الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 203 سنة 22 ق – جلسة 10 /11 /1955 

أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الرابع – السنة 6 – صـ 1480

جلسة 10 من نوفمبر سنة 1955

برياسة السيد الأستاذ عبد العزيز محمد رئيس المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة: عبد العزيز سليمان، ومحمد فؤاد جابر، واسحق عبد السيد، ومحمد عبد الواحد على المستشارين.


القضية رقم 203 سنة 22 القضائية

إجارة. عقد. تكييفه. وجوب الاعتماد فى التكييف على نصوصه. عقد استغلال مقصف إحدى محطات السكك الحديدية. عدم جواز اعتباره عقد إيجار بل التزام بأداء خدمة عامة.
العبرة فى تكييف من العقد وتحديد حقوق طرفيه هى بما تضمنه هذا العقد وما حواه من النصوص، فاذا وصف عقد استغلال مقصف إحدى محطات السكك الحديدية بأنه عقد إيجار، وكان يتضح من مجموع نصوصه وما فرضه من التزامات أن المصلحة المتعاقدة لم تكن تنشد استغلال محل للتجارة، وإنما تبغى من وراء ذلك أولا وبالذات تحقيق مصلحة عامة هى خدمة المسافرين فى قطاراتها لتوفير ما يحتاجون إليه فى أسفارهم من طعام وشراب بأسعار معتدلة، فانه لا يجوز اعتبار هذا العقد بأنه عقد إيجار بل التزام بأداء خدمة عامة. ولئن كان من آثار ذلك أن يتوافر المال للمصلحة الملتزم لها سواء باقتضاء الجعل المحدد أم بزيادته على غرار الزيادة العسكرية المقررة بالأوامر الخاصة بذلك فانه ليس من شأنه أن يغير من صفة العقد، ولا أن يحول المكان المرخص بإشغاله من المنافع العامة إلى محل تجارى.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن واقعة الدعوى تتحصل – على ما استبان من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – فى أن الطاعنة أقامت الدعوى رقم 4407 سنة 1947 كلى مصر ضد المطعون عليه وطلبت الحكم فيها بالزام هذا الأخير باخلاء العين "بوفيه محطة سكة حديد حلوان" وملحقاتها المبينة بعقد الإيجار المبرم بينهما وتسليمها وبأن يدفع لها مبلغ 1252 ج و401 م ما يستجد ابتداء من شهر نوفمبر سنة 1947 بواقع 425 ج سنويا لغاية الاخلاء والتسليم، وقالت الطاعنة شرحا لدعواها إنه بمقتضى عقد وصف بأنه عقد إيجار تعاقد المطعون عليه مع الطاعنة على استغلال بوفيه محطة سكة حديد حلوان والكشك الملحق به لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد ابتداء من أبريل سنة 1940 حتى آخر مارس سنة 1943 مقابل 121ج سنويا وحدث بعد صدور الأمر العسكرى رقم 315 المنظم لعلاقة المؤجر بالمستأجر أن أخطر المطعون عليه الطاعنة بتاريخ 3 من نوفمبر سنة 1942 برغبته فى تجديد العقد، إلا أن الطاعنة ردت عليه فى 30 من ديسمبر سنة 1942 بعدم رغبتها فى التجديد وأنها تنذره باشهار مزاد استغلال – البوفيه – وقد تم لها ذلك فعلا ورسا المزاد على آخر فى 24 من أبريل سنة 1943 مقابل مبلغ 425 ج سنويا ولما رفض المطعون عليه إخلاء العين اختصمته الطاعنة فى الدعوى رقم 2096 سنة 1944 مستعجل مصر وطلبت فيها بصفة مستعجلة إخلاء العين فقضى فيها بعدم اختصاص القضاء المستعجل بنظر الدعوى لأن المنازعة فى زوال أثر التنبيه بالاخلاء موضوعية. فأقام الطاعن هذه الدعوى الحالية وصمم فيها على طلباته السابقة. وبتاريخ 15 من يناير سنة 1950 قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى تأسيسا على أن التعاقد ورد على أملاك مخصصة للمنفعة العامة وأن العقد فى حقيقته عقد إيجار يخضع لأحكام الأمر العسكرى رقم 315 وما لحقه من قوانين منظمة لعلاقة المؤجرين بالمستأجرين والاخلاء المطلوب لم يستند إلى سبب من الأسباب التى تجيزه وفقا لقانون إيجار المساكن، ولا للمادة 18 من العقد، إذ تبين للمحكمة أن مبنى الاخلاء الرغبة فى زيادة الأجرة… استأنفت الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة وقيد بجدولها برقم 266 سنة 67 ق، وطلبت فى صحيفة استئنافها المعلنة بتاريخ 27 من أبريل سنة 1950 إلغاء الحكم المستأنف والقضاء بالاخلاء والتسليم وبالزام المطعون عليه بأن يدفع لها مبلغ 1526 ج و576 م وما يستجد ابتداء من مارس سنة 1949 حتى الإخلاء، وبتاريخ 2 من يونيه سنة 1951 قضت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف وبتأييد الحكم المستأنف استنادا إلى أن القضاء لا يسوغ الإخلاء لزيادة الجعل ولأن هذا الجعل لا تفرضه الادارة باعتبارها صاحبة سلطة بل بصفتها مالكة للمال وصاحبة الحق فى ثماره المدنية وعمل الادارة بفرض هذا الجعل لا يعتبر من أوامر الإدارة بل من تصرفاتها التى تقيدها وزاد الحكم المطعون فيه بأن الطاعنة رغم إبداء رغبتها فى عدم تجديد العقد فقد استمرت على قبض الأجرة من المطعون عليه وفقا للأمر العسكرى بزيادة 40% على الإيجار المحدد بالعقد ولمدة أكثر من سنة وثلاثة شهور من انتهاء العقد الأول إلى تاريخ رفع الدعوى المستعجلة فضلا عن أنها لم ترفع الدعوى الحالية إلا بعد خمسة سنوات تقريبا من تاريخ انتهاء العقد مما يدل على أنها تنازلت عن إخطار المطعون عليه بالإخلاء مع موافقتها على استمرار انتفاع المطعون عليه بقبض الأجرة المقدرة بما فيها الزيادة العسكرية حتى نهاية سنة 1949… فطعنت الطاعنة على هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن هذا الطعن قد بنى على سبب واحد وهو مخالفة القانون والخطأ فى تطبيقه وحاصله أن العقد محل النزاع واضح الدلالة على أن الطاعنة لم تكن تنشد استغلال المقصف بقصد التجارة وإنما كانت تقصد تأدية مصلحة عامة هى خدمة المسافرين فى قطاراتها بتوفير ما يحتاجون إليه فى أسفارهم من طعام وشراب بأسعار معتدلة وهو بهذه المثابة لا يعدو أن يكون ترخيصا للانتفاع بملك عام فهو مؤقت بطبيعته وغير ملزم للسلطة المرخصة التى لها دواما ولداعى المصلحة العامة الحق فى إلغائه والرجوع عنه ولو قبل حلول أجله. ولئن كان من آثار نشاط الطاعنة فى هذا الاستغلال أن يتوافر المال فى خزينتها فليس من شأنه أن يغير من وصفها كمصلحة حكومية إلى هيئة تجارية أو أن يحول المكان المرخص للمطعون عليه بإشغاله إلى محل تجارى وعلى ذلك فان ما أورده الحكم المطعون فيه من تقييد حق الطاعنة فى إخلاء العين محل النزاع بالأسباب التى تجيز الإخلاء وفقا لأحكام قانون تأجير المساكن أو إعمالا للبند 19 من العقد لا سند له من القانون لأن العقد ليس عقد إيجار بل مجرد ترخيص من الطاعنة بوصفها ممثلة لسلطة إدارية ولها الحق فى إلغائه غير مقيدة بالشروط الواردة بالعقد متى كان رائدها تحقيق مصلحة عامة وتقرير الحكم المطعون فيه أن الباعث على طلب الإخلاء هو زيادة الجعل فهو – إن صح – باعث تبتغى به الطاعنة غاية مشروعة مطابقة لصالح الخزانة وأما قول الحكم المطعون فيه بأن تنازل الطاعنة عن إخطار المطعون عليه بالإخلاء أو أنها وافقت على استمرار انتفاع المطعون عليه بالمقصف وبقبض الأجرة المحددة بالعقد بما فيها الزيادة العسكرية فهو مخالف للقانون إذ انساق إليه الحكم خطأ تمشيا مع تكييفه للعقد محل النزاع بأنه عقد إيجار وقد تقدم القول بأنه مجرد ترخيص ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه إذ قضى باعتبار العقد عقد إيجار تحكمه نصوص الأمر العسكرى رقم 315 وما تلاه من قوانين منظمة لعلاقة المؤجرين بالمستأجرين يكون قد خالف القانون مما يستوجب نقضه.
ومن حيث إن هذا النعى فى محله ذلك لأن العبرة فى تكييف العقد محل النزاع والتعرف على حقيقة مرماه وتحديد حقوق الطرفين فيه إنما هو بما تضمنه النزاع هذا العقد وما حواه من نصوص. فإذا كان يبين من نصوصه أنه وان وصف بأنه عقد إيجار إلا أنه يتضح من مجمع نصوصه وما فرضه من التزامات أنه ألزم المستأجر بتهيئة المقصف وتزويده بما يلزم من طعام وشراب سدا لحاجة الجمهور، مع مراعاة الشروط الصحية وبأسعار محددة فى قائمة مرافقة للعقد، وأن يخضع لما تحدده المصلحة من أثمان لم ترد بالقائمة وأن يبيع معروضاته لعمال المصلحة بنصف القيمة المحددة وأن ينفذ ما يصدر إليه من أوامر فى شأن إدارة المقصف وألا يتولى إدارته إلا من توافق عليه الطاعنة، مع تحديد عدد المستخدمين ورفت من ترى هى رفتهم وأن يمكن لموظفى المصلحة من التردد لمراقبة تنفيذ شروط العقد إلى آخر القيود المبينة بالعقد المذكور – دل هذا بوضوح على أن هذا العقد لا يصح اعتباره عقد إيجار واردا على محال تجارية لأنه يبين من هذه القيود ومرماها أن الطاعنة فى تعاقدها مع المطعون عليه لم تكن تنشد استغلال محل معد للتجارة، إنما تبغى من وراء ذلك أولا وبالذات تحقيق مصلحة عامة هى خدمة المسافرين فى قطاراتها ليلا ونهارا بتوفير ما يحتاجون إليه فى أسفارهم من طعام وشراب وبأسعار معتدلة فهو التزام بأداء خدمة عامة – ولئن كان من آثار ذلك أن يتوافر المال للطاعنة سواء كان ذلك باقتضاء الجعل المحدد أم بزيادته على غرار الزيادة العسكرية المقررة بالأوامر الخاصة بذلك؛ فليس من شأن ذلك أن يغير من صفة العقد، ولا أن يحول المكان المرخص للمطعون عليه باشغاله من المنافع العامة إلى محل تجارى "يراجع حكم هذه المحكمة فى الطعن رقم 181 سنة 17 ق" – ومن ثم فالحكم المطعون فيه إذ اعتبر العقد محل النزاع – رغم صراحة نصوصه ودلالتها على الغرض من إبرامه – عقد إيجار يخضع لأحكام الأمر العسكرى رقم 315 وما تلاه من قوانين منظمة لعلاقة المؤجرين بالمستأجرين يكون قد أخطأ تكييف هذا العقد ويكون قضاؤه على مقتضى هذا التكييف مخالفا للقانون مما يتعين معه نقضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات