الطعن رقم 88 سنة 4 ق – جلسة 07 /03 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 630
جلسة 7 مارس سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 88 سنة 4 القضائية
إثبات. فهم الواقع فى الدعوى. سلطة قاضى الموضوع فى ذلك. متى تتدخل
محكمة النقض؟ انتحال الحكم للحادث الضار سببا تقصيريا لا يمكن استخلاصه عقلا من التحقيق
يوجب نقضه.
(المواد 9 و10 و11 من القانون رقم 68 سنة 1931)
إنه إذا كان لقاضى الموضوع السلطة التامة فى فهم الواقع فى الدعوى من دلائها المقدّمة
له تقديما صحيحا، ولا رقابة عليه فى ذلك لمحكمة النقض، إلا أنه متى أثبت لهذا الفهم
دليلا وهميا لا وجود له، أو كان موجودا ولكنه مناقض لما أثبته، أو غير مناقض ولكن يستحيل
عقلا استخلاص هذا الفهم منه، فان حكمه يقع إذن تحت رقابة محكمة النقض لمخالفته لقواعد
الإثبات القانونية.
فاذا انتحل الحكم للحادث الضارّ سببا تقصيريا لا يمكن استخلاصه عقلا من عناصر التحقيق
التى كانت أمام المحكمة فيتعين نقضه.
الوقائع
تتحصل وقائع هذه الدعوى – بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والمذكرات
والمستندات المودعة فى ملف الطعن – فى أن الست عائشة بنت عبد الرحمن عن نفسها وبصفتها
وصية على أولادها القصر حلمى وفوزية وسعاد ادّعت هى والست عديلة داود فى الدعوى التى
رفعتاها على عبد الواحد أفندى نصير أمام محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية وقيدت بجدولها
تحت رقم 55 سنة 1933 أن مورّثهما المرحوم أحمد محمد الشرقاوى كان يعمل بمعمل الجبس
ملك المدّعى عليه، وبينما كان يقوم بعمله فى يوم 28 أكتوبر سنة 1931 إذ قتله سير الآلة
البخارية، وأن الأولى بصفتيها هى والثانية تستحقان تعويضا تقدّرانه بخمسمائة جنيه،
ولذلك التمستا من المحكمة الابتدائية الحكم لهما بهذا المبلغ مع المصاريف وأتعاب المحاماة.
فحكمت تلك المحكمة بتاريخ 7 مارس سنة 1933 برفض الدعوى. فاستأنفتا هذا الحكم لدى محكمة
استئناف مصر الأهلية وقيد استئنافهما بجدول المحكمة برقم 933 سنة 50 قضائية. وبعد نظره
حكمت تلك المحكمة بتاريخ 29 مايو سنة 1934 بالغاء الحكم المستأنف وإلزام المستأنف ضدّه
بأن يدفع للمستأنفتين مبلغ ثلاثمائة جنيه مصرى ومصاريف الدرجتين وخمسمائة قرش أتعاب
محاماة عنهما.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الطاعن فى 23 يوليه سنة 1934، فطعن فيه بطريق النقض فى 19 أغسطس
سنة 1934، وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدّهما فى 29 منه، وقدّم الطاعن مذكرته الكتابية
فى الميعاد ولم يقدّم المطعون ضدّهما شيئا. وقدمت النيابة مذكرتها فى 6 فبراير سنة
1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد مسخ الشهادات المدوّنة بمحضر تحقيق الحادثة
والوقائع المسلم بها فى الأوراق وأثبتها مناقضة لمصادرها واستخلص منها ما لا يمكن عقلا
استخلاصه فاستوجب بذلك النقض.
وحيث إن الذى جاء بالحكم المطعون فيه هو "وحيث إنه ثابت من محضر ضبط الواقعة المضموم
أن سير الآلة البخارية المسماة بالبريمة انفلت من موضعه فأصاب رقبة مورّث المستأنفتين
فقطعها، ولا ينفلت السير بهذه الحركة العنيفة الفجائية إلا إذا كانت الآلة مختلة، ولذلك
يكون المستأنف ضدّه (الطاعن) قصر فى صيانة آلات مصنعه من الخلل فنشأ الحادث ووجب عليه
التعويض لورثة القتيل. وحيث إن الزعم بأن الحادث وقع بسبب محاولة مورّث المستأنفتين
إصلاح السير وإعادته إلى مكانه دون أن يلجأ إلى توقيف الآلات كما كان يجب فهذا زعم
لا دليل عليه. أما أقوال عبده محمد حسن ومن عداه من العمال فى محضر ضبط الواقعة المضمون
فلا تأخذ بها هذه المحكمة لأنها استنتاجية إذ الثابت من أقوالهم أنهم لم يعرفوا الحادث
إلا بعد وقوعه فعلا وسقوط مورّث المستأنفتين قتيلا، فلا دليل إذن على وقوع خطأ من جانب
هذا المورّث. ولذلك يتعين إلغاء الحكم المستأنف".
وحيث إن قول الحكم المطعون فيه إن الفعل الضارّ فى هذه الدعوى هو انفلات سير البريمة
عن موضعه بحركة عنيفة فجائية، وإن هذا الانفلات العنيف الفجائى لا يكون إلا إذا كانت
الآلة مختلة وكان السبب فى اختلالها تقصير صاحبها فى صيانتها هو قول لا مصدر له فى
محضر ضبط الواقعة، إذ لم يرد به فى أى موضع منه أن السير انفلت أصلا بعنف أو بغير عنف،
وأن علة انفلاته هى الخلل، بل الذى جاء به لا يمكن أن يستخلص العقل منه ما استخلصه
الحكم المطعون فيه. فقد جاء به على لسان عبده محمد حسن "أن المتوفى كان طلع على السلم
ليسند اليسر لكى لا يقع والسير كان راكب ولا زال راكب كويس". وجاء على لسان المحقق
"أنه شاهد أثناء المعاينة أنه يوجد سلم مرمى بجوار الجثة، وأن السير مركب فى مكانه
بدون اعوجاج". كما جاء به "أن المحقق علم أن المتوفى كان يصلح سير الغربال فصدمه السير
فى رقبته، وأنه لاحظ قطعة من جاكتته معلقة فى سير الغربال". فأقصى ما يصح استنتاجه
عقلا من هذه العناصر أن سير الغربال لم يكن فى موضعه الطبيعى، وأن المتوفى حاول ردّه
إلى موضعه فصعد السلم بغير أن يوقف الآلات فأصيب. وقد جاء تعلق الجاكتة بسير الغربال
وبقاء السير فى موضعه ووجود السلم بجوار الجثة – كل ذلك جاء دالا على أن لا انفلات
لسير البريمة ولا محل للظن بأن هناك انفلاتا، ولا أن علة هذا الانفلات هى الخلل فى
الآلات.
وحيث إنه إذا كان لقاضى الموضوع السلطة التامة فى فهم الواقع فى الدعوى من دلائلها
المقدّمة له تقديما صحيحا، وأن لا رقابة عليه فى ذلك لمحكمة النقض إلا أنه متى أثبت
لهذا الفهم دليلا وهميا لا وجود له أو كان موجودا ولكنه مناقض لما أثبته أو غير مناقض
ولكن يستحيل عقلا استخلاص هذا الفهم منه فان حكمه يقع إذن تحت رقابة محكمة النقض لمخالفته
قواعد الإثبات القانونية.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد انتحل للحادث الضارّ سببا تقصيريا لا يمكن استخلاصه عقلا
من عناصر التحقيق التى كانت أمام محكمة الاستئناف. ولذلك يتعين نقضه.
وحيث إن الدعوى صالحة للحكم فى موضوعها بالحالة التى هى عليها الآن.
وحيث إن الحكم المستأنف فى محله للأسباب التى بنى عليها ويتعين لذلك تأييده.
