الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 137 سنة 22 ق – جلسة 08 /03 /1956 

أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الأول – السنة 7 – صـ 274

جلسة 8 من مارس سنة 1956

برياسة السيد الاستاذ محمد فؤاد جابر المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: اسحق عبد السيد، ومحمد عبد الواحد على، ومحمد متولى عتلم، وابراهيم عثمان يوسف، المستشارين.


القضية رقم 137 سنة 22 القضائية

( أ ) معاهدات. قانون. وفاق سنة 1902 المعقود بين مصر والسودان. هو قانون من قوانين الدولة.
(ب) معاهدات. إعلان. وفاق سنة 1902 المعقود بين مصر والسودان. ماهيته. رفع دعوى يكون المدعى عليه فيها مقيما فى بلاد الدولة الأخرى. التزام القاضى بالتحقق من إعلانه وفقا لأحكام الوفاق من تلقاء نفسه.
(ج) معاهدات. إعلان. وفاق سنة 1902 المعقود بين مصر والسودان. شموله لإعلان الأوراق فى كافة الدعاوى المدنية والتجارية ودعاوى الأحوال الشخصية والدعاوى الجنائية.
(د) تنفيذ الأحكام الأجنبية. حكم صادر من محكمة الخرطوم العليا فى دعوى تم إعلانها على غير أحكام وفاق سنة 1902. رفض طلب وضع الصيغة التنفيذية على هذا الحكم. لا خطأ المادتان 491 و493/ 2 مرافعات.
(هـ) تنفيذ الأحكام الأجنبية. إعلان. حكم صادر من محاكم السودان فى دعوى لم يراع فى إعلانها أحكام وفاق سنة 1902. ليس له قوة ملزمة أمام المحاكم المصرية. عدم سريان قاعدة التبادل فى هذه الحالة.
1 – لما كان الوفاق المعقود بين حكومتى مصر والسودان قد صدق عليه مجلس النظار فى 17 من مايو سنة 1902 ونشر بالوقائع الرسمية كما نشر بمجموعة القوانين والقرارات المصرية فإنه يكون قانونا من قوانين الدولة.
2 – إن وفاق سنة 1902 هو معاهدة مبرمة بين مصر والسودان وليس لإحدى الدولتين أن تتحلل من أحكامه بعمل منفرد أخذا بأحكام القانون الدولى العام فى شأن المعاهدات وعلى القاضى فى كل دولة من الدولتين عندما يطلب منه الحكم فى دعوى يكون المدعى عليه فيها مقيما فى بلاد الدولة الأخرى أن يتحقق من أن إعلانه قد تم وفق أحكام ذلك الوفاق من تلقاء نفسه ولو خالفت أحكامه قانونه الداخلى سواء كان القانون الداخلى قد صدر قبل إبرام المعاهدة أو صدر بعد إبرامها.
3 – لا محل للقول بأن وفاق سنة 1902 المعقود بين حكومتى مصر والسودان قاصرا على إعلان الأوراق الخاصة بالمواد الجنائية ذلك أن نص عنوان الوفاق ونصوص مواده الأولى والرابعة والثانية والعشرون صريحة فى عموم نصوصها وشمولها لكافة الدعاوى المدنية والتجارية ودعاوى الأحوال الشخصية والدعاوى الجنائية على السواء.
متى كان الحكم إذ قضى برفض طلب وضع للصيغة التنفيذية على الحكم الصادر من المحكمة العليا بالخرطوم قد أقام قضاءه على أن الاعلان فى الدعوى المطلوب إصدار الأمر بتنفيذ الحكم الصادر فيها قد تم على خلاف أحكام وفاق سنة 1902 فانه لم يخالف القانون كما أنه لم يخالف ما نصت عليه المادتان 491، 493/ 2 مرافعات.
