الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 283 سنة 22 ق – جلسة 15 /03 /1956 

أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الأول – السنة 7 – صـ 310

جلسة 15 من مارس سنة 1956

برياسة السيد الأستاذ عبد العزيز سليمان وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة: محمد فؤاد جابر، ومحمد عبد الرحمن يوسف، واحمد قوشه، وابراهيم عثمان يوسف، المستشارين.


القضية رقم 283 سنة 22 القضائية

( أ ) إختصاص. مسئولية. مرافق عامة. حق المحاكم فى تقرير مسئولية الحكومة عن الضرر الذى يصيب الغير نتيجة إهمالها أو تقصيرها فى تنظيم المرفق العام أو الإشراف عليه.
(ب) مسئولية. محكمة الموضوع. استخلاص الحكم لأسباب سائغة للخطأ الموجب لمسئوليته جهة الإدارة. تقدير موضوعى.
(ج) مسئولية. الخطأ المنسوب لجهة الإدارة. عدم التزام المحكمة ببيان أسباب تلافيه.
(د) مسئولية. علاقة السببية بين الخطأ والضرر. حكم. تسبيبه. إشارته فى صدد تقرير خطأ الحكومة إلى أن الأمر كان يقتضى عناية أوفى لصيانة الأمن. كاف لترتيب المسئولية.
1 – إنه وإن كان لجهة الإدارة حرية ادارة المرافق العامة وحق تنظيمها والإشراف عليها إلا أن ذلك لا يمنع القضاء – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – من حق التدخل لتقرير مسئولية الإدارة عن الضرر الذى يصيب الغير متى كان ذلك راجعا إلى اهمالها أو تقصيرها فى تنظيم شئون المرفق العام أو الإشراف عليه.
2 – استخلاص الحكم للخطأ الموجب لمسئولية جهة الإدارة استخلاصا سائغا من عناصر تؤدى إليه هو مما يدخل فى حدود سلطة محكمة الموضوع التقديرية.
3 – إن المحكمة وهى بسبيل تحقيق الخطأ المنسوب لجهة الادارة غير ملزمة ببيان وسيلة تلافيه لأن ذلك من شأن جهة الإدارة وحدها عملا بمبدأ الفصل بين السلطات.
4 – متى كانت المحكمة قد أشارت فى صدد تقرير خطأ الحكومة إلى أن الأمر كان يقتضى منها عناية أوفى لصيانة الأمن فإن ذلك كاف لترتيب المسئولية.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن هذا الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن واقعة الدعوى – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل فى أن المطعون عليهم أقاموا الدعوى رقم 100 سنة 1948 كلى القاهرة طلبوا فيها الحكم بإلزام الطاعنة بأن تدفع لهم مبلغ 400 جنيه على سبيل التعويض على اعتبار أن مورثهم كان تابعا لها وقالوا بيانا لدعواهم أن مورثهم المرحوم مصطفى محمد الربع كان يؤدى أعمال وظيفته كجندى ببوليس السويس وأن بعض الجنود القبرصيين التابعين للجيش البريطانى قد حاولوا الاستيلاء على سلاحه والاعتداء على البنك الذى كان يقوم بحراسته وأنه إذ قاومهم أثخنوه بطعنات أودت بحياته ولذلك فإنهم يطلبون هذا التعويض نظير ما لحقهم من ضرر لفقد مورثهم وقد استظهرت المحكمة واقعة الدعوى على الوجه المذكور وقضت لهم بالتعويض المطلوب تأسيسا على أن خطأ الطاعنة الذى تسبب عنه الحادث تبدو مظاهره فى أنها لم تتخذ بالاحتياطات الكفيلة بحماية رجال البوليس إذ أن المقام يقتضى تعيين جنديين أو أكثر فى منطقة الحراسة حتى كان يمكن تلافى وقوع الحادث وأن مجرد تزويد مورث المطعون عليهم بالسلاح لا يكفى وحده لدرء مسئولية الطاعنة إزاء وجود قوات كبيرة للحلفاء بمنطقة القنال الذى وقع فيه الحادث لأن ذلك قد تكون له جدواه فى الظروف العادية أما فى خصوص واقعة الدعوى فكان يتعين اتخاذ حيطة أوفى، وبتاريخ أول مايو سنة 1951 قضت محكمة القاهرة الابتدائية بطلبات المطعون عليهم – فاستأنفت الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة وقيد برقم 732 سنة 61 ق طالبة إلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى استنادا إلى أن إدارة الحكومة لمرافقها العامة لا تخضع لرقابة المحاكم ولا يمكن أن تكون أساسا للمسئولية ولأن وفاة مورث المطعون عليهم لم تنشأ بسبب انفراده بالحراسة بل هو الذى أخطأ خطأ كبيرا كان السبب فى وفاته. وبتاريخ أول يونيه سنة 1952 قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف لأن إدارة الحكومة لمرافقها العامة لا تنفى مسئوليتها عن الأضرار التى تترتب على فساد إدارة هذه المرافق وما يتخللها من نقص وأنه لا يمكن نسبة الخطأ للمورث فى ظروف هذه الدعوى – فطعنت الطاعنة فى هذا الحكم بطريق النقض وقد عرض على دائرة فحص الطعون فأحالته إلى الدائرة المدنية لنظره بجلسة 23 من فبراير سنة 1956.
ومن حيث إن هذا النعى بنى على سببين يتحصل أولهما: فى أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه من وجهين: الأول – أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أن حرية الحكومة فى إدارة المرافق العامة لا تنفى مسئوليتها عن الأضرار التى تترتب على ما يعتور هذه الادارة من نقص أو فساد وأن مبدأ فصل السلطات لا يمنع المحاكم من القضاء بالتعويض المناسب لتلك الأضرار وفى هذا الذى أقام الحكم المطعون فيه قضاءه عليه مخالفة للقانون وخطأ فى تطبيقه ذلك لأن هذا الضمان إنما يقوم على افتراض تضامن أفراد الأمة تضامنا من شأنه أن يلقى تعويض الأضرار الناشئة عن النقص أو الخلل فى تنظيم المصالح الحكومية المختلفة أو عن سواء إدارتها على الخزانة العامة توزيعا لها على الكافة. وأنه وإن كان مجلس الدولة فى فرنسا قد أقر أساس هذا الضمان فإن مرد ذلك إلى أنه خول لنفسه الحق فى إطلاق رقابته على المصالح الحكومية وعلاقتها بالأفراد وضبطها وتنظيمها مما يراه عدلا، أما فى مصر فإن قضاء التضمين والرقابة على أعمال الإدارة مقيد بقواعد القانون المدنى فلا تسأل الحكومة إلا حيث يثبت وقوع خطأ من جانبها شأنها فى ذلك شأن الأفراد. أما الوجه الثانى – فتعيب الطاعنة فيه على الحكم المطعون فيه أنه أخطأ تكييف ركن الخطأ وإنزال حكم القانون عليه ذلك أنه متى كان مقررا أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة فى ثبوت أو نفى الوقائع التى يدور عليها بحث الخطأ المدعى به إلا أن القول الفصل فيما إذا كانت هذه الوقائع تكون أو لا تكون خطأ بالمعنى القانونى الصحيح فإن القول الفصل فى هذا الوصف القانونى للوقائع الثابتة فى حكم محكمة الموضوع لا يكون إلا لمحكمة النقض، ولما كان الثابت فى الدعوى أن مورث المطعون عليهم "وهو جندى بالبوليس" قد خف لنجدة زميله كما يرد عدوانا وقع عليه من بعض جنود الحلفاء فلا يعدو وصف هذا الحادث أن رجلا من رجال البوليس لقى مصرعه بسبب مبادرته إلى نجدة زميله ولا يمكن النظر فيه باعتباره فردا من آحاد الناس أصابه ضرر بسبب تقصير الحكومة فى حراسة الأمن بل على أساس اشتباك مورث المطعون عليهم مع قوات الحلفاء وحسب الطاعنة أنها زودت المجنى عليه بسلاح صالح للاستعمال وبذخيرة تكفيان لرد العدوان وإذن فإن ما تعرض له مورث المطعون عليهم لا يعدو أن يكون ضربا من مخاطر الوظيفة لا شأن للمحاكم به.
ومن حيث إن هذا النعى مردود فى وجهيه بأنه وإن كان لجهة الإدارة حرية إدارة المرافق العامة وحق تنظيمها والإشراف عليها إلا أن ذلك لا يمنع القضاء – على ما جرى قضاء هذه المحكمة – من حق التدخل لتقرير مسئولية الإدارة عن الضرر الذى يصيب الغير متى كان ذلك راجعا إلى إهمالها أو تقصيرها فى تنظيم شئون المرفق العام أو الإشراف عليه – وإذن فمتى كان الثابت أن الحكم المطعون فيد قد أقام قضاءه بمسألة الطاعنة تأسيسا على تحقق الخطأ الذى استظهره من وقائع الدعوى وظروف الحال فيها – بقوله: "إن احتشاد أخلاط عديدة من الجند فى بقعة محدودة كمدينة السويس يقتضى من المسئولين عن الأمن أن يتخذوا جميع الوسائل للمحافظة عليه واستتبابه ومضاعفة الحراسة التى أشارت إليها محكمة أول درجة وهى الوسيلة التى تتبادر إلى الذهن لأول وهلة ولم تكن الإدارة مجبورة على اتباعها لو استبدلت بها وسيلة أخرى كفيلة بمنع وقوع مثل هذا الحادث أساس التعويض وأن هذا يدل على أن الطاعنة قد أخطأت إذ لم توفر لمورث المطعون عليهم أسباب الحماية الكافية فى مثل هذه الظروف" متى كان ذلك كان ما أورده الحكم استخلاصا سائغا للخطأ الموجب لمسئولية الطاعنة من عناصر تؤدى إليه وفى حدود سلطة المحكمة التقديرية وأما ما تقوله الطاعنة – نفيا لمسئوليتها – من أنها زودت المجنى عليه بالسلاح والذخيرة الكافية لرد العدوان عن نفسه وأنه إنما لقى مصرعه حين خف لنجدة زميله فهو جدل موضوعى لا يلتفت إليه.
ومن حيث إن السبب الثانى يتحصل فى أن الحكم الابتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه قد قرر أن الطاعنة لا تنازع فى وقائع الدعوى وأن المجنى عليه كان يخفر البنك الأهلى فى ليلة الحادث فهجم عليه نفر من قوات الجيش القبرصى واعتدوا عليه بآلات حادة حتى قضوا عليه وقد اكتفى الحكم المطعون فيه بما أورده الحكم الابتدائى من مقومات هذا النزاع وأقام قضاءه على ما جاء به، ولما كان هذا البيان يخالف الثابت فى الأوراق والتحقيق الجنائى الذى ثبت منه أن المجنى عليه هب لنجدة زميله وأنه لم يصرع فى مكان حراسته وهو ما تمسكت به الطاعنة فى صحيفة استئنافها – ومفاد ذلك أن الحكم الإبتدائى حين استظهر خطأ الطاعنة وتقصيرها فى الحراسة بناء على هذا التكييف الخاطئ دون أن يدخل فى تقديره أن وفاة المجنى عليه كانت بسبب مبادرته لنجدة زميله وأن الحكم المطعون فيه قد أيده فى ذلك والحال لا يخلو هنا من أمرين إما أن يكون الحكم المطعون فيه قد أخذ بأسباب الحكم المستأنف فيكون مشوبا ببطلان جوهرى لمخالفة الثابت فى الأوراق وإما أن يكون قضاؤه بناء على ما حصله هو من شهادة الشاهد فى التحقيق الجنائى فيكون كذلك قاصر الأسباب إذ لم يوضح رابطة السببية بين ما قال به من تقصير الطاعنة فى الحراسة وبين الضرر الذى أصاب مورث المطعون عليهم بسبب مبادرته لنجدة زميله كما لم يبين كيف كان يمكن تلافى الحادث لو زيدت الحراسة فعلا.
ومن حيث إن هذا النعى مردود بما أورده الحكم المطعون فيه عند استعراضه لوقائع الدعوى حسبما أثبتها التحقيق الجنائى من "أن المجنى عليه" كان آتيا من ناحية البنك الأهلى لنجدة زميله وأن جنود الحلفاء كانوا يطاردونه حتى أخذوا بندقيته"، وانتهى الحكم إلى القول "بأنه لم يكن فى وسع مورث المطعون عليهم رد غائلة المعتدين حتى ولو استعمل بندقيته التى اغتصبوها منه ولا محل بعد ذلك للقول بأنه تسبب بخطئه فى وقوع الحادث…" وهذا الذى قرره الحكم فيه الرد الكافى على زعم الطاعنة بأن وفاة المجنى عليه كانت بسبب مبادرته لنجدة زميله لا بسبب حراسته أو أن الاعتداء عليه كان بعيدا عن منطقة حراسته – وأما ما تنعاه على الحكم من قصور عن بيان رابطة السببية بين تقصير الطاعنة وبين الضرر الذى أصاب مورث المطعون عليهم وأن الحكم لم يوضح كيف كان يمكن تلافى الحادث فى حالة تعدد الحراس – فمردود كذلك بأن المحكمة وهى بسبيل تحقيق الخطأ المنسوب للطاعنة غير ملزمة ببيان وسيلة تلافيه لأن ذلك من شأن جهة الإدارة وحدها عملا بمبدأ الفصل بين السلطات وحسب المحكمة أن أشارت فى صدد تقرير خطأ الطاعنة إلى أن الأمر كان يقضى من الحكومة عناية أوفى بصيانة الأمن فى منطقه وقوع الحادث وهو كاف لترتيب المسئولية على النحو الذى قضى به الحكم المطعون فيه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات