الطعن رقم 2455 لسنة 55 ق – جلسة 27 /10 /1985
أحكام النقض – المكتب الفنى – جنائى
السنة 36 – صـ 935
جلسة 27 من اكتوبر سنة 1985
برياسة السيد المستشار/ جمال الدين منصور نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ صلاح خاطر، ومحمد عباس مهران، ومسعود السعداوى، وطلعت الاكيابى.
الطعن رقم 2455 لسنة 55 القضائية
إثبات "شهود" "بوجه عام". إجراءات المحاكمة. دفاع "الاخلال
بحق الدفاع. ما لا يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
حق المحكمة فى الاستغناء عن سماع شهود الاثبات بتنازل المتهم صراحة أو ضمنا. عدم حيلولة
ذلك دون استعانتها بأقوالهم فى التحقيق الابتدائى. ما دامت مطروحة على بساط البحث.
إثبات "بوجه عام". "أوراق رسمية". تزوير "الطعن بالتزوير".
الأصل فى الاجراءات الصحة. عدم جواز اثبات ما يخالف الثابت بمحضر الجلسة أو الحكم إلا
عن طريق الادعاء بالتزوير.
موانع العقاب "الجنون والعاهة العقلية". مسئولية جنائية. قتل عمد. اثبات "بوجه
عام". "خبرة". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
تقدير حالة المتهم العقلية من الأمور الموضوعية التى تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها
ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة.
المحكمة لا تلتزم بالالتجاء إلى أهل الخبرة إلا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحتة
التى يتعذر عليها أن تشق طريقها فيها.
اثبات "بوجه عام". محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب
غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
حرية القاضى فى تكوين عقيدته من كافة عناصر الدعوى المطروحة عليه.
اثبات "شهود". محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". نقض "أسباب الطعن. ما لا
يقبل منها".
جواز سماع الشهود الذين لم يبلغ سنهم أربع عشرة سنة بدون حلف يمين. جواز الأخذ بأقوالهم
على سبيل الاستدلال اذا أنس القاضى فيها الصدق.
تعيب الحكم أخذه بأقوال الشاهد بصفة أصلية بحجة أنه لم يبلغ من العمر أربع عشرة سنة.
جدل موضوعى فى تقدير الدليل.
محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". اثبات "شهود". حكم "تسبيبه. تسبيب غير
معيب".
تضارب الشاهد فى أقواله أو مع غيره. لا يعيب الحكم. متى كانت المحكمة قد استخلصت الحقيقة
من تلك الأقوال. بما لا تناقض فيه.
اثبات "بوجه عام" "شهود". محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". حكم "تسبيبه.
تسبيب غير معيب".
حق محكمة الموضوع فى الأخذ بأقوال شاهد بالنسبة لمتهم دون آخر. أساس ذلك؟
اثبات "شهود" "خبرة". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل
منها".
تطابق أقوال الشهود مع الدليل الفنى فى كل جزئية ليس بلازم. كفاية أن يكون الدليل القولى
غير متناقض مع مضمون الدليل الفنى.
قتل عمد. رابطة السببية.
إستظهار الحكم قيام علاقة السببية بين إصابات القتيل. وبين وفاته نقلا عن تقرير الصفة
التشريحية. لا قصور.
محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". اثبات "بوجه عام". دفاع "الاخلال بحق
الدفاع. ما لا يوفره". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
عدم التزام المحكمة بالتحدث فى حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر فى تكوين عقيدتها.
محكمة الموضوع "سلطتها فى استخلاص صورة الدعوى". اثبات "بوجه عام".
حق محكمة الموضوع فى استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى واطراح ما يخالفها من صور.
ما دام استخلاصها سائغا.
أسباب الاباحة وموانع العقاب "الدفاع الشرعى". اثبات "بوجه عام".
تقدير الوقائع التى يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعى أو انتفاؤها. موضوعى.
اثبات "اعتراف". محضر الجلسة. اجراءات "اجراءات المحاكمة". نقض "اسباب الطعن.
ما لا يقبل منها". اكراه. دفوع "الدفع ببطلان الإعتراف للاكراه". بطلان.
الدفع بحصول الاعتراف نتيجة اكراه. لا يقبل لأول مرة أمام النقض. علة ذلك؟
قتل عمد. قصد جنائى. محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب
غير معيب". اثبات "بوجه عام".
قصد القتل أمر خفى. لا يدرك بالحس الظاهر. يستخلصه قاضى الموضوع فى حدود سلطته التقديرية.
قتل عمد. سبق اصرار. ترصد. محكمة الموضوع "سلطتها فى تقدير الدليل". اثبات "بوجه
عام".
تقدير توافر ظرفى سبق الاصرار والترصد. موضوعى.
1 – لما كان من المقرر ان للمحكمة ان تستغنى عن سماع شهود الاثبات اذا قبل المتهم او
المدافع عنه ذلك صراحة او ضمنا دون ان يحول عدم سماعهم امامها من ان تعتمد فى حكمها
على اقوالهم التى ادلوا بها فى التحقيقات ما دامت هذه الاقوال مطروحة على بساط البحث،
وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المرافعة ان المدافع عن الطاعن قد تنازل صراحة عن
سماع شاهد الاثبات الغائب – مكتفيا بتلاوة اقواله فليس له من بعد ان ينعى على المحكمة
قعودها عن سماعه.
2 – لما كان الاصل فى الاجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما اثبت بمحضر الجلسة
او فى الحكم – الا بطريق الطعن بالتزوير – وكان الثابت ان الطاعن لم يسلك هذا السبيل
فى خصوص ما اثبت بمحضر جلسة المرافعة من اكتفاء الدفاع بالاقوال الواردة بالتحقيقات
لشاهد الاثبات الذى لم يسمع، فان الزعم بأن ما اثبت من ذلك مغاير للواقع يكون غير مقبول.
3 – من المقرر ان تقدير حالة المتهم العقلية التى يترتب عليها الاعفاء من المسئولية
الجنائية امر يتعلق بوقائع الدعوى يفصل فيه قاضى الموضوع بلا معقب عليه طالما انه يقيمه
على اسباب سائغة. وكان الحكم قد اطرح الشهادة المقدمة من الطاعن لانها غير رسمية وعن
مدة سابقة على تاريخ الحادث، واثبت فى منطق سليم بادلة سائغة سلامة ادراك الطاعن وقت
اقترافه الجريمة، ورد على ما تمسك به الدفاع بشأن حالة الطاعن العقلية ولم ير الاخذ
به او اجابته للاسباب السائغة التى اوردها استنادا الى ما تحققته المحكمة من ان الطاعن
وقت ارتكابه الجريمة كان حافظا لشعوره واختياره، وهى غير ملزمة بالالتجاء الى اهل الخبرة
الا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحت التى يتعذر عليها ان تشق طريقها فيها.
4 – ان العبرة فى المحاكمة الجنائية هى اقتناع القاضى من كافة عناصر الدعوى المطروحة
امامه فلا يصح مطالبته بالاخذ بدليل دون آخر.
5 – من المقرر ان القانون قد اجاز سماع الشهود الذين لم يبلغ سنهم اربع عشرة سنة بدون
حلف يمين على سبيل الاستدلال، ولم يحرم الشارع على القاضى الاخذ بتلك الاقوال التى
يدلى بها على سبيل الاستدلال اذا أنس فيها الصدق، فهى عنصر من عناصر الاثبات يقدره
القاضى حسب اقتناعه. فانه لا يقبل من الطاعن النعى على الحكم اخذه باقوال شاهد الاثبات
بحجة انه لم يبلغ من العمر أربع عشرة سنة، ما دامت المحكمة قد اطمأنت الى صحة ما ادلى
به وركنت الى اقواله على اعتبار انه يدرك ما يقول ويعيه.
6 – من المقرر ان تناقض الشاهد وتضاربه فى اقواله او مع اقوال غيره لا يعيب الحكم ما
دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من تلك الاقوال استخلاصا سائغا بما لا تناقض فيه.
7 – من حق محكمة الموضوع ان تأخذ بما تطمئن اليه من اقوال الشاهد فى حق احد المتهمين
وتطرح ما لا تطمئن اليه منها فى حق متهم آخر دون ان يعد هذا تناقضا منها يعيب حكمها
ما دام تقدير الدليل موكولا اليها وحدها وما دام يصح فى العقل ان يكون الشاهد صادقا
فى ناحية من اقواله وغير صادق فى ناحية اخرى.
8 – من المقرر انه ليس بلازم ان تطابق اقوال الشهود مضمون الدليل الفنى فى كل جزئية
منه بل يكفى ان يكون جماع الدليل القولى غير متناقض مع الدليل الفنى تناقضا يستعصى
على الملاءمة والتوفيق.
9 – لما كان الواضح من مدونات الحكم انه استظهر قيام علاقة السببية بين اصابات القتيل
التى اورد تفصيلها عن تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته فأورد مع واقع ذلك التقرير
ان وفاة المجنى عليه نتيجة اصاباته النارية والطعنية مجتمعة وما صاحبها من نزيف دموى
غزير، فانه ينحسر عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور.
10 – لما كان الحكم قد استند فى اثبات التهمة فى حق الطاعن الى اقوال شاهد الاثبات
وتقرير الصفة التشريحية وتقرير فحص السلاح المضبوط، ولم يعول فى ذلك على ما تضمنته
معاينتى الشرطة والنيابة اللتين لم يشر اليهما فى مدوناته، فان النعى على الحكم فى
هذا الشأن يكون غير سديد.
11 – من المقرر ان من حق محكمة الموضوع ان تستخلص من اقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة
امامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى اليه اقتناعها وان
تطرح ما يخالفها من صور اخرى ما دام استخلاصها سائغا مستندا الى ادلة مقبولة فى العقل
والمنطق ولها اصلها فى الاوراق.
12 – ان تقدير الوقائع التى يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعى او انتفاؤها متعلق
بموضوع الدعوى لمحكمة الموضوع الفصل فيه بلا معقب عليها ما دام استدلالها سليما يؤدى
الى ما انتهى اليه.
13 – لما كان يبين من الرجوع الى محاضر جلسات المحاكمة ان الدفاع عن الطاعن لم يدفع
ببطلان اعترافه لصدوره نتيجة اكراه، وكل ما قاله الدفاع عنه فى هذا الصدد هو ان الطاعن
"قدم نفسه للشرطة نتيجة القبض على كبير العائلة مما قد يواجهه من ضغط واكراه". دون
ان يبين وجه ما ينعاه على اعترافه ولا يمكن القول بأن هذه العبارة المرسلة التى ساقها
تشكل دفعا ببطلان الاعتراف او تشير الى الاكراه المبطل له وكل ما يمكن ان تنصرف اليه
هو التشكيك فى الدليل المستمد من الاعتراف توصلا الى عدم تعويل المحكمة عليه. وكان
الحكم قد اورد مؤدى هذا الاعتراف الذى عول عليه فى الادانة – ضمن ما عول عليه – واطمأن
الى سلامته. وكان لا يقبل من الطاعن ان يثير امام محكمة النقض لاول مرة بطلان الاعتراف.
14 – لما كان قصد القتل امرا خفيا لا يدرك بالحس الظاهر وانما يدرك بالظروف المحيطة
بالدعوى والامارات والمظاهر الخارجية التى يأتيها الجانى وتنم عما يضمره فى نفسه، واستخلاص
هذا القصد من عناصر الدعوى موكول الى قاضى الموضوع فى حدود سلطته التقديرية.
15 – من المقرر ان البحث فى توافر ظرفى سبق الاصرار والترصد من اطلاقات قاضى الموضوع
يستنتجه من ظروف الدعوى وعناصرها ما دام موجب تلك الظروف وهذه العناصر لا يتنافر عقلا
مع ذلك الاستنتاج.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخر سبق الحكم ببراءته….. بأنهما:
المتهمان قتلا….. عمدا مع سبق الاصرار والترصد بأن بيتا النية على قتله وعقدا العزم
على ذلك وأعدا لهذا الغرض سلاحا ناريا (فرد ومدية) وترصدوا فى المكان الذى ايقنا سلفا
بمروره فيه وما ان ظفرا به حتى امسك به الاول واسقطه من فوق دابته واطلق صوبه عدة اعيرة
نارية من الفرد الذى كان يحمله ثم انهال عليه الثانى طعنا بالمدية قاصدين من ذلك قتله
فأحدثا به الاصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتى اودت بحياته. المتهم الاول
ايضا: "الطاعن" 1 – احرز سلاحا ناريا غير مششخن (فرد) بغير ترخيص. ب – احرز بغير ترخيص
ذخائر (اربع طلقات) مما تستخدم فى السلاح النارى سالف الذكر دون ان يكون مرخصا له بحيازته
او احرازه. وطلبت احالته الى محكمة الجنايات لمعاقبته طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر
الاحالة. ومحكمة جنايات….. قضت حضوريا عملا بالمواد 230، 231، 232 من قانون العقوبات،
1/ 1، 6، 26/ 1، 5، 30 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين 546 لسنة 1954،
75 لسنة 58، 26 لسنة 1978 والجدول رقم 2 الملحق بمعاقبة المتهم بالاشغال الشاقة لمدة
خمسة عشر عاما عن التهم الثلاث المسندة اليه وبمصادرة السلاح المضبوط.
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض….. الخ.
المحكمة
حيث ان مبنى الطعن هو ان الحكم المطعون فيه اذ دان الطاعن بجريمة
القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد قد انطوى على اخلال بحق الدفاع وشابه قصور فى التسبيب
وفساد فى الاستدلال وخطأ فى الاسناد. ذلك بأن المحكمة لم تستجب لطلب الطاعن سماع شاهد
الاثبات، واثبت بمحضر الجلسة على لسان المدافع عن الطاعن – على خلاف الواقع – انه اكتفى
بتلاوة اقوال الشاهد الواردة بالتحقيقات. كما ان المدافع عن الطاعن دفع بأن موكله كان
فاقد الشعور والاختيار وقت ارتكابه الجريمة لمرضه بمرض عقلى بدلالة الشهادة الطبية
المقدمة منه مما تنعدم به مسئوليته قانونا، وطلب احالته الى مستشفى الامراض النفسية
والعصبية لتقدير حالته العقلية، الا ان المحكمة لم تحقق دفعه واطرحته برد غير سائغ.
وعول الحكم على اقوال الصبى……. رغم انه لم يبلغ اربع عشرة سنة وجاءت اقواله متضاربه
وغير صحيحة مما لا تصلح دليلا قبل الطاعن خاصة انه سبق ان قضى ببراءة المتهم الاخر
لتشكك المحكمة فى اقوال هذا الشاهد. كما عول الحكم على الدليلين القولى والفنى رغم
تناقضهما فى شأن عدد الاعيرة النارية ونوع السلاح، فضلا عن ان تقرير الصفة التشريحية
اثبت ان وفاة المجنى عليه نتيجة اصاباته الناشئة عن آلة حادة، وقد تناقضت معاينتى النيابة
والشرطة. ولم يرد الحكم على هذا الدفاع. وقد دفع الطاعن بقيام حالة الدفاع الشرعى عن
نفسه لرد الاعتداء المتوقع عليه من المجنى عليه الا ان الحكم اطرح هذا الدفع لاسباب
غير سائغة اعتمد فيها على اقوال الصبى شاهد الاثبات رغم ما شابها من عوار. والتفت الحكم
عن الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لصدوره نتيجة اكراه. ولم يدلل الحكم تدليلا سائغا على
توافر نية القتل وظرفى سبق الاصرار والترصد فى حق الطاعن، وما اورده فى هذا الخصوص
من اعتراف الطاعن بأنه انتوى قتل المجنى عليه لخصومة ثأرية يخالف الثابت بالاوراق.
مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه.
وحيث ان الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية
للجريمة التى دان الطاعن بها، واورد على ثبوتها فى حقه ادلة سائغة من شأنها ان تؤدى
الى ما رتبه الحكم عليه مستمدة من اقوال الصبى…… واعتراف الطاعن ومن تقرير الصفة
التشريحية وتقرير فحص السلاح المضبوط. لما كان ذلك، وكان من المقرر ان للمحكمة ان تستغنى
عن سماع شهود الاثبات اذا قبل المتهم او المدافع عنه ذلك صراحة او ضمنا دون ان يحول
عدم سماعهم امامها من ان تعتمد فى حكمها على اقوالهم التى ادلوا بها فى التحقيقات ما
دامت هذه الاقوال مطروحة على بساط البحث، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المرافعة
ان المدافع عن الطاعن قد تنازل صراحة عن سماع شاهد الاثبات الغائب – مكتفيا بتلاوة
اقواله فليس له من بعد ان ينعى على المحكمة قعودها عن سماعه. واذ كان الاصل فى الاجراءات
الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما اثبت بمحضر الجلسة او فى الحكم – الا بطريق الطعن
بالتزوير – وكان الثابت ان الطاعن لم يسلك هذا السبيل فى خصوص ما اثبت بمحضر جلسة المرافعة
من اكتفاء الدفاع بالاقوال الواردة بالتحقيقات لشاهد الاثبات الذى لم يسمع، فان الزعم
بأن ما اثبت من ذلك مغاير للواقع يكون غير مقبول. ومن ثم فان منعى الطاعن على الحكم
فى هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر ان تقدير حالة المتهم العقلية
التى يترتب عليها الاعفاء من المسئولية الجنائية امر يتعلق بوقائع الدعوى يفصل فيه
قاضى الموضوع بلا معقب عليه طالما انه يقيمه على اسباب سائغة. وكان الحكم قد اطرح الشهادة
المقدمة من الطاعن لانها غير رسمية وعن مدة سابقة على تاريخ الحادث، واثبت فى منطق
سليم بادلة سائغة سلامة ادراك الطاعن وقت اقترافه الجريمة، ورد على ما تمسك به الدفاع
بشأن حالة الطاعن العقلية ولم ير الاخذ به او اجابته للاسباب السائغة التى اوردها استنادا
الى ما تحققته المحكمة من ان الطاعن وقت ارتكابه الجريمة كان حافظا لشعوره واختياره،
وهى غير ملزمة بالالتجاء الى اهل الخبرة الا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحت التى
يتعذر عليها ان تشق طريقها فيها، فان النعى على الحكم فى هذا الخصوص يكون غير سديد.
لما كان ذلك، وكانت العبرة فى المحاكمة الجنائية هى باقتناع القاضى من كافة عناصر الدعوى
المطروحة امامه فلا يصح مطالبته بالاخذ بدليل دون آخر. وكان من المقرر ان القانون قد
اجاز سماع الشهود الذين لم يبلغ سنهم اربع عشر سنة بدون حلف يمين على سبيل الاستدلال،
ولم يحرم الشارع على القاضى الاخذ بتلك الاقوال التى يدلى بها على سبيل الاستدلال اذا
أنس فيها الصدق، فهى عنصر من عناصر الاثبات يقدره القاضى حسب اقتناعه. فانه لا يقبل
من الطاعن النعى على الحكم اخذه باقوال شاهد الاثبات بحجة انه لم يبلغ من العمر اربع
عشرة سنة، ما دامت المحكمة قد اطمأنت الى صحة ما ادلى به وركنت الى اقواله على اعتبار
انه يدرك ما يقول ويعيه. ولما كان من المقرر ان تناقض الشاهد وتضاربه فى اقواله او
مع اقوال غيره لا يعيب الحكم ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من تلك الاقوال استخلاصا
سائغا لما لا تناقض فيه – كما هو الحال فى الدعوى المطروحة. كما ان من حق محكمة الموضوع
ان تأخذ بما تطمئن اليه من اقوال الشاهد فى حق احد المتهمين وتطرح ما لا تطمئن اليه
منها فى حق متهم آخر دون ان يعد هذا تناقضا منها يعيب حكمها ما دام تقدير الدليل موكولا
اليها وحدها وما دام يصح فى العقل ان يكون الشاهد صادقا فى ناحية من اقواله وغير صادق
فى ناحية اخرى. وكانت المحكمة قد اطمأنت من اقوال شاهد الاثبات الى ارتكاب الطاعن الحادث.
فان ما يثيره الطاعن فى هذا الخصوص لا يعدو ان يكون جدلا موضوعيا فى تقدير الدليل وفى
سلطة المحكمة فى استنباط معقتدها مما لا يجوز اثارته امام محكمة النقض. لما كان ذلك،
وكان من المقرر انه ليس بلازم ان تطابق اقوال الشهود مضمون الدليل الفنى فى كل جزئية
منه بل يكفى ان يكون جماع الدليل القولى غير متناقض مع الدليل الفنى تناقضا يستعصى
على الملاءمة والتوفيق. واذ كان الحكم المطعون فيه قد اورد من اقوال شاهد الاثبات ان
الطاعن جذب المجنى عليه من فوق دابته واسقطه ارضا واطلق عليه عيارا من سلاح نارى كان
معه فاصابه وتعدى عيه آخر بمدية ثم اطلق الطاعن أربعة أعيرة نارية على المجنى عليه
مما ادى الى وفاته. ثم نقل عن تقرير الصفة التشريحية لجثة المجنى عليه ان اصاباته نارية
وطعنية قطعية حديثة وان اصاباته النارية من اربعة اعيرة نارية منها ثلاث اعيرة من سلاح
غير مششخن عيار 9 مم والرابع يتعذر تحديد نوعه وعياره، وان وفاته نتيجة اصاباته جميعا.
فان ما اورده الحكم من دليل قولى لا يتعارض مع ما نقله عن الدليل الفنى بل يتلاءم معه،
ويكون الحكم قد خلا مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولى والفنى، وبذلك يبرأ
من قالة التناقض الذى رماه به الطاعن. ولما كان الواضح من مدونات الحكم انه استظهر
قيام علاقة السببية بين اصابات القتيل التى اورد تفصيلها عن تقرير الصفة التشريحية
وبين وفاته فأورد مع واقع ذلك التقرير ان وفاة المجنى عليه نتيجة اصاباته النارية والطعنية
مجتمعة وما صاحبها من نزيف دموى غزير، فانه ينحسر عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور
فى هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان الحكم قد استند فى اثبات التهمة فى حق الطاعن الى
اقوال شاهد الاثبات وتقرير الصفة التشريحية وتقرير فحص السلاح المضبوط، ولم يعول فى
ذلك على ما تضمنته معاينتى الشرطة والنيابة اللتين لم يشر اليهما فى مدوناته، فان النعى
على الحكم فى هذا الشأن يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان يبين من الحكم المطعون فيه
انه عرض لما دفع به الطاعن من أنه كان فى حالة دفاع شرعى عن نفسه واطرحه تأسيسا على
ما اطمأن اليه من اقوال شاهد الاثبات من ان الطاعن هو الذى باغت المجنى عليه باطلاق
الاعيرة النارية عليه وقت ان كان الاخير ممتطيا دابته واعزلا من السلاح. وكان من المقرر
ان من حق محكمة الموضوع ان تستخلص من اقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة امامها على
بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى اليه اقتناعها وان تطرح ما يخالفها
من صور اخرى ما دام استخلاصها سائغا مستندا الى ادلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها
اصلها فى الاوراق. كما ان تقدير الوقائع التى يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعى
او انتفاؤها متعلق بموضوع الدعوى لمحكمة الموضوع الفصل فيه بلا معقب عليها ما دام استدلالها
سليما يؤدى الى ما انتهى اليه. وكان ما يثيره الطاعن بشأن القوة التدليلية لاقوال شاهد
الاثبات قد سبق الرد عليه. وكان ما ساقه الحكم المطعون فيه من ادلة منتجا فى اكتمال
اقتناع المحكمة واطمئنانها الى ما انتهت اليه من رفض الدفع بقيام حالة الدفاع الشرعى.
فان ما يثيره الطاعن فى هذا الشأن ينحل الى جدل موضوعى فى تقدير المحكمة للدليل مما
لا تجوز اثارته امام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان يبين من الرجوع الى محاضر جلسات
المحاكمة ان الدفاع عن الطاعن لم يدفع ببطلان اعترافه لصدوره نتيجة اكراه، وكل ما قاله
الدفاع عنه فى هذا الصدد هو ان الطاعن "قدم نفسه للشرطة نتيجة القبض على كبير العائلة
مما قد يواجهه من ضغط واكراه". دون ان يبين وجه ما ينعاه على اعترافه ولا يمكن القول
بأن هذه العبارة المرسلة التى ساقها تشكل دفعا ببطلان الاعتراف او تشير الى الاكراه
المبطل له وكل ما يمكن ان تنصرف اليه هو التشكيك فى الدليل المستمد من الاعتراف توصلا
الى عدم تعويل المحكمة عليه. وكان الحكم قد اورد مؤدى هذا الاعتراف الذى عول عليه فى
الادانة – ضمن ما عول عليه – واطمأن الى سلامته. وكان لا يقبل من الطاعن أن يثير امام
محكمة النقض لاول مرة بطلان الاعتراف، فان منعى الطاعن فى هذا الخصوص يكون على غير
اساس. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد استظهر نية القتل فى حق الطاعن وتوافر
ظرفى سبق الاصرار والترصد قبله فى قوله "وحيث انه عن نية ازهاق الروح لدى المتهم فقد
توافرت من استعمال السلاح النارى وهو اداة قاتلة بطبيعتها وباطلاق اربعة اعيرة نارية
على المجنى عليه فضلا عما جاء فى اعتراف المتهم بتحقيقات النيابة بانه اعتدى على المجنى
عليه قاصدا قتله والتخلص منه بسبب الثأر القائم بينهما" وحيث انه عن توافر ظرف سبق
الاصرار قبل المتهم فقد وضح من وجود خصومة ثأرية بين المتهم والمجنى عليه لسبق الاصرار
اتهام الاخير بقتل اخيه وابن عمومته والحكم عليه بالادانه فى هاتين الجريمتين واعد
المتهم ادلة قاتلة هى السلاح النارى الذى اطلق عليه منه اكثر من طلقه قاصدا ازهاق روحه
بعد تروى وتفكير واعداد الاداة الكافية بتنفيذ مشروعه الاجرامى بقتل المجنى عليه. وحيث
انه عن ظرف الترصد فهو واضح ايضا لدى المتهم من الاختفاء فى احدى الحارات المتفرعة
من الشارع الذى وثق ان المجنى عليه سوف يمر منه وما ان ظفر به حتى فاجأه واسقطه ارضا
واطلق عليه الاعيرة النارية التى اردته بعد ان اخذه على غرة". وكان قصد القتل امرا
خفيا لا يدرك بالحس الظاهر وانما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والامارات والمظاهر
الخارجية التى يأتيها الجانى وتنم عما يضمره فى نفسه، واستخلاص هذا القصد من عناصر
الدعوى موكول الى قاضى الموضوع فى حدود سلطته التقديرية. كما انه من المقرر ان البحث
فى توافر ظرفى سبق الاصرار والترصد من اطلاقات قاضى الموضوع يستنتجه من ظروف الدعوى
وعناصرها ما دام موجب تلك الظروف وهذه العناصر لا يتنافر عقلا مع ذلك الاستنتاج. وكان
ما اورده الحكم فيما سلف يكفى لاستظهار نية القتل لدى الطاعن وتوافر ظرفى سبق الاصرار
والترصد قبله، وقد ساق لاثباتهما قبله من الادلة والقرائن ما يكفى لتحققهما طبقا للقانون،
واذ كان يبين من مطالعة المفردات المضمومة ان ما حصله الحكم من اقرار الطاعن بتحقيقات
النيابة العامة بأنه اعتدى على المجنى عليه قاصدا قتله والتخلص منه بسبب الثأر القائم
بينهما له صداه فى الاوراق ولم يحد فى ذلك عن نص ما أنبأ به او فحواه، فان ما يثيره
الطاعن فى شأن ما تقدم لا يعدو ان يكون مجادلة لتجريح أدلة الدعوى على وجه معين تأديا
من ذلك الى مناقضة الصورة التى ارتسمت فى وجدان قاضى الموضوع بالدليل الصحيح من اوراق
الدعوى.
