الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 141 سنة 22 ق – جلسة 19 /05 /1955 

أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الثالث – السنة 6 – صـ 1159

جلسة 19 من مايو سنة 1955

برياسة السيد الأستاذ محمد نجيب أحمد وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة: أحمد العروسى، ومحمود عياد، ومحمد فؤاد جابر، ومحمد عبد الواحد على المستشارين.


القضية رقم 141 سنة 22 القضائية

( أ ) إثبات. طريق الإثبات. هى طرق حددها القانون. إضافة وسيلة أخرى لا يقرها القانون. غير جائز.
(ب) إثبات. طريق الإثبات. الاستناد إلى البشعة كوسيلة لإثبات الحق أو نفيه. مخالفة النظام العام.
1 – لما كان المشرع قد بين الأدلة التى يمكن بها إثبات الحقوق وحدد نطاقها وقيد القاضى بوجوب التزامها حماية لحقوق المتقاضين فإنه لا ينبغى تجاوزها أو الاتفاق على مخالفتها بإضافة وسيلة أخرى لا يقرها القانون.
2 – الاستناد إلى البشعة كوسيلة لإثبات الحق أو نفيه هو مما تأباه سنن المجتمع وتحرمه قواعد النظام العام لما فيه من احتمال إيقاع الأذى بالمتخاصمين.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن واقعة الدعوى – على ما يستفاد من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل فى أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 1930 سنة 1950 مدنى ميت غمر طلب فيها الحكم بإلزام الطاعن وضامنه بمبلغ 104 ج والمصاريف والأتعاب والنفاذ وركن إلى سند دين مؤرخ فى 6 من أبريل سنة 1950 ومستحق الأداء وقت الطلب ثم نزل عن مخاصمة الضامن أثناء نظر الدعوى – وكان دفاع الطاعن أن سبب الدين الوارد بالسند غير مشروع لأنه لم يكن فى حقيقته قرضا كما هو ظاهر، وإنما حرر هذا السند لخلاف بين الطرفين على حساب شركة مواش بينهما وأنهما قبلا التحاكم إلى "البشعة" بعد أن حرر كل منهما على نفسه سندا بما يدعيه الآخر قبله فحرر الطاعن السند موضوع هذه الدعوى كما حرر المطعون عليه على نفسه سندا بما يدعيه الطاعن وقدره 66 جنيها و500 مليم وأودع الطرفان السندين لدى المحكم "المبشع" وفى مجلس البشعة وهى طاسة من الحديد تحمى بالنار لدرجة الاحمرار فيلعقها الطرفان بلسانهما ومن يصيبه سوء منها يحكم عليه وتقدم المطعون عليه و"لعق" البشعة ولم يفعل الطاعن لأنه، كما يقول، قد حيل بينه وبين ذلك من جماعة المطعون عليه وكان من نتيجة ذلك أن سلم المحكم "المبشع" السندين للمطعون عليه فرفع دعواه الحالية بموجب السند المحرر بمعرفة الطاعن. ولما كان هذا التحاكم مخالفا للنظام العام ولقواعد الإثبات المقررة فقد طلب إثبات هذه الوقائع بالبينة وقد قضت محكمة أول درجة بتاريخ 27/ 12/ 1950 بإحالة الدعوى إلى التحقيق ليثبت الطاعن هذه الوقائع المتقدمة بالبينة وللمطعون عليه النفى وقد نفذ الحكم التمهيدى وسمعت المحكمة شهود الطاعن وحده دون المطعون عليه الذى اعترض على الحكم التمهيدى ولم يقبله وقرر أن ليس لديه شهود كالثابت بمحضر جلسة 14/ 2/ 1951 – وقد قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى استنادا إلى ما حصلته من أقوال الشهود بما يتفق ودفاع الطاعن عن سبب الدين وطريقة تحرير سنده قائلة إنه لم يبق شك لديها فى أن السند موضوع النزاع وليد احتكام إلى الحديد والنار مما لا يتفق مع قانون أو نظام مما يتعين عليها رفض الدعوى. فاستأنف المطعون عليه ذلك الحكم لدى محكمة المنصورة الابتدائية فى 10/ 4/ 1951 وقيد استئنافه بجدولها العام تحت رقم 716 سنة 3 ق وبجدولها الخاص برقم 160 سنة 1951 مستأنف وقد قضت المحكمة الاستئنافية فى هذا الاستئناف بتاريخ 10 من يناير سنة 1952 بقبوله شكلا وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وإلزام المستأنف عليه "الطاعن" بمبلغ 104 ج والمصاريف عن الدرجتين قائلة إن الاحتكام إلى البشعة طريق مألوف عند العرب وعرف متبع بينهم له احترامه وأن سبب المديونية نتيجة حساب الشركة بين الطرفين ومن ثم فتكون محكمة أول درجة قد خلطت بين السبب والدليل المبرئ للذمة وأنهما ما دام قد ارتضيا التحكيم على هذه الصورة المتقدمة وقد رأى المحكم مديونية الطاعن فيكون الحكم المستأنف قد جانب الصواب وحق إلغاؤه، فطعن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إنه مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بالإلزام على أن قضاء "البشعة" عرف متبع عند العرب وله احترامه فى أوساطهم مع أن ذلك لا أساس له من القانون ولا سند له من نصوصه إذ أن وسائل التقاضى وقواعد الإثبات محددة فى القانون وهى من النظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها، كما أن قول الحكم إن سبب المديونية نتيجة حساب عن شركة معترف بها من الطرفين فى تجارة الماشية ومن ثم يكون للسند سبب مشروع مع أن السند موضوع النزاع لم يكن نتيجة تصفية حساب هذه الشركة وإنما حرره الطاعن بما يدعيه المطعون عليه كما حرر المطعون عليه على نفسه سندا مقابلا قيمته 66 جنيها و500 مليم حسبما يدعيه الطاعن فلا يجوز أن يكون مجرد الادعاء وحده سببا للمديونية ما لم يكن مؤيدا بالدليل القانونى الصحيح والسند محل النزاع لم يحرر ليكون دليل إثبات مستقلا فى الدعوى وإنما أودع لدى أمين وعلق تسليمه على تحقق شرط معين هو لعق (البشعة) دون ضرر، ومثل هذا الشرط باطل لمخالفته للنظام العام مما يجعل السند ذاته باطلا، فاعتبار الحكم هذا السند دليلا على ثبوت المديونية مخالف للقانون مما يستوجب معه نقض الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن عرض لوقائع النزاع والتحقيق الذى أجرته محكمة أول درجة فى خصوص استظهار سبب المديونية وطريقة تحرير سندها أورد ما يلى "وحيث إنه يبين من ذلك أن طريقة – قضاء البشعة هى طريقة عرفية متبعة ولها قوتها واحترامها عند العرب وينظرون إليها نظرة الإجلال وكثيرا ما حضر حكام المناطق النائية مجالسها حيث تكون العون الأكبر فى حسم المنازعات المستحكمة بين الطرفين ومتى كان هذا هو حال قضاء البشعة فليس هناك ما يدعو للنعى عليه أنه قضاء يخالف النظام العام ويكفى أن يعتبره من يحتكم إليه أنه قضاء حاسم فى النزاع"……… ثم قال "وحيث إنه رغم ذلك فإن الثابت من دفاع الطرفين أن سبب المديونية هو نتيجة حساب شركة المواشى وكل يدعى أنه دائن وعلى هذا الأساس يكون للسند سبب مشروع هو تصفية حساب الشركة وهى بلا شك لا مخالفة فيها للنظام العام وتكون محكمة أول درجة قد خلطت بين السبب والدليل المبرئ للذمة من الدين إذ المستفاد من دفاع الطرفين أنهما يتنازعان براءة الذمة، ولا يتنازعان السبب، وقد احتكما عندما تدخل المتوسطون إلى قضاء البشعة السابق شرحه لكى يتخلص أحدهما من الدين الذى يطالبه به شريكه أى أن نزاع الطرفين انحصر فى الوفاء بالدين والمطالبة به…" ويبين من هذا الذى أورده الحكم أنه أقر قضاء البشعة كوسيلة لإثبات الدين ونفى التخالص منه مع مخالفة ذلك للقانون: ذلك أن المشرع قد بين الأدلة التى يمكن بها إثبات الحقوق وحدد نطاقها وقيد القاضى بوجوب التزامها حماية لحقوق المتقاضين فلا ينبغى تجاوزها أو الاتفاق على مخالفتها بإضافة وسيلة أخرى لا يقرها القانون فالاستناد إلى البشعة كوسيلة لإثبات أو نفى الحق المدعى به على الصورة التى أوردها الحكم هو مما تأباه سنن المجتمع وتحرمه قواعد النظام العام لما فيه من احتمال إيقاع الأذى بالمتخاصمين وإذ أقر الحكم المطعون فيه هذه الوسيلة واتخذ من امتناع الطاعن عن لعق البشعة دليلا على ثبوت الحق المدعى به وقضى على موجبه بالإلزام فإنه يكون قد خالف القانون متعين النقض دون حاجة لبحث باقى أسباب الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات