الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 36 سنة 4 ق – جلسة 28 /02 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 616

جلسة 28 فبراير سنة 1935

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك وزكى برزى بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك المستشارين.


القضية رقم 36 سنة 4 القضائية

وضع يد. وضع اليد لسبب وقتى. متى يعتبر وضع اليد صالحا للتمسك به؟ وضع يد الواقف الذى هو ناظر على الوقف. متى يصلح التمسك به؟ مجرّد وضع يد أولاد الواقف على عين بنية التملك عقب قسمة أجروها بينهم. مجرّد تصرفهم بالبيع لأولادهم المستحقين بعدهم فى الوقف. لا يعتبر قانونا مغيرا لسبب وضع اليد. (المادة 79 مدنى)
1 – إن القاعدة التى تقرّرها المادة 79 من القانون المدنى صريحة فى أن لا سبيل لمن وضع يده بسبب وقتى معلوم غير أسباب التمليك المعروفة إلى أن يكسب لا هو ولا ورثته الملك بوضع اليد مهما تسلسل التوريث وطال الزمن.
2 – وضع اليد بسبب وقتى معلوم غير أسباب التمليك المعروفة لا يعتبر صالحا للتمسك به إلا إذا حصل تغيير فى هذا السبب يزيل عنه صفته الوقتية. والمفهوم من قواعد التملك بمضى المدّة الطويلة ومن بقاى الأصول القانونية أن هذا التغيير لا يكون إلا باحدى اثنتين: أن يتلقى ذو اليد الوقتية ملك العين عن شخص من الأغيار يعتقد هو أنه المالك لها والمستحق للتصرف فيها، أو أن يجابه ذو اليد الوقتية مالك العين مجابهة ظاهرة صريحة بصفة فعلية أو بصفة قضائية أو غير قضائية (judiciaire ou extra judiciaire) تدل دلالة جازمة على أنه مزمع إنكار الملكية على المالك والاستئثار بها دونه.
وإذن فالواقف الذى هو مستحق للوقف وناظر عليه لا يمكن أن يكون وضع يده إلا بصفة وقتية من قبل أنه منتفع أو مدير لشئون العين بالنيابة عن جهة الوقف. فحكم المادة 79 من القانون المدنى يسرى بداهة عليه وعلى ورثته من بعده مهما تسلسل توريثهم وطال وضع يدهم. ولا يستطيع أيهم أن يمتلك العين بالمدّة الطويلة إلا بعد أن يغير صفة وضع يده على النحو السالف الذكر.
3 – مجرّد وضع يد أولاد الواقف على العين بنية الملك عقب قسمة أجروها بينهم ثم مجرّد تصرفهم بالبيع لأولادهم المستحقين بعدهم فى الوقف، لا شىء فيهما يمكن قانونا اعتباره مغيرا لسبب وضع يدهم الذى لا يخرج عن الوراثة أو عن الاستحقاق فى الوقف. فاذا أدخلت محكمة الموضوع مدّة وضع يد أولاد الواقف فى مدّة الثلاث والثلاثين سنة بغير أن يكون فى الدعوى ما يصح اعتباره قانونا أنه قد غيّر وضع يدهم الأصلى الذى كان هو الوراثة أو الاستحقاق فى الوقف فانها تكون قد أخطأت فى تطبيق المادة 79 من القانون المدنى، ويكون حكمها متعين النقض.


الوقائع

تتلخص وقائع هذه الدعوى – حسب ما جاء بالحكم المطعون فيه والحكم الابتدائى المؤيد به وبالمستندات المقدّمة لهذه المحكمة ولمحكمتى الموضوع من قبل – فى أن أمين أغا كاشف جدّ المدّعى عليهم قد أنعم عليه بمقتضى فرمان مؤرّخ فى 18 ربيع الثانى سنة 1252 بمائة فدان هى الآن بزمام ناحية بنى عامر بمركز مغاغة، وأنه وقفها على نفسه ثم من بعده على أولاده بالتساوى بينهم وأولاد أولادهم كذلك طبقة بعد طبقة وجعل النظر عليه لنفسه ثم للأرشد فالأرشد من أولاده إلى آخر الشروط المدوّنة فى التقسيط الديوانى المؤرّخ فى 3 صفر سنة 1253 الذى أعطى له سندا بهذا الوقف على ما كان العمل جاريا به فى ذلك العهد، وأن أولاد الواقف وهم عديلة وزليخا وزينب وأدهم اقتسموا بينهم هذه الأطيان الموقوفة على التساوى بينهم فوضع كل منهم يده على خمسة وعشرين فدانا ثم تصرف كل منهم فيما آل إليه إلى ولده فباعت عديلة نصيبها إلى ولدها أحمد حسين فرهنه لبنك المورجيدج الذى نزع ملكيته وباعه لآخرين (ولم يدخل هذا النصيب فى موضوع الدعاوى الحالية)، وباعت زليخا نصيبها إلى ولديها أحمد راحيل وحافظ محمد، وباعت زينب نصيبها إلى ولديها أحمد يوسف ومحمد يوسف، وباع أدهم نصيبه إلى ولديه محمد أدهم وأحمد أدهم. وقد استمرّ الحال فى هذه الأطيان الموقوفة على ما سبق ذكره حتى سنة 1915 إذا رفع أحد حفدة الواقف الأمر للمحكمة الشرعية فاستدعت المستحقين فى الوقف فاختلفوا فيمن يكون ناظرا عليه فأقامت المحكمة وزارة الأوقاف ناظرة على الوقف فى ديسمبر سنة 1917. ويظهر مما تقوله وزارة الأوقاف أنها لم تستطع استلام الأطيان بمقتضى تقرير النظر، ولذلك رفعت على المدّعى عليهم فى الطعن ثلاث دعاوى أمام محكمة المنيا قيدت بجدولها تحت رقم 570 و749 و751 سنة 1928 طلبت فى كل منها الحكم بتبعية الأطيان المبينة الحدود بصحيفة افتتاحها لوقف أمين أغا وإلزام أحفاده المدّعى عليهم بتسليم ما تحت أيديهم منها إليها لتتصرف فيها على مقتضى كتاب الوقف.
وقد ضمت محكمة المنيا الابتدائية هذه الدعاوى الثلاث. فدفع المدّعى عليهم بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى فقضت المحكمة بعدم الاختصاص بتاريخ 2 يناير سنة 1929. فاستأنفت الوزارة الحكم فألغته محكمة الاستئناف بحكمها المؤرّخ فى 16 يناير سنة 1930 وقضت باختصاص المحاكم الأهلية وباحالة القضية على محكمة الدرجة الأولى للفصل فيها فحكمت تلك المحكمة بتاريخ 2 يونيه سنة 1930 باحالة الدعوى على التحقيق لإثبات ونفى ما جاء بالحكم المذكور، ثم قضت بتاريخ 10 أبريل سنة 1931 برفض الدعاوى الثلاث وإلزام الوزارة بالمصاريف وأتعاب المحاماة.
فاستأنفت الوزارة هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 55 سنة 49 قضائية، وطلبت الحكم بقبوله شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف والحكم بثبوت ملكيتها إلى 70 فدانا و10 قراريط و16 سهما المبينة الحدود والمعالم بعرائض الدعاوى الثلاث مع إلزام المدّعى عليهم بالتسليم والمصاريف والأتعاب عن الدرجتين وحفظ الحق فى المطالبة بالريع بدعوى على حدة. وبعد نظره قضت فيه بتاريخ 21 فبراير سنة 1934 برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمت المستأنفة بالمصاريف والأتعاب.
وقد أعلن هذا الحكم إلى وزارة الأوقاف فى 19 أبريل سنة 1934، فطعنت فيه بطريق النقض فى 17 مايو سنة 1934، وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدّهم فى 22 مايو سنة 1934، وقدّمت الوزارة مذكرتها الكتابية فى 5 يونيه سنة 1934، ولم يقدّم المطعون ضدّهم شيئا. وقدّمت النيابة مذكرتها فى 15 يناير سنة 1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت المحكمة الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف قد أخطأت فى تطبيق القانون حين اعتمدت فى قضائها بتأييد الحكم المستأنف القاضى برفض دعاوى وزارة الأوقاف التى رفعتها على المستأنف عليهم حفدة الواقف على أن هؤلاء الحفدة هم ومن تلقوا الملك عنهم وضعوا اليد على الأعيان الموقوفة بعد وفاة الواقف مدّة تزيد عن الثلاث والثلاثين سنة المقررة شرعا لمنع سماع دعوى الوقف ولتملك الأعيان الموقوفة قانونا. ووجه الخطأ أنه ما كان ينبغى قانونا الاعتداد بوضع يد أولاد الواقف المستحقين عنه الأرض الموقوفة مهما طالت مدته، ولا الاعتداد بوضع يد أولادهم الذين تلقوا الملك عنهم بطريق الشراء لعدم جواز اعتبار هذا التصرف مغيرا قانونا لصفة وضع يدهم هم ومورّثيهم. ولهذا ما كان ينبغى لمحكمة الاستئناف أن تعتبر حفدة الواقف قد تملكوا على جهة الوقف الأعيان الموقوفة بوضع اليد المدة الطويلة.
هذ
وحيث إن كلا الحكمين الابتدائى والاستئنافى قد أثبت بصفة قطعية أن الأطيان المتنازع عليها موقوفة من قبل أمين أغا جدّ المدّعى عليهم بمقتضى التقسيط المؤرّخ فى 3 صفر سنة 1253 الذى قدّمته الوزارة للمحكمتين. ولقد جاء بهذا التقسيط الذى اعتبرته المحكمة أنه صك الوقف المنشئ له أن الواقف وقف وقفه هذا على نفسه ثم على أولاده ثم أولاد أولادهم طبقة بعد طبقة وجعل النظر عليه لنفسه ثم للأرشد فالأرشد من أولاده.
وحيث إن المادة 79 من القانون المدنى تقضى بأن لا تثبت ملكية العقار والحقوق العينية بمضى المدة الطويلة لمن كان واضعا يده عليها بسبب معلوم غير أسباب التمليك سواء أكان ذلك السبب مبتدأ منه أو سابقا ممن آلت منه إليه. وعلى ذلك فلا تحصل الملكية بوضع اليد للمستأجر والمنتفع والمودع عنده والمستعير ولا لورثتهم من بعدهم.
فالقاعدة التى تقررها هذه المادة صريحة فى أن لا سبيل لمن وضع يده بسبب وقتى معلوم غير أسباب التمليك المعروفة فى أن يكسب لا هو ولا ورثته الملك بوضع اليد مهما تسلسل التوريث وطال الزمن.
وحيث إن هذه القاعدة الصريحة لا يمكن الإخلال بها ولا اعتبار وضع اليد صالحا للتمسك به إلا إذا حصل تغيير فى سببه يزيل عنه صفته الوقتية. والمفهوم من قواعد التملك بمضى المدة الطويلة ومن باقى الأصول القانونية أن هذا التغيير لا يكون إلا باحدى اثنتين: أن يتلقى ذو اليد الوقتية ملك العين عن شخص من الأغيار يعتقد هو أنه هو المالك لها والمستحق للتصرف فيها أو أن يجابه ذو اليد الوقتية مالك العين مجابهة ظاهرة صريحة بصفة فعلية أو بصفة قضائية أو غير قضائية (Judiciaire ou extra judiciaire) تدل دلالة جازمة على أنه مزمع إنكار الملكية على المالك والاستئثار بها دونه.
وحيث إن الواقف الذى هو مستحق للوقف وناظر عليه لا يمكن أن يكون وضع يده إلا بصفة وقتية من قِبَل أنه منتفع أو مدير لشئون العين بالنيابة عن جهة الوقف، فحكم المادة 79 من القانون المدنى يسرى بداهة عليه وعلى ورثته من بعده مهما تسلسل توريثهم وطال وضع يدهم. ولا يستطيع أيهم أن يمتلك العين بالمدّة الطويلة إلا بعد أن يغير صفة وضع يده على النحو السالف الذكر.
وحيث إن الواقع فى الدعوى الحالية أن أمين أغا إذ وقف أطيانه التى منها ما تطلبه وزارة الأوقاف قد كان هو المستحق لريعها والناظر عليها، فهو إلى أن توفى كان وضع يده وقتيا بسبب الاستحقاق والنظر، فأولاده الذين خلفوه فى وضع اليد يكون وضع يدهم بذاته مشوبا بالوقتية كقاعدة المادة 79 من القانون المدنى؛ وذلك فوق كونهم أيضا مستحقين لريع الوقف وكون أرشدهم ناظرا عليه ذلك الاستحقاق وتلك النظارة اللذين يجعلان أيضا وضع يدهم وقتيا.
وحيث إن محكمة الموضوع مع أخذها بالقاعدة المقرّرة من أن مدّة التقادم فى الوقف هى ثلاث وثلاثون سنة هجرية مطلقا لم تثبت فى الدعوى شيئا يدل على تغيير سبب وضع يد أولاد الواقف إلا مجرّد وضع يدهم بنية الملك عقب قسمة أجروها بينهم ثم مجرّد تصرفهم بالبيع لأولادهم المستحقين بعدهم فى الوقف. وأى الأمرين لا شىء فيه يمكن قانونا اعتباره مغيرا لسبب وضع يدهم الذى لا يخرج عن الوراثة أو عن الاستحقاق فى الوقف. وإذن فانه على الأقل إلى تاريخ البيوع الحاصلة من أولاد الواقف لأولادهم المطعون ضدّهم لا يمكن أن تكون هناك شبهة فى أن وضع اليد كان وقتيا وأنه لا يدخل البتة فى مدّة التقادم.
وحيث إنه يبين من ذلك أن محكمة الاستئناف، إذ أدخلت مدّة وضع يد أولاد الواقف من سنة 1888 إلى آخر سنة 1906 فى مدّة الثلاث والثلاثين سنة بغير أن يكون فى الدعوى من أولاد الواقف ما يصح اعتباره قانونا أنه قد غير سبب وضع يدهم الأصلى الذى كان هو الوراثة أو الاستحقاق فى الوقف، تكون قد أخطأت فى تطبيق المادة 79 من القانون المدنى. ولهذا يتعين نقض الحكم المطعون فيه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات