الطعن رقم 162 سنة 22 ق – جلسة 20 /10 /1955
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الرابع – السنة 6 – صـ 1381
جلسة 20 من أكتوبر سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ عبد العزيز محمد رئيس المحكمة وبحضور السادة الأساتذة: أحمد العروسى ومحمد فؤاد جابر، واسحق عبد السيد، ومحمد عبد الواحد على المستشارين.
القضية رقم 162 سنة 22 القضائية
( أ ) مسئولية. حق رجال البوليس فى تفريق المتظاهرين. حدود هذا
الحق. تجاوزهم هذه الحدود. ثبوت مسئوليتهم. مثال. القانون رقم 10 لسنة 1914 والقانون
رقم 14 لسنة 1923.
(ب) مسئولية. تمسك رجال البوليس بانعدام مسئوليتهم اعتمادا على حالة الدفاع الشرعى.
شروط توافر هذه الحالة. ثبوت عدم توافر هذه الشروط. قيام مسئولية البوليس عن واقعة
اعتدائه على المتظاهرين.
1 – انه وإن كان لرجال البوليس فى سبيل تنفيذ ما نص عليه القانون رقم 10 لسنة 1914
بشأن التجمهر والقانون رقم 14 لسنة 1923 بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة
والمظاهرات فى الطرق العمومية أن يتخذوا من الوسائل ما يؤدى إلى تفريق المجتمعين، ولا
مسئولية عليهم إذا هم فى سبيل القيام بهذا الواجب أصابوا أحدا منهم إلا أنهم إذا جاوزوا
فى تصرفاتهم الحد اللازم لتحقيق هذه الأغراض كان هذا التجاوز اعتداء لا يحميه القانون،
وتقدير ذلك هو من مسائل الواقع التى يستقل بتقديرها قاضى الموضوع.
2 – يشترط لنفى المسئولية اعتماد على حالة الدفاع الشرعى أن يكون الاعتداء المراد دفعه
حالا أو وشيك الحلول. وإذن فمتى كان الحكم إذ قرر مسئولية الحكومة ونفى قيام حالة الدفاع
الشرعى قد أثبت أن البوليس ارتكب خطأ ظاهرا فى محاصرة المتظاهرين فوق أحد الكبارى وكان
من المستحيل عليهم الافلات من القوتين المتقابلتين، ولم تكن هذه الوسيلة هى الكفيلة
بالغرض الذى يجب أن يقصده البوليس من تفريقهم وأنه إذا كان قد حصل اعتداء على بعض رجاله
فقد كان مقابل تهجمه على المتجمهرين الفارين أمام البوليس وأن البوليس هو الذى كان
البادئ بالاعتداء دون أن يكون لذلك مبرر فان فى هذا الذى قرره الحكم ما يكفى لحمل قضائه
فى هذه الخصوص.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار
والمرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع حسبما يبين من الحكم المطعون فيه، ومن سائر الأوراق – تتحصل فى
أن المطعون عليه الأول عن نفسه وبصفته وليا شرعيا على ابنه المطعون عليه الثانى أقام
الدعوى رقم 471 سنة 1947 القاهرة الابتدائية على الطاعنة، وقال بيانا لها أنه فى 9
من فبراير سنة 1946 توجه ابنه المذكور إلى الكلية فوجد طلبتها مجتمعين فى حرم الجامعة
ينادون بمطالب مصر القومية، وذلك بمناسبة رد الحكومة البريطانية على مذكرة الحكومة
المصرية عن هذه المطالب، وأثناء عودته إلى منزله، وكان يقصد ركوب الترام 15، تبين له
أن كوبرى عباس كان مفتوحا فانتظر حتى يحين موعد إغلاقه ثم أثناء اجتيازه الكوبرى لاحق
رجال البوليس من جهة الجيزة حشدا من الطلبة وانهالوا عليهم بالعصى، كما فوجئ بآخرين
مقبلين من الجهة الأخرى بقصد محاصرة الطلبة والتنكيل بهم، وبينما كان المطعون عليه
الثانى يحاول الفرار أصابه بعض رجال البوليس على رأسه فأغمى عليه ونقل إلى المستشفى،
وأجريت له عدة عمليات جراحية وقد ثبت من أوراق المستشفى أنه أصيب بكسر فى عظام الجمجمة
وترتب على ذلك حصول نزيف بالمخ فأجريت له عملية التربنة ونقل الدم عدة مرات، وتسبب
عن ذلك قطع شريان غليظ فى ساقه اليسرى، ثم تبين أنه أصيب بشلل وظل فى المستشفى 15 يوما،
ولم يكن قد تم شفاؤه حتى تاريخ رفع الدعوى. وأنه قد ثبت من التحقيق أن رجال البوليس
بادروا الطلبة بالاعتداء بغير مبرر، وأن ما أصاب المطعون عليه الثانى وتخلف عاهة مستديمة
بسبب إصابته يؤثر عليه كطالب ويضر بمستقبله، وأن الشلل الذى أصابه يزيد مشاكل حياته
تعقيدا والحكومة مسئولة عن هذه الاضرار التى وقعت بخطأ رجال البوليس، وطلب المطعون
عليه الأول الحكم بالزام الطاعنة بصفتها بمبلغ 5000 جنيه والفوائد بواقع 5% من تاريخ
المطالبة الرسمية حتى الوفاء. وأثناء سير الدعوى بلغ المطعون عليه الثانى سن الرشد،
وعدل المطعون عليهما طلباتهما إلى مبلغ 20000 جنيه. وفى 11 من يناير سنة 1951 قضت المحكمة
بإلزام الطاعنة بأن تدفع للمطعون عليهما مبلغ 5000 جنيه فاستأنفا هذا الحكم كما استأنفته
الطاعنة وقيد استئنافهما برقمى 67 و177 سنة 68 ق القاهرة. وفى 16 مارس سنة 1952 قضت
المحكمة بقبول الاستئنافين شكلا، وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف، وبإلزام الطاعنة
بأن تدفع للمطعون عليه الأول مبلغ 4272 جنيها وللمطعون عليه الثانى مبلغ 4000 جنيه،
مع المصروفات المناسبة، ومبلغ 50 جنيها مقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما خالف ذلك من
الطلبات، فقررت الطاعنة الطعن فى هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن بنى على سببين: يتحصل السبب الأول فى أن الحكم المطعون خالف القانون
وأخطأ فى تطبيقه وتأويله من ستة وجوه، الوجه الأول – أن الحكم أقام قضاءه على أن الخطأ
وقع من رجال البوليس لأنهم هم الذين بدأوا الطلبة بالعدوان وعلى أن المتظاهرين لم يكونوا
مسلحين بعصى أو غيرها من أدوات الاعتداء فى حين أن قيام رجال البوليس بتفريق التجمهر
حق مقرر لهم قانونا، بل هو واجب يلزمهم به القانون، لأن التظاهر والتجمهر جريمة يعاقب
مرتكبها بمقتضى القانون رقم 10 سنة 1914 والمادتين 4 و9 من القانون رقم 14 لسنة 1923
ولم يعلق القانون حق البوليس فى التفريق ولو بالقوة على وقوع اعتداء من المتجمهرين
أو على حاملين لأدوات الاعتداء خلافا لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه، لأن حق البوليس
فى التفريق مقرر متى رأى أن من شأنه أن يترتب عليه الإخلال بالأمن أو النظام أو تعطيل
حرية المرور. ويتحصل الوجه الثانى فى أن الحكم المطعون فيه أورد فى أسبابه أن مدير
الجيزة قرر فى التحقيق أنه علم من رجال الأمن وبوليس مصر أن الطلبة سيحدثون حدثا، وأنه
كان على المدير أن يواجه الموقف فقد كان تحت أمرته عدد كبير من الضباط والجنود، ولكنه
قصر احتياطه على تكليف الضباط بالمراقبة العامة وتسجيل أسماء الخطباء وإخباره بما يجد،
ثم تهاون فى ترك الطلبة يخرجون من الجامعة ويصلون إلى ميدان الجيزة ثم كوبرى عباس فترك
عناصر أخرى من غير الطلبة تنضم إليهم، وقد يكون من بينهم بعض أعوان الشر والفتنة، فلما
وصل الطلبة إلى كوبرى عباس أمر بخروج القوات لملاقاتهم فى الميدان، وأنه لا يفهم كيف
يأبى تفريق الطلبة فى ميدان الجيزة فى حين أنه فى الوقت نفسه يعمل على منعهم من المرور
فوق الكوبرى، ورأى الحكم فى هذا التصرف فعلا خاطئا يوجب المسئولية وهو مع تسليمه بحق
البوليس فى تفريق التجمهريرى أن عدم قيام المدير بالتعرض للمتظاهرين حتى وصلوا إلى
ميدان الجيزة وكوبرى عباس فعل خاطئ يؤدى إلى المسئولية، مع أنه إذا روجعت أقوال المدير
– كما ذكرت فى الحكم – يبين منها أنه ظن أن الاجتماع سيقتصر على إلقاء الخطب فلم يعمد
إلى التعرض لهم واكتفى بمراقبتهم، فلما خرج الطلبة من الجامعة إلى ميدان الجيزة لم
يعمد إلى الاصطدام بهم لخطورة هذا التصرف فى هذا الميدان المتسع الذى توجد به محلات
تجارية كثيرة قد تتعرض للاتلاف، فلما وصل الطلبة إلى كوبرى عباس عمل على إغلاقه حتى
لا يجتازه الطلبة إلى القاهرة، فعمدوا إلى إعادته للمرور بتهديد عماله وساروا عليه
حتى اصطدموا ببوليس القاهرة الذى كان مرابطا فى نهاية الكوبرى. ويبين من هذه الأقوال
التى أوردها الحكم أن تصرف مدير الجيزة إنما كان تصرفا حكيما لا يرد عليه وصف الخطأ
أو التهاون، وأن الطلبة لو أنهم أذعنوا للأمر الصادر إليهم بالتفرق عند وصولهم كوبرى
عباس لانتهى تجمهرهم دون أى ضرر، وتصرف المدير فى هذا الخصوص أملته الحكمة وقصد به
عدم الاصطدام بالطلبة حرصا على الأملاك العامة وعلى النظام، فلا يمكن أن يعد بأنه فعل
خاطئ يؤدى إلى المسئولية خلافا لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه. ويتحصل الوجه الثالث
فى أن الحكم إذ أقام قضاءه على أن الطلبة كانوا يسيرن فى مظاهرة سلمية، ولا يحملون
عصيا أو أدوات للاعتداء، وأن قيام رجال البوليس بتفريقهم بالقوة كان عملا خاطئا لأنهم
هم الذين بدأوا بالاعتداء، وأن مدير الجيزة جعل رجاله صفوفا متراصة لمنع الطلبة من
الفرار، إذ بهذه الوسيلة يتجمع الطلبة فى حالة نفسية ثائرة، وأن القليل من الحكمة والتقدير
كانت تكفى لعلاج الحالة من غير اعتداء. إذ قرر الحكم ذلك خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه
وتأويله، كما انطوى على تناقض فى الأسباب، لأن التجمهر جريمة معاقب عليها قانونا سواء
وقع الاعتداء أم لم يقع، ويكفى أن يرى رجال البوليس أن التجمهر من شأنه أن يؤدى إلى
اضطراب الأمن والنظام فيقوم حقهم فى تفريقه بالقوة. والقانون قد ألقى على رجال البوليس
هذا الواجب بصريح نصوصه، وباعتبارهم مسئولين عن حماية الأرواح والممتلكات، ولهم أن
يستعملوا القوة فى هذا السبيل إلى حد إطلاق الرصاص على المتظاهرين دون مسئولية عما
ينتج من ذلك من أضرار، فاذا كان الثابت من الحكم أن المتظاهرين كانوا يعدون بالآلاف،
وأنهم نصحوا بالتفرق فلم يذعنوا، وأنهم فى طريقهم إلى كوبرى عباس أتلفوا لافتتين معدتين
للارشاد إلى الطرق وهى واقعة تدل بذاتها على نية الإتلاف والاعتداء. وأن المتظاهرين
عمدوا إلى فتح كوبرى عباس بالقوة وانطلقوا فى طريقهم إلى القاهرة حيث ترابط قوة البوليس
لمنعهم من دخولها. فاذا ما قام لدى رجال البوليس الاعتقاد بأن هذا التجمهر من شأنه
أن يترتب عليه الإخلال بالنظام فقاموا بتفريق المتظاهرين بالقوة بعد أن رفضوا الإذعان
للأمر بالتفرق فان عملهم هذا لا يمكن أن يعد خطأ. أما تناقض الحكم فواضح من أنه يرى
فى موضع أن فى مطاولة مدير الجيزة للمتظاهرين خطأ وتهاونوا فاذا به فى موطن آخر يرى
أن تفريق المتظاهرين بالقوة ليست هى الوسيلة الكفيلة بتفريق المتجمهرين، ويتحصل الوجه
الرابع فى أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أن النيابة العامة قيدت تهمة استعمال
القسوة ضد رجال البوليس ثم حفظتها لعدم معرفة الفاعل، ورأى أن هذا التصرف يثبت الخطأ
على رجال البوليس ويوجب مسئوليتهم، وفى ذلك مخالفة للقانون، لأن قيد التهمة بمعرفة
النيابة لا يقوم دليلا على الإدانة، وليس لقرارها قوة الأحكام ولا حجية لها فى إثبات
الخطأ. ويتحصل الوجه الخامس فى أن وزارة الداخلية دفعت أمام محكمة الموضوع بأن رجال
البوليس حين قاموا بما ألزمهم به القانون كانوا فى حالة دفاع شرعى على اعتبار أنهم
مسئولون عن حماية الأرواح والممتلكات وتنفيذ القانون وإقرار الأمن والنظام، وواضح من
أسباب الحكم أنه علق قيام حالة الدفاع الشرعى على وقوع الاعتداء من المتظاهرين على
رجال البوليس وفى ذلك مخالفة للقانون، ولما كانت حالة الدفاع الشرعى هى ركن من الأركان
القانونية للاعفاء من المسئولية فان البحث فى توافر هذا الركن أو عدم قيامه أو تجاوزه
يخضع لرقابة محكمة النقض. ولما كان الثابت من الحكم أن عددا كبيرا من سيارات الركاب
العامة ومن عربات الترام قد أحرقت وأتلفت، وأن عددا كبيرا من رجال البوليس قد أصيب
من إلقاء قطع الطوب والحجارة فان حالة الدفاع الشرعى تكون متوافرة. ويتحصل الوجه السادس
فى أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه بالتعويض على وقوع الخطأ من رجال البوليس وتضمنت
أسبابه نفى الخطأ من المتظاهرين على أساس أن مظاهرتهم كانت سلمية، وفى هذا مخالفة للقانون
لأن التجمهر جريمة يوجب القانون فضه بالقوة. فكان لزاما على الحكم فى قضائه بالتعويض
أن يدخل فى حسابه وقوع خطأ من المتظاهرين ومخالفة للقانون، وهذه المخالفات تجب أى خطأ
ينسب إلى رجال البوليس. وقد وجه إلى المطعون عليه الثانى تهمة الاشتراك فى تجمهر فهو
عرض نفسه للاصابة، كما أن النيابة وجهت إليه تهمة الامتناع عن تلقى الدروس والاشتراك
فى مظاهرة كان الغرض منها سياسيا رغم تحذير البوليس.
ومن حيث إن هذا السبب فى جميع وجوهه مردود أولا بأن الحكم الابتدائى المؤيد لأسبابه
فى هذا الخصوص بالحكم المطعون فيه بعد أن استعرض وقائع الدعوى وظروفها والاجراءات التى
اتخذها رجال البوليس، قرر أن تجمع الطلبة وسيرهم فى مظاهرة فى الطرق العمومية بغير
إخطار ولا تصريح من السلطات المختصة فيه خروج على القانون، وأن من حق رجال البوليس،
بل من واجبهم أن يحولوا بين أى شخص وبين ارتكابه أية مخالفة للقانون، وأن يعملون على
فض التجمعات والمظاهرات إلا أن الوسائل التى يتخذها رجال البوليس فى تنفيذ القانون
وطريقة معالجته للامور تخضع للبحث والتقدير، إذ أن حقه ينتهى بالقدر الذى يكفى لتحقيق
أغراضه فإذا جاوزه متعنتا أو متعسفا كان مخطأ خطأ مستوجبا المسئولية، وبعد أن سرد الحكم
الوقائع من وقت تجمع الطلبة، ثم خروجهم متظاهرين فى الشوارع حتى وقوع الاعتداء وذلك
من واقع الاوراق وتحقيقات الجناية رقم 2982 سنة 1946 بندر الجيزة، خلص إلى أن تصوير
الحادث بأن الطلبة قذفوا بوليس الجيزة بالأحجار أثناء مطاردة بوليس مصر لهم غير صحيح
إطلاقا، وأن حقيقة الواقعة أن بوليس مصر منع الطلبة من الوصول إلى العاصمة وأمرهم بالعودة
من حيث أتوا ثم ضربهم بالعصى فجروا أمامه حتى وصلوا إلى بوليس الجيزة فلم يكونوا معهم
أحسن حظا، وقد رأى الجمع الواقف فى الميدان أن فى هذا التصرف ما استفز شعورهم فأخذوا
أحجار من أرض خربة قريبة منهم وقذفوا بها بوليس الجيزة المرابط أمام الكوبرى فرجال
البوليس هم الذين بدأوا بالاعتداء الذى لم يكن له أى مبرر، وأن الوسيلة التى أتبعها
مدير الجيزة بأمره الجنود بالوقوف متراصين صفوفا عند مدخل كوبرى عباس ليمنعوا الطلبه
الفارين من مطاردة بوليس مصر من العودة إلى الجيزة، لم تكن هى الكفيلة بالوصول إلى
الغرض الذى يجب أن يقصده البوليس من تفريق المتجمعين، إذ أن من شأن هذه الوسيلة أن
يتجمع الطلبة فى حالة نفسية ثائرة، وخلص الحكم إلى القول بأن القليل من الحكمة والتدبر
كانت تكفى فى علاج الحالة من غير اللجوء إلى هذا الاعتداء. وهذا الذى قرره الحكم لا
خطأ فيه، ذلك أنه وإن كان لرجال البوليس فى سبيل تنفيذ ما نص عليه القانون رقم 10 لسنة
1914 بشأن التجمهر والقانون رقم 14 لسنة 1923 بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة
والمظاهرات فى الطرق العمومية، أن يتخذوا من الوسائل ما يؤدى إلى تفريق المتجمهرين،
ولا مسئولية عليهم إذا هم فى سبيل القيام بهذا الواجب، أصابوا أحدا منهم. إلا أنهم
إذا جاوزوا فى تصرفاتهم الحد اللازم لتحقيق هذه الأغراض كان هذا التجاوز اعتداء لا
يحميه القانون وتقدير ذلك هو من وقائع الدعوى التى يستقل بتقديرها قاضى الموضوع ولما
كان الحكم المطعون فيه إذ قرر مسئولية البوليس عن إصابة المطعون عليه الثانى لم يقم
قضاءه فى هذا الخصوص على أساس أنه لم يكن محقا فى تفريق المتظاهرين، وإنما أقامه على
أساس أن البوليس كان مخطئا فى تصرفاته، وأنه لم يكن حكيما فى معالجة الحالة من مبدئها
حتى نهايتها، وأنه كان لديه من الوسائل ما يمنع الطلبة من الخروج من الجامعة إلى أنه
تركهم يسيرون فى هيئة مظاهرة مسافة طويلة حتى وصلوا ميدان الجيزه، فأدخل فى روعهم أن
أحدا لا يعترض على سيرهم، ثم حاصرهم فوق كوبرى عباس واعتدى عليهم بالعصى الغليظة دون
ان يكون لهذا التصرف ما يبرره. وعلى ذلك لا محل لتعييب هذا التقدير متى كان مقاما على
أسباب سائغة كما هو الشأن فى هذه الدعوى. ومردود فى وجهه الثانى بأن الحكم المطعون
فيه إذ اعتبر تصرفات مدير الجيزة خاطئة فقد استند فى ذلك إلى ما قرره فى تحقيق الجناية
السابق الإشارة إليها من أنه وردت إليه وإلى وزارة الداخلية وبوليس مصر معلومات على
أن هناك اتفاقا على أن الطلبة سيحدثون حدثا، فلا يقبل منه القول بأنه كان يعتقد بأن
الأمر سيكون مقصورا على إلقاء الخطب، لأن أى رجل إدارى مسئول يجب أن يدخل فى تقديره
جواز وقوع ما وصل إلى علمه فلا ينتظر حتى تفاجئه الحوادث فيفقد حسن التصرف فى السيطرة
على الحالة، وقد قصر احتياطه – كما يقول – على تكليف الضباط بالمراقبة العامة وتسجيل
أسماء الخطباء واخباره بما يجد. وترك من هم ليسوا من طلبة الجامعة ينضمون إليهم، وقد
يكونون من أعوان الشر والفتنة. وأن الطلبة فى خروجهم من الجامعة لم يعترض سيرهم أحد
من رجال البوليس حتى وصلوا ميدان الجيزه فأتلفوا لافتتين لارشاد القوات البريطانية
– وهى واقعة عديمة الأهمية – ثم استأنفوا سيرهم إلى كوبرى عباس فى طريقهم إلى القاهرة،
وكان بوليس العاصمة مرابطا فى الجهة المقابلة للكوبرى، وقد شهدوا بانهم حالوا دون مرور
الطلبة وأرغموهم على العودة إلى الجيزة، وقرر الطلبة أن بوليس العاصمة إذ تلقاهم بالعصى
فروا أمامه فقابلهم بوليس الجيزة ولقوا منه نفس الاعتداء حتى أصيب بعضهم وألقى بعض
آخر نفسه فى الماء لينجوا من محاصرة القوتين. ويبين من هذا أن الحكم إذ وصف تصرفات
مدير الجيزة بالخطأ استند فى ذلك إلى ما قرره فى التحقيقات وإلى تهاون رجال البوليس
الذين كانوا تحت إمرته بادئ الأمر ثم اعتدائهم على المتظاهرين بالضرب بعد أن حاصروهم
فوق الكوبرى من جهتيه وهى وسيلة لتفريق المتظاهرين لم يكن لها ما يبررها. واستخلاص
الحكم فى هذا الخصوص يتأدى من أقوال المدير التى أوردها ومن التحقيقات التى أشار إليها
ومردود فى وجهه الثالث بأنه لا يعدو أن يكون ترديدا لما ورد بالوجه الأول، وقد سبق
الرد عليه، والأسباب التى استند إليها الحكم فى هذا الخصوص لا يشوبها تناقض أو اضطراب
ومردود فى وجهه الرابع بأن الحكم إذ تعرض إلى قيد النيابة تهمة استعمال القسوة ضد رجال
البوليس فإنما كان تزيدا منه، ولا يعيب الحكم الخطأ فى هذا التقرير متى كانت الأسباب
الأخرى التى استند إليها فى إثبات مسئولية الطاعنة عن الضرر الذى لحق المطعون عليهما
تكفى لإقامته ومردود فى وجهه الخامس بأنه لتوافر قيام حالة الدفاع الشرعى يشترط أن
يكون الاعتداء الذى يرمى إلى دفعه حالا أو وشيك الحلول. ولما كان الحكم إذ نفى قيام
حالة الدفاع الشرعى أثبت بالأدلة السليمة التى أوردها أن البوليس ارتكب خطأ ظاهرا فى
محاصرة الطلبة فوق كوبرى عباس من الجانبين، وكان من المستحيل عليهم الإفلات من القوتين
المتقابلتين، ولم تكن هذه الوسيلة هى الكفيلة بالغرض الذى يجب أن يقصده البوليس من
تفريق المتجمهرين، وإذا كان قد حصل اعتداء على بعض رجاله بالقذف بالأحجار فقد كان مقابل
تهجمه على الطلبة الفارين أمام بوليس القاهرة، وكان البوليس هو البادى بالاعتداء دون
أن يكون لذلك مبرر. وفى هذا الذى قرره الحكم ما يكفى لاقامته فى خصوص نفى قيام حالة
الدفاع الشرعى. ومردود فى وجهه السادس بأن الحكم استخلص من الوقائع التى أثبتها أن
تصوير الحادث بأن الطلبة قذفوا بوليس الجيزة بالأحجار أثناء مطاردة بوليس القاهرة لهم
غير صحيح بالمرة، وأن حقيقة الواقعة أن بوليس القاهرة منع الطلبة من الوصول إلى العاصمة
وأمرهم بالعودة ثم ضربهم بالعصى فجروا أمامه حتى وصلوا إلى بوليس الجيزة فلم تكن حالتهم
معه أحسن حظا. وقد رأى الجمع الواقع فى الميدان أن فى هذا التصرف ما استفز شعورهم فتلقفوا
الأحجار من أرض خربة وقذفوا بها بوليس الجيزة المرابط أمام الكوبرى، وخلص إلى القول
بأن البوليس لم يكن حكيما فى معالجة الحالة من مبدئها حتى نهايتها، وأن محاصرة الطلبة
فوق الكوبرى وضربهم بالعصى الغليظة دون أن يدعو الحال إلى ذلك بعد أن أدخل فى روع الطلبة
أن أحدا لن يعترض على سيرهم إذ تركهم يسيرون فى هيئة مظاهرة مسافة طويلة حتى وصلوا
إلى ميدان الجيزة، وكان لديه من الوسائل ما يمكنه من منع الطلبة من الخروج من الجامعة،
وأن المطعون عليه الثانى كان مع الطلبة الذين اعتدى البوليس عليهم وهم فوق الكوبرى.
وفى هذا الذى قرره الحكم ما ينفى حصول خطأ من جانب الطلبة ومنهم المطعون عليه الثانى.
ومن حيث إن السبب الثانى يتحصل فى أن الحكم المطعون فيه مشوب بقصور فى التسبيب، لأن
الطاعنة دفعت أمام محكمة ثانى درجة أن معاينة النيابة أثبتت ما لحق السيارات العامة
وعربات الترام من تلف ووجود كميات كبيرة من الطوب والحجارة، وأن عمال الترام قرروا
أن المتظاهرين هم الذين أحدثوا هذا الإتلاف وأن سائق الترام عبد الله عدلى اللبودى
قرر أن المتظاهرين حاولوا حرق الترام بوضع أوراق محترقة فيه وجدها المحقق، وقد رد الحكم
المطعون فيه بأن هذا الاتلاف حصل بعد وقوع العدوان من رجال البوليس دون أن يبين المصدر
الذى استقى منه هذه الواقعة أو الدليل عليها. كما أن الطاعنة دفعت بأن رجال البوليس
كانوا فى حالة دفاع شرعى وقد اعتدى المتظاهرون على مساعد الحكمدار بالضرب لولا أن طالبين
أنقذاه منهم، فلم يعن الحكم بالرد على ذلك وقرر أن واقعة إتلاف اللافتات عديمة الأهمية.
ثم أن الطاعنة دفعت أيضا بأن تقرير الطبيب الشرعى أثبت أن إصابة المطعون عليه الثانى
فى رأسه كانت نتيجة مصادمة جسم صلب راض ثقيل، وأن السحجات الموجودة بالركبة نتيجة احتكاك،
ولم يبين التقرير ما إذا كانت هذه الاصابات من عصى أو أحجار، وقد أغفل الحكم المطعون
فيه الرد على ذلك.
ومن حيث إن هذا السبب مردود فى شقه الأول بأنه لا يعدو أن يكون ترديدا لما ورد فى السبب
الأول وجدلا موضوعيا فى تقدير المحكمة للدليل الذى استمدت منه نفى حصول خطأ من جانب
الطلبة أو أن البوليس كان فى حالة دفاع شرعى. ومردود ثانيا بأن الحكم إذ تعرض لاصابة
المطعون عليه الثانى قرر أنه يبين من الاطلاع على التقارير الطبية أن المطعون عليه
الثانى أصيب بجرح رضى بفروة الرأس مصحوب بارتجاج وكسر مضاعف تفتتى منخسف كبير بقمة
الرأس يشعب به كسر شرخى يمينى على الجانبين إلى قاعدة الجمجمة به تهتك بالجيب الأمامى
الخلفى وشلل نصفى يمينى. وقد أثبت الطبيب الشرعى أنه تخلف لديه عاهة مستديمة بسبب إصابة
الرأس بفقد جزء كبير مساحته 8 × 5 سم بالعظم الجدارى، وهذا الفقد يجعل المخ أكثر تأثرا
للاصابات الخارجية والتغييرات الجوية، وقد تعرض المصاب فى المستقبل لالتهابات المخ
والصرع وغيرهما، فضلا عن الضعف المشاهد فى الطرف السفلى الأيمن والشلل بالقدم اليمنى
المتسبب عن إصابة الرأس. وقد أثبت الحكم فى الأسباب السابق إيرادها أن الاعتداء على
الطلبة ومنهم المطعون عليه الثانى كان من جانب رجال البوليس، ثم بين العناصر التى بنى
عليها تقديره فى القضاء بالتعويض المحكوم به. ويبين من هذا أن الحكم إذ قرر أن إصابة
المطعون عليه الثانى حدثت من رجال البوليس فقد استمد ذلك من تحقيقات الجناية رقم 2982
سنة 1946 بندر الجيزة ومن الكشوف الطبية المرافقة لها. وما أورده الحكم فى هذا الخصوص
يكفى لحمل قضائه فى إثبات مسئولية الطاعن عن إصابة المطعون عليه الثانى.
ومن حيث إنه مما تقدم يكون الطعن على غير أساس مما يستوجب رفضه.
