الطعن تجدد بالنسبة للمدعي، ولا يسري إلا من تاريخ عمله الشامل بالقرار المطعون فيه، دون الالتفات إلى أية تظلمات سابقة يكون قد تقدم بها قبل ذلك العلم. وينعى المدعي على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون وانطوائه على التعسف في استعمال السلطة. أما وجه المخالفة للقانون فيتضح من أن السيد مدير البلدية لم يعرض أمر النقل على لجنة شئون الموظفين قبل أن يصدر القرار المطعون. وأما وجه التعسف في استعمال السلطة فيتضح من أن القرار المطعون فيه يعلن في صياغته إدانة قاطعة للمدعي وإهداراً لنزاهته التي يعتز بها. وإذا كانت البلدية قد أصدرت القرار المذكور استناداً إلى شكاوى قدمت من مجهول ضد المدعي، فإن هذه الشكاوى قد حققت وحفظت لعدم ثبوت صحتها، وهي على أقصى فرض لا تعدو أن تكون شكوكاً أو شبهات لا تكفي سنداً لتوقيع جزاء تأديبي على المدعي. ولما كان المدعي قد تظلم من القرار المطعون فيه في 14 من إبريل سنة 1955 إلى السيد وزير الشئون البلدية والقروية وانقضى ما يزيد على الستين يوماً دون أن يتلقى رداً على تظلمه فقد أقام هذه الدعوى، وقد ردت البلدية على الدعوى بأنه في 7 من أغسطس سنة 1955 صدر قرار بنقل المدعي إلى وظيفة "موظف" بقلم ضريبة الملاهي بدلاً من السيد/ محمد ناجي محمود أبو خضر، ثم وضع في وظيفة بقسم الإيرادات بالأمر الإداري رقم 159 لسنة 1955 الصادر في 8 من سبتمبر سنة 1955 والخاص بتوزيع الموظفين على الوظائف. وفي 21 من يناير سنة 1956 قدم المدعي تظلماً إلى السيد وزير الشئون والقروية طلب فيه إلغاء القرار الصادر في 20 من يوليه سنة 1955 بنقله من وظيفة معاون تقدير وتحقيق إلى وظيفة كتابية، وقد تقرر رفضه، وأخطر بقرار الرفض بالكتاب رقم 1546 المؤرخ 9 من يونيه سنة 1956، وفي 14 من إبريل سنة 1956 قدم تظلماً آخر إلى السيد الوزير طلب فيه إلغاء القرار الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955 بنقله من وظيفته الأصلية (معاون تقدير وتحقيق) إلى وظيفة كتابية غير ذات صلة بجمهور الممولين، وقد تقرر رفضه، وأخطر بقرار الرفض بالكتاب رقم 1718 المؤرخ في 2 من يوليه سنة 1956. ويبين مما تقدم أن المدعي لم يتظلم من القرار موضوع الدعوى الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955 في الميعاد القانوني وقدره 60 يوماً من تاريخ صدوره أو من تاريخ علمه اليقيني به، فإذا كان – على أسوأ الفروض – لم يعلم بصدور القرار المطعون فيه إلا في 15 من أغسطس سنة 1955 (تاريخ تنفيذه)، فإن المدة القانونية تنتهي في 13 من أكتوبر سنة 1955، وعلى ذلك تكون الدعوى غير مقبولة شكلاً، ولا يجوز الأخذ بادعائه أنه لم يعلم بصدور القرار المطعون فيه إلا في 14 من إبريل سنة 1956. على أن القرار موضوع هذه الدعوى لم يتضمن عبارة "غير ذات صلة بجمهور الممولين" حتى يمكن القول بأن قرار النقل قد أساء إلى سمعته أو أهدر كرامته – هذا إلى أن المدعي لم يكن أصلاً معيناً في وظيفة معاون ولم يوضع في هذه الوظيفة في أي وقت خلال مدة خدمته، ولا يعدو الأمر أن القسم التابع له كان يكفله من حين لآخر ببعض أعمال المعاونين، وأنه أعيد إلى أعمال وظيفته الأصلية لصالح العمل، وهذا ما تترخص فيه جهة الإدارة دون معقب عليها، وأن هذا النقل كان نقلاً مكانياً يخرج عن اختصاص لجنة شئون الموظفين. وخلصت البلدية من كل ذلك إلى طلب رفض الدعوى شكلاً وموضوعاً. وبجلسة 29 من يناير سنة 1957 حكمت المحكمة "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، وبقبولها، وفي الموضوع بإلغاء الأمر الإداري الصادر من السيد مدير عام بلدية الإسكندرية في 7 من أغسطس سنة 1955 ينقل المدعي من وظيفة معاون تقدير وتحقيق إلى وظيفة بقلم ضريبة الملاهي، وما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات ومبلغ 200 قرشاً مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت المحكمة قضاءها بالنسبة إلى الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد على أنه "لم يثبت نشر القرار محل الطعن بالجريدة الرسمية، أو في نشرة مصلحية أصدرتها البلدية، كما لم يثبت إعلان المدعي به؛ ومن ثم يكون بدء سريان ميعاد الطعن – في حق المدعي – هو تاريخ ثبوت علمه بالقرار"، وأن "العلم الذي يقوم مقام نشر القرار الإداري يجب أن يكون علماً يقيناً لا ظنياً ولا افتراضياً، وأن يكون شاملاً لجميع عناصر القرار الإداري التي تسمح لذي الشأن بأن يتبين في ضوئها مركزه القانوني إزاء القرار حتى يحدد على مقتضى ذلك سبيله في إجراء الطعن فيه من عدمه، ويبدأ سريان ميعاد الطعن من يوم ثبوت العلم اليقيني الشامل على هذا النحو". وأنه "ليس في ثبوت تنفيذ قرار نقل المدعي إلى وظيفة (موظف بقلم الملاهي) في 15 من أغسطس سنة 1955 ما يفيد علمه اليقيني بما بني عليه قرار النقل الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955، كما لا يفيد ذلك التظلم المقدم منه في 20 من يناير سنة 1956 المقيد في 29 من يناير سنة 1955، فهو لم ينصرف أصلاً إلى القرار محل الطعن الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955، بل انصرف إلى أمر إداري سابق مؤرخ في 20 من يوليه سنة 1955 بنقله إلى وظيفة بالديوان العام…..؛ ومن ثم تكون الجهة الإدارية لم تدلل على توافر علم المدعي علماً يقينياً بمشتملات القرار الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955 متضمناً نقله إلى وظيفة غير ذات صلة بجمهور الممولين، بحيث يكون التظلم المقدم عن هذا القرار بطلب إلغائه في 14 من إبريل سنة 1956 قد قدم في الميعاد المقرر قانوناً، ونظراً لأن الجهة الإدارية لم تعقب على التظلم، فتكون الدعوى المقامة في 12 من يوليه سنة 1956 بطلب إلغاء هذا القرار مقامة في الميعاد القانوني عملاً بأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955، ويتعين لذلك الحكم برفض الدفع بعدم قبول الدعوى وبقبولها". وبالنسبة إلى الموضوع أقامت المحكمة قضاءها على "أن الجهة الإدارية لا تنازع في أن قرار النقل قد صدر دون سبق عرضه على لجنة شئون الموظفين بالبلدية"، وفي هذا مخالفة للقانون على النحو الذي فصلته المحكمة في الدعاوى الأخرى المحكوم فيها بجلسة 15 من يناير سنة 1957، ثم استعرضت المحكمة ظروف نقل المدعي من واقع ملف خدمته وانتهت إلى أنه "يخلص من ذلك أن نقل المدعي من وظيفة (معاون تقدير وتحقيق بقسم الإيرادات) إلى وظيفة كاتب بقلم ضريبة الملاهي إنما كان بعد بحث لجنة فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي بالبلدية لحالة المدعي وعرض ما نسب إليه من شبهات تمس النزاهة في العمل على اللجنة، وقد ارتأت اللجنة عدم فصله، ومع ذلك أعيد بحث أمره بمعرفة قسم التفتيش العام بالبلدية، وانتهى الأمر بموافقة الإدارة العامة على نقله إلى وظيفة غير ذات صلة بجمهور الممولين، ورؤى أن تكون هي وظيفة (كاتب بقلم ضريبة الملاهي)". وأنه "وإن لم يظهر في هذا النقل أي ضرر مادي بالمدعي غير أنه لا شبهة في انطواء النقل على جزاء تأديبي مقنع، فقد أريد به أن يكون جزاء لما قام في تقدير الجهة الإدارية من نسبة اتهامات وأمور تمس النزاهة إلى المدعي، دون مواجهته بهذه الأمور وسماع دفاعه في هذا الشأن، الأمر الذي ينطوي على الانحراف في استعمال سلطة النقل المخولة أصلاً للجهة الإدارية، هذا إلى أنه من المستبعد أن يكون هذا الإجراء بالظروف التي لابسته قد تمشى والمصلحة العامة؛ إذا لم يسبقه تحقيق سليم ووجه فيه المدعي بما نسب إليه".
ومن حيث إنه حاصل ما يقوم عليه الطعن أنه على فرض أن المدعي كان يشغل وظيفة معاون بقسم الإيرادات، فإنه نقل إلى وظيفة لا تقل درجتها عن درجة وظيفته الأولى، وبذلك يكون النقل مكانياً، ويعد من الملاءمات المتروكة لتقدير الإدارة؛ وبذلك يخرج من اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري. وإذ أخذ الحكم المطعون فيه بغير هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المدعي أنه التحق بالخدمة في بلدية الإسكندرية في 25 من مايو سنة 1925 بوظيفة كاتب بقسم الإيرادات بمرتب ست جنيهات شهرياً. وفي أول يوليه سنة 1943 رقي إلى الدرجة السابعة الشخصية منسياً. وفي أغسطس سنة 1947 قدم أحد الممولين شكوى ضد المدعي نسب إليه إهماله في إثبات خلو دور بأحد العقارات المملوكة له، وقد رفع مدير قسم الإيرادات مذكرة بالموضوع إلى مدير البلدية أثبت فيها صحة ما نسب إلى المدعي، وقد ورد بختام هذه المذكرة ما يأتي "وقد تبينت أن محمد أفندي زكي عبد القادر عين في وظيفة معاون تحقيق وتقدير بدون استصدار قرار من الإدارة؛ لذلك أرجو التفضل بالموافقة على معاقبة هذا المستخدم بخصم ماهية خمسة أيام، وإعادته إلى وظيفته الأصلية (كاتب)". وقد وافق مدير عام البلدية على ذلك في 13 من يناير سنة 1948. وقد قدم المدعي تظلماً من الجزاء الذي وقع عليه، فرفع مدير الإيرادات مذكرة أخرى لمدير عام البلدية مؤرخة 8 من مارس سنة 1948، طلب فيها "تخفيض العقوبة إلى إنذار، وإبقائه في وظيفة معاون لشدة حاجة مراقبة التقديرات والتحقيقات إلى المعاونين المتمرنين…". فوافق المدير على ذلك في 9 من مارس سنة 1948. وفي 28 من سبتمبر سنة 1952 قدم من يدعى عبد الله الصادق شكوى إلى رئيس لجنة التطهير بوزارة الشئون البلدية والقروية ضد المدعي، ذكر أنه – أي المدعي – بالرغم من أنه من صغار الموظفين، فإن لديه سيارة فخمة وبنى منزلين ووضع أساس عمارة ضخمة، وطلب التحقيق في ذلك "حرصاً على أموال الدولة أو حفظاً لأموال أصحاب الحوائج عنده، وخاصة أنه رقي أخيراً رئيساً لتقديرات عوائد المباني الجديدة بخط الرمل". وقد أجري تحقيق في تلك الشكوى رفعه كبير مفتشي التحقيقات إلى مدير عام البلدية بتأشيرة مؤرخة 19 من أكتوبر سنة 1952 تضمنت ما يأتي "قد تبين من التحقيق صحة البلاغ المرافق المقدم من مجهول إلى وزارة الشئون البلدية والقروية، فالسيد محمد زكي عبد القادر موظف صغير في الدرجة السابعة، ولكنه يمتلك منزلاً مكوناً من طابقين، اشترى أرضه سنة 1941 وأقام عليها البناء سنة 1943، كما يمتلك سيارة وفي بيته تليفون، وفوق ذلك تملك زوجته قطعة أرض أخرى شرعت في البناء عليها على التفصيل الوارد في التقرير، وليس مما يؤيد حسن نية المشكو في حقه البيانات الخاطئة التي أوردها في إقرار الكسب غير المشروع. وجدير بالملاحظة أن هذا الموظف من فئة معاوني الجرد والتقدير الذين تحوطهم الشبهات لاتصالهم بالجمهور، والأمر في ذلك مرجعه إلى تقدير لجنة إخراج الموظفين بغير الطريق التأديبي، والوزارة التي أرسلت الشكوى لتحقيقها". وقد أحال مدير عام البلدية التقرير إلى لجنة فصل الموظفين في 22 من أكتوبر سنة 1952. وقد بحثت اللجنة الأمر، واستمعت إلى أقوال كل من رئيس ووكيل قسم الإيرادات، اللذين قررا أنهما لم يسمعا عن المدعي أي شيء يشوب سمعته أو يمس نزاهته. ثم انتهت في 27 من أكتوبر سنة 1952 إلى عدم الموافقة على فصل المدعي. وقد أحالت البلدية الأوراق إلى قسم التفتيش العام والتحقيقات لإبداء الرأي في شأن المدعي، وقد رفع المفتش الذي أحيل إليه الموضوع مذكرة إلى رئيس القسم برأيه ورد بها ما يأتي: "….. وأرى أنه لا يمكن الأخذ بشهادة رؤسائه قضية مسلمة؛ إذ يضيرهم ولا شك أن يقولوا إنهم سمعوا عن شائعات وسكتوا عنها وتركوه في عمل وثيق الصلة بجمهور الممولين، كما أرى أن تهربه من إيراد البيانات الصحيحة في إقرار الكسب غير المشروع ونهج حياته يدفعان إلى اقتراح نقله إلى عمل كتابي غير ذي صلة بجمهور الممولين ومراعاة استمرار ذلك". وقد وافق مدير عام البلدية على ما ورد بهذه المذكرة في أول إبريل سنة 1953، وأرسلت صورة المذكرة إلى قسم المستخدمين والمعاشات لتنفيذ ما أشارت به الإدارة العامة. وفي 20 من يوليه سنة 1955 أرسل مدير قسم المستخدمين والمعاشات إلى قسم الإيرادات مذكرة جرى نصها كما يلي "بناء على تقرير قسم التفتيش العام والتحقيقات، وافقت الإدارة العامة على نقل السيد/ محمد زكي عبد القادر، معاون تقدير وتحقيق بقسم الإيرادات، إلى وظيفة كتابية ليس لها اتصال بجمهور الممولين". وفي 24 من يوليه سنة 1955 رفع مدير قسم الإيرادات إلى المدير العام للإيرادات والمصروفات مذكرة طلب فيها الموافقة على نقل السيد/ محمد ناجي أبو خضر الكاتب بقلم ضريبة الملاهي والسيد/ محمد زكي عبد القادر كل منهما مكان الآخر، فوافق المدير العام على ذلك، وبناء على ذلك أصدر مدير عام البلدية قراراً في 7 من أغسطس سنة 1955 بنقل كل من المذكورين مكان الآخر بحالتهما، ونفذ هذا النقل من 15 من أغسطس سنة 1955، وفي 21 من يناير سنة 1956 أرسل المدعي تظلماً من قرار نقله إلى كل من السيد وزير الشئون البلدية والقروية، والسيد مدير عام البلدية طلب فيها إعادته إلى وظيفته الأصلية "معاون تحقيقات" وإلغاء الأمر الصادر في 20 من يوليه سنة 1955. وقد أحال مدير عام البلدية التظلم مع كافة التحقيقات السابقة إلى مفوض الدولة لمصالح الحكومة بالإسكندرية، الذي رد على البلدية في 15 من مايو سنة 1956 بأن "اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري محدد على سبيل الحصر بما ورد في المادة 8 من القانون رقم 165 لسنة 1955، وليس من بينها الطعن في القرارات الإدارية الصادرة بنقل الموظفين نقلاً مكانياً أو الترشيح لوظيفة معينة؛ ومن ثم يكون التظلم قد بني على غير أساس سليم من القانون مما يتعين معه رفضه". وقد أخطر المدعي بذلك في 7 من يونيه سنة 1956. وفي 14 من إبريل سنة 1956 أرسل المدعي تظلماً آخر إلى البلدية طلب فيه إلغاء القرار الصادر في 7 من أغسطس سنة 1955 بنقله من وظيفة معاون تحقيقات وتقديرات بقسم الإيرادات إلى وظيفة كتابية غير ذات صلة بالجمهور، وقد أشار مفوض الدولة في 16 من يونيه سنة 1956 بأن الطلب الوارد بذلك التظلم هو الطلب عينه الذي تضمنه تظلمه الأول، ومن ثم يتعين رفضه، وقد أخطر المدعي بذلك في 4 من يوليه سنة 1956.
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء البحث فيما إذا كان لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري اختصاص في هذا النزاع، أم أن مثل هذا النزاع مما يخرج أصلاً من اختصاص المجلس.
ومن حيث إن اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري هو اختصاص محدد بما نص عليه في القانون. ويبين من مراجعة الفقرات، 3 و4 و5 من المادة 8 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بتنظيم مجلس الدولة، التي حددت اختصاصه في إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شأن الموظفين، أن قرارات النقل والندب ليست من بينها. وغني عن البيان أن هذه القرارات لا يخرج طلب إلغائها عن اختصاص المجلس إلا إذا كانت إرادة الإدارة قد اتجهت إلى إحداث الأثر القانوني بالنقل أو الندب فقط، أما إذا كان القرار، وإن صيغ في الظاهر بعبارات النقل أو الندب، يحمل في طياته قراراً مما يختص المجلس بطلب إلغائه، كما لو كان في حقيقته تعييناً أو تأديباً، فإن المجلس عندئذ يختص بطلب إلغاء مثل هذا القرار، إذ العبرة بالمعاني، وبما اتجهت إرادة الإدارة إلى إحداثه من آثار قانونية بصرف النظر عن العبارات المستعملة في صياغة القرار.
ومن حيث إنه يبين من عرض حالة المدعي على النحو السالف بيانه أن وظيفته هي وظيفة كاتب، بحسب قرار التعيين الصادر في شأنه، والكاتب بحكم وظيفته يقوم بالأعمال الكتابية في أي مكان ينقل إليه أو أية جهة إدارية يتبعها، ما دام عمله، مهما تغير المكان أو الجهة التي يتبعها، ما زال عملاً كتابياً في طبيعته، مهما اختلفت تسمية هذا العمل، ولا يعتبر نقله على هذا الوجه أو ذاك تعييناً في وظيفة جديدة، كما لا يعتبر مثل هذا النقل تأديباً؛ إذ أجازت المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة النقل من وظيفة إلى وظيفة أخرى، ما دامت درجة الوظيفة المنقول إليها الموظف ليست أقل من درجة الوظيفة المنقول منها، ويظل وضع المدعي الوظيفي كما كان قبل النقل.
ومن حيث إنه قد بان من مراجعة القرار المطعون فيه أن الأثر القانوني الذي اتجهت نية الإدارة إلى إحداثه بهذا القرار لا يعدو أن يكون نقلاً للمدعي من وظيفة إلى وظيفة أخرى من نفس درجتها بقسم الإيرادات، وأن العمل الذي أسند إليه هو من طبيعة الأعمال الكتابية التي كان يقوم بها في وظيفته الأولى قبل نقله؛ ومن ثم فيكون مثل هذا القرار ليس من القرارات التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بطلب إلغائها، ويكون الطعن والحالة هذه قد قام على أساس سليم من القانون، ويتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم الاختصاص.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات