الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 83 سنة 4 ق – جلسة 21 /03 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 646

جلسة 21 مارس سنة 1935

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 83 سنة 4 القضائية

عقد. تفسيره وتكييفه قانونا. مدى سلطة قاضى الموضوع فى ذلك. متى تتدخل محكمة النقض؟ (المواد 90 و93 و138 من القانون المدنى)
1 – لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة فى تفسير العقود والشروط المختلف عليها بما تراه أوفى بمقصود العاقدين مستعينة فى ذلك بجميع ظروف الدعوى وملابساتها. ولها بهذه السلطة أن تعدل عن المدلول الظاهر لهذه الصيغ المختلف على معناها بشرط أن تبين فى أسباب حكمها لم عدلت عن هذا الظاهر إلى خلافه، وكيف أفادت تلك الصيغ المعنى الذى اقتنعت هى به ورجحت أنه هو مقصود العاقدين، وأن يتضح من بيانها أنها قد أخذت فى تفسيرها باعتبارات مقبولة يصح عقلا حمله عليها.
2 – إذا جاء فى عقد بيع حصة من منزل "أن المشترى ينتفع بإيجارات حصته التى اشتراها وأن الإيجار الحالى لهذه الحصة هو كذا، وأنه إذا لم يتيسر للمشترى قبض حصته بموجب عقود الإيجار يحق له أن يخصم الإيجار الذى يخصه من باقى ثمن المبيع"، واستدلت محكمة الموضوع بذلك على أن المراد هو جعل المشترى مستحقا لثمرة الحصة المبيعة مقدّرة فى السنة الأولى بما كانت هذه الحصة مؤجرة به أى بمبلغ كذا، ومقدّرة فيما بعد فى السنوات التالية بما تؤجر به فى واقع الأمر (وإن نقص عما كانت مؤجرة به فى السنة الأولى)، ثم دعمت حكمها على هذا التفسير بما يؤيده باعتبارات معقولة، كان الحكم بعيدا عن رقابة محكمة النقض.


الوقائع

تتحصل وقائع هذه الدعوى – حسب ما جاء بالحكم المطعون فيه والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة وللمحكمة الابتدائية والاستئنافية من قبل – فى أن الخواجة ينجوجوس بوهجاليان باع لعبد العزيز أفندى عثمان تسعة قراريط على الشيوع فى قطعة أرض بالإبراهيمية بحى محرّم بك باسكندرية وفى المنزل المقام على بعضها المبينة حدودها ومعالمهما بعقد بيع رسمى صدر بينهما فى 19 من شهر يونيه سنة 1924 وذلك بثمن قدره ثلاثة آلاف جنيه مصرى أقرّ البائع أنه قبض منه 1200 جنيه والتزم المشترى أن يدفع باقيه بغير فوائد بعد سنة من تاريخ العقد، وعلى كل حال قبل الفصل النهائى فى القضية المرفوعة ضدّ البائع من الست نازلى أرملة المرحوم ديكران بوهجاليان أمام محكمة إسكندرية المختلطة (البند الثانى). وقد قيل إنه إذا لم يدفع هذا المبلغ بعد إثبات حصول الفصل فى القضية المذكورة وبعد خمسة عشر يوما من تقديم البائع له ما يثبت ذلك يكون ملزما بالفوائد باعتبار المائة تسعة فى السنة (البند الرابع). وقد جاء بالبند الثامن من هذا العقد أن المشترى يستلم العين المبيعة بمجرّد التوقيع على هذا العقد ويتصرف فيها تصرف المالك المطلق ومع ذلك فانه ينتفع من إيجارات حصته التى اشتراها من تاريخ 15 يونيه الجارى ويتحمل العوائد والضرائب التى عليها ابتداء من التاريخ ذاته. وجاء فى البند العاشر أن البائع يقرّ بأن قيمة الإيجارات الحالية الخاصة بالحصة المبيعة هى (374 جنيها و250 مليما) فى السنة، ومن المتفق عليه بين المتعاقدين أنه إذا كان المالك لا يحصل على قبض هذا المبلغ بسبب الصعوبات الموجودة بين البائع وشريكته ففى هذه الحالة يحق للمشترى بأن يستنزل الإيجار الذى يخصه من باقى ثمن البيع. وجاء بالبند الحادى عشر ومع ذلك فالبائع ليس عليه أدنى مسئولية بخصوص الإيجارات المذكورة فى حالة ما إذا صار تنقيصها بموجب حكم أو بسبب خلو المساكن. وجاء فى البند الثانى عشر أن المشترى يتحمل جميع العوائد والضرائب والمصاريف من أى نوع كانت الخاصة بالحصة مشتراة ابتداء من 15 يونيه الجارى……
وقد بقى المشترى لا يدفع باقى الثمن حتى فصلت المحكمة المختلطة نهائيا فى النزاع المشار إليه فى العقد بين البائع والست نازلى شريكته وذلك بحكمها الصادر فى 11 يونيه سنة 1929، فكلفه البائع بدفع الثمن وفوائده فلم يدفع. فنبه عليه فى 24 يوليه سنة 1932 بوفاء دينه البالغ قدره 2294 جنيها و400 مليم (من ذلك 1800 جنيه باقى الثمن ومبلغ 486 جنيها فوائد باعتبار المائة تسعة من 26 يوليه سنة 1929 لغاية 25 يوليه سنة 1932) وبنزع ملكيته عن الحصة التى اشتراها. وبتاريخ 25 و28 يوليه سنة 1932 أوقع البائع بعقد البيع الرسمى حجزا تنفيذيا تحت يد وزارة المعارف على ما يستحقه المشترى من إيجار المدرسة المؤجرة لهذه الوزارة بقدر ما يفى بدينه المتقدّم الذكر. فرفع المشترى (الطاعن) على بائعه دعويين أمام محكمة إسكندرية الابتدائية: أولاهما قيدت تحت رقم 538 سنة 1932 وقد عارض بها فى تنبيه نزع الملكية المتقدّم الذكر مدّعيا أن المادة العاشرة من عقد البيع تعطيه الحق فى أن يستنزل من باقى الثمن البالغ قدره 1800 جنيه ما استحق له من أجرة عن الحصة المبيعة باعتبار أن الإيجار المقدّر لها فى السنة هو (374 جنيها و250 مليما) وطالبا لذلك الحكم بالغاء التنبيه ومحو تسجيله. والدعوى الثانية قد قيدت تحت رقم 569 سنة 1932، وقد طلب بها رافعها على الأساس المتقدّم الذكر الحكم ببراءة ذمته مما طالبه به خصمه وحجز عليه تحت يد وزارة المعارف وإلغاء هذا الحجز. ولما بين هاتين الدعويين من ارتباط حكمت محكمة إسكندرية الابتدائية بضم إحداهما إلى الأخرى وقضت فيهما بتاريخ 22 فبراير سنة 1933 بندب خبير حسابى تكون مأموريته حصر إيراد الحصة المبيعة عن المدّة من 15 يونيه سنة 1924 إلى 30 يناير سنة 1930 بواقع 274 جنيها و250 مليما فى السنة يستنزل منها العوائد التى تخص هذه الحصة وما عسى أن يكون قد خفض من الأجرة بحكم قضائى والخلوات ومبلغ 292 جنيها التى تسلمها الحارس عن المدّة من 15 يونيه سنة 1924 إلى 30 أبريل سنة 1925 وعلى العموم تصفية الحساب بين طرفى الخصوم.
فاستأنف الخواجة ينجوجوس هذا الحكم وقصر طلباته فى المرافعة أمام محكمة الاستئناف على طلب تعديل مأمورية الخبير وطلب خصمه تأييد الحكم.
وبعد أن أثبتت محكمة الاستئناف أن الخصمين متفقان على أن النزاع الذى كان بين المستأنف وزوجة عمه (المنوّه عنه بالعقد) قد انتهى وأن الحراسة قد رفعت والمستأنف عليه قد استلم الحصة التى اشتراها وأن أوان المحاسبة بينهما قد آن قضت بتاريخ 22 مايو سنة 1934 بتعديل مأمورية الخبير المبينة بالحكم المستأنف بتكليفه بعمل الحساب بين الطرفين…. الخ.
فطعن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض فى 15 أغسطس سنة 1934 قبل إعلانه إليه بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّه فى 20 منه، وقدم الطرفان مذكرتيهما فى الميعاد، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 28 فبراير سنة 1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف قد قضت بتعديل مأمورية الخبير المبينة بالحكم المستأنف وتكليفه بعمل الحساب بين الطرفين على أساس الأجرة الحقيقية للحصة المبيعة فى جميع المدّة ما عدا السنة الأولى التى يجب اعتبار أجرتها أنها مبلغ 374 جنيها و250 مليما مع خصم جميع المصاريف بدون استثناء شىء منها ابتداء من 15 يونيه سنة 1924 ومع خصم جميع ما استلمه المستأنف ضدّه من نقود مع تكليف الخبير بالانتقال إلى خزينة المحكمة المختلطة لمعرفة ما إذا كانت توجد عوائق لصرف المبالغ المودعة فيها إلى المستأنف ضدّه أم لا وفى الحالة الأخيرة عليه أن يراعى فى الحساب خصم هذه المبالغ من المستأنف ضدّه أى الطاعن. ويقول الطاعن إنها فى قضائها هذا قد أخطأت فى تفسير البند العاشر والحادى عشر والثانى عشر من عقد البيع الرسمى المؤرّخ فى 19 يونيه سنة 1924 بأن أعطت لعباراتها الصريحة فى معناها معنى آخر يخالف مقصود العاقدين، وإنها زيادة على ذلك قد ناقضت نفسها إذ بينما هى تقرّر فى بعض أسباب الحكم المطعون فيه بأن المتعاقدين إنما كانا يقصدان الاتفاق على احتساب الأجرة الحقيقية للحصة المبيعة بحيث لا يكون للطاعن حق إلا فيها تراها تقضى مع ذلك بأن له حقا فى أجرة السنة الأولى باعتبار أنها تبلغ 374 جنيها و250 مليما حسب ما جاء بالبند العاشر من عقد البيع. وفى هذا التناقض ما يخل بالحكم ويعين على نقضه.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة فى تفسير العقود والشروط المختلف عليها بما تراه أوفى بمقصود المتعاقدين مستعينة فى ذلك بجميع ظروف الدعوى وملابساتها وأن لها بهذه السلطة أن تعدل عن المدلول الظاهر لهذه الصيغ المختلف على معناها بشرط أن تبين فى أسباب حكمها لم عدلت عن هذا الظاهر إلى خلافه وكيف أفادت تلك الصيغ المعنى الذى اقتنعت هى به ورجحت أنه هو مقصود العاقدين وأن يتضح من بيانها أنها قد أخذت فى تفسيرها باعتبارات مقبولة يصح عقلا حمله عليها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أورد وقائع الدعوى وطلبات طرفى الخصومة وحصر نقط الخلاف فيما يجب أن يحسب للمشترى من ريع للحصة المبيعة وما يجب خصمه عليه من المصاريف وما يكون له الحق فى صرفه من المبالغ المودعة لحساب هذه الحصة من قبل الحارس القضائى – بعد أن أورد الحكم المطعون فيه ذلك أخذ يبحث النقطة الأولى على ضوء البند الثامن والعاشر والحادى عشر من عقد البيع مبينا ما جاء بالبند الثامن من "أن المشترى ينتفع بايجارات حصته التى اشتراها" وما جاء بالبند العاشر من أن الإيجار الحالى لهذه الحصة "هو 374 جنيها و250 مليما وأنه إذا لم يتيسر للمشترى قبض حصته بموجب عقود الإيجار الجارية يحق له أن يخصم الإيجار الذى يخصه من باقى ثمن المبيع" وما جاء فى البند الحادى عشر من "أن البائع ليس عليه أدنى مسئولية بخصوص الإيجارات المذكورة فى حالة ما إذا صار تنقيصها بموجب حكم أو بسبب خلو المساكن". وقد استدل الحكم بما جاء بهذه البنود على أن المراد هو جعل المشترى مستحقا لثمرة الحصة المبيعة مقدّرة فى السنة الأولى بما كانت هذه الحصة مؤجرة به أى بمبلغ 374 جنيها و250 مليما ومقدّرة فيما بعد فى السنوات التالية بما تؤجر به فى واقع الأمر. ثم دعم الحكم هذا التفسير بما يؤيده من الاعتبارات المقبولة. وعلى هذا النحو جرى الحكم المطعون فيه فى بحث النقطة الثانية الخاصة بالمصاريف فذكر أن العقد قد نص فى أكثر من موضع على أن المشترى ملزم بها جميعها، وأضاف إلى ذلك ما قاله من أن هذا الرأى هو المعقول المطابق لحكم القانون فيما جاء به من إلزام المشترى بجميع مصاريف الشراء. ثم بحثت محكمة الاستئناف النقطة الثالثة الخاصة بالمبلغ المودع بخزينة المحكمة المختلطة وقالت إن الطرفين متفقان على حصول إيداع المبلغ بتلك الخزينة ومختلفان فيما إذا كانت ثمة عوائق حالت دون صرفه أم لم تكن هناك عوائق ولذلك كلفت الخبير بمأمورية معينة فى هذا الشأن.
وحيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه ومما أجملنا نقله عنه أن محكمة الاستئناف إذ اعتمدت فى تفسيرها الذى أخذت به على نصوص العقد وعلى ما تبينته من خلالها أنه هو مقصود العاقدين، وإذ ضمنت حكمها الاعتبارات المقبولة التى يمكن حمل هذا التفسير عليها عقلا، لا تكون قد خالفت القانون فى شىء ويكون حكمها فى ذلك صحيحا لا غبار عليه.
وحيث إن ما ادّعاه الطاعن من التناقض لا وجود له لأن حق المشترى فى أجرة الحصة المبيعة عن السنة الأولى لم يكن مختلفا على قدره وإنما كان الاختلاف فيما يجب أن يحسب لهذه الحصة من أجرة عن السنوات التاليات. وقد قطعت محكمة الاستئناف بأن المشترى لا يستحق إلا أجرة حصته التى اشتراها حسب ما تكون مؤجرة به فى الواقع ونفس الأمر بعد خصم الخلوات والتنقيصات وليس فى تقريرها هذا مناقضة لما قرّرته بشأن السنة الأولى. ولهذا يتعين رفض هذا الوجه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات