الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 122 لسنة 27 ق – جلسة 08 /11 /1962 

أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الثالث – السنة 13 – صـ 981

جلسة 8 من نوفمبر سنة 1962

برياسة السيد المستشار الحسينى العوضى. وبحضور السادة المستشارين: محمود توفيق اسماعيل، ومحمد عبد الحميد السكرى، ولطفى على، وحافظ محمد بدوى.


الطعن رقم 122 لسنة 27 القضائية

( أ ) أموال عامة. "أموال الدولة الخاصة" تقادم. "تقادم مكسب".
الأراضى الغير منزرعة والتى لا مالك لها تعتبر من أموال الدولة الخاصة وليست من الأموال العامة لأنها غير مخصصة للمنفعة العامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم.
تخضع الأراضى غير المنزرعة التى لا مالك لها – كغيرها من أموال الدولة الخاصة – لقواعد التقادم المكسب شأنها فى ذلك شأن أموال الأفراد وذلك حتى تاريخ العمل بالقانون رقم 147 لسنة 1957 الذى حظر عدم تملك الأموال الخاصة المملوكة للدولة أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم.
(ب) قانون "تشريع تفسيرى". تقادم مكسب.
القانون رقم 147 لسنة 1957 منشئ لحكم مستحدث لا أثر له على ما تم كسب ملكيته بالتقادم من أموال الدولة الخاصة قبل العمل به.
(ج) تقادم. "تقادم مكسب". "الأراضى الغير منزرعة ولا مالك لها" الاستيلاء.
لا يمنع، إمكان تملك الأراضى الغير منزرعة والتى لا مالك لها بالتقادم المكسب، نصوص الأمر العالى الصادر فى 9/ 9/ 1884 أو المادتين 8 و57 من التقنين المدنى الملغى.
نصوص الأمر العالى قاصرة على بيان الشروط التى تعطى بها الحكومة تلك الأراضى لمن يستصلحها فهى تنظم حالة نقل ملكية تلك الأراضى من الدولة إلى الأفراد بطريق التعاقد.
نص المادة 57 من القانون المدنى القديم التى تنص على أنه لا يجوز وضع اليد على تلك الأراضى إلا باذن الحكومة لا يعنى إلا وضع اليد المجرد عن المدة المعروف باصطلاح "الاستيلاء" الذى يترتب عليه التملك الفورى دون وضع اليد المملك بمضى المدة.
(د) تقادم. "تقادم مكسب". إثبات "الإثبات بالقرائن". محكمة الموضوع.
جواز إثبات وضع اليد ومدته بالقرائن التى يستقل قاضى الموضوع باستنباطها من وقائع الدعوى والأوراق المقدمة فيها. لا تثريب على الحكم المطعون فيه إذا استند إلى أقوال الشهود الذين سمعهم خبير الدعوى بغير يمين كقرينة أضافها إلى قرائن أخرى فصلها وهى فى مجموعها تؤدى إلى النتيجة التى انتهى إليها.
(هـ) حكم "تسبيب كاف" "أسباب الحكم الابتدائى".
إقامة الحكم المطعون فيه قضاءه على أسباب مستقلة دون أن يعتمد من أسباب الحكم الابتدائى إلا ما لا يتعارض مع أسبابه. قضاؤه بتأييد الحكم الابتدائى. لا محل للنعى على الحكم الابتدائى فيما لم يأخذ به الحكم المطعون فيه.
1 – الأراضى غير المنزرعة التى لا مالك لها تعتبر ملكا للدولة ملكية خاصة (م 57 من القانون المدنى القديم وم 874 من القانون الحالى) ومن ثم فهى لا تدخل ضمن الأموال العامة إذ أنها ليست مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم(1). وينبنى على ذلك أن تلك الأراضى – كغيرها من أموال الدولة الخاصة – كانت تخضع لقواعد التقادم المكسب – شأنها فى ذلك شأن أموال الأفراد – حتى تاريخ العمل بالقانون رقم 147 لسنة 1957 الذى أضاف للمادة 930 من القانون المدنى الحالى حكما جديدا يقضى بعدم جواز تملك الأموال الخاصة المملوكة للدولة أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم.
2 – يعتبر القانون رقم 147 لسنة 1957 منشئا لحكم مستحدث ولا أثر له على ما تم كسب ملكيته بالتقادم من أموال الدولة الخاصة قبل العمل به. وقد أكدت ذلك المذكرة الايضاحية للقانون المذكور بقولها أن ليس له أثر رجعى بالنسبة لما اكتسب فعلا من هذه الأموال بالتقادم قبل صدوره.
3 – لا شأن لنصوص الأمر العالى الصادر فى 9 سبتمبر سنة 1884 الخاص بتقرير الشروط التى تعطى بموجبها الأراضى غير المنزرعة – التى تعتبر ملكا للدولة – والمادتين 8 و57 من التقنين المدنى الملغى بإمكان تملك هذه الأراضى بالتقادم إذ اقتصرت نصوص الأمر العالى سالف الذكر على بيان الشروط التى تعطى بها الحكومة تلك الأراضى لمن يستصلحونها حتى تنتفع الدولة بما تفرضه عليها من الضريبة من بعد، فهى إنما تنظم حالة نقل ملكية تلك الأراضى من الدولة إلى الأفراد بطريق التعاقد، وأما المادة 57 من القانون المدنى القديم التى تنص على أنه لا يجوز وضع اليد على الأراضى الغير منزرعة المملوكة شرعا "للميرى" إلا بإذن الحكومة فإنها لا تعنى بوضع اليد سوى وضع اليد المجرد عن المدة والمعروف فى اصطلاح القانون بالاستيلاء الذى يترتب عليه التملك الفورى وليس وضع اليد المملك بمضى المدة. ويؤكد هذا النظر أولا – أن المشرع فى القانون المدنى القديم أورد ضمن أسباب كسب الملكية وضع اليد، ومضى المدة الطويلة باعتبار كلا منهما سببا مستقلا عن الآخر وأن لكل منهما أحكاما خاصة وقد وردت فى المادة 57 سالفة الذكر ضمن أحكام الباب الخاص بالتملك بوضع اليد. ثانيا – أن اقتضاء الحصول على إذن الحكومة فى حالة التملك بالتقادم – كما يشترط الأمر العالى فى وضع اليد – إنما يتعارض مع ما يوجبه القانون على من يريد التملك بهذا السبب من أن يظهر بمظهر المالك طوال المدة التى يتطلبها القانون لوضع يده، ومن ثم فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على توافر الشروط القانونية فى وضع يد المطعون عليه وسلفه مما تجعله بذاته سببا للتملك فلا تثريب على الحكم إن لم يستظهر الشروط التى يتطلبها الأمر العالى سالف الذكر أو تتطلبها المادتان 8 و57 من القانون المدنى القديم.
4 – يجوز إثبات وضع اليد ومدته بالقرائن التى يستقل قاضى الموضوع باستنباطها من وقائع الدعوى والأوراق المقدمة فيها ومن ثم فلا على الحكم المطعون فيه إذا هو استند إلى أقوال الشهود الذين سمعهم خبير الدعوى بغير يمين كقرينة أضافها إلى قرائن أخرى فصلها وهى فى مجموعها تؤدى إلى النتيجة التى انتهى إليها.
5 – متى كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أسباب أخرى مستقلة دون أن يعتمد من أسباب الحكم الابتدائى إلا ما لا يتعارض مع أسبابه هو ثم قضى بتأييد الحكم الابتدائى فإن النعى على الحكم الابتدائى فيما لم يأخذ به الحكم المطعون فيه يكون غير مقبول.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل فى أنه فى 14 من سبتمبر سنة 1947 أقام المطعون عليه الأول الدعوى رقم 516 سنة 1947 كلى الزقازيق ضد المطعون عليه الثانى والطاعن بصفته وطلب الحكم بصحة ونفاذ عقد البيع العرفى المؤرخ 10 مايو سنة 1937 والمتضمن بيع والده المطعون عليه الثانى له ثلاثمائة فدان شائعة فى ستمائة فدان كائنة بناحية صان الحجر فاقوس وكف منازعة الطاعن له فى هذا القدر وألزمه بنقل التكليف إليه. وقد أقره المطعون عليه الثانى على طلباته وأوضح أنه تملك الأطيان المبيعة بطريق الشراء من السيدة نبوية محمد عباس مورثة المطعون عليها الثالثة بمقتضى عقد بيع عرفى مؤرخ 10 مايو سنة 1937 صادر إليه ولإبنة البائعة المطعون عليها الثالثة بمقدار ستمائة فدان مناصفة بينهما وقد تملكت البائعة هذا القدر بطريق الشراء من زوجها المرحوم محمود فهمى أوده باشى بعقد مؤرخ 17 يونيه سنة 1912 وثابت التاريخ فى 5 أبريل سنة 1913 وقد أثبت فى هذا العقد أن البائع المذكور تملك هذه الأطيان ضمن ألف فدان بوضع يده عليها بمقتضى دكريتو صادر فى 9 سبتمبر سنة 1884 ومصدق عليه من مجلس النظار فى 28 يناير سنة 1885 وأمر تسليم صادر لمصلحة "التاريع" فى 10 فبراير سنة 1885 برقم 24 أملاك وأضاف المطعون عليه الثانى أنه وابنه المطعون عليه الأول ومن تلقى الملك عنهما وضعوا اليد على القدر موضوع الدعوى المدة الطويلة المكسبة للملكية وأنه قام بعمل إصلاحات كثيرة فى هذه الأطيان أصبحت بعدها صالحة للزراعة – وقد نازعت مصلحة الأملاك الأميرية التى يمثلها الطاعن فى ملكية المطعون عليه الأول ومن تلقى الملك عنهم لهذه الأطيان وذكرت أنها مملوكة لها ولا زالت مكلفة باسمها ولم يضع أحد اليد عليها – وبتاريخ 31 من مايو سنة 1948 – حكمت المحكمة الابتدائية بتعيين خبير زراعى حكومى لتحقيق الملكية ووضع اليد. وقدم هذا الخبير تقريرا انتهى فيه إلى أن الثلاثمائة فدان موضوع الدعوى تدخل فى ملكية المطعون عليه الأول بمقتضى عقد البيع العرفى الصادر إليه من والده المطعون عليه الثانى الذى آلت إليه الملكية من السيدة نبوية محمد عباس بعقد بيع عرفى وأن الأخيرة تلقت بدورها ملكية هذا القدر بعقد بيع "مسجل" صادر إليها من زوجها المرحوم محمود فهمى الذى آلت إليه الملكية بوضع اليد والدكريتو الصادر فى سنة 1885 (كذا) الخاص باستغلال الأراضى البور المملوكة للحكومة. وأن الأطيان محل النزاع لا تزال مكلفة باسم الحكومة وبجلسة 21 نوفمبر سنة 1949 تدخل فى الدعوى كل من نبويه محمد عباس وابنتها نفيسه محمود فهمى (المطعون عليها الثالثة) ومحمد محمود حسن (مورث المطعون عليهم المذكورين تحت "رابعا") واحد ورثة المرحوم محمود فهمى المالك الأصلى واعترضوا على طلبات المطعون عليه الأول منكرين عليه الملكية وطعنت السيدة نبوية وابنتها فى العقد الصادر من أولاهما إلى المطعون عليه الثانى بعدة طعون كما أنكر محمد محمود حسن أن مورثه باع الأطيان محل النزاع إلى زوجته السيدة نبوية – وإزاء هذا الموقف من السيدة نبوية قام الطاعن باختصامها فى الدعوى وطلب الحكم ضدها أيضا بطلباته وعندئذ تنازلت عن طلب التدخل – وبتاريخ 17 من نوفمبر سنة 1952 حكمت المحكمة الابتدائية أولا بقبول نفيسة محمود فهمى ومحمد محمود حسن خصما ثالثا فى الدعوى "ثانيا" بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 10 مايو سنة 1937 الصادر من المدعى عليه الأول (المطعون عليه الثانى) عن الثلاثمائة فدان الموضحة بصحيفة الدعوى وإلزام المدعى عليها الثانية (الطاعن بصفته) بالمصاريف ومبلغ مائتى قرش أتعابا للمحاماة للمدعى (المطعون عليه الأول) ورفضت ماعدا ذلك من الطلبات – وأسس الحكم قضاءه على أنه "وان لم يثبت أن نبوية عباس وضعت يدها على أرض النزاع قبل أن تبيعها إلى المطعون عليه الثانى فى سنة 1937 بسبب أن الأرض لم تكن مستصلحة إلا أنها قد تملكتها بسبب صحيح هو العقد المسجل المؤرخ 17 يونيه سنة 1912 الصادر إليها من زوجها واقترن الشراء بوضع يد المشترى المطعون عليه الثانى بحسن نية المدة القصيرة المكسبة للملك وفى هذا ما يكفى لتملك المطعون عليه الأول لهذه الأطيان" – استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم 32 سنة 5 ق المنصورة كما استأنفته السيدة نفيسة محمود فهمى بصفتها الشخصية وبصفتها وارثة لوالدتها التى توفيت بعد صدور هذا الحكم الابتدائى وقيد استئنافهما برقم 75 سنة 5 ق وبتاريخ 5 من فبراير سنة 1957 حكمت محكمة استئناف المنصورة فى الاستئنافين بقبولهما شكلا ورفضهما موضوعا وتأييد الحكم المستأنف وأسست المحكمة قضاءها على أن المطعون عليهما الأولين ومن باع لهما قد وضعوا اليد على الأطيان محل النزاع المدة الطويلة المكسبة للملكية – وقد طعن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض بتقرير تاريخه 18 مارس سنة 1957 وقدمت النيابة مذكرة انتهت فيها إلى طلب رفض الطعن وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون التى قررت بجلسة 25 من يناير سنة 1961 إحالته إلى هذه الدائرة وبعد استيفاء الإجراءات اللاحقة للاحالة حدد لنظره جلسة 25 أكتوبر سنة 1962 وفيها صممت النيابة على رأيها السابق.
وحيث إن الطعن بنى على أربعة أسباب ينعى الطاعن فى السببين الأولين منها على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ فى تطبيقه والقصور فى التسبيب ذلك – أولا – أنه يخلص من نص المادتين 8 و57 من القانون المدنى القديم الذى يحكم واقعة النزاع أن الحكومة معتبرة قانونا مالكة للأراضى البور التى لا مالك لها وقد اشترط القانون لتملك الأفراد هذه الأراضى زيادة على وضع اليد شروطا أخرى ذكرها فى المادة التاسعة من الأمر العالى الصادر فى 9 سبتمبر سنة 1884 وهى تسليم الأرض بمعرفة مندوب المديرية تصديق مجلس الوزراء تحرير حجة مشتملة على شروط الاعطاء فإذا لم تحرر الحجة المذكورة فإن الملكية لا تنتقل من الحكومة ولو سلمت الأرض بالفعل لمن طلبها – والحكم المطعون فيه رغم تسليمه بأن أرض النزاع كانت أصلا من أراضى الحكومة البور لم يستظهر توافر شئ من هذه الشروط كما لم يقم فى أسبابه الدليل على توافر شئ منها ومن ثم يكون قضاءه بصحة ملكية محمود فهمى أوده باش الذى تسلسلت منه الملكية حتى آلت إلى المطعون عليه الأول قد جاء مخالفا للقانون وقاصرا فى التسبيب. ثانيا – إن الشارع قد وضع لتملك هذا النوع من الأراضى أحكاما خاصة بينها فى المواد سالفة الذكر وهى لا تجيز كسب الملكية بوضع اليد المدة الطويلة أو القصيرة ومن ثم يكون قول الحكمين الإبتدائى والمطعون فيه بأن المطعون عليهما الأولين قد تملكا أرض النزاع بالتقادم المكسب الطويل أو القصير مخالفا للقانون.
وحيث إن هذا النعى بشقيه مردود بأنه لما كان لا خلاف بين الخصوم على أن الأطيان محل النزاع كانت أصلا من الأراضى البور التى لا مالك لها وكانت المادة 57 من القانون المدنى القديم الذى يحكم الواقعة (874 من القانون القائم) تقضى بأن الأراضى غير المزروعة التى لا مالك لها تعتبر ملكا للدولة – وكانت هذه الأراضى تدخل فى عداد الأموال الخاصة للدولة لا العامة لأنها ليست مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم فإن تلك الأراضى كغيرها من أموال الدولة الخاصة كانت تخضع لقواعد التقادم المكسب – شأنها فى ذلك شأن أموال الأفراد – حتى تاريخ العمل بالقانون رقم 147 لسنة 1957 الذى عدل المادة 970 من القانون المدنى القائم وأضاف حكما جديدا يقضى بعدم جواز تملك الأموال الخاصة المملوكة للدولة أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم – وهذا القانون يعتبر منشئا لحكم مستحدث ولا أثر له على ما تم كسب ملكيته بالتقادم من أموال الدولة الخاصة قبل العمل به وقد أكدت المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور هذا المعنى بقولها "وبديهى أن هذا التشريع لا يكون له أثر رجعى بالنسبة لما اكتسب فعلا من هذه الأموال بالتقادم قبل صدوره" – لما كان ذلك، وكانت نصوص الأمر العالى الصادر فى 9 سبتمبر سنة 1884 بتقرير الشروط التى تعطى بموجبها الأراضى الغير منزرعة التى تعتبر ملكا للدولة والمادتان 8 و57 من التقنين المدنى الملغى لم يتعرض أيهما لإمكان تملك هذه الأراضى بالتقادم بل إن الأمر العالى سالف الذكر اقتصر على بيان الشروط التى تعطى بها الحكومة هذه الأراضى لمن يستصلحونها كيما تنتفع الدولة بما تفرضه عليها من الضريبة من بعد فنصوص هذا الأمر إنما تنظم حالة نقل ملكية تلك الأراضى من الدولة إلى الأفراد بطريق التعاقد – أما المادة 57 فإنها وإن نصت على أنه لا يجوز وضع اليد على الأراضى الغير مزروعة المملوكة شرعا للميرى إلا بإذن الحكومة إلا أن وضع اليد الذى تعنيه هذه المادة هو وضع اليد المجرد من المدة والمعروف فى اصطلاح القانون بالاستيلاء الذى يترتب عليه التملك الفورى وليس وضع اليد المملك بمضى المدة يؤكد صحة هذا النظر: أولا – أن المشرع عدد فى المادة 44 الواردة فى الباب الخامس من التقنين الملغى أسباب الملكية وأورد ضمن هذه الأسباب وضع اليد ومضى المدة الطويلة باعتبار كل منهما سببا مستقلا عن الآخر ثم أفرد للأحكام الخاصة بالسبب الأول الفصل الرابع من الباب المذكور وجعل عنوان هذا الفصل "فى التملك بوضع اليد" – وفى النص الفرنسى De L'appropriation ومعناها الاستيلاء وجاءت المادة 57 فى هذا الفصل كما أفرد للسبب الآخر الفصل السابع وجعل عنوانه "فى التملك بمضى المدة الطويلة" وفى النص الفرنسى De la prescription وقد حرص التقنين المدنى القائم على إزالة هذا اللبس ووضع المسميات الصحيحة فجعل عنوان الفصل الذى وردت فيه المادة 874 المقابلة للمادة 57 من التقنين القديم "الاستيلاء" بدلا من "التملك بوضع اليد" وجعل عنوان الفصل الآخر "الحيازة". ثانيا – أن اقتضاء الحصول على إذن من الحكومة فى حالة التملك بالتقادم يتعارض مع ما يوجبه القانون على من يريد التملك بهذا السبب من أن يظهر بمظهر المالك طوال المدة التى يتطلبها القانون لوضع يده – لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أن المطعون عليهما الأولين ومن باع لهما قد وضعوا اليد على الأرض محل النزاع المدة الطويلة المكسبة للملكية وقد استوفى وضع يدهم شرائطه القانونية التى تجعله بذاته سببا للتملك فإنه لم يكن على الحكم بعد ذلك أن يستظهر الشروط التى يتطلبها الأمر العالى الصادر فى 9 سبتمبر سنة 1884 – فى حالة إعطاء الأراضى من الحكومة ولا الشروط التى تستلزمها المادتان 8 و57 من القانون المدنى القديم فى حالة التملك بالاستيلاء.
وحيث إن الطاعن ينعى فى السبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والقصور فى التسبيب وفى بيان ذلك يذكر أنه على فرض جواز اكتساب ملكية الأراضى البور المملوكة للدولة ومنها أرض النزاع – بالتقادم فإن الحكم المطعون فيه حين قرر أن المطعون عليهما الأولين قد اكتسبا الملكية بوضع اليد المدة الطويلة قد غفل فى هذا عن أن وضع يد هذين المطعون عليهما لم يبدأ إلا من تاريخ شرائهما الحاصل فى 10 مايو سنة 1937 وأنه قبل ذلك لم تكن الأطيان محل النزاع فى وضع يد أحد على ما قرره الحكم الابتدائى الذى أيده الحكم المطعون فيه – ولم تكتمل من هذا التاريخ حتى رفع الدعوى الحالية فى 14 من سبتمبر سنة 1947 مدة التقادم الطويل – أما ما قرره الحكم الابتدائى من أن المطعون عليهما المذكورين قد تملكا بالمدة القصيرة فإنه تقرير يشوبه القصور ذلك أن هذا الحكم اعتبر حسن النية متحققا لديهما دون أن يفصح عن المصدر الذى استقى منه توفر هذا الشرط.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن الحكم المطعون فيه – كما يبين من أسبابه – قد خالف الحكم الابتدائى فيما ذهب إليه من أن المطعون عليهما الأولين تملكا الأرض محل النزاع بالتقادم الخمسى وأقام قضاءه على أنهما قد كسبا ملكية هذه الأرض بالتقادم الطويل ودلل على توافر هذا السبب بأقوال الشهود الذين سمعهم الخبير المعين فى الدعوى وبالقرائن الأخرى التى ساقها فى أسبابه وهو وإن كان قد انتهى فى منطوقه إلى تأييد الحكم الابتدائى إلا أنه – كما صرح فى أسبابه – لم يحل إلى أسباب هذا الحكم إلا فيما لا يتعارض منها مع أسبابه هو وبذلك يكون قد أقصى من أسباب الحكم الابتدائى ما ورد فيها خاصا بعدم ثبوت وضع يد نبوية محمد عباس على الأرض محل النزاع قبل أن تبيعها إلى المطعون عليه الثانى فى سنة 1937" ومتى كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أسباب أخرى مستقلة ولم يعتمد من أسباب الحكم الابتدائى إلا ما لا يتعارض مع أسبابه هو فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم الابتدائى فيما لم يأخذ به الحكم المطعون فيه يكون غير مقبول.
وحيث إن الطاعن ينعى فى السبب الرابع على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد فى الاستدلال ذلك أنه عول فى إثبات وضع اليد ومدته على أقوال الشهود الذين سمعهم الخبير المعين فى الدعوى فى حين أن التحقيق من سلطة قاضى الدعوى وليس من سلطة خبرائها وإذ كانت المحكمة لم تجر بنفسها تحقيقا لوضع اليد على الأرض المتنازع عليها ولم تكن أقوال الشهود الذين سمعهم الخبير والتى عول عليها الحكم مسبوقة بحلف يمين وكان لا يجوز للمحكمة أن تحصل فهم الواقع فى الدعوى بغير الدليل القانونى الذى يجوز الاستدلال به فى صورتها وبشرط أن يقع الاستدلال على الوجه المبين فى قانون المرافعات فإن استدلال الحكم المطعون فيه بأقوال هؤلاء الشهود يكون باطلا – ويضيف الطاعن أن الحكم انطوى كذلك على فساد فى الاستدلال حين عول فى إثبات وضع يد المطعون عليهما الأولين على تقرير الخبير فى دعوى إثبات الحالة رقم 1496 سنة 1943 فاقوس التى كان قد رفعها المطعون عليه الثانى ضد المقاول الذى كلفه بإصلاح الأرض بينما أن المحكمة لم تأمر بضم هذه القضية إلى الدعوى المطروحة وإنما اكتفت بندب الخبير للاطلاع عليها وأخذت بنتيجة هذا الاطلاع.
وحيث إن هذا النعى فى شقه الأول مردود بأنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه استند فى إثبات وضع اليد ومدته إلى أقوال الشهود الذين سمعهم الخبير المعين فى الدعوى كما استند إلى المعاينة التى أجراها هذا الخبير والتى بان منها أن الأطيان محل النزاع قد استصلحت وأقيمت عليها مساكن ومدت فيها مواسير للرى وأنها تزرع فعلا ببعض المحاصيل واستند الحكم أيضا إلى تقرير الخبير الذى عين فى دعوى إثبات الحالة رقم 1496 سنة 1943 مدنى فاقوس التى قام النزاع فيها بين المطعون عليه الثانى والمقاول الذى كان قد عهد إليه هذا المطعون عليه باستصلاح الأطيان محل النزاع بموجب عقد اتفاق محرر فى 5 مايو سنة 1939 وإلى ما هو ثابت من محاضر أعمال هذا الخبير من أن المطعون عليهما الأولين قاما باستصلاح هذه الأطيان وتكبدا مبالغ طائلة واتخذ من ذلك كله دليلا ينقض ما تدعيه مصلحة الأملاك وما تفيده بعض مستنداتها من أن تلك الأطيان لا تزال بورا لم يستصلح شئ منها ولم يضع أحد اليد عليها حتى تاريخ رفع الدعوى. لما كان ذلك، وكان إثبات وضع اليد ومدته مما يجوز فيه قبول القرائن وكان قاضى الموضوع حرا فى استنباط القرائن التى يأخذ بها من وقائع الدعوى والأوراق المقدمة فيها فإنه لا تثريب على الحكم المطعون فيه إذا هو استند إلى أقوال الشهود الذين سمعهم خبير الدعوى بغير يمين كقرينة أضافها إلى قرائن أخرى فصلها وهى فى مجموعها تؤدى إلى ما انتهى إليه – أما الشق الثانى من النعى فإنه لا يقوم على أساس من الواقع ذلك أن الحكم المطعون فيه أشار فى أسبابه إلى أن محضر أعمال الخبير فى دعوى إثبات الحالة رقم 1496 سنة 1943 فاقوس كان مقدما إلى محكمة الاستئناف فى الحافظة رقم 13 ملف مستند رقم 6 وقد اعتمدت المحكمة فيما استخلصته من هذا المحضر على نتيجة اطلاعها عليه وليس كما يزعم الطاعن – على نتيجة اطلاع خبير الدعوى الحالية على ملف قضية إثبات الحالة سالفة الذكر – هذا إلى أن تقرير الخبير المذكور قد خلا مما يفيد اطلاعه على الملف المذكور.
وحيث إنه لما سلف بيانه يكون الطعن برمته على غير أساس متعينا رفضه.


(1) راجع م 87 مدنى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات