الطعن رقم 57 سنة 4 ق – جلسة 28 /03 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 653
جلسة 28 مارس سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 57 سنة 4 القضائية
إثبات. مبدأ ثبوت بالكتابة. شهادة من قلم تسجيل العقود بالمحكمة
المختلطة. الإيصال المدلول عليه بتلك الشهادة. اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة. جوازه.
(المادة 217 مدنى)
الشهادة الرسمية المستخرجة من قلم العقود بالمحكمة المختلطة الدالة دلالة صريحة على
أن هناك عقد بيع صدر من زيد لعمرو وأن البيع هو بثمن قدره كذا وأن زيدا الصادر منه
البيع هو الذى قدم العقد بنفسه لإثبات تاريخه فأثبت بتاريخ كذا تحت رقم كذا وأن زيدا
هذا هو هو نفسه الذى تسلمه من قلم الكتاب بتاريخ كذا – هذه الشهادة مفادها أن بقلم
العقود بالمحكمة المختلطة إيصالا موقعا عليه من زيد يفيد تسلمه لذلك العقد وأن هذا
العقد صادر منه بالبيع لعمرو بمبلغ كذا. ولا شك أن ذلك الإيصال المستفاد حتما من عبارة
الشهادة الرسمية، التى هى فى ذاتها حجة لم يطعن فيها بأى مطعن، هو ورقة صادرة من زيد
دالة على ما كان منه من البيع لعمرو بالثمن المذكور. وهذا الإيصال وإن كان لا يفيد
قطعا أن الثمن الوارد بعقد البيع الذى تسلمه زيد قد دفعه عمرو له فعلا أو أنه كان ثمنا
مؤجلا إلا أن جريان العادة الغالبة بأن المشترى يدفع الثمن، ذلك يقرب الاحتمال بأن
هذا الثمن دفع فعلا، وإذن فهذا الإيصال المدلول عليه حتما بتلك الشهادة الرسمية هو
مبدأ ثبوت بالكتابة يقرب احتمال صحة تسلم زيد لمبلغ الثمن ويجيز بحسب القانون تكميل
الاستدلال بالبينة والقرائن.
الوقائع
تتحصل وقائع هذه الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والحكم
الابتدائى والمستندات وباقى الأوراق المقدّمة لهذه المحكمة ولمحكمتى الموضوع من قبل
– فى أن الست فاطمة محمود على الطاعنة وكلت عنها المرحوم السيد يوسف عفيفى مورّث المدعى
عليهم فى إدارة أملاكها وتدبير شئونها وذلك بتوكيل شرعى تاريخه 20 ديسمبر سنة 1919
وأنه نظرا لاشتغاله بالاتجار فى شراء العقارات وبيعها اشترى هو لنفسه فى 6 فبراير سنة
1920 من صالح حسن عنانى منزلا بشارع البنداقة بدرب الجنينة بقسم الموسكى بمصر ثم باعها
ثلاثة عشر قيراطا من هذا المنزل بثمن قدره 750 جنيها وقدّم العقدين لمحكمة مصر المختلطة
لإعطائهما تاريخا رسميا فأثبتت تاريخهما فى 6 ديسمبر سنة 1920، وأشرت على أوّلهما بنمرة
33535 وعلى الثانى بنمرة 33536. ثم تصرف فى هذا المنزل كله لغيره بمقتضى عقود مسجلة
ولم يحاسبها على ثمنه ولا على ما حصله من إيجار أملاكها. وتقول الست فاطمة إن الرجل
توفى فجأة فى 29 سبتمبر سنة 1929 وإن ورثته جردوا تركته وأوراقه فوجدوا من ضمنها كشفا
محررا بخطه ببيان المبالغ المطلوبة منه ومن بينها مبلغ 955 جنيها ومذكور أمامه "فاطمة".
