الطعن رقم 34 سنة 4 ق [] – جلسة 24 /01 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 567
جلسة 24 يناير سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 34 سنة 4 القضائية [(1)]
( أ ) نقض وإبرام. حكم صادر من محكمة ابتدائية بهيئة استئنافية.
متى يصح الطعن فيه بطريق النقض؟ (الفقرة الثانية من المادة العاشرة من القانون رقم
68 لسنة 1931)
(ب) اختصاص. اختصاص المحكمة الأهلية بنظر الدعوى. الاحتجاج فى هذه الدعوى بحكم نهائى
شرعى. سلطة المحكمة الأهلية فى بحث هذا الحكم من جهة الاستدلال به.
1 – إن الفقرة الثانية من المادة العاشرة من قانون إنشاء محكمة النقض لا تبيح الطعن
فى الأحكام الصادرة من المحاكم الابتدائية بصفة استئنافية إلا إذا كانت صادرة فى مسألة
اختصاص بحسب نوع القضية أو اختصاص بحسب أحكام المادتين 15 و16 من لائحة الترتيب، بحيث
إذا لم يكن حكمها صادرا فى مسألة الاختصاص بخصوصها، فلا يجوز الطعن فيه بطريق النقض
مهما تكن مسألة الاختصاص وعدمه متعلقة بالنظام العام. فاذا كان وجه الطعن مبنيا على
اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى وفقا للمادتين 15 و16 المذكورتين، وكان هذا الدفع
بعدم الاختصاص قد عرض على المحكمة الجزئية وقضت برفضه تنصيصا عليه، ثم لم يطرح على
المحكمة الاستئنافية ولم تقض فيه حتى يكون قضاؤها فيه مسوّغا لإمكان الطعن فى حكمها
بذلك الوجه، كان هذا الطعن غير مقبول.
2 – متى كانت المحكمة الأهلية مختصة بنظر موضوع الدعوى كان لها بداهة أن تبحث دليل
هذا الموضوع. فاذا احتج لديها بحكم شرعى نهائى فان لها أن تبحث ما إذا كان هذا الحكم
قد صدر فى حدود ولاية المحاكم الشرعية فتثبت له حجيته أم لم يصدر فى حدود هذه الولاية
فيكون معدوم الحجية.
الحكم الاستئنافى المطعون فيه
رفع نجيب أفندى رزق دعوى مدنية ضدّ الست هيلانة أبو السعد ووزارة
المالية أمام محكمة الموسكى الجزئية الأهلية قيدت بجدولها تحت رقم 295 سنة 1933 وطلب
للأسباب الواردة بصحيفتها المعلنة بتاريخى 25 و29 سبتمبر سنة 1932 الحكم بالزام المدّعى
عليهما متضامنين بأن يدفعا له مبلغ 24 جنيها و852 مليما قيمة المنصرف للمدّعى عليها
الأولى من معاشه بدون وجه حق مع إلزامهما بالمصاريف وأتعاب المحاماة بحكم مشمول بالنفاذ
المؤقت بغير كفالة.
وبجلسة المرافعة دفع وكيلا الست هيلانة أبو السعد دفعين فرعيين: الأوّل بعدم اختصاص
المحاكم الأهلية بنظر الدعوى طبقا لنص المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، والثانى
عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لأن النزاع الحالى هو من اختصاص لجنة تنازع الاختصاص
المنوّه عنها فى المادة 85 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية.
وبجلسة 14 يناير سنة 1933 حكمت المحكمة حضوريا برفض الدفعين الفرعيين واختصاص المحكمة
بنظر الدعوى وفى الموضوع بالزام المدّعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للمدّعى مبلغ 24
جنيها و852 مليما والمصاريف و200 قرش أتعاب محاماة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
استأنفت الست هيلانة أبو السعد هذا الحكم وطلبت للأسباب الواردة بصحيفة استئنافها المعلنة
بتاريخ 25 و28 فبراير سنة 1933 أن يسمع المستأنف ضدّه الأوّل فى مواجهة المستأنف ضدّها
الثانية الحكم بالغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحاكم الأهلية أصلا وفى الموضوع
ببطلان الحكم الصادر فى موضوع الدعوى ورفض دعوى المستأنف عليه الأوّل مع إلزامه بالمصاريف
عن الدرجتين ومقابل أتعاب المحاماة مع حفظ كافة الحقوق الأخرى. قدّمت الدعوى لجلسة
التحضير وفيها قرّر الحاضر عن وزارة المالية بأنه يرفع استئنافا فرعيا منضما للمستأنفة
طالبا إلغاء الحكم المستأنف بكامل أجزائه والحكم باخراج الحكومة من الدعوى بلا مصاريف.
وبعد تحضير القضية أحيلت على جلسة المرافعة وفيها سمعت أقوال الطرفين كما هو مدوّن
بالمحضر، وقدّم كل منهما مذكرة بدفاعه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الاستئنافين حازا شكلهما القانونى.
وحيث إن وقائع الدعوى تتلخص فى أن المستأنف عليه (نجيب أفندى رزق) تزوّج بالمستأنفة
(الست هيلانة أبو السعد) وكلاهما من الأقباط الأرثوذكس، واستمرّت الزوجية إلى أن شجر
بينهما خلاف فقدّمت الست هيلانة طالبة فرض نفقة زوجية لها، فقضت لها محكمة الخرطوم
بذلك فى 17 فبراير سنة 1930.
وبتاريخ 11 فبراير سنة 1931 رفع نجيب أفندى رزق على هيلانة أمام مجلس ملى البطريركية
الدعوى رقم 85 سنة 1931 طالبا الحكم له باسقاط النفقة المقضى بها من محكمة الخرطوم
وذلك لأنه يقيم مع زوجته فى عيشة واحدة. ثم قرّر بتنازله عن هذه الدعوى ولكن المدّعى
عليها طلبت رفضها رغما عن التنازل فقضى المجلس الملى بتاريخ 20 مايو سنة 1931 برفض
الدعوى لأن سوء التفاهم بين الزوجين لا يزال قائما ولم يتم الصلح بينهما. وفى أثناء
سير الدعوى سالفة الذكر أشهد نجيب أفندى على نفسه بتاريخ 5 مايو سنة 1931 أنه أسلم.
وبتاريخ 3 يونيه سنة 1931 رفعت هيلانة دعوى على نجيب رزق أمام المجلس الملى طلبت فيها
الحكم باستمرار حضانتها لابنتها فلورى والحكم لها بنفقة لهذه الحضانة. فدفع نجيب رزق
الدعوى بعدم اختصاص المجلس الملى بنظرها، لأنه أصبح مسلما، فقضى المجلس بتاريخ 24 يونيه
سنة 1931 برفض الدفع وفى الموضوع باستمرار البنت فى حضانة والدتها وفيما يتعلق بدعوى
النفقة بتحقيقها. وقد استند المجلس فى ذلك على "أنه من القواعد القانونية الأوّلية
أن العقد شريعة المتعاقدين وأن كل عقد عقد تحت سلطان شريعة مّا يبقى طرفى العقد خاضعين
لأحكام تلك الشريعة مهما حاول أى طرف الهروب من هذا الاختصاص بالالتجاء لشريعة أخرى
للاحتماء بها فى سبيل معاكسة الطرف الآخر". بعد ذلك رفعت هيلانة دعوى أخرى أمام المجلس
الملى طلبت فيها الحكم بالتصديق على حكم النفقة الصادر من المحكمة العليا بالخرطوم
فلم يحضر المدّعى عليه فقضى المجلس بتاريخ 18 ديسمبر سنة 1931 بأحقية المدّعية للنفقة
المحكوم بها من محكمة الخرطوم العليا ضدّ المدّعى عليه، واستند المجلس على الحكم الذى
سبق أن أصدره بين الطرفين بتاريخ 20 مايو سنة 1931.
وبتاريخ 11 يونيه سنة 1931 أشهد المستأنف عليه على نفسه بأنه طلق المستأنفة. بعد ذلك
رفع نجيب رزق دعوى أمام محكمة الأزبكية الشرعية على هيلانة طلب فيها وقف تنفيذ حكم
النفقة الصادر لها، واستند فى ذلك على أنه بصفته مسلما طلق زوجته بتاريخ 11 يونيه سنة
1931 وقد مضت سنة على هذا الطلاق، فدفعت المدّعى عليها بعدم اختصاص المحاكم الشرعية
بنظر الدعوى لأن طرفى الخصومة من طائفة الأقباط الأرثوذكس، وبعدم سماع الدعوى لأنه
ليس للمحاكم الشرعية وقف تنفيذ حكم صدر من محكمة مدنية إنكليزية، ولأنه سبق الفصل فى
هذه الدعوى بالرفض من المجلس الملىّ المختص بنظرها. فقضت المحكمة بتاريخ 12 يونيه سنة
1932 برفض هذه الدفوع وفى الموضوع بوقف تنفيذ حكم النفقة الصادر لمصلحة هيلانة؛ واستند
الحكم فى رفض الدفوع على أن المدّعى قد أسلم فأصبحت المحاكم الشرعية هى المختصة بنظر
قضاياه المتعلقة بالأحوال الشخصية وأن الدعوى أضحى مناط البحث فيها أمرا جديدا وهو
طلاق هيلانة ومضى سنة على هذا الطلاق، واستند فى الموضوع على أن المستأنف عليه طلق
المستأنفة ومضت سنة على هذا الطلاق فلا حق لها فى اقتضاء النفقة منه.
وحيث إن المستأنف عليه تقدّم بالدعوى الحالية وطلب فيها الحكم على هيلانة ووزارة المالية
متضامنين بأن يدفعها له مبلغ 24 جنيها و852 مليما وذلك قيمة ما صرفته وزارة المالية
من معاشه بلا حق لهيلانة تنفيذا لحكم النفقة إذ استمرّت الوزارة تصرف لهيلانة شهريا
مبلغ 6 جنيهات و840 مليما من معاش المستأنف عليه رغما عن صدور الحكم المشار إليه آنفا
من محكمة الأزبكية الشرعية بوقف تنفيذ حكم النفقة الصادر لمصلحة هيلانة.
وقد قضت محكمة أوّل درجة للمدّعى بطلباته فاستأنفت هيلانة كما استأنفت وزارة المالية.
وحيث إن هيلانة دفعت أصليا بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى واحتياطيا طلبت
الحكم برفضها. أما وزارة المالية فطلبت إلغاء الحكم بالنسبة لها.
وحيث إنه لذلك يتعين إفراد بحث لكل استئناف من الاستئنافين.
عن استئناف الست هيلانة أبو السعد:
حيث إن الست هيلانة تدفع أصليا بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى مستندة فى
ذلك على أن الجهة المختصة بفض هذه الخصومة هى لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير
الحقانية فى 9 يونيه سنة 1920، وذلك للمفاضلة بين الأحكام المتضاربة الصادرة من جهات
الأحوال الشخصية.
وحيث إن هذا الدفع فى غير محله إذ هذه اللجنة، وهى بداهة غير اللجنة المنصوص عليها
فى المادة 80 وما يليها من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، هى لجنة إدارية محضة، فلا
هى منحت اختصاصا قضائيا ولا كان من شأنها أن تنزع اختصاصا لأى هيئة من الهيئات القضائية،
بل كان الغرض من إنشائها مساعدة جهات الإدارة فى الإشكالات التى تقدّم بين يديها لدى
تنفيذ أحكام متضاربة صادرة من جهات الأحوال الشخصية المختلفة، إذ الإدارة ولو أنه منوط
بها بنص القانون تنفيذ هذه الأحكام إلا أنه لا يجوز لها تنفيذها إلا إذا كانت الهيئة
التى أصدرتها تملك الاختصاص أى لها ولاية القضاء. ولما كانت جهات الأحوال الشخصية متعدّدة
كان من المحتمل قيام التنازع بينها على الاختصاص بل وصدور أحكام متضاربة، فرؤى من الأصلح
تشكيل هيئة تعين الإدارة فى مهمتها بفحص الأحكام المتضاربة وترى أيها صدر ممن له ولاية
القضاء، وبالتالى أولى بالرعاية والتفضيل، وتشير على الإدارة أى الحكمين أجدر بالتنفيذ.
فلجنة تنازع الاختصاص التى شكلت فى سنة 1920 لتحقيق هذه الأغراض ما كان لها إلا أن
تمدّ الإدارة بالفتوى القانونية فى الإشكالات الماثلة أمامها، والإدارة إذ تصدر فى
تصرفاتها عن هذه الفتاوى إنما تقوم بعمل إدارى محض خاضع لتقدير القضاء ورقابته.
وحيث إن الدعوى الحالية هى دعوى مطالبة بردّ مبلغ مدّعى بصرفه بلا سند قانونى وقبضه
بلا حق فيكون لا شبهة فى اختصاص المحاكم الأهلية بنظرها.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الدعوى الفرعى واختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى.
وحيث إن طرفى الخصومة اتفقا بجلسة 30 مايو سنة 1933 على أن تفصل المحكمة فى الموضوع
إذا قضت برفض الدفع الفرعى إذ كانت المستأنفة الأولى هيلانة تتظلم من أن محكمة أوّل
درجة حجزت القضية للحكم فى الدفع الفرعى ثم قضت فيه وفى الموضوع.
وحيث إن الست هيلانة تطلب فى الموضوع رفض الدعوى مستندة فى ذلك على الأوجه التى ذكرتها
ومحصلها أنها تزوّجت من نجيب أفندى رزق (المستأنف عليه) طبقا لقواعد الشريعة القبطية
الأرثوذكسية حيث لا يجوز للزوج أن يطلق زوجته، فإسلام المستأنف عليه بعد ذلك لا تأثير
له على الحقوق الثابتة لها بمقتضى عقد الزواج الذى يجب أن يظل خاضعا فى أحكامه للشريعة
التى أبرم تحت سلطانها، فليس للمستأنف عليه أن يطلقها طبقا للقواعد المقرّرة فى الشريعة
الإسلامية. هذا فضلا على أن المستأنف عليه لم يسلم مدفوعا بعقيدة أو إيمان، بل بغرض
إهدار حق المستأنفة إذ لم يسلم إلا بعد أن شجر النزاع بينهما واستصدرت عليه حكم النفقة.
وحيث إنه لتقدير هذا الدفاع يتعين البحث تباعا فى النقط الآتية: (أوّلا) ما أثر تغيير
الجنسية على الأحوال الشخصية سيما الحقوق والصلات الزوجية فى فقه القانون الدولى الخاص
وفى أحكام القضاء الفرنسى؟ (ثانيا) ما أثر تغيير الدين – الردّة – وبالأخص فى الشريعة
الإسلامية ومذهب الفقه والقضاء فى مصر؟ (ثالثا) قيمة الحكم الصادر من محكمة الأزبكية
الشرعية بتاريخ 12 يونيه سنة 1932.
أما اتصال البحث الأوّل بالبحث الثانى فمرجعه أن قانون الجنسية هو القانون الذى يحكم
صلات الأحوال الشخصية فى البلاد الأجنبية كما هو شأن الأجانب عندنا (وفقا لأحكام القانون
المدنى المختلط). أما فى مصر فهو الدين للمصريين ولغير المتمتعين بالامتيازات الأجنبية،
فوجه القياس ظاهر، لا يحتاج لبيان، بين تأثير تغيير الجنسية والردّة على الأحوال الشخصية
سيما الحقوق والصلات الزوجية.
وحيث إنه وإن اختلفت شروط التجنس بجنسية جديدة باختلاف القوانين الوضعية لكل دولة من
الدول إلا أنه من المجمع عليه أن تغيير الجنسية لا ينعطف أثره على الماضى وليس من شأنه
المساس بحقوق تم اكتسابها فعلا، ولكن تجب التفرقة هنا، كما هو الحال دائما فى نظرية
عدم سريان القانون على الماضى، بين الحق المكتسب ومجرّد الأمل، فليس للوارث مثلا أو
الموصى له إلا مجرّد أمل فى الأخذ بنصيب فى الميراث أو استحقاق الوصية ما دام المورّث
الموصى حيا، فاذا حرر شخص وصيته ثم غير جنسيته ثم توفى وكانت الوصية صحيحة حسب قانون
الجنسية الأولى وباطلة حسب قانون الجنسية الجديدة التى توفى عليها الموصى كان لا شبهة
فى بطلان الوصية. كذلك لو غير المورّث جنسيته قبل وفاته يجب تقسيم التركة حسب قانون
الجنسية الجديدة ولو أدّى ذلك لحرمان أشخاص كانوا موجودين قبل تغيير الجنسية وكانوا
يرثون نصيبا فى التركة حسب قانون الجنسية القديمة. فلا يصح للموصى له فى المثل الأوّل
أن يتمسك بما كان من شأن صحتها ولا أن يزعم أن فى القول ببطلانها مساسا بحق مكتسب إذ
استحقاقه للموصى به ما هو إلا مجرّد أمل بسيط لم يرق بعد لمصاف الحقوق. كذلك شأن الوارث
فيما يختص باستحقاق التركة أو نصيب فيها. إذن فما هى الحقوق – لا مجرّد الآمال – التى
يصح أن يقال إن عقد الزواج أكسبها الزوجة ولا يمكن المساس بها بتغيير الجنسية…. وبالأخص
لعلاقة ذلك بالدعوى الحالية – هل إذا كان قانون الجنسية الذى عقد الزواج تحت أحكامه
لا يبيح الطلاق وغيّر أحد الزوجين جنسيته، وكان قانون الجنسية الجديدة يبيح الطلاق
– هل إذا طلب الطلاق بناء على ما يخوّله ذلك القانون الجديد يعتبر الطالب محاولا المساس
بحق مكتسب؟ ما هو الحدّ الفاصل بين الحق المكتسب ومجرّد الأمل فى هذا الصدد؟.
الرأى على أنه يجب التفريق مبدئيا بين الحقوق والدعاوى أى الاختصاص.
أما الدعاوى فمن المبادئ المسلمة أنه إذا رفعت دعوى كدعوى الطلاق والنفقة الخ إلى المحكمة
المختصة فان تغيير الجنسية لطارئ – حتى ولو كان من شأنه أصلا أن يجرّد المحكمة من وظيفتها
– لا يمكن أن يسلب المحكمة اختصاصها إذ أصبح للخصم حق مكتسب فى نظر دعواه أمام هذه
المحكمة وبالأولى بداهة لا أثر لتغيير الجنسية على الأحكام التى صدرت فعلا. أما إذا
لم ترفع الدعوى فقال فريق إن المحكمة المختصة هى المحكمة التى كانت مختصة وقت سبب النزاع،
وقال فريق آخر بالرأى الراجح وهو أن المحكمة المختصة هى المحكمة التابع لها الخصوم
وقت رفع الدعوى (الدكتور الزينى بند 243).
وحيث إنه فيما يختص بأثر تغيير الجنسية على الحقوق الزوجية كاباحة الطلاق أن تحريمه
فقد انقسم أهل الرأى فى فرنسا كما تباينت أحكام القضاء. فذهب رأى إلى أنه إذا غيّر
الزوجان جنسيتهما معا كان لا نزاع فى سريان قانون الجنسية الجديدة على إباحة الطلاق
أو تحريمه. أما إذا غيّر أحدهما جنسيته فان إباحة الطلاق أو تحريمه تعتبر حقا مكتسبا
بمقتضى العقد لا يمكن أن يمسه أو يؤثر عليه تغيير الجنسية الطارئ. ويستند هذا الرأى
على نظرية الحق المكتسب، وأن إباحة الطلاق أو تحريمه ليست من قواعد النظام العام فى
شئ، وأن اتباع الرأى المخالف يؤدّى إلى نتائج غير عادلة وغير مقبولة، إذ يختل التوازن
بين حقوق الزوجين فيصبح لأحدهما مثلا حق طلب الطلاق ويحرم الآخر منه، كما أن الزوج
الذى لا يبيح قانونه الطلاق يظل أمام قانونه مرتبطا بعقد الزواج رغم صدور حكم بالطلاق.
واستند أخيرا أنصار هذا الرأى على ما كانت تقضى به معاهدة لاهاى التى أبرمت بين معظم
الدول الأوروبية فى سنة 1902 (يراجع فى هذا الرأى فاليرى دولى خاص بند 772 والمراجع
التى به). وذهب الرأى الذى رجحته أخيرا محكمة النقض الفرنسية فى أحدث أحكامها إلى عكس
ذلك، وأن للزوج أن يتمتع بكافة الحقوق التى يخوّلها إياه قانون الجنسية الجديدة. فاذا
كان القانون الجديد يبيح الطلاق فله مباشرة هذا الحق دون أن يحول بين ذلك ما كان فى
القانون الذى أبرم عقد الزواج تحت سلطانه من حظر أو تحريم، لأنه ليس للإنسان حق مكتسب
فى أحواله الشخصية لأن تنظيمها من المسائل التى تمس نظام الجماعة أو النظام العام فيكون
دائما فى سلطة المشرع تعديلها وتغييرها بما يلائم المصلحة العامة، وأن القواعد المتعلقة
بالطلاق هى فى الواقع قواعد لها صبغة النظام العام، إذ ترمى إلى حماية نظام الأسرة
من الشك والقلق والشقاق. ومن المسلم به أن نظرية الحق المكتسب تنتهى حيث تبتدئ قواعد
النظام العام (وبهذا المعنى لوران القانون الدولى الجزء الخامس 166 وفارى سوميير دولى
جزء 2 – 89 ودسبانييه 269 ومنييال Meynial تعليق على سيرى 1895 – 4 – 89 وآسرريفيه
Asseret Revier نمرة 53 وحكم محكمة السين 9 نوفمبر سنة 1892 و2 ديسمبر سنة 1897 وباريس
– 12 مايو سنة 1893 – 7 أبريل سنة 1903 – 25 نوفمبر سنة 1914).
وقضت بهذا الرأى أخيرا محكمة النقض الفرنسية فى 6 يوليه سنة 1922 (والحكم منشور فى
دالوز سنة 1922 – 1 – 137). وقد كان عقد الزواج يحكمه القانون الإيطالى حيث لا طلاق
ورفع نزاع إلى المحاكم الإيطالية فقضت بالانفصال الجثمانى بين الزوجين فعادت الزوجة
لفرنسا وأقامت بها حيث استردّت فيها جنسيتها الفرنسية ثم رفعت دعوى الطلاق وفقا للقانون
الفرنسى فقضت لها محكمة ليون وأيدتها محكمة الاستئناف ثم محكمة النقض. وعبثا حاول الزوج
التمسك بنظرية الحق المكتسب وبالقانون الذى أبرم تحت سلطانه عقد الزواج.
La femme reintégrée dans la nationalité française est rece – vable a demander en
vertu de l’art. 31 Code civil, la conversion en jugement de divorce le jugement
étranger qui a pronouncé la séparation du corps, bien que la legislation nationale
de son mari n’admette pas le divorce.
وحيث إنه من الأبحاث التى تتصل بهذه النقطة – لعلاقته بالدعوى الحالية – البحث فى هل
تقوم النتائج السابق بيانها على تغيير الجنسية حتى لو كان الشخص مدفوعا فى تغيير جنسيته
خصيصا وبالذات للخلاص من أحكام قانون جنسيته، وبالانتفاع بما فى قانون الجنسية الجديدة
من رخص وحقوق. من القواعد المسلمة فى هذا الشأن أن الأصل أن لكل شخص أن يلتحق بالجنسية
التى يبغيها إذ هى علاقة أساسها الولاء والإخلاص للدولة فلا يجوز إجبار الشخص على الولاء
قسرا عنه، فما لم يرد المنع الصريح فى حالة معينة فالأصل الحرّية، وما دامت الإباحة
ثابتة فمن العبث تحرّى الأسباب التى حدت بالشخص لتغيير جنسيته. ولا محل لما يحاوله
البعض من إقامة نظرية التحايل على القانون فهى نظرية محل جدل شديد، بل وشك كبير (فايس
ص 528 ولوسلييه ص 482 ويراجع مؤلف الدكتور الزينى ص 470).
وحيث إن محصل ذلك أن تغيير الجنسية يبيح للزوج مباشرة كافة الحقوق الزوجية التى يبيحها
له قانون جنسيته الجديدة، فاذا كان يبيح طلب الطلاق فله طلبه ولو كان قانون الجنسية
القديمة – والذى عقد الزواج تحت أحكامه – يحرمه. أما فيما يختص بالتقاضى فلا تأثير
لتغيير الجنسية الطارئ على الدعاوى التى رفعت أو الأحكام التى صدرت فعلا. أما فى ما
عدا ذلك فللجنسية الجديدة أثرها. كل هذا دون بحث فى الدوافع التى حدت بالشخص إلى تغيير
جنسيته.
وحيث إنه مع قياس الدين على الجنسية، وعلى هدى القواعد السالفة، يصح القول فى الدعوى
الحالية إن إسلام نجيب أفندى رزق فى 5 مايو سنة 1931 ما كان ليؤثر على حكم محكمة الخرطوم
القاضى بالنفقة وعلى اختصاص المجلس الملى بنظر الدعوى الأولى التى كان قد رفعها قبل
ذلك بتاريخ 11 فبراير سنة 1931 إلا أنه كان حائلا بين المجلس الملى وبين نظر الدعاوى
اللاحقة، وإن لنجيب رزق على كل حال الحق فى أن يطلق زوجته طبقا لقواعد الشريعة الإسلامية
التى اعتنقها والتى تقضى بأن الطلاق بيد الرجل يوقعه متى شاء مع ما يستتبع ذلك من نتائج
وأهمها بالنسبة للنزاع الحالى عدم مطالبة الزوج بنفقة مضى سنة من الطلاق.
وحيث إن قواعد الشريعة الإسلامية تكاد تتفق تماما مع الرأى الثابت فى فقه القانون الدولى
الخاص السابق بيانه، إذ ولو أن الفقهاء يقرّرون أن الإسلام هو إيمان بالجنان وإقرار
باللسان، إلا أنهم على اتفاق فى أن الإيمان صلة بين الشخص ومولاه لا يطلع عليها سواه
وأنه يجب اعتبار الشخص مسلما تجرى عليه كافة الأحكام الدنيوية الخاصة بالمسلمين إذ
أقرّ باعتناقه الإسلام دينا. ويرجع ذلك إلى قوله تعالى "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم
السلام لست مؤمنا"، ولذلك كان النبى عليه الصلاة والسلام يقبل ظاهر الإسلام من المنافقين،
وفى الحديث المأثور أنه قال مستنكرا لرجل طعن فى صحة إسلام آخر: "هل شققت قلبه؟" (يراجع
الزيلعى الجزء الثالث باب المرتدين صحيفة 284 وكتاب الخراج لأبى يوسف باب المرتدّ ومقالة
الأستاذ أحمد إبراهيم بك فى مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولى نبذة 15 حيث قرّر
"أن الردّة لها أثرها سواء كان المرتدّ جادّا أو هازلا"). أما حكمة ذلك فظاهرة إذ من
العبث تحليل الدوافع التى حدت بالشخص لاعتناق دين من الأديان وتقصى الظروف التى أحاطت
بمثل هذا الحادث، إذ لا جدال أن لكل من هذه وتلك شتى الصور والملابسات، ما دامت هذه
البواعث والظروف قد انتهت بالشخص إلى الترجيح فالاختيار، كما أنه يكون فى أغلب الأحيان
من التورّط فى إثم سوء الظن الجرى وراء شبهات خادعة للطعن فى عقيدة الشخص والانتقاص
من إيمانه.
وحيث إن القضاء فى مصر سار على هذا فى أغلب أحكامه. ويمكن تلخيص الرأى السائد فى وجوب
التفرقة بين الحقوق والدعاوى. أما الحقوق – وبالأخص حق الطلاق – فللمرتدّ أن يباشر
كافة الحقوق الزوجية التى يخوّلها إياه دينه الجديد دون البحث إلى أى حدّ يطابق ما
ظهر من إيمانه ما خفى منه ودون تقص لأسباب الردّة. أما الدعاوى – فكما هو الشأن فى
الجنسية – لا تؤثر الردّة على اختصاص المحكمة التى رفعت إليها الدعوى فعلا، وبالأولى
على الأحكام التى صدرت فعلا، إلا بطبيعة الحال إذا صادمت قواعد النظام العام كما لو
قضى بالطاعة على الزوجة التى أسلمت لزوجها غير المسلم:
1 – استئناف مختلط 18 ديسمبر سنة 1923 (مجموعة التشريع والقضاء 36 ص 88) الذى قرّر
أن حرية الاعتقاد مطلقة وأنه لا يجوز التدخل فى عقيدة الأشخاص والبحث فى أعمال قلوبهم
إن كان إيمانهم صحيحا أو غير صحيح وللقضاء الظاهر فقط. فالقبطى الذى يشهد على نفسه
أنه أسلم يعتبر بذلك مسلما تجرى عليه أحكام الشريعة الإسلامية.
2 – حكم محكمة الاستئناف المختلط الصادر فى 5 يونيه سنة 1917 (مجموعة التشريع والقضاء
19 ص 287) حيث عقد الزواج حسب شريعة الروم والأرثوذكس وغيّر الزوج بعد ذلك دينه وجنسيته
وأصبح مصريا مسلما وطلق زوجته اليونانية الأرثوذكسية حسب قواعد الشريعة الإسلامية فقرّرت
المحكمة فى حيثياتها أنه إذا كان الزوج قد نجح فى الوصول إلى فسخ عقد الزواج بارادته
دون أن يكون للزوجة أى وسيلة قانونية للحيلولة دون هذا الفسخ إلا أن لها الحق فى المطالبة
بتعويض عن إجراء قام به الزوج بعيدا عن مجال حسن النية؛ وقضت المحكمة فعلا بتعويض للزوجة.
3 – استئناف مختلط أوّل يونيه سنة 1897 (مجموعة 9 ص 373) الذى قرّر أن صحة الطلاق تتوقف
على القانون الذى يرتبط به الزوجان وقت رفع دعوى الطلاق.
4 – استئناف مختلط 9 ديسمبر سنة 1914 (مجموعة التشريع والقضاء 27 ص 45).
5 – مجلس حسبى ديروط 18/ 11/ 22 الذى قرّر أنه إذا غير الشخص دينه أو مذهبه فليس للمجلس
أن يتبع إجراءات من شأنها التثبت من عقيدته الداخلية وعما إذا كان التغيير عن يقين
ثابت أو هو لأجل الخديعة.
ويراجع فى أن تغيير الدين لا يؤثر على اختصاص المحكمة المنظورة أمامها الدعوى أو على
الأحكام التى صدرت:
حسبى مصرى 6 مارس سنة 1918 محاماة 40 عدد 18.
حسبى ديروط 18 نوفمبر سنة 1923 مجموعة رسمية 25 عدد 60.
اللبان 13 مايو سنة 1926 محاماة 7 عدد 404.
واستئناف 21 أبريل سنة 1904 مجموعة رسمية 6 ص 31.
ويصح أن يلحق بهذه الأحكام حكم محكمة الاستئناف الصادر فى 13 فبراير سنة 1931 إذ يؤخذ
من وقائع النزاع أن الزوج أسلم بعد رفع دعوى النفقة عليه أمام المجلس الملى بسنتين
تقريبا.
ومما يجب ملاحظته أن بعض الأحكام المشار إليها آنفا يوردها البعض على أنها تطبيق للرأى
العكسى أو تأييد لنظرية التحايل على القانون وهى ليست من ذلك فى شئ، إذ كلها تدور إما
على أن الردّة لا تؤثر على حكم نفقة سبق صدوره أو على دعوى سبق رفعها أمام الجهة المختصة؛
ومن المفروغ منه أن هاتين الحالتين هما من صور الحق المكتسب، فالحكم الذى يصدر يعتبر
حقا مكتسبا لمن صدر له، وطرح الدعوى أمام الجهة المختصة يجعل للخصم حقا مكتسبا للفصل
فيها أمام تلك الجهة. كل هذه أمور لا مراء فيها وليست بحاجة فى تقريرها للاستعانة بنظرية
التحايل على القانون، بل إن الالتجاء لهذه النظرية فى هذه الأحوال يفهم منه أن ليس
هناك حق مكتسب، وإيرادها فى هذا المجال يؤدّى للقول بأن الردّة إذا كانت عن غير تحايل
فانها تؤثر على الأحكام التى صدرت وتنزع الاختصاص من الجهة التى رفعت إليها الدعوى
فعلا، وهى نتائج غير مقبولة لم يقل بها أحد. وبعبارة أخرى إن عدم تأثير الردّة الطارئة
على أحكام النفقة التى صدرت أو الدعاوى التى رفعت مسألة فوق كل بحث. أما مجال البحث
فهو تأثير الردّة على غير ذلك من الصلات الزوجية الأخرى كحق الطلاق والدعاوى التى لم
ترفع بعد.
وحيث إن قضاء جهات الأحوال الشخصية فى مصر فى هذا الشأن يتحد مع قضاء المحاكم الأهلية
والمختلطة فيما سبق تقريره من مبادئ، إذ هى تقضى فيما يرفع إليها من القضايا التى دخلت
فى اختصاصها بسبب تغيير الدين بحسب حالة الخصوم وقت رفع الدعوى دون بحث فى ما إذا كان
اعتناق الدين الجديد خالصا أو لمجرّد الانتفاع من تطبيق أحكامه على حالة نشأت تحت سلطان
قانون دينى آخر (أبو هيف بك دولى خاص ص 922 وتراجع الأحكام المنشورة فى صحيفة 923).
وحيث إنه بتطبيق هذه المبادئ على وقائع الدعوى الحالية يصح تقرير ما يأتى: (أوّلا)
لا تأثير لإسلام المستأنف عليه فى 5 مايو سنة 1931 على الحكم الصادر من محكمة الخرطوم
بفرض نفقة عليه قبل إسلامه. (ثانيا) كذلك لا تأثير لإسلام المستأنف عليه على اختصاص
المجلس الملى بنظر دعوى إسقاط النفقة الأولى التى رفعها قبل إسلامه فى 11 فبراير سنة
1931. (ثالثا) أن لا اختصاص للمجلس الملى فى الفصل فى الدعوى التى رفعتها المستأنفة
بعد ذلك، أى بعد 5 مايو سنة 1931 (تاريخ إشهار الإسلام)، وسيرد هذا فى البحث الأخير.
(رابعا) أن ليس هناك أى شبهة نزاع جدّى فى أن للمستأنف عليه بعد إسلامه أن يطلق زوجته
وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية وأن يصفى علاقته معها تبعا لتلك القواعد.
ومن هذا يتضح أن هذه النتائج هى نفسها التى تقرّرها مبادئ القانون الدولى الخاص فيما
يختص بتغيير الجنسية.
وحيث إن الأبحاث السالفة قد تكون من بعض الوجوه من نافلة القول إزاء البحث الأخير وهو
قوّة الحكم الصادر بين طرفى الخصومة بتاريخ 12 يونيه سنة 1930 من محكمة الأزبكية الشرعية
والذى عالج أوجه النزاع بينهما وقضى ضمنا بصحة الطلاق الذى أوقعه المستأنف عليه بتاريخ
11 يونيه سنة 1931 وبعدم استحقاقها لنفقة مّا لمضى سنة على عدّتها وبايقاف تنفيذ حكم
النفقة بناء على ذلك.
وحيث إن المستأنف عليه لم يتقدّم بدعواه الحالية مستندا فقط على واقعة إسلامه وطلاق
المستأنفة ومضى سنة على هذا الطلاق، بل يبنيها على قيام حكم نهائى قد حسم أوجه النزاع
بينه وبين خصيمته منتهيا فى ذلك إلى أنه لا يتأتى إثارة هذا النزاع من جديد أو المساس
بقوّة هذا الحكم أو تقدير الأسباب التى بنى عليها.
وحيث إن الأحكام الصادرة من جهات الأحوال الشخصية تحوز قوّة الشئ المحكوم فيه إذا صدرت
فى حدود ولايتها القضائية.
وحيث إنه لذلك يتعين البحث فيما إذا كان حكم محكمة الأزبكية المشار إليه قد صدر فى
حدود ولاية المحاكم الشرعية إذ لو ثبت ذلك كان قاطعا لجميع أوجه النزاع بين الطرفين.
وحيث إنه رغما عن نصوص الخط الهمايونى الصادر فى سنة 1856 وهو دستور الطوائف غير الإسلامية
ونصوص الأوامر العالية الثالثة التى صدرت بتنظيم بعض هذه الطوائف فى مصر فقد أثار بعضهم
الشك فى اختصاص المحاكم الشرعية بنظر قضايا الأحوال الشخصية إذا اختلفت ديانة المتقاضين
أو ملتهم. فذهب رأى إلى وجوب تطبيق قاعدة سعى المدّعى لمحكمة المدّعى عليه فتكون الجهة
التابع لها المدّعى عليه هى المختصة بالفصل فى النزاع، واستند فى ذلك على العرف (أبو
هيف بك دولى خاص بند 601). ويظهر أن هذا الرأى هو الذى كانت تتبعه لجنة تنازع الاختصاص
فى بعض قراراتها والإدارة حينا فى تنفيذ الأحكام المتضاربة كما جاء بتقرير المستشار
القضائى (سنة 1901 ص 43).
وذهب رأى إلى وجوب التمييز بين الطوائف المصرية المحضة التى حصلت على أوامر عالية فهذه
لا تختص إلا إذا كان الأخصام تابعين لها أى متحدى الملة، فلا تختص عند اختلاف الدين،
بل تكون المحاكم الشرعية هى المختصة (أى حالة المستأنفة إذ أنها قبطية أرثوذكسية).
أما الطوائف الأخرى فتختص إذا كان المدّعى عليه تابعا لها. ويستند هذا الرأى على ما
فى نصوص الأوامر العالية الثلاثة من نصوص تسمح بتقييد الاختصاص على هذا الوجه ذلك التقييد
الذى خلا منه الخط الهمايونى (دى روزاس مجلة مصر العصرية ص 119).
وحيث إن تاريخ التشريع للطوائف التى لا تدين بدين الإسلام والنصوص الصريحة فى هذا الشأن
لا تدع مجالا جدّيا للشك الذى يحاوله البعض فى اختصاص المحاكم الشرعية بالفصل فى مسائل
الأحوال الشخصية فى حالة عدم اتحاد دين الخصوم وملتهم، إذ جاءت المادة 18 من الخط الهمايونى
الصادر فى سنة 1856 صريحة فى أن اختصاص مجالس الطوائف قاصر على حالة ما إذا كانت الدعوى
بين اثنين من المسيحيين أو اثنين من الرعايا غير المسلمين، فالنص إذن يستبعد أوّلا
وبلا جدال حالة ما إذا كان أحد الطرفين مسلما سواء كان مدّعيا أو مدّعى عليه. وما كان
يتسنى النص على غير هذا، فان القول بغيره مصادمة لقواعد الشريعة الإسلامية التى لا
تجيز لغير المسلم أن يقضى على المسلم إذ لم يجعل الله لغير المسلمين على المسلمين من
سبيل. على إنه وإن كانت عبارة نص المادة 18 غير قاطعة فى وجوب اتحاد ملة غير المسلمين
المتقاضين أمام المجالس الطائفية إلا أن النصوص السابقة لها تشعر بهذا إذ قرّرت تشكيل
مجلس خاص لنظر الدعاوى المختلطة – تجارية كانت أو مدنية- التى تقع بين مختلفى الدين
أو الملة أو المذهب.
فلو كان يريد المشرع مدّ اختصاص المجالس الملية إلى مثل هذه الأحوال فى قضايا الأحوال
الشخصية لفعل ولأتى بتعبير غير التعبير المحدود فى م 18. يؤيد هذا أيضا أن نص المادة
18 يقضى بأن المجالس الملية لا تختص فى مسائل الأحوال الشخصية إلا إذا أراد أصحاب الدعاوى
– وهو ما جعل الرأى حينا على أن اختصاص المجالس الملية اختيارى لا إلزامى – فكيف يتفق
هذا الاختيار مع إجبار المدّعى على السعى لمحكمة المدّعى عليه؟ على أن هذا هو التفسير
الذى استقرّ عليه الرأى فى مصر، كما فسرت فى مصر بعض النصوص الأخرى تفسيرا خاصا، فقد
بدت رغبة المشرع فى هذا واضحة جلية حين أصدر القوانين الثلاثة الخاصة بالأقباط الأرثوذكس
والإنجيليين والأرمن الكاثوليك. فقضى فى م 16 من الأمر العالى الصادر فى 14 مايو سنة
1883 الخاص بالأقباط الأرثوذكس (وهو مذهب المستأنفة) على أن اختصاص المجلس يكون فيما
يقوم بين "أبناء الملة من الدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية". كذلك م 21 من الأمر
العالى الصادر فى سنة 1902 بخصوص الإنجيليين فقد نصت صراحة على أن اختصاص المجلس الملى
"لا يتناول أى مادة من المواد التى لا يمكن الفصل فيها إلا باحضار أشخاص غير إنجيليين
وطنيين أمام المجلس بصفة خصوم" وهو يطابق النص الوارد فى المادة 16 من قانون 27 سنة
1905 الخاص بالأرمن الكاثوليك. وهى نصوص صريحة تقطع بأن لا اختصاص للمجالس الملية إلا
إذا تحدت ملة المتقاضين ولا اختصاص لها بحال إذا اختلفت. ويجب الالتجاء حتما فى هذه
الأحوال للمحاكم الشرعية التى تعتبر المحاكم العامّة بالنسبة لجهات الأحوال الشخصية
الأخرى، فضلا عن أن اختصاصها ثابت شرعا باجماع الفقهاء إذا كان أحد الخصمين مسلما مدّعيا
كان أو مدّعى عليه وبين غير المسلمين إذا ترافع إليها أحد الخصمين فيما عدا الأنكحة
وفقا لمذهب الإمام الأعظم الواجب الاتباع أمامها. ويؤيد هذا ما جاء فى لائحة ترتيب
المحاكم الشرعية الصادرة فى سنة 1930 التى نصت فى الفقرة الأخيرة من م 99 على أنه لا
تسمع دعوى الطلاق من أحد الزوجين غير المسلمين على الآخر إلا إذا كانا يدينان بوقوع
الطلاق. وجاء فى المذكرة الإيضاحية "كانت المحاكم الشرعية عملا بالمادة 280 من اللائحة
تحكم بوقوع طلاق غير المسلم على زوجته غير المسلمة فى الدعاوى المرفوعة من أحدهما على
الآخر وكان فى ذلك حرج ومشقة بالنسبة للطوائف التى لا تدين بوقوع الطلاق".
ويستفاد من هذا بداهة أن المحاكم الشرعية مختصة بنظر دعاوى الأحوال الشخصية الخاصة
بغير المسلمين، وما ذلك بطبيعة الحال إلا فى حالة اختلاف الدين أو الملة، أى أن المشرع
اعتبر هذا الاختصاص أمرا مفروغا منه ووضع له قاعدة موضوعية فى حالة من أحواله وهى طلاق
غير المسلم لزوجته غير المسلمة. وبهذا المعنى يراجع: منشور وزارة الحقانية فى 14 يناير
سنة 1933 واستئناف أهلى 10 ديسمبر سنة 1932 محاماة 33 عدد 429 مرجع القضاء نمرة 434
واستئناف أهلى 10 أبريل سنة 1930 محاماة 10 عدد 360 واستئناف مختلط 9 فبراير سنة 1926
مجلة المحاماة س 6 ص 566 ومحكمة جرجا الشرعية 15 يونيه سنة 1929 محاماة شرعية س 1 ص
426 ومحكمة مصر الشرعية 18 مارس سنة 1917 مجلة الأحكام الشرعية 11 ص 184 والدكتور الزينى
ص 547.
وحيث إنه يتضح من ذلك أن حكم محكمة الأزبكية الشرعية الذى أعلن للمستأنفة فى 12 يوليه
سنة 1932، والذى أصبح نهائيا كما تدل على ذلك الشهادتان المرفقتان به قد صدر منها فى
حدود ولايتها القضائية فهو حكم له حجيته بين طرفى الخصوم.
وحيث إن هذا الحكم قضى بعدم استحقاق المستأنفة لنفقة قبل المستأنف عليه بعد 12 يونيه
سنة 1932، وبايقاف تنفيذ حكم النفقة الصادر لمصلحة المستأنفة من المجلس الملى ابتداء
من 12 يونيه سنة 1932.
وحيث إنه لذلك ما قبضته المستأنفة بعد ذلك التاريخ بلا سند قانونى، ويتعين عليها ردّه،
ويكون من غير المقبول ما تحاول المستأنفة إثارته من أوجه النزاع فى الدعوى الحالية
ما دام الحكم الشرعى سالف الذكر صريحا فيما قضى به.
يخلص من جميع ما تقدّم: (أوّلا) ليس ثمة أى شبهة جدّية فى عدم استحقاق المستأنفة النفقة
لطلاقها ومضى سنة على هذا الطلاق وفقا للمبادئ القانونية السابق إيضاحها. (ثانيا) أن
انعدام هذه الشبهة قد تأيد بالحكم النهائى الصادر من محكمة الأزبكية الشرعية الذى حسم
النزاع بين طرفى الخصومة.
عن استئناف وزارة المالية
وحيث إنه بغض النظر عن البحثين الأوّلين وتحديد مركز الخصومة وفقا للنتائج التى يوصلان
إليها فانه من الثابت مما سبق بيانه أن المستأنف عليه قد استصدر حكما من هيئة مختصة
يقضى بايقاف تنفيذ حكم النفقة أى بعدم استحقاق الست هيلانة لشئ من النفقة، وقد عرضه
على وزارة المالية فلم تعبأ به وسارت فى تنفيذ الحكم وهى معترفة فى مذكرتها المعلنة
بتاريخ 5 يوليه سنة 1933 بأن الحكم الشرعى تقدّم لها ولكنها تعلل استمرارها فى صرف
النفقة رغما عنه بعدم صدور حكم من المحاكم الأهلية. وهو دفاع غير مقبول إذ لم يكن ثمة
من داع لصدور حكم أهلى، فالحكم الشرعى صدر من هيئة مختصة فى حدود ولايتها القضائية
فهو واجب التنفيذ بذاته.
وحيث إنه لذلك يتعين إلزامها بدفع ما صرفته للست هيلانة مخالفة فى ذلك الحكم الشرعى
فيما قضى به.
وحيث إنه لذلك يكون الحكم المستأنف من هذه الوجهة فى محله ويتعين تأييده.
حكم محكمة النقض
الوقائع
تتحصل وقائع هذه الدعوى – على ما جاء بالحكم المطعون فيه والأحكام
الشرعية والملية التى استند إليها والمقدّمة إلى هذه المحكمة – فى أن نجيب رزق أفندى
تزوّج بالسيدة هيلانة وكلاهما من الأقباط الأرثوذكس. وقد شجر بينهما الخلاف أثناء إقامتهما
بالسودان فاستصدرت الزوجة من محكمة الخرطوم العليا حكما فى 17 فبراير سنة 1930 قضى
بالزام زوجها بأن يدفع لها ربع مرتبه الشهرى ما دام فى خدمة الحكومة المصرية والسودانية
ابتداء من أوّل يناير سنة 1930 وربع معاشه إذا أحيل على المعاش. وبعد عودتهما من السودان
إلى مصر طلب نجيب أفندى رزق بتاريخ 11 فبراير سنة 1931 من مجلسهما الملى الحكم له باسقاط
النفقة المقضى بها من محكمة الخرطوم بناء على أنه مقيم الآن مع زوجته فى معيشة واحدة.
لكنه بعد ذلك أرسل لذلك المجلس خطابا يخطره بتنازله عن الدعوى، والمدّعى عليها طلبت
مع ذلك رفضها، فقضى المجلس الملى بتاريخ 20 مايو سنة 1931 برفض الدعوى مثبتا فى حكمه:
"أن سوء التفاهم بين الزوجين لا يزال قائما ولم يتم الصلح بينهما". ولقد كان الزوج
بتاريخ 5 مايو سنة 1931 (أى أثناء سير الدعوى السابقة الذكر) قد أشهد على نفسه أمام
محكمة مصر الشرعية بأنه أسلم.
وبتاريخ 3 يونيه سنة 1931 طلبت زوجته من المجلس الملى الحكم باستمرار حضانتها لابنتها
وإلزامه هو بنفقة هذه الحضانة. فدفع الزوج بعدم اختصاص المجلس الملى بنظر هذه الدعوى
لأنه أصبح مسلما، فقضى المجلس باختصاصه بنظر الدعوى وباستمرار البنت فى حضانة والدتها،
وفيما يتعلق بدعوى النفقة بتحقيقها. وقد استند المجلس فى ذلك إلى أنه من القواعد القانونية
الأوّلية أن العقد شريعة المتعاقدين وأن كل عقد عقد تحت سلطان شريعة مّا يبقى طرفى
العقد خاضعين لأحكام تلك الشريعة، مهما حاول أى طرف الهرب من هذا الاختصاص بالتجائه
إلى شريعة أخرى للاحتماء بها فى سبيل معاكسة الطرف الآخر. ثم رفعت الست هيلانة بعد
ذلك دعوى أخرى أمام المجلس الملى طلبت فيها الحكم بالتصديق على حكم النفقة الصادر من
محكمة الخرطوم المتقدّم ذكره فلم يحضر المدّعى عليه وقضى المجلس بتاريخ 18 ديسمبر سنة
1931 غيابيا "تفسيرا للحكم الصادر بجلسة 20 مايو سنة 1931 بأحقية المدّعية للنفقة المحكوم
بها من محكمة الخرطوم ضدّ المدّعى عليه".
وقد كان الزوج فى 11 يونيه سنة 1931 أشهد على نفسه بأنه طلق زوجته. ثم إنه فى سنة 1932
رفع عليها أمام محكمة الأزبكية الشرعية دعوى قيدت بجدولها تحت رقم 2734 سنة 1931 و1932
طلب فيها الحكم بوقف تنفيذ حكم النفقة الصادر عليه لزوجته مستندا فى ذلك إلى أنه أسلم
بتاريخ 5 مايو سنة 1931 وطلق زوجته فى 11 يونيه سنة 1931 وأنه قد مضى على طلاقها سنة
وقد استولت على نفقتها فيها. فدفعت المدّعى عليها بعدم اختصاص المحاكم الشرعية بنظر
الدعوى لأن الطرفين من الأقباط الأرثوذكس، ولأنه ليس للمحاكم الشرعية وقف تنفيذ حكم
صدر من محكمة مدنية إنجليزية، ولأنه سبق الفصل فى هذه الدعوى بالرفض من المجلس الملى
المختص هو بنظرها. فقضت المحكمة الشرعية بتاريخ 12 يوليه سنة 1932 برفض هذه الدفوع
وفى الموضوع بوقف تنفيذ حكم النفقة مستندة فى ذلك إلى أن المدّعى قد أسلم فأصبحت المحاكم
الشرعية هى المختصة بنظر قضاياه المتعلقة بأحواله الشخصية، وإلى أن المحكمة إذ تنظر
فى الدعوى لا تنظر فى الواقع فى الحكم المذكور (أى فى الحكم الصادر بالنفقة) من حيث
كونه صدر صحيحا أو باطلا كما تزعم المدّعى عليها، وإنما تنظر فى دعوى خاصة بطلب وقف
تنفيذ الحكم المذكور بسبب طروء أمر بعد صدوره هو طلاق المدّعى عليها ومضى سنة بعد طلاقها،
كما استندت فى الموضوع إلى أن المدّعى قد ثبت إسلامه وطلاقه ومضى سنة بعد طلاقه.
وبعد أن أعلن نجيب أفندى رزق هذا الحكم لمطلقته فى 12 يوليه سنة 1932 وأخطر وزارة المالية
بصدوره وبأنه أصبح نهائيا لعدم الطعن فيه بالمعارضة ولا بالاستئناف رفع أمام محكمة
الموسكى الجزئية هذه الدعوى الحالية التى قيدت تحت نمرة 295 سنة 1933 على مطلقته وعلى
وزارة المالية مدعيا عليهما بأنه على الرغم من صدور هذا الحكم الشرعى القاضى بوقف تنفيذ
حكم النفقة وإخطاره وزارة المالية سلمت الوزارة إلى الست هيلانة من معاشه مبلغ 24 جنيها
و853 مليما بدون وجه حق وطلب الحكم على المدّعى عليهما بأن يدفعا له هذا المبلغ متضامنين
مع المصاريف.
ولدى هذه المحكمة الجزئية دفع الحاضران عن المدّعى عليهما بدفعين: (أوّلهما) عدم اختصاص
المحاكم الأهلية بنظر الدعوى لأن طلب ردّ المبلغ الذى تسلمته الست هيلانة من وزارة
المالية تنفيذا للحكم الصادر من محكمة الخرطوم يتضمن فى الواقع بطلان هذا الحكم وما
تبعه من الأحكام الصادرة من المجلس مع أنها كلها صادرة من الجهات القضائية المختصة
بنظر قضايا الأحوال الشخصية بين الأقباط الأرثوذكس. (وثانيهما) عدم اختصاص محكمة الموسكى
بنظر الدعوى لأنها من اختصاص لجنة تنازع الاختصاص المشار إليها فى المادة 85 من لائحة
ترتيب المحاكم الأهلية (كذا).
فحكمت محكمة الموسكى بتاريخ 14 يناير سنة 1933 برفض الدفعين الفرعيين وباختصاصها بنظر
الدعوى وفى الموضوع بالزام المدّعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للمدّعى 24 جنيها و852
مليما والمصاريف والأتعاب ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
وقالت فى حكمها عن الدفع الأوّل: "إن النزاع الحالى لا شأن له بالنفقة وأحقية المدّعى
عليها أو عدم أحقيتها لها أو سقوطها مما يدخل حقا ضمن الأحوال الشخصية، بل إن الخلاف
هو على مبلغ معين من المال سلمته المدّعى عليها الثانية للمدّعى عليها الأولى بدون
وجه حق مخالفة فى ذلك الحكم الشرعى النهائى الصادر من محكمة الأزبكية الشرعية بتاريخ
12 يونيه سنة 1932 ذلك الحكم الذى أخطر المدّعى وزارة المالية بمضمونه وحذرها من الخروج
عليه، وهذا نزاع مدنى بحت".
وقالت عن الدفع الثانى ما حاصله أن لا أساس لهذا الدفع من المواد 85 وما قبلها من لائحة
الترتيب.
ثم قالت عن الموضوع ما حاصله أن المدّعى عليها لم تنكر استلامها المبلغ المطالب به
من وزارة المالية خصما من معاش المدّعى وأن حكم إسقاط النفقة صدر لاحقا لحكم محكمة
الخرطوم المؤرّخ فى 17 فبراير سنة 1930، وحكم المجلس الملى المؤرّخ فى 18 ديسمبر سنة
1931، وفى وقت كان المدّعى قد اختار الإسلام دينا وأصبح القاضى الشرعى وحده دون سواه
هو قاضى أحواله الشخصية.
استأنفت الست هيلانة ووزارة المالية هذا الحكم وطلبت الست هيلانة إلغاء الحكم المستأنف
والحكم أصليا بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى واحتياطيا الحكم برفض الدعوى، وطلبت
الوزارة الحكم بإلغاء الحكم المستأنف والحكم برفض الدعوى. والظاهر من وقائع الحكم الاستئنافى
أن الدفع بعدم الاختصاص الذى حصل التمسك به أمامها هو الدفع القائم على أن الجهة المختصة
بفض هذه الخصومة هى لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير الحقانية فى 9 يونيه سنة 1920
للمفاضلة بين الأحكام المتضاربة الصادرة من جهات الأحوال الشخصية.
وبتاريخ 27 فبراير سنة 1934 حكمت محكمة مصر الابتدائية بصفة استئنافية بقبول الاستئنافين
شكلا وفى الموضوع برفضهما وتأييد الحكم المستأنف وإلزام كل مستأنف بمصاريف استئنافه
وكل منهما بمبلغ 200 قرش أتعاب محاماة للمستأنف عليه نجيب أفندى رزق. وذلك بعد أن قضت
برفض الدفع الفرعى السالف الذكر.
أعلن هذا الحكم للست هيلانة أبو السعد فى 11 من شهر أبريل سنة 1934 فطعنت فيه بطريق
النقض فى 8 مايو سنة 1934 بموجب قرار باعفائها من الرسوم وأعلن تقرير الطعن للمدّعى
عليهما فى 9 و15 مايو سنة 1934. وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية ومذكرات الردّ
فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 11 نوفمبر سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس الموافق 6 ديسمبر سنة 1934 التى حدّدت لنظر هذا الطعن طلبت المحكمة
من وكيل الطاعنة تقديم مذكرة فيما يختص ببطلان الطعن شكلا ووجه اعتباره الدفعين المقدّمين
لمحكمة أوّل درجة هما جميعا مؤسسان على المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية وصرحت
لوكيل المطعون ضدّه والنيابة بالردّ عليها، وأجلت القضية لجلسة 17 يناير سنة 1935.
فقدّمت الطاعنة مذكرتها التكميلية وكذا النيابة ولم يقدّم المطعون ضدّه شيئا مّا. وبالجلسة
المذكورة سمعت المحكمة الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم تأجل النطق بالحكم
لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن مبنى الطعن أن المحاكم الأهلية غير مختصة باصدار الحكم المطعون فيه بناء
على أن المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية تمنع هذه المحاكم من القضاء ببطلان
حكم يصدر من محكمة الأحوال الشخصية المختصة أو بوقف تنفيذه، وعلى أن الحكم المطعون
فيه بقضائه فى موضوع الدعوى قد قضى فعلا ببطلان الحكم الصادر من البطركخانة بترتيب
نفقة للطاعنة وأعدم آثاره فى الماضى والمستقبل.
وحيث إن المدّعى عليه فى الطعن دفع بعدم قبول هذا الطعن شكلا بناء على أن الطاعنة لم
تطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا دفعا بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى بناء على
أن المختصة بفض هذه الخصومة هى لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير الحقانية فى 9
يونيه سنة 1920 للمفاضلة بين الأحكام المتضاربة الصادرة من جهات الأحوال الشخصية المختلفة،
وقد قضى الحكم المطعون فيه برفض هذا الدفع. ويقول المطعون ضدّه فى شرح هذا: إن الطاعنة
قد دفعت الدعوى حقا أمام محكمة الدرجة الأولى بدفعين فرعيين: (أوّلهما) عدم اختصاص
المحاكم الأهلية بنظر الدعوى بالتطبيق لنص المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية.
(والثانى) عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لأن النزاع من اختصاص لجنة تنازع الاختصاص
المنوّه عنها بالمادة 85 من لائحة ترتيب المحاكم (كذا). وقد قضت محكمة الدرجة الأولى
برفض هذين الدفعين وقضت فى موضوع الدعوى بطلبات المدّعى. فلما استأنفت الست هيلانة
هذا الحكم تمسكت فقط بالدفع الثانى المتقدّم الذكر وبنته على كون النزاع من اختصاص
اللجنة التى شكلها وزير الحقانية فى 9 يونيه سنة 1920، والمحكمة الاستئنافية رفضته
وأيدت الحكم المستأنف ولم تصدر حكما مّا فى الدفع الأوّل الذى كان قد تمسكت المستأنفة
به أمام محكمة الدرجة الأولى وقضت هذه برفضه تنصيصا عليه. وإنه ما دام الأمر كذلك فلا
وجه للنعى على الحكم المطعون فيه بأنه قد أخطأ فى مسألة اختصاص لم تعرض على المحكمة
الاستئنافية ولم تصدر فيها حكما مّا.
ومن حيث إن الظاهر من بيانات الحكم المطعون فيه ومن بيانات حكم محكمة الموسكى الجزئية
السابق إيرادها فى صدر هذا الحكم أن الست هيلانة لم تدفع أمام المحكمة الاستئنافية
إلا بالدفع الثانى المتقدّم الذكر. وقد بنته على أن الجهة المختصة بفض هذه الخصومة
هى لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير الحقانية فى 9 يونيه سنة 1920 لا على كون المختص
هو مجلس تنازع الاختصاص المشار إليه فى المادة 85 من لائحة الترتيب (كذا كما كانت تقول
لدى محكمة الموسكى الجزئية) – لم تدفع الست هيلانة إلا بذلك الدفع الثانى وعلى الأساس
المذكور، ولذلك فان المحكمة الاستئنافية صدّرت حكمها المطعون فيه بايراد هذا الدفع
ثم أخذت تبحثه فقالت: "إن هذه اللجنة هى لجنة إدارية محضة لا هى منحت اختصاصا قضائيا
ولا كان من شأنها أن تنزع اختصاصا لأية هيئة من الهيئات القضائية، بل كان الغرض من
إنشائها مساعدة جهات الإدارة فى الإشكالات التى تقدّم بين يديها لدى تنفيذ أحكام متضاربة
صادرة من جهات قضاء الأحوال الشخصية". إلى أن قالت: "وهذه اللجنة تمدّ الإدارة بالفتوى
القانونية فى الإشكالات الماثلة أمامها والإدارة إذ تصدر فى تصرفاتها عن هذه الفتاوى
إنما تقوم بعمل إدارى محض خاضع لتقدير القضاء ورقابته". ثم قالت اختتاما لهذا البحث:
"إن الدعوى الحالية وهى مطالبة برد مبلغ مدّعى صرفه بلا سند قانونى وقبضه بلا حق هى
بغير شبهة من اختصاص المحاكم الأهلية. ولهذا يتعين رفض هذا الدفع". وما قاله الحكم
المطعون فيه من ذلك كله حق ولا مخالفة فيه للقانون.
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة العاشرة من قانون إنشاء محكمة النقض لا تبيح الطعن
فى الأحكام الصادرة من المحاكم الابتدائية بصفة استئنافية إلا إذا كانت صادرة فى مسألة
اختصاص بحسب نوع القضية أو اختصاص بحسب أحكام المادتين 15 و16 من لائحة الترتيب، بحيث
إذا لم يكن حكمها صادرا فى مسألة الاختصاص بخصوصها فلا يجوز الطعن فيه بطريق النقض
مهما تكن مسألة الاختصاص وعدمه متعلقة بالنظام العام.
وحيث إن الطعن الوحيد الوارد فى تقرير الطعن هو عدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى
طبقا للمادتين 15 و16 المذكورتين. وهذه المسألة لم تطرح أمام المحكمة الاستئنافية ولم
تقض فيها حتى يكون قضاؤها فيها مسوّغا لإمكان الطعن فى حكمها بالوجه الوارد فى تقرير
الطعن. وإذن يكون الطعن غير مقبول مهما يكن وجهه متعلقا بالنظام العام.
وحيث إن ما تقوله الطاعنة من أن دفعها الذى قضت فيه المحكمة الاستئنافية برفضه وهو
عدم اختصاص المحكمة الأهلية إذ المختص هو لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير الحقانية
فى 9 يونيه سنة 1920 – ما تقوله من أن هذا الدفع يتسع لوجه الطعن الوارد بالتقرير المتقدّم
الذكر هو قول يلوح أنه لا يمكن متابعتها فيه: (أوّلا) لأن المادة 15 من لائحة الترتيب
لا شأن لها فى الموضوع الذى نحن بصدده ويظهر أنها ذكرت سهوا عند وضع التقرير والطاعنة
لا تقصد طبعا إلا الاعتماد على المادة 16. (وثانيا) لأن الطاعنة هى نفسها قد ميزت دفعها
هذا الذى دفعت به لدى المحكمة الاستئنافية عن الدفع الآخر الوارد فى تقرير الطعن وهو
المؤسس على المادة 16 المذكورة.
وحيث إنه حتى مع الأخذ بالأحوط ومتابعة الطاعنة على قولها هذا والتسليم بأن دفعها أمام
المحكمة الاستئنافية يحمل فى غضونه عدم اختصاص المحاكم الأهلية أصلا تأسيسا على المادة
16 من لائحة الترتيب، فان قول الحكم المطعون فيه: "إن الدعوى الحالية وهى مطالبة بردّ
مبلغ مدّعى صرفه بلا سند قانونى وقبضه بلا حق هى بغير شبهة من اختصاص المحاكم الأهلية"
– قوله هذا صحيح قانونا وكان يقتضى رفض الدفع حتى على النطاق الواسع الذى تدّعيه الطاعنة
الآن ويحمل فى غضونه هذا الرفض، وهو بذاته يقتضى رفض الطعن موضوعا بفرض أنه مقبول شكلا.
وحيث إن الطاعنة تردّدت كثيرا فى دفاعها فى هذه الدعوى. فأمام المحكمة الجزئية دفعتها:
(أوّلا) بعدم الاختصاص تأسيسا على المادة 16 من لائحة الترتيب. (وثانيا) بعدم الاختصاص
تأسيسا على المادة 85 من لائحة الترتيب (كذا). والظاهر أنها وجدت دفعها هذا الثانى
لا أساس له من القانون إذ لا المادة المذكورة ولا ما سبقها من مواد الفصل تشير إلى
مثل هذا الموضوع. فلما استأنفت الحكم تركت الدفع الأوّل الذى رفضته المحكمة الجزئية
وتمسكت بالدفع الثانى الذى رفضته تلك المحكمة أيضا – تمسكت به وأرادت إصلاح أساسه فجعلت
أن المختص ليس هو أحد مجالس تنازع الاختصاص المشار إليها فى الفصل المذكور من لائحة
الترتيب، بل إنه لجنة تنازع الاختصاص التى شكلها وزير الحقانية. فلما قضت فيه المحكمة
الاستئنافية بالرفض عادت فى تقرير الطعن فاعتمدت على الدفع الأوّل الذى لم ترفع استئنافا
بسببه ثم أخذت تقول إن قضاء المحكمة الاستئنافية فى الدفع الذى قضت فيه يتسع فيشمل
القضاء فى ذلك الدفع الأوّل أو أنه هو هو الدفع الأوّل. وهذا التردّد ليس له من علة
سوى أن المحكمة الأهلية مختصة، ولا شك، بنظر موضوع الدعوى كما وجهه نجيب أفندى رزق
المدّعى. ولكن دليل موضوع الدعوى هذا – وهو حكم محكمة الأزبكية الشرعية الذى حسم الخصومة
بين الطرفين حسما أصبح نهائيا – يقتضى البحث فى هل هو صادر من محكمة ذات ولاية فى إصداره
ومن واجب المحكمة الأهلية الأخذ به أم أن لا ولاية لتلك المحكمة فى إصداره وأن ما سبقه
من أحكام جهات الأحوال الشخصية الأخرى لا زال قائما ساريا وهو الواجب الاعتماد؟ هذا
البحث فى دليل الموضوع تملكه المحكمة الأهلية بلا نزاع ولا شئ فى القانون يحرمها منه،
وهو بعينه الذى يظهر أن الطاعنة أرادت أن تتخذ منه دفوعها الفرعية. ولكن مهما يكن لهذه
الطاعنة من وجه جدّى أو غير جدّى للمنازعة فى أحقية المحكمة الأهلية فى هذا البحث فان
سبيلها كان أن تطلب إيقاف نظر موضوع الدعوى الذى لا شبهة فى اختصاص المحاكم الأهلية
به إلى أن يقضى من جهة الاختصاص فى هذا الدليل وأن تبين ما هى تلك الجهة وما هو نص
القانون الذى يعطيها الاختصاص ويحرّمه على المحكمة الأهلية. كانت تلك سبيلها، لكنها
صبت دفعها بعدم الاختصاص على ذات موضوع الدعوى فتردّدت ولم تستقرّ فيه على حال، ولها
العذر لأن من الصعب إقحام دفوع فرعية فى دعوى لا تحتملها قانونا.
وحيث إن المحكمة الاستئنافية بعد أن قرّرت ما قرّرته فى شأن الدفع الفرعى الذى قدّم
لها قد تناولت موضوع الدعوى فصدرت حكمها فيه بايراد ما كانت تستند إليه الست هيلانة
فى طلب الحكم برفض الدعوى، ومحصله أنها تزوّجت من خصمها طبقا لقواعد الشريعة القبطية
الأرثوذكسية التى لا تجيز للزوج أن يطلق زوجته وأن إسلام زوجها لا ينبغى أن يكون له
أى تأثير فى الحقوق الثابتة لها بمقتضى عقد الزواج الذى يجب أن يظل خاضعا فى أحكامه
للشريعة المسيحية فليس له إذن أن يطلقها طبقا لقواعد الشريعة الإسلامية – هذا فضلا
عن أنه لم يسلم مدفوعا بعقيدة أو إيمان، بل بغرض إهدار حقوق زوجته إلى آخر ما جاء من
ذلك فى الحكم. ثم أخذت تبحث فيما هو أثر تغيير الجنسية على الصلات الزوجية فى فقه القانون
الدولى وأثر تغيير الدين فى هذه الصلات فى الشريعة الإسلامية، وانتهت من بحثها إلى
القول "بأن لا تأثير لتغيير جنسية أحد المتداعيين على اختصاص المحكمة المرفوعة إليها
الدعوى بينهما ولا على الأحكام الصادرة بينهما من تلك المحكمة وإنما تغيير الجنسية
يبيح للزوج مباشرة الحقوق الزوجية التى يبيحها له قانون جنسيته الجديدة". ثم قاست تغيير
الدين على تغيير الجنسية وطبقت نتيجة القياس على الدعوى الحالية فحصّلت من ذلك "أن
إسلام نجيب أفندى رزق فى 5 مايو سنة 1931 ما كان ليؤثر على حكم محكمة الخرطوم القاضى
عليه بالنفقة ولا على اختصاص المجلس الملى بنظر الدعوى الأولى التى رفعها فى 11 فبراير
سنة 1931. ولكن إسلامه هذا كان من شأنه أن يعطيه حق طلاق زوجته طبقا لقواعد الشريعة
الإسلامية التى اعتنقها مع ما يستتبع ذلك من نتائج أهمها عدم أحقية الزوجة التى طلقها
فى نفقة مّا بعد مضى سنة من الطلاق". ثم انتقل الحكم من ذلك إلى البحث فى قيمة الحكم
الصادر من محكمة الأزبكية الشرعية بوقف تنفيذ النفقة فقال "إن صاحبه لم يقدّمه فى الدعوى
الحالية ليكون له منه سند يثبت إسلامه وطلاقه زوجته ومضى سنة على الطلاق، بل قدّمه
ليثبت به أنه حكم نهائى قد حسم أوجه النزاع بينه وبين مطلقته وأنه لا يجوز منها إثارة
هذه الوجوه من جديد لأن فى ذلك مساسا بقوّته التى اكتسبها". ثم تناول الحكم بحث قوّة
الأحكام الصادرة من جهات الأحوال الشخصية فقال "إنها تكتسب قوّة الشئ المحكوم به فى
حدود ولايتها القضائية". ثم بحث فى حدود ولاية المحاكم الشرعية فى إصدار مثل هذا الحكم
الشرعى المتقدّم الذكر على ضوء الخط الهمايونى الصادر فى سنة 1856 ونصوص الأوامر العالية
التى صدرت بتنظيم بعض الطوائف المسيحية وانتهى بعد بحث مستفيض فى ذلك إلى القول "بأن
حكم محكمة الأزبكية الشرعية الذى أعلن للمستأنفة فى 12 يوليه سنة 1932 والذى أصبح نهائيا
لعدم الطعن فيه لا بالمعارضة ولا بالاستئناف، قد صدر منها فى حدود ولايتها الشرعية
وأنه لذلك أصبح حجة بين الخصوم فيما قضى به من عدم استحقاق المستأنفة لنفقة مّا قبل
المستأنف عليه بعد 12 يونيه سنة 1932 ومن إيقاف تنفيذ حكم النفقة الصادر لمصلحة المستأنفة
من المجلس الملى ابتداء من 12 يونيه سنة 1932". ثم رتبت المحكمة على ذلك قولها "ولذلك
يكون ما قبضته المستأنفة بعد ذلك التاريخ بلا سند قانونى ويتعين عليها ردّه". وكل هذا
صحيح قانونا ولا شائبة فيه.
ومن حيث إنه من كل ما تقدّم يتضح: (أوّلا) أن الدفع بعدم الاختصاص المؤسس على المادة
16 من لائحة الترتيب بعد أن رفضته المحكمة الأولى لم يعرض من بعد صراحة على المحكمة
الاستئنافية ولم تفصل فيه حتى كان يجوز الطعن فى حكمها لمخالفته لقواعد المادة المذكورة.
وإذن فالطعن الحالى غير مقبول. (ثانيا) حتى مع الأخذ بالأحوط والتسليم بأن الدفع الفرعى
الذى تناولته المحكمة الاستئنافية فيه معنى عدم اختصاص المحاكم الأهلية وأنه يتسع للطعن
الحالى فانه متعين الرفض. (ثالثا) إن كل ما جاء بالحكم المطعون فيه من بحث ما إذا كان
الحكم الشرعى الذى استند إليه المستأنف عليه (المطعون ضدّه الأوّل) فيما ادعاه من عدم
أحقية وزارة المالية فى صرف ما صرفته من معاشه إلى المستأنفة (الطاعنة) منذ إعلانها
به قد صدر أو لم يصدر فى حدود ولاية المحاكم الشرعية إنما هو بحث متفرّع عن موضوع الدعوى
الذى تمحض إلى أنه من اختصاص المحاكم الأهلية. وهو بحث تملكه هذه المحاكم. ولقد عالجه
الحكم المطعون فيه معالجة قانونية قيمة يحرم معها القول بأن هذا الحكم شط فأبطل حكم
محكمة الخرطوم أو حكم المجلس الملى افتئاتا منه واعتداء على محارم القانون.
وحيث إنه لذلك ومع التسليم بجواز هذا الطعن على ما فيه يتعين رفضه موضوعا.
[(1)] قد أثنى حضرة صاحب السعادة رئيس محكمة النقض على الحكم الاستئنافى المطعون فيه أطيب الثناء. وقد رأينا أن ننشره هنا برمته تنويها بفضل حضرات القضاة الذين أصدروه وهم الأساتذة حسن نجيب وعبد العزيز محمد وتوفيق رفقى.
