الطعن رقم 38 سنة 4 ق – جلسة 21 /03 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 634
جلسة 21 مارس سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 38 سنة 4 القضائية
خبير. الغرض من تعيينه. عمل الخبير. مناط تعويل المحكمة عليه. عدم
قيام الخبير بمعاينة الأطيان لتقدير الريع واعتماده فى ذلك على الشهود. اعتماد الحكم
المطعون فيه على تقرير الخبير. نقض الحكم.
(المواد 227 و228 و229 من قانون المرافعات)
إن المحكمة، إذ تلجأ إلى أرباب الخبرة تكلفهم بحث عمل من الإعمال وإبداء رأيهم فيه
وتصرح لهم بسماع شهود، فانما معوّلها الأوّل يكون على البحث الشخصى الذى يقوم به الخبير
ليصل فيه بحسب استعداده وكفاءته الخاصة إلى استخراج الحقيقة التى يستعين القاضى به
على كشفها؛ وأما سماعه الشهود فليس لذاته مقصودا للقاضى، وإنما هو أمر يحصل من باب
إعانة الخبير على القيام ببحثه الشخصى الذى قد يصادف أمورا ثانوية لا يستطيع استخراج
حقائقها من مجرّد المادّيات التى يعالج بحثها فيضطرّ إلى التحرّى عما تعيه صدور الناس
من المعلومات ليثبت الحقيقة التى يظنها الواقعية أو ليرجح بين حقيقة وأخرى مما تفيده
إياه الماديات، ومعوّله فى كل حال إنما يكون على المادّيات التى يبحثها بشخصه، كما
أن معوّل القضاء لا يكون إلا على البحث الشخصى الذى يجريه الخبير.
فاذا كلف خبير بتصفية الحساب بين طرفى الدعوى بعد معاينة الأطيان وتقدير ريعها، فاقتصر
الخبير على سماع شهود من بينهم رجل قال له إنه كان من العمال المباشرين للزراعة (خولى)
وبنى تقديره ريع الأطيان على مجرّد قول هذا العامل وأثبت هذا التقدير فى محاضر أعماله
وتقريره، دون أن يعاين بنفسه الأطيان ويتعرّف معدن أجزائها ويقدّر لكل جزء الأجر الذى
يناسبه بحسب مشاهدته ومعرفته الشخصية، فلا يمكن الاعتداد بتقرير هذا الخبير كدليل فى
الدعوى. والحكم الذى يبنى فى جوهره على هذا التقرير يكون قد بنى على دليل غير قائم
فى الواقع ويعتبر خاليا من الأسباب الموضوعية ويتعين نقضه.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى، على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن
المذكرات والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة، فيما يأتى:
أقامت الست عزيزة حسن مناع عن نفسها وبصفتها وصية على ولدها محمد أبو الخير أحمد صادق
هذا الدعوى أمام محكمة مصر الابتدائية وقيدت بجدولها برقم 268 سنة 1928 ضدّ محمد أفندى
أحمد صادق ووزارة الأوقاف بصفتهما ناظرين على وقف الشيخ أحمد محمد صادق الأوّل سابقا
والثانية حالا. وقد طلبت فيها الحكم بالزام محمد أفندى أحمد صادق فى مواجهة الوزارة
بأن يقدم لها حسابا عن نصيبها فى الوقف مدّة نظارته من يوم وفاة والده ووالد زوجها
ثم وفاة مورّثها وهو زوجها ومورّث ولدها القاصر الذى استحق الوقف بعده وذلك عن المدّة
من سنة 1919 إلى سنة 1922. ولأن المورّث الأصلى ترك أطيانا ملكا طلبت أيضا الحساب عما
خصها بالميراث فى تلك الأطيان من سنة 1919 إلى سنة 1927 تاريخ رفع الدعوى، حتى إذا
ما قدّم الحساب ونوقش يقضى عليه بما يظهر لها فى ذمته.
وبتاريخ 7 أبريل سنة 1929 حكمت المحكمة برفض الدعوى فيما يتعلق بطلب الحساب عن الأعيان
الغير الموقوفة وبالزام محمد أفندى أحمد صادق بتقديم الحساب عن الأعيان الموقوفة عن
المدّة من سنة 1919 إلى يوم عزله الحاصل فى يناير سنة 1922.
قدّم محمد أفندى أحمد صادق كشف الحساب فأصدرت المحكمة بتاريخ 8 سبتمبر سنة 1929 حكما
تمهيديا بندب مصطفى أفندى على الخبير لمراجعة وتصفية الحساب بين الطرفين بعد معاينة
الأطيان وتقدير ريعها والاطلاع على مستندات الطرفين وأخذ ملحوظاتهما وسماع شهودهما
بغير حلف يمين إن وجد لزوما لذلك وإجراء كل ما يلزم لإظهار ما يستحقه كل طرف قبل الآخر.
باشر الخبير مأموريته وقدّم تقريره دون أن يطلع على كشف الحساب المقدّم من محمد أفندى
أحمد صادق فحكمت المحكمة بتاريخ 20 أبريل سنة 1931 باعادة المأمورية إليه. وبعد أن
باشرها وقدّم تقريره قضت المحكمة بتاريخ 19 مايو سنة 1932 بالزام محمد أفندى أحمد صادق
بأن يدفع للست عزيزة حسن مناع بصفتيها مبلغ 2123 جنيها والمصاريف المناسبة و200 قرش
مقابل أتعاب المحاماة.
استأنف محمد أفندى أحمد صادق هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف
رقم 217 سنة 50 قضائية، وطلب إلغاءه والقضاء برفض دعوى الست عزيزة. وفى أثناء نظر الاستئناف
قدّم مذكرة بيّن فيها الأوجه التى يرتكن عليها للتدليل على فساد تقرير الخبير. ومما
قاله فيها "أن الخبير لم يعاين الأطيان معاينة تحقيق واختبار إذ اكتفى بالانتقال مرة
واحدة بتاريخ 14 مارس سنة 1930 إلى منزل عمدة ترسا حيث اقتطف كلمتين من هنا ومن هناك
من أشخاص غير مسئولين وجعلها أساسا لتقريره". نظرت محكمة الاستئناف فى الدعوى وقضت
بتاريخ 28 يناير سنة 1934 بالتأييد.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الطاعن فى 23 أبريل سنة 1934 فطعن فيه بطريق النقض فى 22 مايو
سنة 1934 بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّهما فى 28 و31 منه، وقدّم الطاعن والمطعون ضدّها
الأولى مذكراتهما فى الميعاد ولم تقدّم المطعون ضدّها الثانية شيئا. وقدّمت النيابة
مذكرتها فى 27 يناير سنة 1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن أوجه الطعن أن الحكم المطعون فيه مبنى على إجراء باطل. ذلك لأن المبلغ المحكوم
به قد أخذت فيه المحكمة بتقرير خبير كانت عينته المحكمة الابتدائية وكلفته بتصفية الحساب
بين الطرفين بعد معاينته الأطيان وتقدير ريعها، فالخبير ذكر فى تقريره أنه عاين الأطيان
ولكن الواقع الثابت من محاضر أعماله أن هذه المعاينة لم تحصل حسب أمر المحكمة، بل إن
هذا الخبير اقتصر على سماع شهود من بينهم رجل قال له إنه كان من العمال المباشرين للزراعة
(خولى) فأخذ الخبير تقدير ريع الأطيان من مجرّد قول هذا العامل وأثبت هذا التقدير فى
محاضر أعماله وتقريره بدون أن يعاين بنفسه الأطيان ويتعرّف معدن أجزائها ويقدّر هو
لكل جزء الفئة التى تناسبه بحسب مشاهدته ومعرفته الشخصية. ومحكمة أوّل درجة أخذت بتقرير
هذا الخبير وتابعتها على ذلك محكمة الاستئناف على الرغم من أن الطاعن لفت نظر محكمة
الاستئناف فى عريضة استئنافه وفى مرافعته إلى بطلان هذا التقرير.
وحيث إن حقيقة ما يقصده الطاعن بهذا الوجه هى عدم صدق الخبير فى تقريره وعدم إمكان
الاعتداد به كدليل فى موضوع الدعوى.
وحيث إنه بالاطلاع على الحكم المطعون فيه وجد أن من بين أسبابه الجوهرية قول المحكمة
"إن الخبير الذى عينته محكمة أوّل درجة قد قدّر أجرة الأطيان بعد ما أجراه من البحث
الثابت فى تقريره، وقد أخذت محكمة أوّل درجة بتقريره للأسباب الواردة فى حكمها، وهذه
المحكمة (أى محكمة الاستئناف) تأخذ بها وتجعلها أسبابا لتأييد رأيها…" وبالاطلاع
على الحكم الابتدائى وجد من أسبابه الجوهرية أيضا قول المحكمة "إن الخبير ارتكن فى
تقريره على المعاينة وسماع شهادة الشهود وقد راعى فى تقديره حالة الأطيان من حيث الجودة
وعدمها فقدّر ريع 100 فدان بواقع 2 جنيه و50 فدانا بواقع 5 جنيهات و25 فدانا بواقع
8 جنيهات و25 فدانا بواقع 10 جنيهات و30 فدانا بواقع 15 جنيها و20 فدانا بواقع 18 جنيها
و52 فدانا بواقع 20 جنيها مراعيا فى ذلك تربة الأرض ومعدنها وحالة الأسعار فى السنين
المطالب بريعها… ولذلك ترى المحكمة الأخذ بتقريره".
وحيث إنه يبين من ذلك أن المحكمتين الابتدائية والاستئنافية قد كان كل تعويلهما فى
الحكم بالريع الذى قضتا به على معاينة الخبير للأطيان وبحثها جزءا جزءا وتعرّف معدنها
بنفسه وتبينه قوّة البعض وضعف البعض وتدعيم خبرته الشخصية فى هذا الصدد بما سمعه من
شهادة الشهود. وواضح أنه على هذا الأساس وحده اعتمدت المحكمتان فى قضائهما.
وحيث إنه بالرجوع لمذكرة الطاعن المقدّمة منه لجلسة 4 نوفمبر سنة 1932 يبين أنه شكا
من عدم معاينة الخبير للأطيان معاينة تحقيق واختبار، وأن هذا الخبير لم يكن منه إلا
سماع أقوال رجل قال إنه كان سابقا عاملا بصفة خولى فى الزراعة وقد تقبّل قوله قضية
مسلمة دون معاينة لأجزاء الأرض المختلفة. ثم استدل على عدم معاينة الخبير فعلا ولا
بحثه لأجزاء الأرض المختلفة بمحاضر أعماله.
وحيث إنه بالاطلاع على محاضر أعمال الخبير رؤى أنه حدّد للمعاينة يوم 14 مارس سنة 1930
ولكن المحضر الذى حرره عن أعماله فى هذا اليوم غير ثابت به أنه أجرى تلك المعاينة،
بل إنه اقتصر على التحرّى عن قيمة إيجار الأطيان من بعض الشهود ومن بينهم حسن إبراهيم
مصطفى الذى قيل له إنه كان عاملا بصفة خولى بعزبة صادق. وقد أقفل الخبير محضره على
ذلك فى اليوم المذكور بدون أن يشير فيه أية إشارة إلى معاينة الأطيان. لكن الخبير فتح
بعد ذلك محضرا فى 26 مارس سنة 1930 خاصا بما طلبه من وكيل المطعون ضدّها من استحضار
صورة رسمية من تأجيرات الأطيان بمعرفة وزارة الأوقاف (التى تعينت من قبل ناظرة على
هذا الوقف). وهذا المحضر الخاص بطلب هذه الصورة والذى لم يقل الخبير أين حرره، بل الظاهر
أنه حرره فى مكتبه، قد أشار فيه إلى سبق معاينته للأطيان. وهذه المعاينة التى ادّعاها
لا تنصرف حتما إلا ما كان منه من الانتقال لجهة وجود الأطيان فى يوم 14 مارس سنة 1930،
وقد تبين مما سلف أنه فى يوم 14 مارس سنة 1930 المذكور لم يثبت فى محضره شيئا من تلك
المعاينة التى يدّعيها.
وحيث إن المادة 229 من قانون المرافعات تقضى بأن على الخبراء أن يذكروا أعمالهم بالتفصيل
فى محاضرهم ثم يبينون رأيهم والأوجه التى استندوا عليها فيه.
وحيث إن الخبير إذ لم يبين فى شىء من محاضره متى وكيف أنه قد عاين تلك الأطيان وقسمها
إلى سبعة أجزاء تختلف مقاسا وقوّة وضعفا وقدّر لكل منها فئة إيجار فيكون ظاهر الأمر
أنه إنما اعتمد على مجرّد شهادة الشهود وعلى الأخص شهادة حسن إبراهيم مصطفى الذى تتضمن
أقواله بحسب ما هو ثابت من محضر أعمال الخبير المؤرّخ فى 14 مارس سنة 1930 نفس التقسيم
ونفس الفئات التى أخذ بها الخبير.
وحيث إن المحكمة إذ تلجأ إلى أرباب الخبرة تكلفهم بحث عمل من الأعمال وإبداء رأيهم
فيه وتصرح لهم بسماع شهود فانما معوّلها الأوّل يكون على البحث الشخصى الذى يقوم به
الخبير ليصل فيه بحسب استعداده وكفاءته الخاصة إلى استخراج الحقيقة التى يستعين به
القاضى على كشفها؛ وأما سماعه الشهود فليس لذاته مقصودا للقاضى وإنما هو أمر يحصل من
باب إعانة الخبير على القيام ببحثه الشخصى الذى قد يصادف فيه أمورا ثانوية لا يستطيع
استخراج حقائقها من مجرّد المادّيات التى يعالج بحثها فيضطرّ التحرّى عما تعيه صدور
الناس من المعلومات ليثبت الحقيقة التى يظنها الواقعية أو ليرجح بين حقيقة وأخرى مما
تفيده إياه الماديات. ومعوّله فى كل حال إنما يكون على المادّيات التى يبحثها بشخصه،
كما أن معوّل القضاء لا يكون إلا على هذا البحث الشخصى الذى يجريه الخبير. وقد احتاط
القانون لهذه الحقيقة، فصرح فى المادة 228 من قانون المرافعات بأن الخبير لا يسمع شهودا
إلا إذا أذنته المحكمة بذلك بحيث لو أذنته فليس له تحليف الشهود اليمين، وما ذلك إلا
لأن المراد الأساسى بمأمورية الخبير هو الوصول للحقيقة بعمله الشخصى وأن استعانته بالشهود
لا تكون إلا من باب التحرّيات فقط، فان التحقيق بالشهود من اختصاص القضاء وحده وله
إجراءات خاصة.
وحيث إنه وقد وضح أن الخبير لم يبن تقسيمه الأطيان إلى أجزاء مختلفة وتقديره لأجرة
كل منها على معاينته الشخصية وخبرته، بل إنه ادّعى وجود هذه المعاينة دعوى مخالفة للواقع،
فالدليل المستفاد من المعاينة والذى أخذت به محكمتا الموضوع هو دليل غير قائم فى الواقع.
ومتى استبعد هذا الدليل وهو الأساس الجوهرى فى الحكمين أصبح الحكم المطعون فيه خاليا
من الأسباب الموضوعية والقانونية متعينا نقضه ولا حاجة بعد لبحث باقى أوجه الطعن.
