الطعن رقم 41 سنة 4 ق – جلسة 27 /12 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 521
جلسة 27 ديسمبر سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: زكى برزى بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 41 سنة 4 القضائية
جمارك. اللجنة الجمركية. قراراتها. المعارضة فيها. جهة الاختصاص
بنظر المعارضة هى المحكمة التجارية التابعة لها دائرة الجمرك. (المادة 33 من لائحة
الجمارك)
إن المفهوم من النص الفرنسى للمادة 33 من لائحة الجمارك الصادرة فى سنة 1909 أن الشارع
اعتبر كل جمرك فى جهة مّا من جهات القطر وحدة قانونية قائمة بذاتها، لها دائرة اختصاص
إدارية (ressort administratif) تتولى عملها فيها، وهى بذاتها دائرة اختصاص قضائية
لها (ressort juridictionnel) تحكم فيما يقع داخل حدودها من حوادث التهريب، وأن المعارضة
فى قراراتها إنما تكون فى وجهها هى باعلان يرسل إليها فى شخص رئيسها، وهو أمين جمركها،
دون مصلحة عموم الجمارك ومدير عموم الجمارك اللذين لهما مجرّد الإشراف على الجمارك
المختلفة المنتشرة فى نواحى القطر، ولكن لا اختصاص اللذين لهما بمقتضى اللائحة لا فى
ضبط حوادث التهريب ولا فى المعاقبة عليها. وإذ كان الأصل الأصيل أن المدّعى عليه لا
يجلب إلا أمام المحكمة الواقع محله فى دائرة اختصاصها وضح يقينا أن عبارة (le tribunal
de commerce du resort) معناها المحكمة التجارية التابعة لها دائرة الجمرك المدّعى
عليه فى المعارضة التى بها محل أمينه الممثل له فيها فهى دون غيرها المختصة بنظر المعارضة
[(1)].
الوقائع
تتحصل وقائع هذه المادة، بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والمذكرات
المودعة فى ملف الطعن، فى أن خليفة عبد الله المطعون ضدّه وأخرى تدعى عزيزة على الشرقاوى
قدّما للجنة جمرك القاهرة باعتبارهما تاجرين وحائزين لدخان مغشوش ضبط بمنزل عزيزة بعزبة
تابعة لمركز قويسنا لمحاكمتهما بمقتضى الأمر العالى الصادر فى 22 يونيه سنة 1891 القاضى
بأن إدخال واصطناع وتداول وبيع وإحراز الدخان المغشوش يعتبر من أعمال التهريب وتحكم
فيه قومسيونات الجمارك بالمصادرة والغرامة بمثابة سائر أحوال التهريب وأن يكون للمتهمين
حق المناقضة فى هذا الحكم طبقا للوائح الجمارك. واللجنة عاملتهما بهذا القانون وحكمت
بتاريخ 9 مارس سنة 1933 بادانتهما وبمصادرة الأدخنة المضبوطة وبتغريمهما متضامنين أربعة
وعشرين جنيها مصريا، وإن لم يدفعها يعاملا بالمادتين 267 و270 من قانون تحقيق الجنايات
وشملت الحكم بالنفاذ.
عارض خليفة عبد الله فى هذا الحكم أمام محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية ضدّ مصلحة
الجمارك المصرية بصحيفة أعلنها بتاريخ 22 مارس سنة 1933 لمدير عموم الجمارك طالبا فيها
الحكم بقبول معارضته شكلا وفى موضوعها بالغاء قرار اللجنة الجمركية المذكور الصادر
فى 9 مارس سنة 1933 وبراءته مما أسند إليه مع إلزام المصلحة المعارض ضدّها بالمصاريف.
وهذه المعارضة قيدت بجدول تلك المحكمة تحت رقم 366 سنة 1933. وعند نظرها دفعت مصلحة
الجمارك فرعيا بعدم اختصاص محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية بنظر هذه المعارضة وبأن
المختص بنظرها هى محكمة مصر الأهلية لأن القرار صادر من لجنة مصر الجمركية. فقضت المحكمة
فى 10 يونيه سنة 1933 برفض هذا الدفع وباختصاصها بنظر المعارضة وحدّدت لنظر الموضوع
جلسة أخرى. فاستأنفت المصلحة هذا الحكم فى 29 يونيه سنة 1933 لدى محكمة استئناف مصر
الأهلية، وهذه بعد نظر الاستئناف الذى قيد بجدولها تحت رقم 931 سنة 50 قضائية قضت فيه
بتاريخ 30 ديسمبر سنة 1933 برفضه وبتأييد حكم الاختصاص المستأنف وألزمت المستأنفة بالمصاريف،
فطعنت مصلحة الجمارك بطريق النقض فى هذا الحكم بتقرير تحرّر بقلم كتاب هذه المحكمة
بتاريخ 29 مايو سنة 1934 طالبة نقضه والقضاء بعدم اختصاص محكمة اسكندرية الابتدائية
بنظر المعارضة السالفة الذكر مع إلزام المدّعى عليه فى الطعن بمصاريفه وبمصاريف الاستئناف
ومقابل أتعاب المحاماة. وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدّه فى 3 يونيه سنة 1934، وقدّمت
الطاعنة مذكرتها الكتابية فى الميعاد القانونى ولم يقدّم المطعون ضدّه شيئا، وقدمت
النيابة مذكرتها فى 17 نوفمبر سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس الموافق 20 من شهر ديسمبر سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت
الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على تقرير الطعن وعلى الحكم المطعون فيه وباقى الأوراق
المقدّمة وسماع مرافعة محامى المصلحة والنيابة العامة والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن كما يؤخذ من التقرير ومن المذكرة الشارحة له مبنى على وجهين: (الأوّل)
حاصله أن محكمة الموضوع أخطأت فى تأويل المادة 33 من لائحة الجمارك إذ اعتمدت على نصها
العربى الوارد فيه أن المعارضة ترفع إلى "محكمة التجارية ذات الاختصاص". وقد جرها هذا
إلى القول بأن محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية هى المختصة بحسب أصول القانون، إذ
هى محكمة محل إقامة المدّعى عليه فى المعارضة وهو مدير عموم مصلحة الجمارك الكائن مقرّها
بالإسكندرية، مع أن النص الفرنسى هو الأضبط وقد ورد به أن المعارضة ترفع إلى (tribunal
de commerce du resort) ومعنى هذا "المحكمة التجارية الواقعة فى دائرة اللجنة الجمركية"
خلافا لما فسرت به المحكمة أيضا كلمة "ressort" المذكورة من أنها إذا كان من معانيها
الاختصاص الموضعى أو الجغرافى فانها تفيد أيضا الاختصاص النوعى وسلطة كل هيئة قضائية
فى الفصل فى المنازعات التى ترفع إليها سواء أكان ذلك ابتدائيا مع قبول الاستئناف أم
كان نهائيا، وأن ترجمتها فى النص العربى "ذات الاختصاص" هى ترجمة صحيحة.
أما الوجه الثانى فحاصله أن المحكمة أخطأت فى تطبيق المادتين 5 و8 من لائحة ترتيب المحاكم
الأهلية والمادة 31 من قانون المرافعات، لأن هذه المواد مجتمعة تفيد أن الشارع أراد
أن يكون اختصاص المحاكم الكلية بصفتها ثانى درجة اختصاصا موضعيا، أى أنها تنظر فى الأحكام
الصادرة من المحاكم الواقعة فى دائرة اختصاصها ولا يصح أن يطرح أمامها نزاع فصل فيه
من هيئة قضائية خارجة عن هذه الدائرة. وبما أن المحكمة التى تنظر المعارضة هى – بالنسبة
للجنة الجمارك الصادر منها القرار – بمثابة محكمة من محاكم ثانى درجة فيجب أن تكون
هى التى تدخل اللجنة فى دائرة اختصاصها، ولا يصح أن تكون هى محكمة أخرى لا اتصال بينها
وبين مقرّ اللجنة.
هذا
وحيث إن لائحة الجمارك المعمول بها الآن لم يوضع أصلها قط باللغة
العربية، بل هو إنما وضع من مبدأ الأمر باللغة الفرنسية، وهى بصيغتها الفرنسية جزء
ملحق بمعاهدة جمركية عقدتها الحكومة المصرية مع دولة الروسيا فى 13 مارس سنة 1909 وتقرّر
فى المعاهدة أن بعض نصوص من هذه اللائحة، منها نص المادة 33، لا يجوز للحكومة المصرية
تعديله إلا باتفاق جديد بين الدولتين. كما أن هذه اللائحة لم تكن الأولى من نوعها،
بل إن أوّل لائحة جمركية وضعتها مصر هى لائحة وضعت بناء على اتفاق جمركى عقدته الحكومة
المصرية مع دولة اليونان فى 3 مارس سنة 1884، وقد صدر بها أمر عال فى 2 أبريل سنة 1884
نص فيه على أن أحكامها وضعت بناء على الاتفاق المذكور. وهذا الاتفاق تلته اتفاقات أخرى
على مثاله فى ذاك الوقت بين مصر وبين إنجلترا وإيطاليا وهولنده والولايات المتحدة وغيرها
من الدول الأجنبية. وتلك اللائحة الأولى الصادر بها الأمر العالى هى بعينها التى صارت
لائحة سنة 1909 مع تعديل خفيف لم يمس المادة 33 التى بقيت بذات رقمها وبنص واحد فى
اللائحتين. أما النص العربى فليس سوى ترجمة للنص الدولى الأصلى وعبارة "tribunal de
commerce du ressort" الواردة بالمادة 33 قد ترجمت فى اللائحة الأولى بعبارة "المحكمة
التجارية المختصة بذلك" وفى اللائحة الجديدة بعبارة "المحكمة التجارية ذات الاختصاص".
وحيث إنه متى علم، كما تقدّم، أن لائحة الجمارك الصادرة فى سنة 1909 هى ثمة لاتفاق
دولى وجب عند الخلاف الرجوع فيها إلى أصلها الفرنسى الذى وضعت عليه دون النص العربى
الذى هو مجرّد ترجمة قد يكون فيها شئ من تحريف المعانى.
وحيث إن المادة 33 من هذا الأصل الفرنسى – بعد أن ذكرت كما فى الترجمة العربية كيف
تشكل اللجنة الجمركية وكيف تجرى التحقيق وكيف تصدر قرارها وكيف يرسله أمين الجمرك (أى
الجمرك المحلى الذى تشكل لجنته من أمينه ومن بعض من معه من الموظفين) إلى السلطة المحلية
أو القنصلية بحسب جنسية المتهم وكيف يصبح هذا القرار نهائيا بعدم المعارضة فيه فى الميعاد
– ذكرت فى الموطن الذى بصدده البحث الآن ما نصه: "Si le prévenu croit devoir faire
opposition‚ cette opposition sera portée devant le tribunal de commerce du ressort"
فكلمة "ressort" هنا – وهى المختلف على معناها – لا يمكن أن يكون معناها إلى "الجهة"
أو "الدائرة" "Circonscription ou etendu juridictionnal" وهى مستعملة على حذف المضاف
إليه المفهوم من العبارات المتقدّمة فى المادة وهو (la douane الجمرك) المذكور بالفقرة
السابقة عليها مباشرة. وتكون الترجمة الحرفية الدقيقة لتلك العبارة هى "محكمة تجارة
الجهة أو الدائرة" وتكون مع ذكر المضاف إليه هى "محكمة تجارة جهة الجمرك أو دائرة الجمرك"،
وبعبارة أليق بأسلوب القانون" المحكمة التجارية التابعة لها دائرة الجمرك". وهذا النظر
هو ما يفهم من العبارة الفرنسية لأوّل وهلة بدون إعمال للفكر.
وحيث إنه مما يؤيد هذا الفهم الأولى أن العبارة السابقة مباشرة فى المادة على العبارة
المنقولة فيما تقدّم قد بينت كيفية رفع المعارضة فقالت: "وإذا لم يرفع المتهم معارضة
ولم يعلنها للجمرك فى مدّة خمسة عشر يوما من تاريخ إرسال صورة القرار إلى الحكومة المنتمى
إليها يصبح القرار نهائيا ولا يقبل الطعن فيه بأى وجه من الوجوه". فالمعارضة إذن بمقتضى
هذا النص الصريح إنما تعلن "للجمرك" أى لذات الجمرك المحلى الذى ضبط عماله الأشياء
المهرّبة وحكمت لجنته بالغرامة والمصادرة، لا لمدير عموم الجمارك بمقرّ مصلحة عموم
الجمارك. وهذا لا يمكن أن يكون محل نزاع لوضوح النص فيه. ومفهوم هذا النص وما سبقه
أن الشارع اعتبر كل جمرك فى جهة مّا من جهات القطر وحدة قانونية قائمة بذاتها لها دائرة
اختصاص إدارية (ressort administratif) تتولى عملها فيها وهى بذاتها دائرة اختصاص قضائية
لها (ressort juridictionnel) تحكم فيما يقع داخل حدودها من حوادث التهريب، وأن المعارضة
فى قراراتها إنما تكون فى وجهها هى باعلان يوجه إليها هى فى شخص رئيسها وهو أمين جمركها
دون مصلحة عموم الجمارك ومدير عموم الجمارك اللذين لهما مجرّد الإشراف على الجمارك
المختلفة المنتشرة فى نواحى القطر، ولكن لا اختصاص لهما بمقتضى اللائحة لا فى ضبط حوادث
التهريب ولا فى المعاقبة عليها. وإذ كان الأصل الأصيل أن المدّعى عليه لا يجلب إلا
أمام المحكمة الواقع محله فى دائرة اختصاصها وضح يقينا أن عبارة (le tribunal de commerce
du ressort) معناها – كما سلف – المحكمة التجارية التابعة لها دائرة الجمرك المدّعى
عليها فى المعارضة والتى بها محل أمينه الممثل له فيها. أما ما ورد فى الترجمتين العربيتين
للائحة سنة 1884 ولائحة سنة 1909 من قوله "المحكمة المختصة بذلك" أو "المحكمة ذات الاختصاص"
فهى ليست ترجمة لكلمتى "du ressort" مباشرة بل إنها ترجمة للفظ "compétent". ولو كان
واضع اللائحتين أراد وضع هذه الصفة "Compétent" لما غاب عنه وضعها، بل إنها كانت أبسط
وأسهل وأجرى على القلم من كلمتى "du ressort"، ولكنه وضعها لحكمة هى أنه لو كان استعمل
لفظ (Compétent) المختصة لبقى المطلع يتساءل كما يتساءل الآن مع النص العربى وما هى
تلك المحكمة المختصة؟ ثم هو لا يعرف أنها محكمة محل الجمرك إلا بقياس ذهنى يستحضر فيه
الأصل القانونى القاضى بأن الدعوى تنظر فى محكمة المدّعى عليه ثم يصل منه إلى أن الجمرك
ما دام مدّعى عليه فالمختص بالنظر هو المحكمة التى هو واقع فى دائرتها. فتفاديا من
استعمال لفظ لا يؤدّى الغرض إلا بواسطة هذه العملية الذهنية قد حدّد واضع النص بالفرنسية
تلك المحكمة تحديدا مباشرا فقرّر مباشرة أنها هى محكمة جهة الجمرك. وبهذا التحديد استوفى
الشارع بيان الاختصاص النوعى إذ جعل المسألة من اختصاص المحكمة التجارية دون المدنية
(وإن كان لا فائدة عملية الآن لهذا فى القضاء الأهلى لأن المحكمة الواحدة تحكم فى المواد
التجارية والمدنية معا) ثم استوفى بيان الاختصاص الموضعى إذ جعله لمحكمة دائرة الجمرك.
وحيث إن التشريع على هذا الوجه هو دون غيره الذى كان متعينا، فان المعارضة تقتضى دفاعا
وأمين الجمرك المحلى هو ورجاله الأدرون به دون مدير عموم الجمارك، ثم هى قد تقتضى أن
تسمع المحكمة شهادة عمال الجمرك الذين ضبطوا المهرّبين والمواد المهرّبة، بل قد يطعن
لديها بالتزوير فى قرار اللجنة أو بعدم صحة محاضر العمال ويحتاج الحال لتحقيق هذا التزوير
أو تحقيق صحة تلك المحاضر. فاذا فرض أن الجمرك الذى أصدرت لجنته القرار كان جمرك أسوان
أو القصير أو السويس مثلا وكانت محكمة المعارضة هى محكمة إسكندرية الداخلة فى دائرتها
مصلحة عموم الجمارك ومحل مدير عموم الجمارك لاقتضى التحقيق استحضار موظفى الجمارك وعمالها
من تلك الأطراف النائية، وفى هذا تعطيل للأعمال ضارّ بالمصلحة العامة أيما ضرر. كذلك
غالبا ما يكون المهرّبون من أهل الجهة التى وقع فيها التهريب، فاذا أكرهوا على الحضور
من تلك الأطراف لرفع معارضتهم أمام محكمة إسكندرية التى بها مصلحة عموم الجمارك ومدير
عموم الجمارك لكان فى ذلك تكليف لهم بما لا يطاق ولا يقبله شارع متزن. ثم إنهم قد يكون
لهم شهود نفى هم عادة من أهل الجهة التى ضبطت فيها الأشياء المهرّبة، وربما أحجموا
لبعد الشقة عن أن يقرّروا الحق للمتهمين حتى يستحضروهم أو يعلنوهم ليستشهدوا بهم. وفى
هذا أيضا إحراج للمتهمين لا يستسيغه الشارع. على أن نص المادة 33 يهدر المعارضة إذا
لم يصل إعلانها للجمرك فى ظرف خمسة عشر يوما من تاريخ إرسال قرار اللجنة إلى السلطة
المحلية أو القنصلية. وهذا الميعاد هو حتمى لا يضاف إليه أى ميعاد مسافة. فلو أن المعارضة
كان من شأنها أن تعلن لمدير عموم الجمارك لسقطت حقوق أولئك المتهمين قبل أن يصلوا إلى
إعلانها. وهذا يؤكد أن تشريع الجمارك قائم على تلك الفكرة الأساسية السابقة الإشارة
إليها وهى كون كل جمرك من الجمارك المنظمة فى الجهات المختلفة من القطر إنما هو – من
حيث ضبط المتهمين والاختصاص وحده بمحاكمتهم والاختصاص وحده بتقبل معارضتهم – وحدة قانونية
قائمة بذاتها لا شأن لمصلحة عموم الجمارك فى أعمالها واختصاصاتها هذه إلا من حيث الإشراف
الرئيسى العام الذى يتحقق به قيام كل بواجبه على الوجه القانونى. ومتى كان كل جمرك
وحدة قانونية قائمة بذاتها ومختصا وحده بموجب النص بتقبل معارضة المتهمين فهو وحده
الذى عليه أوّلا وبالذات المدافعة فى هذه المعارضة بل الذى له هذا الحق، ولا يمكن جلب
أمينه إلى محكمة أخرى غير محكمة محل جمركه، بل هذه المحكمة الأخيرة هى وحدها المختصة
بحسب الأصل العام فى كل الشرائع. والنص فى اللائحة لا يعنى غير ذلك.
وحيث إنه فوق ما تقدّم مما يوضح أن محكمة محل الجمرك هى المختصة دون غيرها بنظر المعارضات
فان السوابق التاريخية فى تشريع الجمارك لا تدع محلا لأدنى شك فى هذا الصدد:
ذلك بأن لائحة 2 أبريل سنة 1884 التى صارت من بعد لائحة سنة 1909 لم تكن خلقا جديدا
أبداه الشارع المصرى على غير مثال سابق، كلا بل إن الجمارك المصرية كانت قبل سنة 1884
تسير على مقتضى قوانين الجمارك التركية. ومن ضمن هذه القوانين قانون صدر فى سنة 1285
هجرية وتبلغ للجهات ومنها مصر باعلان رسمى من "أمانة الرسومات الجليلة" فى 17 أبريل
سنة 1863 وقد ذكر فى ديباجته أنه وضع وفقا للمعاهدات التجارية التى عقدت بين "السلطنة
السنية" وبين الدول المتحابة، وهو خاص بمنع الحيل والتهريب من الجمارك، والمادة الخامسة
منه هى الأصل الذى نقلته المادة 33 من اللائحتين المصريتين الصادرتين فى سنة 1884 وسنة
1909. وتلك المادة الخامسة بعد أن نصت على كيفية تشكيل اللجنة وتحقيق جريمة التهريب
وإصدار اللجنة لقرارها وتبليغه فى ظرف أربع وعشرين ساعة على الأكثر لقنصل المتهم وصيرورة
القرار نهائيا إن لم تصل معارضة إلى الجمرك فى ظرف خمسة عشر يوما – بعد هذا ورد فيها
ما حاصله أن المعارضة "ترسل إلى نظارة التجارة إذا كان محل الوقوع فى دار السعادة أو
إلى مجلس التجار المحلى إذا كان الوقوع فى الخارج أو إلى مجلس البلدة فى المحال التى
لا يوجد بها مجلس تجارة، وذلك لتفحص هذه المجالس المادة وتقرّر ما إذا كان حكم المصادرة
واجب التأييد أو الإلغاء… الخ". فهذه المادة التى نقلت معانيها تماما إلى المادة
33 من اللائحة المصرية صريحة الصراحة كلها فى أن مجلس التجارة فى الجهة التى وقعت فيها
المخالفة – وهى بالبداهة جهة الجمرك الذى ضبطها وحكم فيها – هى المختصة بنظر المعارضة.
فالسوابق التاريخية التشريعية تؤيد النظر الذى تذهب إليه هذه المحكمة الآن.
وحيث إن مقتضى ما تقدّم أن مصلحة عموم الجمارك ومدير عموم الجمارك ليس أيهما خصما أصيلا
بمقتضى اللائحة فى تلك المعارضات، بل الخصم الأصيل فيها هو الجمرك المحلى ذاته وأمينه
الذى يشخصه. كما أن محكمة مصلحة عموم الجمارك لا اختصاص لها بل المختص هى محكمة محل
الجمرك. فيتعين إذن قبول الوجه الأوّل ونقض الحكم المطعون فيه وفى موضوع الاستئناف
إلغاء حكم محكمة اسكندرية الابتدائية الأهلية الصادر فى 10 يونيه سنة 1933، وبعدم اختصاصها
بنظر هذه المعارضة. ولا حاجة بعد لبحث الوجه الثانى.
[(1)] تقرّرت هذه القاعدة أيضا فى الحكم الصادر بجلسة 27 ديسمبر سنة 1934 فى القضية رقم 42 سنة 4 القضائية. وقد استعيض عن نشره بهذه الإشارة.