وقد أرفق هذا المحضر بمحضر الجرد الرسمى الذى قام به المجلس الحسبى بعد أن أشار إليه
بقوله "مرفق بهذا المحضر صورة من محضر جرد دولاب المتوفى الذى عمل بمعرفة الأوصياء
جميعا وبحضور الشهود الموقعين على نفس المحضر الذى يتضمن بيان جميع المستندات التى
كانت فى حيازة المتوفى….". ولما لم تدفع الورثة هذا المبلغ الذى أثبته مورّثهم بخطه
فى كشف المطلوبات رفعت الست فاطمة محمود هذه الدعوى أمام محكمة مصر الابتدائية تقيدت
بجدولها تحت رقم 354 سنة 1931 طالبة الحكم بالزامهم جميعا بأن يدفعوا لها 960 جنيها
مع الفوائد القانونية من يوم المطالبة الرسمية مع المصاريف. رفعت المدعية هذه الدعوى
وقدّمت للمحكمة فيما قدّمته من المستندات شهادة رسمية من قلم العقود بمحكمة مصر المختلطة
شهد فيها رئيس هذا القلم بأنه بالكشف رسميا من سجل التاريخ وجد مقيدا به بتاريخ 6 ديسمبر
سنة 1920 تحت رقم 35536 عقد بيع صادر من السيد يوسف عفيفى لصالح فاطمة محمود بمبلغ
750 جنيها وأن الذى قدّم العقد المذكور للتسجيل هو يوسف عفيفى واستلمه فى تاريخ 29
ديسمبر سنة 1920، وصورة محضر الجرد الرسمى الذى نوّه فيه على أنه مرفق به صورة من محضر
جرد دولاب المتوفى الذى عمل بمعرفة الأوصياء، وصورة غير رسمية من محضر جرد هذا الدولاب
الثابت به وجود محفظة مما بداخلها ورقة قيل فى هذا المحضر إنها مكتوبة بخط المتوفى
نفسه بقلم رصاص أسود فيها أرقام أمام كل منها اسم ومن ضمن هذه الأرقام مبلغ 900 جنيه
أمامه اسم "فاطمة" ومبلغ 55 جنيها أمامه اسم "فاطمة" أيضا. وقد أنكر المدّعى عليهم
الدعوى إلا زوجة من زوجات المورّث اعترفت بصحتها، وامتنع المنكرون عن تقديم محضر جرد
دولاب المتوفى المنوّه عنه بالمحضر الرسمى فقرّرت المحكمة الانتقال للمجلس الحسبى للاطلاع
عليه. ولإباء المجلس الحسبى إطلاع المحكمة رأت هى فى ذلك كله ما يبرر إحالة الدعوى
على التحقيق فقضت بتاريخ 29 مايو سنة 1932 باجراء هذا التحقيق ثم إنها – بعد سماع شهود
المدعية وإقرار وكيل المدّعى عليهم أن ليس لديهم شهود – قضت بالزام المدعى عليهم بأن
يدفعوا بصفاتهم من تركة مورّثهم مبلغ 750 جنيها وفوائده السنوية باعتبار المائة خمسة
من أوّل ديسمبر سنة 1921 لغاية السداد والمصاريف المناسبة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات
وذلك فى 29 يناير سنة 1933.
فاستأنف المطعون ضدّه وحده بصفته هذا الحكم. ومحكمة الاستئناف بعد أن قررت انتقالها
للمجلس الحسبى وأثبتت إباء هذا المجلس إطلاعها على ما أرادت اطلاعها عليه حكمت بتاريخ
28 أبريل سنة 1934 بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليها وألزمتها بمصاريف
الدرجتين.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الست فاطمة محمود على بتاريخ 7 يونيه سنة 1934 فطعنت فيه بطريق
النقض فى 7 يوليه سنة 1934 وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدّه بصفته فى 17 من الشهر
المذكور، وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى. وقدّمت النيابة
مذكرتها فى 4 فبراير سنة 1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت المحكمة الدعوى على الوجه المبين بمحضر
الجلسة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن من أهم ما بنى عليه الطعن أن محكمة الاستئناف لم تعتبر الورقة المقول باثباتها
بمحضر الجرد غير الرسمى المؤرخ 6 أكتوبر سنة 1929 المودعة بملف المجلس الحسبى الخاص
بتركة المرحوم السيد يوسف عفيفى الوقاد والمقول بأن المتوفى المذكور أثبت فيها بخطه
الديون التى فى ذمته ومن ضمنها مبلغ 900 جنيه مدوّن أمامه اسم فاطمة، وكذلك مبلغ 55
جنيها ومدوّن أمامه هذا الاسم أيضا – أن محكمة الاستئناف لم تعتبر هذه الورقة مبدأ
ثبوت بالكتابة بناء على ما قالته من أن هذه الورقة بفرض وجودها لا تدل على مديونية
مورّث المستأنفين بما ادّعى أنه مدين به لاحتمال أن يكون اسم فاطمة خاصا بشخصية أخرى
غير الطاعنة. وكذلك قالت إن الشهادة المستخرجة من قلم التسجيل – المدوّن بها بأنه بالكشف
من سجل التاريخ وجد مقيدا بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1920 تحت نمرة 33536 عقد بيع صادر من
السيد يوسف عفيفى الوقاد لصالح فاطمة محمود على بمبلغ 750 جنيها وأن الذى قدّم العقد
المذكور هو يوسف عفيفى المذكور واستلمه فى تاريخ 29 ديسمبر سنة 1920 – لا تعتبر مبدأ
ثبوت بالكتابة لعدم صدورها ممن يراد الإثبات ضدّه. وتقول الطاعنة إن محكمة الاستئناف
قد أخطأت فى عدم اعتبارها هاتين الورقتين وغيرهما من الأوراق التى قدّمت لها مبدأ ثبوت
بالكتابة مع أنه لا مانع قانونا من اعتبارها كذلك كما فعلت المحكمة الابتدائية حين
قرّرت فى حكمها التمهيدى أنها تبرر إحالة الدعوى إلى التحقيق.
وحيث إن الثابت بالحكم التمهيدى الذى أصدرته المحكمة الابتدائية بتاريخ 29 مايو سنة
1932 أن تلك المحكمة اعتبرت الشهادة الرسمية المتقدّمة الذكر، ومحضر الجرد الرسمى المنوّه
فيه عن جرد الأوراق والمستندات التى وجدت بدولاب المتوفى، وأوراقا أخرى تثبت أن السيد
يوسف عفيفى كان وكيلا عن الست فاطمة وأنه كان يحصل لها إيجارات أملاكها، واعترافا صادرا
من إحدى زوجتى المورّث بصحة الدعوى، وإباء المجلس الحسبى التصريح باطلاع المحكمة على
ملف التركة – اعتبرت المحكمة الابتدائية كل هذا مما يبرر إحالة الدعوى إلى التحقيق.
ثم أضافت المحكمة الابتدائية إلى ما استخلصته من هذه الأوراق ما دل عليه التحقيق وحكمت
فى الدعوى لصالح المدعية.
وحيث إن الشهادة الرسمية المستخرجة فى 2 ديسمبر سنة 1931 من قلم العقود بمحكمة مصر
المختلطة والتى تحدّت بها الطاعنة فى الدعوى دالة دلالة صريحة على أن هناك عقد بيع
صدر من يوسف عفيفى مورّث المطعون ضدّهم لفاطمة محمود على الطاعنة، وأن يوسف عفيفى هذا
قدّمه بنفسه لإثبات تاريخه فأثبت بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1920 تحت رقم 33536، وأن يوسف
عفيفى نفسه هو الذى استلمه من قلم الكتاب بتاريخ 29 ديسمبر سنة 1920، ودالة أيضا على
أن البيع هو بثمن قدره 750 جنيها مصريا.
وحيث إنه حتى بصرف النظر عن الدليل الرسمى القاطع الذى تفيده هذه الشهادة من أن يوسف
عفيفى قد استلم فعلا ذلك العقد الصادر منه، فان مفاد تلك الشهادة أن بقلم العقود بالمحكمة
المختلطة إيصالا موقعا عليه من يوسف عفيفى يفيد استلامه لذلك العقد، وأن هذا العقد
صادر منه بالبيع لفاطمة محمود على بمبلغ 750 جنيها. ولا شك أن ذلك الإيصال الذى لا
بدّ حتما أن يكون موقعا عليه منه هو ورقة صادرة منه تفيد وجود العقد المذكور وتقديمه
منه وسحبه إياه بنفسه.
وحيث إن ذلك الإيصال المستفاد حتما من عبارة الشهادة الرسمية – التى هى فى ذاتها حجة
لم يطعن فيها بأى مطعن – هو ورقة صادرة من يوسف عفيفى المذكور دالة على ما كان منه
من البيع للطاعنة بالثمن المتقدّم الذكر.
وحيث إن الإيصال المذكور وإن كان لا يفيد قطعا أن الثمن الوارد بعقد البيع الذى استلمه
يوسف عفيفى قد دفعته الطاعنة فعلا له أو أنه كان ثمنا مؤجلا إلا أن جريان العادة الغالبة
بأن المشترى يدفع الثمن – ذلك يقرّب الاحتمال بأن هذا الثمن دفع فعلا. وإذن فالإيصال
المذكور المدلول عليه حتما بتلك الشهادة الرسمية هو مبدأ ثبوت بالكتابة يقرّب احتمال
صحة استلام يوسف عفيفى لمبلغ 750 جنيها ويجيز بحسب القانون تكميل الاستدلال بالبينة
وبالقرائن.
وحيث إنه لذلك يكون الحكم المطعون فيه غير مصيب فى استبعاده هذه الشهادة كمبدأ ثبوت
بالكتابة كما استبعد غيرها من أدلة الطاعنة. ويكون المتعين نقض الحكم لمخالفته للقانون
فى هذا الصدد.
وحيث إن الدعوى صالحة للحكم فى موضوعها بالحالة التى هى عليها.
وحيث إن الثابت فى الدعوى أن الطاعنة قد أثبتت كل عناصر دعواها بأوراق متفرّقة، فأثبتت
أنها وكلت مورّث خصومها توكيلا شرعيا لإدارة أملاكها واستغلالها، وأن هذه المورّث كان
يؤجر هذه الأملاك ويحصل أجرتها، وأن الرجل كان يشتغل بشراء العقارات وبيعها لحسابه
وحساب موكلته، وأنه كثيرا ما اشترى وباع بعقود غير مسجلة، وأنه اشترى من صالح حسن عنان
فى 6 فبراير سنة 1920 المنزل المعروف برقم 27 بشارع البنادقة، وأنه قدّمه وقدّم عقدا
آخر أصدره لصالح فاطمة أم محمود بثمن قدره 750 جنيها لإثبات تاريخهما رسميا، فأثبت
لهما تاريخا رسميا فى 6 ديسمبر سنة 1920 تم سحبهما وتصرف فى هذا المنزل لآخرين بمقتضى
عقود مدلول عليها بكشف التصرفات المقدّم من المدّعية – أثبتت المدّعية كل ذلك ثم قدّمت،
لإثبات مديونية مورّث خصومها بما دفعته له من ثمن، صورة رسمية من محضر الجرد الرسمى
تشهد لها بأنه قد أرفق بهذا المحضر محضر آخر بما كان فى دولاب المورّث من أوراق ومستندات،
وطلبت اطلاع المحكمة على هذا المحضر وعلى ما جاء به بيانا لهذه الأوراق وعلى الأخص
على الورقة التى ادّعت أنها مكتوبة بخطه وتدل على مديونيته لها فى مبلغ 955 جنيها،
وقدّمت صورة غير رسمية من هذا المحضر الثانى وشهادة ممن حضر ووقع عليه، وطلبت عند الإنكار
انتقال المحكمة للمجلس الحسبى للاطلاع على هذا المحضر وعلى الورقة المتقدّمة الذكر.
فأنكر الورثة ما عدا إحدى زوجات المورّث وانتقلت المحكمة وأبى المجلس إطلاعها على ملف
التركة، فحكمت المحكمة الابتدائية بإحالة القضية على التحقيق، وشهدت الشهود بأن للمدّعية
بذمّة مورّث الخصوم قيمة الثمن ومبلغ الإيجار فحكمت المحكمة بالثمن خاصة ورفضت الدعوى
فيما عدا ذلك.
وحيث إنه مهما يقل من أن الورقة المقول بوجودها فى المجلس الحسبى هى ورقة فيها مجرّد
أرقام وأسماء لا تدل على دائنية أحد ولا مديونية أحد ولا تعيّن من هى فاطمة المكتوب
أمام اسمها مرة 900 جنيه ومرة 55 جنيها – مهما يقل من ذلك فإن هذه المحكمة ترى صواب
الحكم المستأنف وتعتمد تأسيسه على تلك الشهادة الرسمية المتقدّمة الذكر التى اعتبرتها
مبدأ ثبوت بالكتابة وتستكمله بما شهد به الشهود فى التحقيق، وبهذا يكمل الاستدلال على
صحة مديونية مورّث المطعون ضدّهم فى المبلغ الذى قضى به الحكم الابتدائى، وذلك بلا
حاجة إلى تقدير قيمة الورقة الموجودة بالمجلس الحسبى وكونها تعتبر من القرائن المفيدة
فى هذا الصدد أو لا تعتبر.
