الطعن رقم 48 سنة 4 ق – جلسة 14 /02 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 605
جلسة 14 فبراير سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 48 سنة 4 القضائية
عامل خارج عن الهيئة. فصله. حق مدير المصلحة فى ذلك. حدّه. سلطة
القاضى إزاء قرار الفصل.
(المادة 157 من قانون المصلحة المالية المصرية)
إن المادة 157 من قانون المصلحة المالية المصرية تجيز لرؤساء المصالح أن يعينوا الخدمة
الخارجين عن هيئة العمال وأن يفصلوهم بحسب مقتضيات العمل. ففصل العامل من هؤلاء حق
مطلق مخوّل لرئيس المصلحة يأتيه كلما وجدت ظروف تستدعيه. ولم يجعل لأحد حق التدخل معه
فى تقدير تلك الظروف، فهو الذى يرى ما إذا كان العامل مستحقا للفصل بسبب عدم احتياج
المصلحة للعمل الذى يؤدّيه أو مستحقا له بسبب عدم إمكانه القيام بالعمل لعدم كفاءته
له أو لسوء سلوكه. فاذا فصل مدير مصلحة عاملا من العمال الخارجين عن الهيئة ووضح من
الأوراق الإدارية أن علة فصله هى سوء سلوكه، فليس للقضاء أن يراقب على المصلحة فى هذا
الفصل، ولا أن يغير علته ولا أن يؤول بشأنها قرار مدير المصلحة. وينبنى على ذلك أنه
إذا كان أساس القضاء بمبلغ مّا لعامل فصل من مصلحة السكة الحديدية (مثلا) هو هذا الافتيات
المخالف للقانون فانه يتعين نقض الحكم الصادر فى هذا الشأن.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن
المذكرات والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة – فيما يأتى: –
رفع محمد أفندى حسنين هذه الدعوى أمام محكمة مصر الابتدائية ضدّ وزارة المواصلات وتقيدت
بجدولها برقم 664 سنة 1933 وقال فى عريضتها المؤرّخة فى 4 فبراير سنة 1933 إنه كان
يشتغل بوظيفة نجار بقسم هندسة الوابورات بالسكة الحديد وإن المصلحة – بعد مضى 26 سنة
عليه فى العمل وصل مرتبه الشهرى فى خلالها مبلغ 825 قرشا – فصلته فى 31 يوليه سنة 1931
باعلان رقت وبلا مبرر قانونى وفى وقت غير لائق، وإنه يستحق بناء على ذلك مكافأة قدرها
176 جنيها طبقا للقانون، لم يعط منها سوى مبلغ 40 جنيها. ولذا طلب الحكم له بالفرق
وقدره 136 جنيها مضافا إليه مبلغ 60 جنيها على سبيل التعويض، فيكون مجموع ذلك 196 جنيها
مع المصاريف والأتعاب والنفاذ.
دفعت وزارة المواصلات فرعيا بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى وفى الموضوع برفضها.
فقضت محكمة مصر الابتدائية بتاريخ أوّل مايو سنة 1933: (أوّلا) برفض الدفع الفرعى وباختصاص
المحاكم الأهلية بنظر الدعوى. (ثانيا) بالزام وزارة المواصلات بأن تدفع إلى محمد أفندى
حسين مبلغ 124 جنيها و530 مليما مع كافة المصاريف و200 قرش مقابل أتعاب المحاماة. وهذا
المبلغ الذى حكمت به هو ما قالت إنه الباقى من المكافأة. أما مبلغ التعويض عن الرفت
فى وقت غير لائق فقد رفضته.
استأنفت وزارة المواصلات هذا الحكم إلى محكمة استئناف مصر الأهلية وطلبت موضوعا الحكم
بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف ضدّه مع إلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة.
وبنت استئنافها هذا على أن فصل المستأنف عليه قد حصل بسبب الاضطرابات التى حصلت فى
14 من مايو سنة 1931 وبسبب سوء سلوكه وسواد صحيفته، ولأن مكافأة العمال لا تعطى لاستقطاع
يؤخذ سهم كحالة الموظفين والمستخدمين الدائمين، بل هى منحة تعطيها الحكومة لمن يفصل
لأسباب معينة دون غيرها.
وقد قيد الاستئناف بجدول تلك المحكمة برقم 943 سنة 50 قضائية. وبعد نظره قضت فيه بتاريخ
18 أبريل سنة 1934 بتأييد الحكم المستأنف وبالزام وزارة المواصلات بالمصاريف وبمبلغ
500 قرش مقابل أتعاب محاماة عن الدرجة الثانية.
وقد أعلن هذا الحكم إلى وزارة المواصلات بتاريخ 20 مايو سنة 1934 فطعنت فيه بطريق النقض
بتقرير تحرّر بقلم كتاب محكمة النقض فى 11 يونيه سنة 1934، وأعلن تقرير الطعن إلى الخصم
فى 25 منه، وقدّمت الطاعنة مذكرتها الكتابية فى الميعاد، ولم يقدّم المطعون ضدّه شيئا،
وقدّمت النيابة مذكرتها فى 25 ديسمبر سنة 1934.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت المحكمة الدعوى على الوجه المبين بمحضر
الجلسة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن بنى على حصول مخالفات للقانون وخطأ فى تطبيقه وفى تأويله من النواحى
الآتية: (أوّلا) أن مدير المصلحة له الحق المطلق فى رفت الموظفين الخارجين عن هيئة
العمال وذلك طبقا للمادة 157 من قانون المصلحة المالية المصرية، ومن يملك حق الرفت
يملك بالتبعية حق تبيين سببه، ورأيه فى ذلك واجب الاحترام. ولذلك يعتبر الحكم أنه خالف
القانون إذ ناقض السبب الذى اعتبره مدير المصلحة موجبا لرفت المطعون ضدّه، وذلك السبب
هو سوء السلوك لا الاستغناء كما هو واضح بقرار الرفت الرقيم فى 7 يوليه سنة 1931 (ثانيا)
لقد أخطأ الحكم فى تطبيق القانون وتأويله بخطئه فى تطبيق القواعد الخاصة بأوامر الرفت
وإعلانها للعمال المرفوتين، إذ بنى ذلك الحكم فى قضائه باستحقاق المطعون ضدّه للمكافأة
على أن رفته كان للاستغناء وأن رفته لهذا السبب مستفاد من خلوّ إعلانه بقرار الرفت
من بيان سببه مع أنه طبقا للمادة 146 من قانون المصلحة المالية لا يبين فى إعلان الرفت
سبب إلا إذا كان هذا السبب هو الاستغناء أو إلغاء الوظيفة أو عدم اللياقة للخدمة. وطبقا
لهذه القاعدة يكون خلو إعلان قرار الرفت من بيان سبب الرفت دليلا قانونيا على أن الرفت
لم يكن للاستغناء أى عكس ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه خطأ. (ثالثا) تدخل الحكم فى
تقدير موجبات رفت المطعون ضدّه مع أن هذا التقدير يجب أن يترك لمدير المصلحة الذى له
قانونا الحق المطلق فى رفت الخدمة الخارجين عن هيئة العمال.
هذ
وحيث إن المادة 157 من قانون المصلحة المالية المصرية تجيز لرؤساء المصالح أن يعينوا
الخدمة الخارجين عن هيئة العمال وأن يرفتوهم بحسب مقتضيات العمل. فرفت العامل من هؤلاء
حق مطلق مخوّل لرئيس المصلحة يأتيه كلما وجدت ظروف تستدعيه ولم يجعل لأحد حق التدخل
معه فى تقدير تلك الظروف. فهو الذى يرى ما إذا كان العامل مستحقا للرفت بسبب عدم احتياج
المصلحة للعمل الذى يؤدّيه ذلك العامل أو مستحقا له بسبب عدم إمكان العامل القيام بالعمل
لعدم كفاءته له أو لسوء سلوكه.
وحيث إنه إذا كان سبب الرفت هو عدم الكفاءة أو سوء السلوك فقد لوحظ أن هذا السبب لو
أثبت فى إعلان الرفت الذى يعطى للعامل فان ذلك مما يؤديه فى مستقبله. ولهذا جاء قرار
مجلس الوزراء الصادر فى 27 أبريل سنة 1914 مؤذنا فى مادته الثالثة بأن سبب رفت العامل
الخارج عن هيئة العمال لا يذكر فى الإعلان إذا كان هو عدم الكفاءة أو سوء السلوك.
وحيث إن الذى يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن أسباب الحكم الابتدائى التى أخذت بها محكمة
الاستئناف ومن المستندات المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة لمحكمتى الموضوع أن مدير
عموم مصلحة السكة الحديد قد وافق فى 9 يوليه سنة 1931 على رفت محمد أفندى حسنين المطعون
ضدّه إجابة لما طلبه رئيس المهندسين الميكانيكيين الذى عرض أمره هو وغيره على المدير
بكتاب منه فى 6 يوليه سنة 1931 قائلا إنه من ضمن غير المرغوب فيهم (Undesirables) وأن
وزارة المواصلات قد دفعت بذلك لدى المحكمتين مبينة أن هذا الوصف الذى وصف رئيس المهندسين
الميكانيكيين محمد أفندى حسنين به (Undesirable) وصف يفيد سوء سلوك هذا العامل. وقد
قدّمت الوزارة ضمن مستنداتها تحقيقا لمعنى هذا الوصف وتعليلا له خطابا صادرا من مدير
ورش العربات إلى كبير المهندسين الميكانيكيين فى 16 يونيه سنة 1932 يفيد أن سبب إدراج
اسم محمد أفندى حسنين المذكور ضمن غير المرغوب فيهم هو سوء سوابقه وسلوكه الردئ.
وحيث إن علة الرفت متى قام دليلها بهذه الكيفية من الأوراق الإدارية المقدّمة للمحكمة
فليس لأحد المراقبة على مصلحة السكة الحديد فى هذا ولا أن يغير هذه العلة ولا أن يؤول
بشأنها قرار مدير مصلحة السكة الحديد.
وحيث إنه متى وضح بهذه المثابة أن مصلحة السكة الحديدية قد رفتت هذا العامل لسوء سلوكه،
كما تقول هى وكما هو المفهوم الواضح من المستندات التى قدّمتها فى الدعوى، وجب قانونا
الوقوف عند هذا الحدّ وعدم تعرّض القضاء لمناقشة قرار الرفت وإبدال علته وهى سوء السلوك
بعلة أخرى هى إلغاء الوظيفة أو مجرّد الاستغناء، فان هذا يكون تأويلا وتفسيرا بل وتعديلا
لقرار إدارى لا تملك المحاكم التعرّض له.
وحيث إن أساس القضاء بالمبلغ الذى أوجبه الحكم المطعون فيه هو هذا الافتيات المخالف
للقانون فالمتعين نقض هذا الحكم.
وحيث إن الدعوى فى موضوعها صالحة للفصل فيها بالحالة التى هى عليها وبغير احتياج إلى
إجراءات أخرى.
وحيث إن المادة الثانية من المنشور حرف ( أ ) المصدّق عليه من المجلس الأعلى لمصلحة
السكة الحديد فى 13 أبريل سنة 1914 والمتضمن شروط إعطاء المكافآت للمستخدمين الخارجين
عن هيئة العمال عند إخراجهم من الخدمة قد نصت على أن لا حق فى المكافأة إلا لمن يحصل
إخلاؤه من الخدمة بسبب كبر السنّ أو بسبب عاهة تجعله غير لائق للعمل أو بسبب إلغاء
الوظيفة. أما من يخرج لغير هذه الأسباب الثلاثة فانه – بحسب المادة الثالثة – لا يستحق
مكافأة مّا إلا إذا طلب ذلك بصفة خصوصية مدير عام المصلحة وصادق عليه المجلس الأعلى
للسكك الحديدية. وهذا النص العام الوارد فى المادة الثالثة المذكورة والذى يشمل كل
ما عدا الصور الثلاث المنصوص عليها بالمادة الثانية قد خصصته المادة الرابعة فى شأن
من يكون سبب رفتهم الإهمال أو سوء السلوك فجعلت أنهم لا يستحقون مكافأة إلا إذا قرّرت
السلطة التأديبية الخاضعين لها خلاف ذلك.
وحيث إن محمد أفندى حسنين مرفوت لسوء السلوك كما تقدّم وسلطة تأديبه يملكها مدير عموم
السكة الحديد.
وحيث إن الظاهر من الأوراق المقدّمة أن مدير السكة الحديد – نظرا لرفته كثيرين غير
محمد أفندى حسنين بعضهم كمثله لسوء السلوك وبعضهم لعدم حاجة العمل إليهم – قد عرض أمر
جميعهم بشأن مسألة المكافأة على مجلس إدارة السكة الحديد، فعين المجلس لجنة مكوّنة
من مندوب من كل من وزارات المالية والداخلية والمواصلات. وهذه اللجنة بعد بحث حالة
العمال المرفوتين قرّرت لكل من رأت استحقاقه لشىء من المكافأة مبلغا قدّرته، ثم عرض
مدير السكة الحديد تقريرها على مجلس الإدارة ثانية فصدّق عليه فى 12 مارس سنة 1932،
وأمر وزير المواصلات بتنفيذه.
وحيث إن محمد أفندى حسنين إذا كان لا يستحق شيئا بحسب المادة الثانية من المنشور حرف
( أ ) المذكور لأنه لم يرفت لكبر سنه ولا لعاهة أصابته ولا لإلغاء وظيفته، بل كان رفته
لسوء السلوك المنصوص فى المادة الثالثة على عدم استحقاق من يرفت بسببه لمكافأة مّا
إلا ما تقرّره السلطة التأديبية وقد قرّرت هذه السلطة – هى ومن فوقها من السلطات –
منحه مكافأة قدرها 41 جنيها و500 مليم ثابت استلامه لها، كما تقرّر فى الحكم المستأنف
مما لم يظهر وجود خلاف فيه بين الخصوم فى جميع أدوار الدعوى – إذا كان هذا هو حال محمد
أفندى حسنين فانه باستلامه المبلغ المذكور قد استوفى كل حق له قبل المصلحة وتكون محكمة
أوّل درجة قد أخطأت فى القضاء له بما قضت به. ويتعين إذن إلغاء حكمها والقضاء برفض
الدعوى.
