الطعن رقم 124 سنة 22 ق – جلسة 10 /02 /1955
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الثانى – السنة 6 – صـ 663
جلسة 10 من فبراير سنة 1955
القضية رقم 124 سنة 22 القضائية
برياسة السيد الأستاذ عبد العزيز محمد رئيس المحكمة، وبحضور السادة
الأساتذة: سليمان ثابت وكيل المحكمة، ومصطفى فاضل وأحمد العروسى، ومحمد فؤاد جابر المستشارين.
( أ ) إثبات. قاعدة عدم جواز إثبات عكس الثابت كتابة بالبينة. ليست من النظام العام
جواز التنازل عن التمسك بها صراحة أو ضمنا. مثال.
(ب) نقض. طعن. إثبات. سبب الطعن. تقدير الدلائل أو المبررات الخاصة بالزام الخصم بتقديم
ورقة تحت يده منتجة فى الدعوى. مسألة موضوعية. المادة 253 مرافعات.
1 – قاعدة عدم جواز الإثبات بالبينة فى الأحوال التى يجب فيها الإثبات بالكتابة ليست
من النظام العام، فعلى من يريد التمسك بالدفع بعدم جواز الاثبات بالبينة أن يتقدم بذلك
لمحكمة الموضوع قبل البدء فى سماع شهادة الشهود فإذا سكت عن ذلك عد سكوته تنازلا منه
عن حقه فى الإثبات بالطريق الذى رسمه القانون. وإذن فمتى كانت المحكمة قد أحالت الدعوى
إلى التحقيق لإثبات أن العقد المدعى بتزويره حرر من صورة واحدة على خلاف الثابت بالعقد
المذكور من أنه حرر من نسخ بعدد المتعاقدين وسكت المدعى عليه فى دعوى التزوير عن هذا
الحكم ولم يعترض عليه بل نفذه باعلان شهوده لتأييد صحة ما يدعيه وصدر الحكم فى الدعوى
ولما استأنفه لم ينع فى استئنافه على قضاء ذلك الحكم شيئا، فإن هذا يكون قاطعا فى الدلالة
على قبوله الحكم مانعا من الطعن فيه بالنقض.
2 – تقدير الدلائل أو المبررات المنصوص عليها فى المادة 253 من قانون المرافعات التى
تجيز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده هو نظر
موضوعى يتعلق بتقدير الأدلة مما يستقل به قاضى الموضوع ولا رقابة لمحكمة النقض عليه
فيه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر ومرافعة
المحامى عن الطاعن والنيابة العامة وبعد المداولة.
من حيث إن هذا الطعن قد استوفى أوضاعه فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن واقعة الدعوى – حسبما ظهر من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل
فى أن الطاعن أقام الدعوى رقم 323 سنة 1949 تجارى كلى مصر ضد المطعون عليه ووالده الشيخ
على فرج وطلب فى صحيفتها المعلنة بتاريخ 31 من يناير سنة 1949 الحكم بالزامهما متضامنين
بأن يدفعا له مبلغ 574 جنيه و675 مليما وفوائده بواقع 8% من 12/ 11/ 1947 حتى السداد
ومبلغ 500 جنيه على سبيل التعويض وقال شرحا لدعواه إنه تعاقد مع المطعون عليه ووالده
على أن يوردا له أقطانا عن موسمى سنة 945 – 1946 و946 – 1947 على أن يوردا فى الموسم
الأول 500 قنطار وضعف هذا المقدار فى الموسم الثانى بالشروط الثابتة فى العقد المحرر
بين الطرفين وقد انتهت المعاملة عن الموسم الأول وقطع حسابه وتحررت عنه مخالصة ثم استمرت
المعاملة فى الموسم الثانى وورد المطعون عليهما الكمية المتفق عليها وزيادة إذ بلغ
مجموع ما ورداه 1667 قنطارا و65 رطلا بيع بعضه وبقى البعض الآخر وبلغ مقدار استجرارهما
من النقود 11263 جنيها و100 مليم ثم بدأت أسعار القطن فى الهبوط فانكشف حسابهما واضطر
الطاعن إلى القطع طبقا للبند الخامس من العقد بسعر السوق بعد إنذارهما وظهر من هذه
التصفية أن رصيدهما مدين فى مبلغ 572 جنيها و675 مليما فطالبهما به بخطاب مسجل ثم حول
المبلغ إلى فرع البنك الأهلى ببنى سويف لتحصيله ولما لم يدفعا اضطر البنك لعمل بروتستو
فى 8/ 12/ 1947 وبلغت مصاريف هذه الإجراءات جنيهين أضيف إلى أصل الدين فأصبحت جملة
المطلوب 574 جنيها و675 مليما وهو المبلغ الذى رفعت به الدعوى وقد استند الطاعن فى
إثبات دعواه إلى عقد بيع مؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1945 يتضمن بيع المطعون عليه ووالده
500 قنطار من القطن الأشمونى الزهر عن عام سنة 1945 – 1946 وضعفها عن عام 1946 – 1947
على أن يكون التسليم من منتصف شهر سبتمبر من كل موسم إلى نهاية شهر أبريل من كلا الموسمين
وموقع على العقد من المطعون عليه بوصفه بائعا ومن والده بوصفه ضامنا متضامنا. فقرر
المطعون عليه بالطعن بالتزوير فى هذا العقد بتاريخ 8/ 5/ 1949 وأعلن صحيفة أدلة التزوير
فى 12/ 5/ 1949 وقد أورد المطعون عليه أدلته على التزوير فيما يلى أولا – أن العقد
تحرر بين الطاعن والمطعون عليه عن توريد أقطان الموسم سنة 1945 – 1946 بضمان والده
وتمت المحاسبة والتخالص عن هذه السنة وأصبح العقد لاغيا. ثانيا – أن الطاعن انتهز فرصة
وجود العقد تحت يده وعدم وجود صورة منه تحت يد المطعون عليه فأضاف الطاعن إليه عبارات
جديدة لم تكن موجودة وقت التعاقد وهذه العبارات هى "وضعفها عن العام المقبل"………
"ووالده"…… وذلك فى البند الأول ثم عبارة سنة "1946 – 1947" فى البند الثانى وعبارة
"كلا الموسمين" فى البند الثالث كما أضيف البند الثالث عشر جميعه. ثالثا – أن هذه الإضافات
وعدم وجودها وقت تحرير العقد والتوقيع عليه تظهر لمجرد النظرة السطحية لأن بعضها محشور
بين السطور ولم تكتب بحالة طبيعية رابعا – إن المداد والقلم المكتوب به هذه الإضافات
يختلف عن المداد والقلم المكتوب به باقى العقد. خامسا – إن الطاعن لجأ إلى هذا التزوير
ليرد على دعوى رفعها والده المطعون عليه ضد الطاعن يطالبه فيها بمبلغ ألف جنيه تقريبا
ثمن قطن مسلم إليه ويؤيد هذا أن الطاعن يعترف فى دعواه الأصلية أن المطعون عليه ملئ
وأن والده لا يملك شيئا فقد أجرى هذا التزوير كيما يرجع على المطعون عليه وأخفى العقد
المحرر بينه وبين والد المطعون عليه عن سنة 1946 – 1947 هذا إلى أن العرف جرى على أن
عقود بيع القطن تعقد لسنة واحدة. سادسا – وأخيرا فإن المطعون عليه لم يتعاقد مع الطاعن
عن سنة 1946 – 1947 وإنما التعاقد كان مع والد المطعون عليه بدليل أن جميع الإيصالات
الموقع عليها من المطعون عليه عن هذه السنة إنما كانت بصفته وكيلا عن والده الشيخ على
فرج ويؤكد ذلك أن الإقرارات المصرح فيها بالقطع عن سنة 1946 – 1947 صادرة من والد المطعون
عليه كما يؤكده الخطاب المرسل من الطاعن إلى هذا الوالد بتاريخ 28/ 4/ 1947 الذى يطلب
فيه حضوره لتصفية حسابه – وقد طلب المطعون عليه "وهو الطاعن بالتزوير" إحالة الدعوى
على التحقيق لإثبات أن العقد المطعون فيه بالتزوير إنما حرر من صورة واحدة وبغير هذه
الإضافات المدعى بتزويرها مع ندب خبير فنى لإبداء رأيه فى هذه الإضافات وفى 21 من يناير
سنة 1950 قضت محكمة مصر الابتدائية باحالة الدعوى على التحقيق ليثبت المطعون عليه "مدعى
التزوير" بكافة الطرق أن العقد المطعون فيه بالتزوير حرر من صورة واحدة احتفظ بها الطاعن
وأنه صبغ خاليا من العبارات المطعون فيها ولينفى المدعى عليه "الطاعن الحالى" ذلك وليثبت
الطاعن الحالى "عبد البارى مؤمن" بذات الطرق أن العقد المطعون فيه حرر من نسخ بقدر
عدد المتعاقدين وأنه صيغ بحالته الراهنة محتويا على جميع العبارات الثابتة به ولينفى
المطعون عليه "مدعى التزوير" ذلك – وبندب الخبير الفنى لقسم أبحاث التزوير والتزييف
بمصلحة الطب الشرعى للاطلاع على الورقة المطعون فيها وبيان ما إذا كانت قد كتبت جميعها
فى وقت واحد وبقلم ومداد واحد أم فى أوقات مختلفة وبأقلام ومداد مختلفة. وقد تم التحقيق
وباشر الخبير مأموريته وقدم تقريره. وبتاريخ 29 أكتوبر سنة 1950 حكمت المحكمة برد وبطلان
العقد المؤرخ فى 6/ 9/ 1945 فاستأنف الطاعن هذا الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة وقيد
بجدولها تحت رقم 2 تجارى سنة 68 ق استئناف مصر. وفى 29 يناير سنة 1952 قضت محكمة استئناف
القاهرة بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمت المستأنف
بالمصاريف ومبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة للمستأنف عليه. فطعن المحكوم عليه عبد
البارى مؤمن فى هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن هذا الطعن أقيم على ثلاثة أسباب يتحصل أولها فى أن الحكم المطعون فيه شابه
البطلان والقصور فى التسبيب إذ طلب الطاعن فى مذكرة قدمها لمحكمة الاستئناف أن تأمر
المحكمة بإيداع نسخة العقد المطعون فيه بالتزوير وكشوف البوابة وأعلام الوزن الموجودة
تحت يد المطعون عليه واستند الطاعن فى ذلك إلى أن العقد المطعون فيه بالتزوير ينص صراحة
على أنه حرر من نسخ بقدر عدد المتعاقدين وأن هذه العبارة لم يطعن فيها بالتزوير وأن
العرف والقانون يقضيان بتحرير نسخة لكل طرف فى العقد وأن المطعون عليه كان يستلم من
الطاعن فى موسم سنة 1946 – 1947 الأكياس والنقود لحسابه وأن والده توفى وآلت نسخة العقد
التى كانت تحت يد هذا الوالد إلى ولده المطعون عليه ولكن محكمة الاستئناف لم تلق بالا
إلى هذا الدفاع رغم أهميته الواضحة ولم تشر إليه فى حكمها مع أنه كان ينبغى أن تأمر
بتقديم هذه الأوراق فى الدعوى عملا بالمواد 253 – 259 من قانون المرافعات الجديد وهى
إذ لم تفعل تكون قد أخلت بحق الطاعن فى الدفاع وكان عليها أن تبحث هذا الدفاع وتمحصه
ثم تقبله أو ترفضه مع بيان أسباب ذلك ولكنها لم تفعل وهذا منها قصور يعيب الحكم.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أورد فى أسبابه عن النزاع الذى قام بين الطرفين بشأن
صورة العقد المدعى بوجودها تحت يد المطعون عليه: "ومن حيث إنه فيما قيل بشأن امتناع
المستأنف ضده (المطعون عليه) عن تقديم صورة العقد المطعون فيه تلك الصورة التى استلمها
يوم انعقاد العقد مع ما لذلك من بالغ الأثر فى تغيير وجه القضاء فى الدعوى قياما على
مطابقة تلك الصورة للصورة المطعون فيها فقد قيل من فجر الخصومة إن العقد تحرر من صورة
واحدة أخذها المستأنف (الطاعن) وقد دلل المستأنف عليه (المطعون عليه) – على ذلك بقرينتين
اثنتين فيهما ما يكفى للقضاء على تلك الشبهة التى أثارها المستأنف وتتحصلان أولا –
فى أن والد المستأنف ضده (المطعون عليه) هو المتعامل الأصلى مع المستأنف رأى أن معاملته
مع هذا الأخير فى موسم 1946 – 1947 أسفرت عن مديونية المستأنف له فى مبلغ 2097 جنيها
و780 مليما رفع بها الدعوى رقم 75 لسنة 1946 كلى بنى سويف فدفع المستأنف بعدم اختصاص
محكمة بنى سويف تأسيسا على أن العقد المحدد لعلاقات الطرفين قد منح محكمة القاهرة ولاية
القضاء فى الدعوى وقد أخذت المحكمة بهذا الدفع وقضت بعدم اختصاصها وبإلزام رافع الدعوى
بمصروفاتها فأعاد الرجل رفعها أمام محكمة القاهرة ولا ريب فى أنه لو كان لدى الرجل
صورة من هذا العقد المطعون فيه لما فاته أن يقيم دعواه لدى محكمة القاهرة قصدا فى الوقت
وتوفيرا للمصروفات والنفقات التى تكبدها فى هذا السبيل ولقد كان يستطيع إقامة دعواه
أمام محكمة القاهرة ذات الولاية مع بقاء صورة العقد التى بين يديه فى الخفاء والكتمان.
ثانيا – إن دعوى والد المستأنف ضده "المطعون عليه" تربو قيمتها أضعافا على دعوى المستأنف
ومن غير المفهوم بداهة أن يحبس الرجل العقد عن نفسه ويسير فى الدعوى بغير سند وفى هذا
من الخطر على القضية والمغامرة بها ما فيه ولما كانت أقوال الشهود الذين جاء بهم المستأنف
ضده "المطعون عليه" متمشية مع تلك القرائن المنطقية السليمة كانت محكمة الدرجة الأولى
على حق إذ رأت الأخذ بتلك الأقوال دون غيرها خصوصا وأن التمحيص الذى محصت به هذه الأقوال
كان صائبا ولا يسع هذه المحكمة إلا إقرارها على ما رأت…".
ويبين من هذا الذى أورده الحكم أن المحكمة واجهت هذا الطلب الذى تمسك به الطاعن ورأت
فيما قدمه من دلائل على وجود صورة العقد المطعون فيه بالتزوير تحت يد خصمه "المطعون
عليه" أو مبررات للأمر بتقديمها أنها لا تعدو مجرد شبهة تدحضها القرينتان اللتان أثبتتهما
فى أسباب حكمها مضافا إلى ما حصلته من أقوال شهود المطعون عليه التى جاءت متمشية فى
نظرها مع هذه القرائن الدالة بمفهومها على نفى ادعاء الطاعن فى هذا الخصوص – والنظر
فى تقدير هذه الدلائل أو المبررات التى يوجبها نص المادة 253 من قانون المرافعات هو
نظر موضوعى يتعلق بتقدير الأدلة مما يستقل به قاضى الموضوع ولا رقابة لمحكمة النقض
عليه فيه ومن ثم يكون النعى على الحكم المطعون فيه فى خصوص هذا السبب على غير أساس
ويتعين رفضه.
ومن حيث إن حاصل السبب الثانى أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون إذ أباح للمطعون
عليه أن يثبت أن العقد المتنازع عليه حرر من صورة واحدة احتفظ بها الطاعن رغم ما هو
ثابت كتابة بذلك العقد "مما لم يرد عليه طعن بالتزوير" أن هذا العقد محرر من نسخ بقدر
عدد المتعاقدين وهو ما يخالف القاعدة التى لا تجيز إثبات عكس الثابت بالكتابة إلا بكتابة
مثلها كما أنه قلب عبء الإثبات بتكليف الطاعن بأن يثبت عكس ما طلب إلى المطعون عليه
إثباته ولأن المحكمة لم تقف بالتحقيق عند الحد الذى أمرت بإجرائه فى حكمها التمهيدى
بل جاوزته إلى تحقيق وجود عرف جرى فى شأن تحرير مثل العقد محل النزاع من نسخة واحدة
وكان أن انزلقت بالخصومة إلى مجرى غير المجرى الذى كان مرسوما لها بذلك الحكم، وأخيرا
فإن المحكمة قد خلطت بين العرف والعادة إذ رغم ما نفاه الطاعن من وجود عرف جرى بتحرير
عقود توريد الأقطان من نسخة واحدة بما قدمه من شهادات دالة على عكسه فإن الحكم المطعون
فيه قد ساير المطعون عليه فى هذا الزعم وحتى لو صح وجود مثل هذا العرف المزعوم فلا
يمكن تكييفه إلا بأنه عادة اتفاقية لا يسوغ النزول على حكمها إلا إذا بان من الظروف
أن العاقدين قد أنزلاها من عقدهما منزلة الشرط الملحوظ وهو أمر غير متوفر فى الدعوى.
ومن حيث إن هذا النعى مردود إذ أن قاعدة عدم جواز الاثبات بالبينة فى الأحوال التى
يجب فيها الاثبات بالكتابة ليست من النظام العام فعلى من يريد التمسك بالدفع بعدم جواز
الاثبات بالبينة أن يتقدم بذلك لمحكمة الموضوع قبل البدء فى سماع شهادة الشهود فاذا
سكت عن ذلك عدّ ذلك تنازلا منه عن حقه فى الاثبات بالطريق الذى رسمه القانون فإذا كان
الثابت أن المطعون عليه قد ادعى أمام محكمة أول درجة بتزوير العقد محل النزاع ثم رأت
المحكمة أن تحيل الدعوى على التحقيق لإثبات أن العقد حرر من صورة واحدة احتفظ بها الطاعن
"على خلاف الثابت بالعقد المذكور" أن العقد حرر من نسخ بعدد المتعاقدين ثم سكت الطاعن
عن هذا الحكم ولم يعترض عليه بل نفذه باعلان شهوده لتأييد صحة ما يدعيه وصدر الحكم
فى الدعوى ولما استأنفه لم ينع فى استئنافه على قضاء ذلك الحكم شيئا – كان هذا قاطعا
فى الدلالة على قبول الطاعن لحكم التحقيق قبولا مانعا من الطعن فيه بالنقض ويكون الحكم
المطعون فيه إذ أيد الحكم الابتدائى فى هذا الخصوص لم يخالف القانون ومن ثم يكون هذا
الوجه من الطعن على غير أساس وواجبا رفضه ومردود كذلك بأنه متى تقرر أن قواعد الاثبات
ليست من النظام العام مما يجوز معه الرضا صراحة أو دلالة بمخالفتها فليس ثمة ما يمنع
من تنقل عبء الاثبات وتردده بين طرفى الخصومة على مقتضى الحال فى الدعوى فإذا كان الثابت
أن المطعون عليه قد ادعى مخالفة الظاهر فى الدعوى بأن العقد محل النزاع قد حرر من نسخة
واحدة احتفظ بها الطاعن وكلفته المحكمة بإثبات ذلك وأباحت لخصمه الطاعن نفى هذا الادعاء
وأضافت إلى ذلك تكليف الطاعن بإثبات أن العقد حرر من نسخ بعدد المتعاقدين كان معنى
هذا التكليف مجرد توكيد للنفى الذى كلفته به ابتداء، كما أن تكليفها المطعون عليه ينفى
هذا الظاهر وهو حصول التعاقد من صور بعدد المتعاقدين كان بذاته مجرد تأييد لما هو مكلف
باثباته ابتداء ومآل هذا كله فى نظر المحكمة إلى ثبوت أو عدم ثبوت أمر واحد، هو حصول
التعاقد محل النزاع وتحرير سنده من نسخه واحدة كما يقول المطعون عليه أو نسخ بعدد المتعاقدين
كما يقول الطاعن حتى تستطيع أن تؤسس قضاءها على نتيجة هذا الثبوت وقد استخلصت المحكمة
فعلا أن العقد حرر من نسخة واحدة وبررت هذا الاستخلاص بأسباب مسوغة فلا مخالفة فى ذلك
للقانون مما يجعل هذا النعى على غير أساس. ومردود أخيرا بأنه وان تناول التحقيق الذى
أمرت المحكمة بإجرائه ما أثير عرضا أمامها بأن عرفا جرى بأن عقود توريد الأقطان تحرر
عادة من نسخة واحدة فليس فى هذا خروج منها عن نطاق ما أمرت بتحقيقه. ذلك لأن هذا العرف
– لو صح وجوده – ليس إلا عنصرا من عناصر تعزيز الأدلة على ما أمرت المحكمة بإثباته
ولم يكن بذاته دليلا مستقلا أسست المحكمة عليه قضاءها بل كان عماد حكمها قائما على
ما حصلته من تقرير الخبير والقرائن والأدلة الأخرى ومتى تقرر ذلك أصبح ما يثيره الطاعن
حول العرف أو العادة الاتفاقية والخلط أو التفريق بينهما لا محل له فى خصوص هذه الدعوى
ما دام أن ذلك لم يكن الأساس الجوهرى الذى أقام الحكم المطعون فيه عليه قضاءه ومن ثم
كان النعى فى هذا الخصوص غير منتج ويتعين رفضه.
ومن حيث إن السبب الثالث يتحصل فى أن الحكم المطعون فيه قد شابه قصور يبطله. وفى بيانه
يقول الطاعن – 1 – إن ما ذكرته المحكمة – بصدد ما قاله الطاعن أن العقد حرر من نسختين
– من أن الأدلة يشد بعضها بعضا وأن العقد يفيض بالتحشير وكان الأيسر تحرير عقد جديد
كل هذا الذى قاله الحكم لا يؤدى عقلا إلى أن العقد حرر من نسخة واحدة – 2 – ما قاله
الحكم عن امتناع الشيخ على فرج عن تقديم العقد كان سببه ما قبل من فجر الخصومة أن العقد
حرر من نسخة واحدة ولم يصدر الحكم مصدر هذا القول ومكانه – 3 – الاستدلال برفع دعوى
والد الطاعن أمام محكمة بنى سويف ولو كان معه نسخة من العقد لما فاته أن يرفعها بمصر
إذ أن قيمة هذه الدعوى كبيرة لا يعقل أن يغامر بها صاحبها ويسير فيها بغير عقد وهذا
وذاك استدلال لا يقوم على أساس – 4 – قدم الطاعن مستندات حاسمة فى بيان اشتراك المطعون
عليه فى توريد الأقطان عن موسم 1946 – 1947 ولكن المحكمة أطرحت ذلك بمقولة إن المطعون
عليه كان يتولى ذلك بصفته وكيلا عن والده دون أن يكون فى الدعوى أى دليل على هذه الوكالة
– 5 – اتخذت المحكمة من ظهور العبارات المدعى بتزويرها للعين المجردة دليلا على التزوير
مع أن هذا دليل على حسن النية كما أغفلت دلالة البند الخامس من عقد الاتفاق الذى ورد
فيه عبارة "اسم الموردين" و"مواسم التوريد" بصيغة الجمع مع ما ذلك من أهمية فى نقض
التزوير المدعى به – 6 – وأخيرا فان المحكمة تبرعت بأدلة وقرائن لم تواجه بها الطاعن
فضلا عن أن الحكم يفيض بالاستدلالات التى لا تستقيم مع المنطق ولا تؤدى عقلا إلى النتائج
المراد استخلاصها.
ومن حيث إن هذا الذى أثاره الطاعن فى جملته وتفصيله لا يخرج عن كونه مجرد مجادلة موضوعية
فى تقدير الأدلة التى اعتمدت عليها المحكمة فى قضائها مما ينأى عن رقابة هذه المحكمة
ما دامت هذه الأدلة التى ساقتها سائغة ومؤدية إلى النتيجة التى انتهت إليها فى قضائها
ومن ثم يكون هذا السبب فى جملته واجب الرفض.
