الطعن رقم 318 سنة 21 ق – جلسة 30 /06 /1955
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الثالث – السنة 6 – صـ 1334
جلسة 30 من يونيه سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ عبد العزيز محمد رئيس المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة: عبد العزيز سليمان، وأحمد العروسى، ومحمود عياد، ومحمد فؤاد جابر المستشارين.
القضية رقم 318 سنة 21 القضائية
موظفون. الحق المطلق المقرر للحكومة فى فصل موظفيها بلا محاكمة
تأديبية. المقصود به. ليس معناه أن تستعمله على هواها. هى مقيدة من حيث الغاية. وجوب
وقوفها عند حد تجاوز السلطة والتعسف فى استعمال الحق.
المراد بالحق المطلق المقرر للحكومة فى فصل موظفيها بلا حاجة إلى محاكمة تأديبية هو
تفرد الحكومة بتقدير صلاحية الموظف واستمرار استعانتها به أو عدم استمرارها وليس معناه
أن تستعمله على هواها، ذلك أن هذه السلطة التقديرية وإن كانت مطلقة من حيث موضوعها
إلا أنها مقيدة من حيث غايتها التى يلزم أن تقف عند حد تجاوز هذه السلطة والتعسف فى
استعمالها، ولئن كانت الحكومة غير ملزمة ببيان أسباب الفصل إلا أنه متى كانت هذه الأسباب
ظاهرة من القرار الصادر به فانها تكون خاضعة لتقدير القضاء ورقابته فاذا تبين أنها
لا ترجع إلى اعتبارات تقتضيها المصلحة العامة ولا هى من الأسباب الجدية القائمة بذات
الموظف المستغنى عنه أو المنازع فى صحتها كان ذلك عملا غير مشروع وحقت مساءلة الحكومة
فى شأنه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن واقعة الدعوى – على ما يستفاد من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن –
تتحصل فى أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 2623 سنة 1946 كلى مصر ضد الطاعنين وطلب
فيها الحكم بالزامهما بصفتهما متضامنين بأن يدفعا له مبلغ عشرين ألفا من الجنيهات على
سبيل التعويض مع المصاريف والأتعاب والنفاذ وقد أسس دعواه على أنه حصل على دبلوم الزراعة
فى مايو سنة 1927 وعين فى 5 من نوفمبر سنة 1927 مساعد أخصائى بقسم تربية النباتات فى
الدرجة السادسة الفنية ثم انتدب لمقاومة الجراد فى الصحراء الشرقية وفى 14 من مايو
سنة 1945 أصدر وزير الزارعة قرارا بإيقافه عن عمله وإحالته إلى مجلس تأديب وكان هذا
القرار مفاجئا وبدافع شخصى ثم أعقبه قرار من مجلس الوزراء فى 17 من مايو سنة 1945 بإحالته
إلى المعاش ولما كان هذا التصرف قد صدر بطريقة تعسفية ولغير مصلحة عامة بل إشباعا لشهوة
انتقام شخصى وبنى على غش وخطأ وعلى أسباب غير صحيحة فهو يستحق عنه التعويض الذى قدره
بدعواه وأنه ما كان للوزارة بعد أن قررت إيقافه عن العمل وإحالته إلى مجلس تأديب أن
تغفل هذا القرار بعد أن تعلق به حقه وتستصدر قرارا بفصله، وقد دفع الطاعنان الدعوى
بأن المطعون عليه انتدب للاشراف على مقاومة الجراد بالصحراء الشرقية وأن وكيل الوزارة
قد مر عليه بالكيلو 24 من السكة الصحراوية بين القاهرة والسويس فلم يجده وعلم من معاونيه
أنه يتغيب عن مقر عمله ولا يبيت فيه إلا نادرا وأنه لم يكن منتظما فى إشرافه على العمل
وأنه استولى على بدل مبيت مضاعف بغير حق وكان يستعمل السيارات الحكومية فى شئونه الخاصة.
وبتاريخ 11 من أبريل سنة 1948 قضت محكمة أول درجة بإلزام الطاعنين بأن يدفعا للمطعون
عليه مبلغ 4000 ج والمصاريف تأسيسا على أن قرار الإحالة إلى المعاش لم يكن نتيجة إجراءات
قانونية صحيحة وأن قرار الإحالة إلى مجلس التأديب قد تعلق به حقه فلا يجوز العدول عنه
ولأن التحقيقات التى أجرتها الوزارة معه لم تلم بجميع النواحى الواجبة لإمكان تحديد
المسئولية وتقديرها تقديرا صحيحا قاطعا سيما وأن دفاعه لم يحقق – استأنف الطاعنان هذا
الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة وقيد استئنافهما برقم 580 سنة 66 ق وطلبا فى صحيفته
إلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى كما رفع المطعون عليه استئنافا عن ذات الحكم وقيد
استئنافه برقم 1416 سنة 66 قضائية وطلب فيه تعديل الحكم المستأنف إلى مبلغ عشرين ألفا
من الجنيهات مع المصاريف والأتعاب عن الدرجتين وبتاريخ 3 من يونيه سنة 1951 حكمت محكمة
استئناف القاهرة بقبول الاستئنافين شكلا ورفضهما موضوعا وتأييد الحكم المستأنف وألزمت
كل طرف بمصاريف استئنافه مع المقاصة فى أتعاب المحاماة آخذة بوجهة نظر محكمة أول درجة
فيما رأته من عدم صحة الإجراءات التى انتهت بقرار الإحالة إلى المعاش إذ لم تتكامل
فيها الضمانات الكافية لحماية المطعون عليه كموظف وفى تقديرها للتعويض. فطعن الطاعنان
فى هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن هذا الطعن قد أقيم على سببين يتحصل السبب الثانى منهما فى أن الحكم المطعون
فيه قد شابه قصور مبطل له كما أخل بدفاع جوهرى للطاعنين ذلك أن الحكم المطعون فيه قد
قضى بعدم صحة الاجراءات التى انتهت إلى إحالة المطعون عليه إلى المعاش استنادا إلى
المذكرة المرفوعة لمجلس الوزراء مع مخالفتها فى بعض بياناتها لما أثبته وكيل الوزارة
فى مذكرته التى رفعها للوزير ولما تضمنه التحقيق الإدارى إذ جاء بالمذكرة المرفوعة
لمجلس الوزراء أن المطعون عليه لا يحضر لمقر عمله ولا يبيت فيه فى حين أن مذكرة وكيل
الوزارة التى بنى عليها قرار وقفه وإحالته إلى مجلس التأديب لم تنكر على المطعون عليه
مبيته بمقر وعمله إن وصفته بأنه كان نادرا كما أن التحقيق الإدارى لا ينفى مبيته ولكن
الحكم المطعون فيه لم يعن ببيان الفرق من ناحية مسئولية الموظف الذى يفرض عليه عمله
المبيت فى مقر العمل – بين ما إذا كان لا يبيت بهذا المقر إطلاقا وبين ما إذا كان لا
يبيت إلا نادرا وكلا الأمرين إهمال جسيم موجب للمسئولية وخاصة أن المطعون عليه كان
مكلفا بمهمة مراقبة الجراد فى وقت اشتدت فيه غارته وعظم خطره وقد برر الحكم تغيب المطعون
عليه عن مقر عمله بأنه لم يكن بغير إذن رغم ما أبدته الحكومة بدفاعها للمحكمة أن وكيل
الوزارة مر فى يوم 13/ 5/ 1945 فلم يجد المطعون عليه فى مقر عمله ولم يكن من أيام العطلة
أو الأعياد عند المسيحيين وحتى مع افتراض أن يومى 6 و7 مايو سنة 1945 كانا من أيام
العطلة فإن الموظف مجند لخدمة عامة ولا يمكن أن يمنح نفسه عطلة فى مثل هذه الظروف السيئة
سيما إذا كان يتقاضى بدل مبيت مضاعف ومع هذا فإن المطعون عليه قد اتصل تليفونيا من
"كابينة" ببور سعيد بمقر العمل فى يوم 6/ 5/ 1945 رغم اعتباره هو أن هذا اليوم من أيام
العطلة – ولم يرد الحكم على هذا الدفاع ولم يبين إن كان من حق الموظف التغيب فى مقر
عمله فى مثل هذا الظرف وأثر ذلك فى نفى تقصير المطعون عليه وإهماله. وقد أضاف الطاعنان
أنهما أدليا لذلك للمحكمة بأن مجلس الوزراء سلطة رئاسية بالنسبة للوزير وأن الوزير
لا يستطيع أن يعطل حقا من حقوق مجلس الوزراء بقرار يتخذه إذ لمجلس الوزراء حق إحالة
الموظف إلى المعاش بغير الإحالة إلى مجلس التأديب التى يكون الوزير قد قررها ابتداء
– والحكم المطعون فيه إذ أغفل الرد على ذلك كله وعلى الأخص على هذا الدفاع الأخير وهو
جوهرى قد يتغير به وجه الرأى فى الدعوى – يكون قد غشيه قصور يبطله ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى بأنه وإن كان للحكومة الحق المطلق فى فصل موظفيها
بلا حاجة إلى محاكمة تأديبية فالمراد بكون هذا الحق مطلقا هو تفرد الحكومة بتقدير صلاحية
الموظف وتقرير استمرار استعانتها به أو عدم استمرارها وليس معناه أن تستعمله على هواها
إذ أن هذه السلطة التقديرية وإن كانت مطلقة من حيث موضوعها إلا أنها مقيدة من حيث غايتها
التى يلزم أن تقف عند حد تجاوز هذه السلطة والتعسف فى استعمالها ولئن كانت الحكومة
غير ملزمة ببيان أسباب الفصل إلا أنه متى كانت هذه الأسباب ظاهرة من القرار الصادر
به فإنها تكون خاضعة لتقدير القضاء ورقابته – فإذا تبين أنها لا ترجع إلى اعتبارات
تقتضيها المصلحة العامة ولا هى من الأسباب الجدية القائمة بذات الموظف المستغنى عنه
أو المنازع فى صحتها كان ذلك عملا غير مشروع وحقت مساءلة الحكومة فى شأنه. وإذن فمتى
كان الثابت من الأوراق أن قرار إحالة المطعون عليه إلى المعاش إنما بنى على ما تضمنته
مذكرة الوزير إلى مجلس الوزراء من القول بأنه "ثبت من التحقيق أن وكيل الوزارة عند
مروره فى يوم 13 مايو سنة 1945 بالكيلو 24 على الطريق الصحراوى لم يجد المطعون عليه
بمقر اللجنة وانه علم من الخفير أنه لا يحضر إلى اللجنة إلا نادرا أو لا يبيت بها فأمر
الوزير بعمل تحقيق ثبت منه أن المطعون عليه لا يبيت بمقر اللجنة ولم يكن منتظما فى
الاشراف على عمله وأنه استولى على بدل مبيت مضاعف بغير وجه حق وكان يستعمل السيارات
الحكومية فى شئونه الخاصة وأنه فى الأسبوع الثانى من شهر مايو الذى اشتدت فيه غارة
الجراد ترك عمله ومضى يتنزه بين بور سعيد والسويس وهى منطقة خارجة عن حدود منطقته."
ولما كان هذا الذى ورد بالمذكرة قد استبان لمحكمة الموضوع أنه لا يؤيده الواقع ويخالف
ما جاء بمذكرة وكيل الوزارة التى قدمها إلى الوزير فى بعض بياناتها إذ لم تنكر هذه
المذكرة على المطعون عليه المبيت بمقر عمله وان وصفته بأنه يقع نادرا كما أن التحقيق
الادارى لا يؤدى إلى نفى مبيته فى مقر العمل ولأن المطعون عليه قد بين فى التحقيق أن
يومى 6 و7 من مايو سنة 1945 كانا من أيام العطلة إذ وافق أولهما عيد القيامة عند المسيحيين
وثانيهما يوم شم النسيم وانه لم يتغيب عن عمله بغير إذن أو فى غفلة من رؤسائه إذ اتصل
فى اليوم المذكور برئيسه من بور سعيد وأبلغه بمكانه لتلقى تعليماته كما أبلغه أنه قائم
فى اليوم التالى إلى السويس ليمر على بعض المناطق الداخلة تحت إشرافه وأصر المطعون
عليه على تحقيق دفاعه وسماع شهوده فيما يختص بعدم وجوده بمقر عمله يوم مرور وكيل الوزارة
عليه فى يوم 13 مايو سنة 1945 بأنه كان يباشر عمله بالمرور فى جهة أخرى من أرجاء المنطقة
الواسعة المكلف بالاشراف عليها ولكن التحقيق لم يمض إلى غايته لامكان كشف هذه الحقيقة
مع ما فى ذلك من إخلال واضح بحق المطعون عليه فى الدفاع عما نسب إليه – لما كان الحكم
المطعون فيه قد استظهر ذلك كله وراجع التحقيق الادارى ورأى أنه مع ما فيه من نقض ظاهر
لا يؤدى إلى نفى مبيت المطعون عليه بمقر عمله ولا إلى صحة ادعاء تغيبه عن مقر اللجنة
يوم 13 مايو سنة 1945 ولا إلى إثبات أى إهمال أو تقصير من جانب المطعون عليه وقال فى
هذا الصدد "ويضاف إلى ذلك النقص الظاهر فى التحقيق الادارى وإغفاله أخص ما يجب لصحته
من تحقيق الدفاع الذى تقدم به المطعون عليه وسماع الشهود الذين أشهدهم على الوقائع
التى ذكرها مما يعتبر إخلالا بحقه الطبيعى فى الدفاع عن نفسه" ثم قضى بالتعويض استنادا
إلى عدم جدية الأسباب التى بنى عليها قرار إحالة المطعون عليه إلى المعاش وكانت تلك
الأسباب تؤدى إلى النتيجة التى انتهى إليها الحكم – كان النعى على الحكم فى خصوص هذا
السبب على غير أساس ويتعين لذلك رفضه.
ومن حيث إن السبب الأول يتحصل فى أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه
من وجهين أولهما أن الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بالتعويض على القول بعدم صحة الاجراءات
التى انتهت بفصله لتعلق حقه بالقرار الصادر من الوزير فى 14/ 5/ 1945 بإحالته إلى مجلس
التأديب لمحاكمته عما نسب إليه ولأن هذا القرار مقيد للسلطة الادارية سيما وأنه لم
يجد ما يدعو إلى التعجيل بفصله بقرار من مجلس الوزراء وهذا الذى أقام عليه الحكم قضاءه
مخالف للقانون لأنه من المقرر أن لجهة الادارة حق إصدار القرارات الادارية وحق العدول
عنها ولما كان قرار إحالة المطعون عليه إلى مجلس التأديب صدر فى 14/ 5/ 1945 ثم عدل
عنه بقرار الفصل فى 17/ 5/ 1945 فى وقت سابق على صدور القانون رقم 9 سنة 1949 الخاص
بانشاء مجلس الدولة الذى استن قيد الستين يوما المقررة لسحب القرارات الادارية أو تعديلها
فيكون إجراء الفصل قد وقع صحيحا ويكون القول بأن الحكومة لا تملك العدول عن قرارها
الأول لتعلق حق المطعون عليه به مخالفا للقانون. ويتحصل الوجه الثانى فى أن الحكم المطعون
فيه أقام قضاءه بعدم صحة الاجراءات التى انتهت بصدور قرار إحالته إلى المعاش على أن
هناك نقصا فى التحقيقات الادارية التى بنى عليها قرار الوزارة لعدم تحقيق دفاع المطعون
عليه وخطأ هذا النظر أن للحكومة الحق المطلق فى فصل عمالها وإحالتهم إلى المعاش دون
رقابة من القضاء عليها إلا إذا كان التصرف لا يقصد منه المصلحة العامة كارضاء غرض شخصى
أو حزبى وعلى الموظف إقامة الدليل على ذلك فاذا كان المطعون عليه قد أسس دعواه على
أن قرار فصله قد صدر لباعث شخصى من وزير الزراعة لأنه من ناخبى دائرته وقد نفى الحكم
الابتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه ذلك وأثبت أنه لم يقم دليل على ذلك فالقضاء بالتعويض
رغم عدم وجود الدليل على إساءة استعمال السلطة مخالف للقانون هذا ولأن إجراءات التحقيق
ونقصها واستكمالها إنما هى من إجراءات الادارة التى تستقل بها دون رقابة القضاء، فاباحة
الحكم التدخل فى حق السلطة التنفيذية فى هذا الشأن مخالف لنص المادة 15 من لائحة ترتيب
المحاكم الأهلية وبالتالى يكون مخالفا للقانون.
ومن حيث إن هذا النعى مردود فى وجهيه بأنه غير منتج ما دام أن الحكم المطعون فيه قد
أقيم على دعامة صحيحة وكافية لحمله وتجزئ فى بلوغ النتيجة التى انتهى إليها على ما
سبق بيانه فى الرد على السبب السابق دون حاجة لمناقشة ما جاء بهذا السبب فلا يجدى الطاعنين
التحدى بما جاء بهذا السبب على أسباب تعتبر نافلة يقوم الحكم بدونها.