عدم مراعاة محاكم السودان أحكام وفاق سنة 1902 فى إعلان الدعوى المطلوب من محاكم مصر إصدار الأمر بتنفيذ الحكم الصادر فيها من شأنه ألا يجعل لهذا الحكم قوة ملزمة أمام المحاكم المصرية لأنه يكون مبنيا على الإجراءات تخالف القانون الواجب التطبيق فى السودان فى هذه الحالة وهو وفاق سنة 1902 ومن ثم يكون حكما باطلا ولا تسرى عليه قاعدة التبادل المسلم بها فى فقه القانون الدولى الخاص.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن وقائع الدعوى – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل فى أن الطاعن استصدر حكما من المحكمة العليا بالخرطوم فى 12 من يوليو سنة 1950 فى القضية رقم 905 سنة 1950 قضى بإلزام المطعون عليه بأن يدفع له مبلغ 2484 جنيها و80 مليما من أصل وملحقات ثم أقام الدعوى رقم 665 سنة 1951 أمام محكمة القاهرة الابتدائية طلب فيها الحكم بوضع الصيغة التنفيذية على الحكم الصادر من المحكمة العليا بالخرطوم – وأسس دعواه على أنه قد اتبع سبيل القانون فى إجراءات تلك الدعوى من مبدئها حتى صدور الحكم فيها وإعلانه إلى المطعون عليه بما يطابق أحكام المادة 493 من قانون المرافعات، وأن هذا الحكم قد صدر من محكمة مختصة بالفصل فى النزاع طبقا لقوانين السودان وأصبح حائزا لقوة الشئ المحكوم فيه نافذ المفعول فى السودان – وأن حكما لم يصدر فى مصر فى شأن هذا النزاع حتى يمكن افتراض تعارضه مع الحكم المطلوب الأمر بتنفيذه كما أنه لا يتضمن ما يخالف الآداب أو قواعد النظام العام فى مصر وبذلك تكون شرائط المادة 493 مرافعات قد توافرت – وفى 14 من يونيو سنة 1951 قضت المحكمة برفض طلب الأمر بتنفيذ الحكم الصادر فى القضية رقم 905 سنة 1950 من المحكمة العليا بالخرطوم – فاستأنف الطاعن هذا الحكم وقيد استئنافه برقم 525 سنة 68 ق استئناف القاهرة، وفى 8 من مايو سنة 1952 قضت المحكمة بقبول الاستئناف شكلا ورفضه موضوعا وبتأييد الحكم المستأنف – فقرر الطاعن الطعن فى هذا الحكم بطريق النقض فى 27 من مايو سنة 1952 وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون فقررت بجلسة 14 من ديسمبر سنة 1955 إحالته على الدائرة المدنية لنظره بجلسة 23 من فبراير سنة 1956.
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه مخالفته القانون ذلك من خمسة أوجه: الأول – الخطأ فى تطبيق قرار مجلس النظار الصادر فى 17 من مايو سنة 1902 بالتصديق على الوفاق المعقود بين الحكومتين المصرية والسودانية إذ يبين من نص المادتين الأولى والرابعة من هذا الوفاق أنه لا يخرج عن أن يكون تعهدا من كل من حكومتى مصر والسودان بأن تقوم كل منهما بإعلان الأوراق القضائية التى ترسلها إليها الحكومة الأخرى بالطريقة المبينة بهذا الوفاق – وفى هذه الحالة يتعين على الحكومة التى أرسلت إليها الأوراق أن تتبع فى إعلانها الطريقة المرسومة بالوفاق وأنه ليس فى نصوص ذلك الوفاق ما يلزم الحكومة التى تريد إعلان أوراق قضائية فى بلاد الحكومة الأخرى أن ترسلها إلى تلك الحكومة الأخرى لإعلانها بل إن لها أن تتخذ فى إعلان تلك الأوراق الطريقة التى تحددها هى فى تشريعها الداخلى بدليل أن المادة الأولى من الوفاق نصت على أنه "تتعهد كل من الحكومتين مبدئيا.." وأن لفظ "مبدئيا" يشير إلى معنى "التوقيت" وبدليل أن الحكومة السودانية أصدرت قوانين نظمت فيها طريقة إعلان المقيمين خارج السودان بالأوراق القضائية، ونص فى المادة 61 من مجموعة القوانين السودانية الصادرة فى أول مايو سنة 1925 على أن الاعلانات ترسل بالبريد المسجل إذا كانت هناك مواصلات بريدية منتظمة بين ذلك المكان والبلد الذى تقع فيه المحكمة. الثانى – أن الحكم المطعون فيه أخطأ إذ رتب البطلان على إعلان الدعوى للمطعون عليه ثم إعلان الحكم الصادر فيها بطريق البريد عملا بالمادة 61 من مجموعة القوانين السودانية مع أن قرار مجلس النظار الصادر فى 17 من مايو سنة 1902 لم يرتب البطلان جزاء لمخالفة أحكامه ولا بطلان بغير نص. الثالث – مخالفة الحكم المطعون فيه لمبادئ القانون الدولى الخاص وأحكام المادتين 491 و493/ 2 من قانون المرافعات، ويقول الطاعن فى بيان ذلك إن من المبادئ المقررة فى القانون الدولى الخاص أن الاجراءات تخضع لقانون القاضى الذى يحكم فى الدعوى، ولما كانت محكمة الخرطوم هى التى حكمت فى الدعوى فكان عليها أن تتحقق من حصول الاعلان وفقا لقانون السودان الداخلى، وقد تم إعلان الدعوى وفق ذلك القانون وبذلك تكون الاجراءات قد تمت صحيحة وليس للمحاكم المصرية وهى فى صدد الحكم فى طلب وضع الأمر بالتنفيذ على الحكم الصادر من محكمة الخرطوم إلا أن تتحقق من أن الإعلان قد تم صحيحا وفقا لقانون القاضى الذى أصدر الحكم عملا بحكم المادة 493/ 2 من قانون المرافعات – كما أن الحكم المطعون فيه قد أهمل قاعدة التبادل المنصوص عنها فى المادة 491 من قانون المرافعات لأن الحكومة السودانية أصدرت فى سنة 1901 قانونا بشأن تنفيذ أحكام المحاكم المصرية الأهلية والشرعية ونص بالفقرة الأخيرة من المادة الثامنة من ذلك القانون على أنه "يجب أن يتضح أو يبرهن أن ورقة التكليف بالحضور أعلنت على مقتضى القواعد الموضوعة فى القوانين المصرية الأهلية" – وأن إعمال قاعدة التبادل المنصوص عنها فى المادة 491 من قانون المرافعات من شأنه أن ينفذ الحكم الصادر من إحدى محاكم السودان فى مصر ما دام أن ورقة التكليف بالحضور أعلنت على مقتضى القواعد الموضوعة فى القوانين السودانية. الرابع – أن قرار مجلس النظار الصادر فى 17 من مايو سنة 1902 لا يعتبر قانونا له القوة التشريعية التى للقوانين بدليل أن نصوصه غير ملزمة لكل من الحكومتين بإتباع طريق واحد معين فى إعلان الأوراق القضائية على ما سبق بيانه فى الوجه الأول من أوجه النعى وبدليل أن المادة 23 من الوفاق المصدق عليه بهذا القرار نصت على أنه "تصدر حكومة السودان فى أقرب وقت ممكن الأحكام القانونية اللازمة لتنفيذ هذا الوفاق" ومع ذلك ظلت حكومة السودان ساكتة حتى أصدرت مجموعة قوانينها المدنية فى مايو سنة 1925 وحددت فى المادة 61 منها طريقة إعلان المقيمين خارج السودان بالأوراق القضائية بواسطة البريد فى الجهات التى بها بريد منظم، ومعنى هذا أن حكومة السودان لم تصدر أى قانون داخلى بتنفيذ ما نص عليه وفاق سنة 1902 – وإنه إذا اعتبر هذا الوفاق معاهدة فإنها تكون قد ولدت ميتة من الناحية التشريعية ما دام أن حكومة السودان لم تصدر قانونا بالأحكام اللازمة لتنفيذها – هذا فضلا عن أن قرار مجلس النظار بالتصديق على وفاق سنة 1902 لا يجعل لهذا الوفاق قوة القانون إذ لم يصدر به دكريتو أو أمر عال من رئيس الدولة على ما كان العمل جاريا عليه فى إصدار القوانين فى ذلك الوقت – وأخيرا فإن الحكم المطعون فيه طبق أحكام وفاق سنة 1902 على نزاع مدنى فى حين أن هذا الوفاق خاص بتسليم المجرمين الهاربين وبإعلانهم لتنفيذ العقوبة عليهم من أى أنه خاص بالقضايا الجنائية وحدها ولا يغير من ذلك ما ورد بالمادة 22 منه من أنه "إذا أرسلت أوراق من إحدى الحكومتين بقصد إعلانها على ذمة الأفراد فللحكومة المذكورة أن تشترط لإجراء الإعلان دفع مصاريف مناسبة زيادة على رسوم الإعلان" لأن الأوراق المقصودة بتلك المادة هى تلك الخاصة بالدعاوى المدنية المتصلة بالدعاوى الجنائية كدعاوى التعويض عن الجريمة – الخامس: – إن الحكم الصادر من محكمة أول درجة المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد أخطأ فى تأويل الفقرة الثانية من المادة 493 من قانون المرافعات إذ جاء بأسبابه: "وحيث إنه فضلا عن أن بطلان تكليف المدعى عليه بالحضور فإنه لم يمثل تمثيلا صحيحا أمام المحكمة التى أصدرت الحكم المطلوب الأمر بتنفيذه فلم يحضر" مع أن المستندات التى قدمها الطاعن لمحكمة الموضوع ثابت منها أن المطلوب عليه أعلن بطلب الحضور فى الدعوى الصادر فيها الحكم المطلوب الأمر بتنفيذه لجلسة 12 من يوليه سنة 1950 وسلم إليه الإعلان شخصيا فى القاهرة فى 13 من مايو سنة 1950 ثم صدر الحكم غيابيا فى 12 من يوليه سنة 1950 وأرسلت صورة الحكم للمطعون عليه وسلمت إليه شخصيا فى القاهرة فى 3 من أكتوبر سنة 1950، ولما كانت الفقرة الثانية من المادة 493 من قانون المرافعات لا توجب حضور المعلن إليه أمام المحكمة التى أصدرت الحكم بل كل ما اشترطته أن يكون قد مثل تمثيلا صحيحا إذا ما حضر أمامها ولما كان المطعون عليه لم يحضر أمام المحكمة فإن الحكم المطعون فيه إذ استند على عدم حضوره للقول بأنه لم يمثل أمامها تمثيلا صحيحا يكون قد أخطأ تأويل القانون وتطبيقه.
وحيث إن هذا النعى مردود فى جميع وجوهه بأن الوفاق المعقود بين حكومتى مصر والسودان والمصدق عليه من مجلس النظار فى 17 من مايو سنة 1902 قد نص فى المادة الأولى منه على أن "تتعهد كل من الحكومتين مبدئيا بإجراء إعلان طلبات الحضور وباقى الأوراق القضائية التى ترسلها إحداهما للأخرى لهذا القصد" ونص فى المادة الرابعة منه على أن "الأوراق المعدة للإعلان فى مصر ترسل بواسطة مندوب حكومة السودان إلى نظارة الحقانية وهى تقوم باجراء اللازم لإعلانها بالطريقة الإدارية" وعبر عن لفظ "مبدئيا" الواردة بالمادة الأولى فى النسخة الفرنسية بلفظ "en principe'' وفى النسخة الانجليزية بلفظ"in principle'' أى "من حيث المبدأ" وأنها لذلك لا تفيد معنى التوقيت على ما يذهب إليه الطاعن – كما أن عبارة المادة الأولى
تشير إلى التزام كل من الحكومتين باجراء إعلان طلبات الحضور وباقى الأوراق القضائية التى ترسلها إحداهما للأخرى كما نظمت المادة الرابعة الطريقة التى تتبع فى إعلان الأوراق بمصر وعبارة هذه المادة صريحة فى أن طريقة الإعلان الواردة بها هى الطريقة الوحيدة التى اتفق بين الحكومتين على اتباعها فى شأن الأوراق المراد إعلانها فى مصر ولو أن الطرفين المتعاقدين كانا يرميان إلى حق كل منهما فى اتباع طريقة أخرى لضمان الوفاق المعقود بينهما ما يفيد هذا الخيار صراحة – وإذا كانت الحكومة السودانية قد رأت أن تنظم طريقة إعلان الأوراق القضائية لغير المقيمين فى السودان بالنص الوارد بالمادة 61 من مجموعة القوانين السودانية الصادرة فى مايو سنة 1925 على خلاف الطريقة المبينة بالوفاق المعقود بينها وبين الحكومة المصرية فى سنة 1902 فإن هذا النص لا يلزم المحاكم المصرية التى يطلب منها إصدار الأمر بتنفيذ الأحكام السودانية ذلك أن وفاق سنة 1902 هو معاهدة مبرمة بين مصر والسودان وليس لإحدى الدولتين أن تتحلل من أحكامه بعمل منفرد أخذا بأحكام القانون الدولى العام فى شأن المعاهدات وعلى القاضى فى كل دولة من الدولتين عندما يطلب منه الحكم فى دعوى يكون المدعى عليه فيها مقيما فى بلاد الدولة الأخرى أن يتحقق من أن إعلانه قد تم وفق أحكام وفاق سنة 1902 من تلقاء نفسه ولو خالفت أحكامه قانونه الداخلى لأن من المسلم به فى فقه القانون الدولى العام أنه إذا تعارضت أحكام المعاهدة مع أحكام قانون داخلى فإن أحكام المعاهدة وحدها تكون هى الواجبة التطبيق سواء كان القانون الداخلى قد صدر قبل إبرام المعاهدة أو صدر بعد إبرامها ذلك لأن المعاهدة رابطة تعاقدية بين دولتين لا تتأثر بما يكون للدولتين من تشريعات سابقة عليها أو بما تصدره إحداهما من تشريعات لاحقة تعارض أحكامها.
وحيث إن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من مخالفة قواعد القانون الدولى الخاص وأحكام المادتين 491 و493/ 2 من قانون المرافعات فمردود بأنه وإن كانت الإجراءات فى الدعاوى تخضع لقانون القاضى الذى يحكم فى الدعوى إلا أن تلك الإجراءات إذا كانت قد نظمت بمعاهدة بين بلد القاضى والبلد الآخر وجب على القاضى اتباع ما نص عليه فى المعاهدة ولو كان مخالفا لما نص عليه القانون الداخلى للقاضى وذلك تطبيقا لأحكام القانون الدولى العام على ما سبق بيانه – وعدم مراعاة الإجراءات المنصوص عنها فى المعاهدة لا يجعل للحكم الذى يصدر فى الدعوى قوة إلزام ولا حجية فى بلاد الدولة الأخرى، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاءه على أن إعلان المطعون عليه قد تم على غير الطريقة التى رسمها وفاق سنة 1902 لم يخالف القانون – كما أنه لم يخالف ما نصت عليه المادتان 491 و493/ 2 من قانون المرافعات ما دام أن الإعلان فى الدعوى المطلوب إصدار الأمر بتنفيذ الحكم الصادر فيها قد تم على خلاف أحكام وفاق سنة 1902 المشار إليه، أما ما يدعيه الطاعن من مخالفة الحكم لقاعدة التبادل المعترف بها فى القانون الدولى الخاص وفى المادة 491 من قانون المرافعات فغير صحيح لأن الحكم أقام قضاءه على عدم مراعاة الإجراءات المنصوص عنها فى الوفاق وهو قانون الدولتين فيما يتعلق بإعلان الأوراق القضائية والقانون الصادر سنة 1901 من حكومة السودان بشأن تنفيذ الأحكام المصرية فى السودان قد نص فى مادته الثامنة على وجوب أن يكون الحكم المصرى قد صدر بعد إعلان المدعى عليه بالطريقة التى رسمها القانون المصرى ولما كان القانون الذى يجب على قاضى محكمة الخرطوم الذى أصدر الحكم موضوع الدعوى أن يتبعه فى شأن إعلان عريضة الدعوى هو وفاق سنة 1902 فإن عدم مراعاة أحكام هذا الوفاق من شأنه ألا يجعل للحكم الصادر فى الدعوى قوة ملزمة أمام المحاكم المصرية لأنه بنى على إجراءات تخالف القانون الواجب التطبيق فى السودان فى هذه الحالة وهو وفاق سنة 1902 ومن ثم يكون باطلا ولا تسرى عليه قاعدة التبادل المسلم بها فى فقه القانون الدولى الخاص.
وحيث إن ما ينعاه الطاعن فى الوجه الرابع من أن قرار مجلس النظار الصادر فى 17 من مايو سنة 1950 بالتصديق على الوفاق المعقود بين الدولتين لا يجعل من هذا الوفاق قانونا له القوة التشريعية التى القوانين فمردود بأن أحكام وفاق سنة 1902 ملزمة للحكومتين معا وليس لإحداهما أن تعدل عن الطريقة المرسومة فيه لإعلان الأوراق القضائية إلى طريقة أخرى دون موافقة الحكومة الأخرى – على ما سبق بيانه فى الرد على الوجه الأول – وأما عن سكوت حكومة السودان عن إصدار تشريع داخلى إعمالا لنص المادة 23 من الوفاق فإن ذلك لا ينزع عن هذا الوفاق صفة القانون الواجب الاحترام أمام محاكم الدولتين خصوصا وأن حكومة السودان قد قامت بنشر هذا الوفاق ضمن مجموعة قوانينها ونفذته الحكومتان معا من تاريخ إبرامه، أما عن عدم صدور الوفاق بمرسوم أو دكريتو فإن أعمال التشريع فى مصر وقت إبرام هذا الوفاق كانت تتولاها هيئات مختلفة وكانت السلطة التنفيذية مختلطة بالسلطة التشريعية وكانت القوانين تصدر فى بعض الأحيان فى صورة دكريتو أو أمر عال أو إرادة سنية أو فى صورة لائحة أو قرار إلى غير ذلك من الصور وقد أضفت المادة 167 من دستور سنة 1923 صفة القانون على هذه القوانين بالنص على بقاء ونفاذ كل ما سن أو اتخذ من قبل من الأعمال والإجراءات طبقا للأصول والأوضاع المتبعة أو التى كانت متبعة، كما أن المعاهدات قد تعرض على البرلمان فيصدرها بقانون أو يصدرها رئيس الدولة بمرسوم أو قرار وقد يكتفى بنشرها كما ينشر القانون – ولما كان وفاق سنة 1902 قد صدق عليه مجلس النظار ونشر بالوقائع الرسمية كما نشر بمجموعة القوانين والقرارات المصرية فإنه يكون قانونا من قوانين الدولة – وأما عن القول بأن الوفاق قاصرا على إعلان الأوراق الخاصة بالمواد الجنائية فمردود كذلك بأن عنوان الوفاق قد نص فيه على أنه: "بشأن تبادل إعلان الأوراق القضائية وتسليم المجرمين" كما أن نصوص المواد الأولى والرابعة والثانية والعشرين منه صريحة فى عموم نصوصها وشمولها لكافة الدعاوى المدنية والتجارية ودعاوى الأحوال الشخصية والدعاوى الجنائية على السواء، إذ نصت المادة الأولى على تعهد كل من الحكومتين باعلان الأوراق القضائية التى ترسلها إحدى الحكومتين للأخرى وجاء نص هذه المادة عاما لا تخصيص فيه لنوع معين من الأوراق القضائية ثم نصت المادة الرابعة على طريقة حصول الإعلان. ونصت المادة الثانية والعشرين على حق الحكومة المرسل إليها الإعلان فى تقاضى رسوم إضافية فى حالة إعلان أوراق قضائية للأفراد وهذه النصوص مجتمعة تؤكد سلامة ما أقيم عليه الحكم المطعون فيه فى هذا الخصوص.
وحيث إن ما نعاه الطاعن من خطأ الحكم المطعون فيه فى تأويل عبارة "ومثلوا تمثيلا صحيحا" الواردة بالفقرة الثانية من المادة 493 من قانون المرافعات فغير منتج ما دام أن الحكم قد أقام قضاءه برفض الدعوى على بطلان إعلان المطعون عليه فى الدعوى 905 سنة 1950 محكمة الخرطوم العليا – ومن ثم يكون الطعن على غير أساس متعينا رفضه.


صدر حكم مماثل فى ذات الجلسة فى الطعن رقم 138 سنة 22 القضائية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات