الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 88 سنة 3 ق – جلسة 20 /12 /1934 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 510

جلسة 20 ديسمبر سنة 1934

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.


القضية رقم 88 سنة 3 القضائية

( أ ) دفع بالبطلان. الدفع الواجب إبداؤه قبل الدخول فى موضوع الدعوى. تعريفه. الدفع ببطلان العقود. دفع موضوعى. جواز تقديمه فى أية حالة كانت عليها الدعوى.
(المواد 133 و138 و139 مرافعات)
(ب) مشارطة التحكيم المفوّض فيها بالصلح. شرائط صحتها. الرضاء الضمنى بهذا التحكيم. لا يجوز. (المادتان 705 و711 مرافعات)
1 – إن الدفع بالبطلان الذى جوّزت المادة 133 من قانون المرافعات إبداءه قبل الدخول فى موضوع الدعوى، وقضت المادتان 138 و139 مرافعات بسقوط الحق فيه بالحضور أو بالردّ على الورقة الباطلة بما يفيد اعتبارها صحيحة، إنما هو الدفع الخاص ببطلان صحيفة افتتاح الدعوى وبطلان أوراق الإجراءات والمرافعات. فليس يصح تعدية هذه الأحكام إلى الدفع ببطلان العقود، لأن الدفع يكون عندئذ من الدفوع الموضوعية التى يجوز تقديمها فى أية حالة تكون عليها الدعوى، وتطبق عليه أحكام الإجازة الخاصة إذا كان البطلان تسبيبا لا مطلقا.
2 – إن المادة 705 من قانون المرافعات توجب أن يكون عدد المحكمين المفوّضين بالصلح وترا، وأن يذكروا بأسمائهم فى مشارطة التحكيم أو فى ورقة سابقة عليها. وهذا النص ينتفى معه جواز القول بامكان تعيين بعض المحكمين فى المشارطة وتوكيل هذا البعض فى تعيين آخرين من بعد. وحكم هذه المادة هو من النظام العام، فمخالفته موجبة لبطلان المشارطة بطلانا مطلقا لا يزيله حضور الخصوم أمام المحكمين الذين لم تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها فى المادة المذكورة.
3 – إن المادة 711 من قانون المرافعات إذ أوجبت، من جهة، أن عقد التحكيم يكون بالكتابة، وإذ أفادت المادة 705 مرافعات، من جهة أخرى، أن أسماء المحكمين ووترية عددهم تكون فى نفس المشارطة أو فى ورقة سابقة عليها، فذلك يفيد قطعا أن التحكيم المفوّض فيه بالصلح هو بخصوصه – على الأقل – لا يجوز فيه الرضاء الضمنى.


الوقائع

تتحصل وقائع هذه الدعوى – بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن الأوراق والمستندات المقدّمة لمحكمة النقض – فى أن ورثة المرحوم الحاج محمد المحلاوى اتفقوا على تحكيم محكمين فيما قام بينهم من نزاع على تركة مورّثهم أمام محكمتى مصر وطنطا الابتدائيتين فحرّروا بينهم مشارطة تحكيم فى 13 يونيه سنة 1929 جاء فيها بعد إيراد موضوع النزاع أن المحكمين فيه هم محمد بك زكى الشيتى والشيخ أحمد رضوان ولهما فى حالة اختلافهما أن يختارا مرجحا بينهما وأن للمحكمين المذكورين أن يحكموا بحسب قواعد العدل والإنصاف ولهم حق الصلح. وبما أنه يوجد قصر بين أفراد الطرف الأوّل فعلى وصيهم تقديم طلب التصديق على هذا التحكيم للمجلس الحسبى، فاذا وافق المجلس الحسبى على هذا التحكيم ابتدأ الميعاد الذى يجب على المحكمين أن يحكموا فى أثنائه من يوم التحكيم وهو الميعاد المنوّه عنه بالبند الآتى. وإذا رفض المجلس الموافقة على التحكيم ابتدأ الميعاد بالنسبة للبلغ من يوم الرفض، والطرف الثانى وشأنه فى اتخاذ ما يلزم من الإجراءات بالنسبة للقصر، ويكون للوصى الحق فى الاستمرار فى التقاضى بالنسبة لأنصباء القصر.
وجاء فيها أيضا أنه يجب على الوصى أن يخطر المحكمين والطرف الآخر بخطابات موصى عليها بما تم فى قرار المجلس الحسبى فى يوم صدوره ليتولى المحكمون الحكم وليبدأ الميعاد، والمحكمون معفون من اتباع الإجراءات والأصول المتبعة أمام المحاكم بالنسبة للإجراءات والمرافعات".
ولما عرض الوصى هذه المشارطة على المجلس الحسبى طالبا التصديق عليها أجل المجلس النظر فى هذا الطلب لجلسة 3 سبتمبر سنة 1929 ليتفق الطرفان على تعديل تشكيل مجلس التحكيم بجعله مكوّنا من ثلاثة أعضاء أحدهم من رجال القانون على الأقل. وفى يوم 3 سبتمبر سنة 1929 حضر محامى الوصى هو والمحكمان فرأى المجلس ترشيح أحد رجال القانون، فقال زكى بك الشيتى أنا أرشح مصطفى بك الشوربجى أو حضرة أحمد بك قمحه، ووافقه الشيخ أحمد رضوان على ذلك فرأى المجلس عمل قرعة بينهما، وبموافقة المحكمين الاثنين أجريت عملية الاقتراع فأسفرت عن انتخاب حضرة أحمد بك قمحه. فرضى الطرفان بهذه النتيجة واتفقا على أنه فى حالة اعتذاره عن القبول يكون المرشح لعضوية مجلس التحكيم حضرة مصطفى بك الشوربجى بدون حاجة إلى الرجوع إلى المجلس. وعلى ذلك قرّر المجلس التصديق على عقد التحكيم على أن يكون مشكلا من ثلاثة أعضاء وهم حضرات: زكى بك الشيتى والشيخ أحمد رضوان المنتخبين أصلا من الطرفين، وأحمد بك قمحه وفى حالة اعتذاره يستعاض عنه بحضرة مصطفى بك الشوربجى.
وفى يوم 3 سبتمبر نفسه عقد المحكمون جلستهم الأولى وأثبتوا فى محضرها أن المجلس الحسبى صدّق على عقد التحكيم بجلسة اليوم، وأنه ضمّن قراره أن تكون هيئة المحكمين مؤلفة منهم هم الثلاثة، ثم أثبتوا أنهم اختاروا على إسماعيل أفندى ليكون كاتبا لهذا التحكيم، وأجلوا النظر لجلسة تعقد يوم 9 سبتمبر سنة 1929، وكلفوا الكاتب باخطار الطرفين بخطابات مسجلة. وفى يوم 9 سبتمبر سنة 1929 حضر أحمد أفندى محمد المحلاوى بالأصالة عن نفسه وبوصايته على إخوته القصر وبطريق وكالته عن أخويه، وحضر عبد الحميد أفندى السيد المحلاوى عن والدته الست فطومة، ثم سار المحكمون فى نظر الدعوى حتى أصدروا حكمهم بتاريخ 9 نوفمبر سنة 1929 ضد الست فطومة المذكورة.
قدّم المحكوم لهم هذا الحكم لرئيس محكمة مصر الابتدائية وطلبوا منه صدور أمره بوضع صيغة التنفيذ عليه فأصدر أمره بذلك بتاريخ 3 ديسمبر سنة 1929، فأعلنوا الحكم مذيلا بهذا الأمر إلى الست فطومة بتاريخ 17 ديسمبر سنة 1929.
فرفعت الست فطومة لمحكمة مصر الابتدائية معارضتها فى تنفيذ هذا الحكم طالبة الحكم ببطلان مشارطة التحكيم وحكم المحكمين المتقدّمى الذكر وارتكنت فى معارضتها هذه على نص المادة 705 التى لا تجيز التفويض للمحكمين بالصلح ولا الحكم منهم بهذه الصفة إلا إذا كان عددهم وترا وكانوا مذكورين بأسمائهم فى المشارطة المتضمنة لذلك التفويض أو فى عقد سابق عليها، ثم على نص الفقرة الثالثة من المادة 727 من قانون المرافعات التى تجيز طلب بطلان حكم المحكمين إذا صدر الحكم من محكمين لم يعينوا بموافقة القانون.
ومحكمة مصر الابتدائية حكمت بتاريخ 17 مايو سنة 1931 برفض المعارضة وإلزام رافعها بالمصاريف. وجاء فى حكمها أنه من المسلم به بين الخصوم أن المحكمين فى الحالة التى نحن بصددها محكمون مصالحون، فالمادة الواجب تطبيقها هى المادة 705 من قانون المرافعات وهى لا تجيز التحكيم بالصلح إلا إذا كان عدد المحكمين وترا وكانوا مذكورين بأسمائهم فى المشارطة. فمشارطة التحكيم إذن باطلة، لكن بطلانها قد أزالته الإجازة المستفادة من حضور طرفى الخصومة أمام المحكمين الثلاثة وعرض أوجه دفاعهم فى النزاع عليهم. ولهذا تكون الدعوى على غير أساس.
وقد استأنف ورثة المعارضة هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر وقيد الاستئناف بجدولها تحت نمرة 198 سنة 49 قضائية، فحكمت بتاريخ 25 ديسمبر سنة 1932 بقبول المعارضة فى أمر التنفيذ وببطلان مشارطة التحكيم المؤرّخة 13 يونيه سنة 1929 وببطلان وإيقاف تنفيذ حكم المحكمين الصادر فى 9 نوفمبر سنة 1929، وألزمت المستأنف عليهم بالمصاريف عن الدرجتين و500 قرش أتعابا للمحاماة عنهما.
وقبل إعلان هذا الحكم إلى الطاعنين طعنوا فيه بطريق النقض والإبرام فى 20 سبتمبر سنة 1934، وأعلن تقرير الطعن إلى الخصوم فى 23 و24 و25 منه، وقدّم الطاعنون والمطعون ضدّه الأوّل المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى، ولم يقدّم باقى المطعون ضدّهم شيئا، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 14 أكتوبر سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس الموافق أوّل نوفمبر سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قرّرت المحكمة باستمرار المرافعة لجلسة 13 ديسمبر سنة 1934، وصرحت بتقديم مذكرة فى مسألة "هل ما حصل من الإجراء بعد قرار المجلس الحسبى يعتبر قبول مشارطة التحكيم على وضعها الأخير أم لا". وبعد أن قدم طرفا الخصومة المذكرة فى ذلك وأجابت عليها النيابة تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن الطاعنين يقولون فى الوجهين الأوّلين ما محصله أن مشارطة التحكيم المؤرّخة فى 13 يونيه سنة 1929، لم تكن إلا مجرّد مشروع لتحكيم تتضمن اتفاق طرفى الخصومة على اختيار حكمين مصالحين سمياهما باسميهما وعلى توكيل هذين الحكمين وتفويضهما فى تعيين الحكم الثالث، وعلى وجوب عرض المشارطة على المجلس الحسبى وتصديقه عليها لوجود قصر بين طرفى الخصومة. فلما عرضت المشارطة على هذا المجلس اتفق أمامه المحكمان الأوّلان اللذان كانا مفوّضين من قبل الطرفين بتعيين هذا الحكم الثالث على تعيينه، وقد عين بالفعل بموافقة المجلس عن القصر وعرف اسمه قبل أى إجراء من إجراءات التحكيم. ثم يقولون: لكن الحكم المطعون فيه قد قيد نفسه بحرفية المشارطة وفصلها عن باقى الأجزاء المتممة لها، وحكم عليها بالبطلان بالتطبيق لنص المادة 705 من قانون المرافعات، مع أنه كان ينبغى ألا يفصل المشارطة عما تم بعدها أمام المجلس الحسبى من تعيين المحكم الثالث باتفاق الطرفين وبواسطة وكيليهما المحكمين الأوّلين. ثم يرتبون على قولهم هذا أن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق المادتين 705 و726 من قانون المرافعات على صورة الدعوى كما خالف المادتين 516 و517 من القانون المدنى المجيزتين للتوكيل فى تحكيم المحكمين.
ومن حيث إن مبنى الوجه الثالث أن الحكم المطعون فيه قد اعتبر أن بطلان المشارطة المترتب على عدم تسمية المحكم الثالث هو بطلان يتعلق بالنظام العام مع أنه بطلان نسبى يسقط الحق فى التمسك به بعدم إبدائه فى أوّل جلسة من جلسات التحكيم طبقا للمادة 138 من قانون المرافعات.
هذ
ومن حيث إن محكمة الاستئناف بعد أن أثبتت فى صدر حكمها المطعون فيه ما جاء بمشارطة التحكيم من أن طرفى الخصومة قد اتفقا على أن يكون الفصل فى النزاع القائم بينهم بمعرفة المحكمين محمد بك زكى الشيتى والشيخ أحمد رضوان، وأنهما محكمان مفوّض لهما بالصلح، وأن لهما أن يختارا مرجحا بمعرفتهما، وبعد أن قالت "إن القواعد التى يقرّرها القانون فى شأن ترتيب المحاكم وتعيين القضاة ومن فى حكمهم من المحكمين وبيان اختصاصاتهم هى من القواعد الأساسية المتعلقة بالنظام العام التى لا يجوز الاتفاق على مخالفتها – إن محكمة الاستئناف بعد هذا قد أوردت نص المادة 705 من قانون المرافعات وقالت إن تعيين المحكمين إذا وقع على خلاف ما يأمر به هذا النص يترتب عليه بطلان المشارطة وبطلان الحكم. ثم كشفت عن حكمه الشارع فى إيجاب تسمية المحكمين بالصلح بأسمائهم فى مشارطة التحكيم واستمرّت فى التدليل إلى أن قالت: إن مشارطة التحكيم المتنازع بسببها قد خالفت نص المادة 705 من قانون المرافعات حيث لم يذكر فيها جميع أسماء المحكمين، وإنه لا يجوز الأخد بما ذهب إليه الطاعنون أمامها من أن التفويض للمحكمين هو توكيل لهما بتعيين المحكم الثالث، لأنه مخالف لنص تلك المادة مخالفة لا تتفق مع ما أوجبه معنى هذا النص الذى لا لبس فيه. ثم قالت إنه يتضح لها من الأوراق أن المشارطة عرضت على المجلس الحسبى للموافقة لوجود قصر فى النزاع الأصلى فرأى المجلس أن يحصل تعيين المحكم الثالث فحضر أمامه المحكمان المسميان فى المشارطة وعرضا على المجلس اسمين لينتخب منهما المحكم الثالث وكانت النتيجة أن انتخب بالقرعة حضرة أحمد بك قمحه محكما ثالثا، وعلى هذا وافق المجلس على مشارطة التحكيم. ثم قالت المحكمة بعد ذلك فتتعين المحكم الثالث بالاسم بهذه الكيفية ليس فيه ما يحقق غرض الشارع المبين فى المادة 705 لأن تعيين المحكم حصل أمام المجلس الحسبى بحضور وصى القصر وحضور المحكمين المبين اسماهما فى المشارطة ولم يحضره باقى المتعاقدين فى هذه المشارطة فهو تعيين لم يكن بموافقة جميع المتعاقدين. وإذن فلا يعتبر أن هؤلاء الثلاثة المحكمين قد ذكروا بأسمائهم فى مشارطة التحكيم أو فى عقد سابق عليها كما تقضى المادة 705".
وحيث إن هذا التسبيب يدل على أن محكمة الاستئناف لم تقصر نظرها على أصل مشارطة التحكيم فقط كما يقول الطاعنون، بل إنها نظرت فيما ادّعوه من أن تعيين المحكم الثالث حصل أمام المجلس الحسبى باتفاق جميع الخصوم، فاتضح لها عدم صحته، وأن المحكم الثالث إنما حصل تعيينه بحضور وصى القصر فقط دون باقى المتعاقدين على التحكيم، وأن التمسك بأن تعيينهم تم بموافقة المحكمين الأوّلين باعتبارهما وكيلين فى ذلك عن المتعاقدين وكالة مصرحا بها فى المشارطة هو تمسك غير مقبول قانونا لمخالفته فى لنص المادة 705 من قانون المرافعات الذى لا لبس فيه.
وحيث إن ما رأته محكمة الاستئناف من أن ما كان من المحكمين الأوّلين من الموافقة على تعيين المحكم الثالث لا يعتبر موافقة من المتعاقدين ذوى الشأن موجدة لعقد التحكيم هو رأى سليم لا غبار عليه حتى على فرض غير الواقع فعلا وأنهما كانا موكلين بتعيين المحكم الثالث، ما دام المحكمون مفوّضا لهم بالصلح، وما دامت المادة 705 – وحكمها من النظام العام – توجب ذكر أسمائهم فى المشارطة أو فى ورقة سابقة عليها مما ينتفى معه جواز القول بامكان تعيين بعضهم فى المشارطة وتوكيل هذا البعض فى تعيين آخرين من بعد.
ومن حيث إنه فوق هذا متى لوحظ ما أثبته الحكم المطعون فيه من أن ورقة التحكيم المتنازع فى صحتها إنما فوّضت للمحكمين الأوّلين تعيين مرجح بينهما عند الاختلاف فى الرأى فقط لا تعيين محكم ثالث أصيل يكون به عدد المحكمين وترا ويحضر مع زميليه فى كل إجراءات الدعوى ويسمع كل ما يدور فيها من المرافعة والدفاع ويحكم بالمشاركة معهما – متى لوحظ ذلك علم أن القول بأن تعيين المحكم الثالث قد تم قبول المتعاقدين له بما كان من قبول المحكمين الأوّلين وكيليهم فى هذا التعيين، وأن المشارطة أصبحت بهذا الاتفاق الجديد مشارطة جديدة صحيحة، هو قول فى ذاته معدوم الأساس، وأن هذه المشارطة الجديدة التى تمت على يد المجلس الحسبى إذا كان مذكورا فيها أسماء المحكمين بعدد وتر، كما تقضى به المادة 705، فانها باطلة بطلانا مطلقا لانعدام ركن الرضى فيها على تعيين محكم ثالث رضاء مباشرا أو حتى بطريق التوكيل.
ومن حيث إن ما يقوله الطاعنون فى الوجه الثالث من أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فيما ذهب إليه من أن بطلان مشارطة التحكيم لا يزيله حضور المطعون ضدّهم أمام المحكمين أثناء التحكيم، وأن هذا الخطأ هو خطأ فى تطبيق المادتين 138 و139 من قانون المرافعات، إنما هو ادّعاء غير صحيح، لأن الدفع بالبطلان الذى جوّزت المادة 133 مرافعات إبداءه قبل الدخول فى موضوع الدعوى، وقضت المادتان 138 و139 بسقوط الحق فيه بالحضور أو بالردّ على الورقة الباطلة بما يفيد اعتبارها صحيحة، إنما هو الدفع الخاص ببطلان صحيفة افتتاح الدعوى وبطلان أوراق الإجراءات والمرافعات. فليس يصح تعدية هذه الأحكام إلى الدفع ببطلان العقود لأن الدفع يكون عندئذ من الدفوع الموضوعية التى يجوز تقديمها فى أية حالة كانت عليها الدعوى وتطبق عليه أحكام الإجازة الخاصة إذا كان البطلان نسبيا لا مطلقا.
وحيث إن محكمة الاستئناف بعد أن قرّرت أن بطلان مشارطة التحكيم أى مشارطة 13 يونيه سنة 1929 لمخالفتها نص المادة 705 من قانون المرافعات هو بطلان متعلق بالنظام العام، وأن كل اتفاق على خلافه يكون باطلا وفى حكم المنعدم قالت: "إنه قد اتضح لها من الأوراق أن المحكم الثالث قد انتخب بالقرعة أمام المجلس الحسبى بحضور وصى القصر والمحكمين الاثنين المعينين فقط وفى غيبة باقى الموقعين على عقد التحكيم، وأن هذا التعيين لم يكن إذن بموافقة جميع المتعاقدين، وأنه لا يمكن القول بأن هؤلاء الثلاثة المحكمين قد ذكروا بأسمائهم فى مشارطة التحكيم أو فى عقد سابق عليها، كما تنص على ذلك المادة 705 مرافعات. ثم قالت بعد ذلك: إن مضى هؤلاء المحكمين الثلاثة فى تنفيذ التحكيم لا قيمة قانونية له. وكذلك الحكم الذى أصدروه لأنه حكم أساسه مشارطة باطلة…. الخ". ومعنى ذلك أن محكمة الاستئناف وجدت مشارطة التحكيم باطلة بطلانا مطلقا سواء بحسب أصلها الذى وضعت عليه فى 13 يونيه سنة 1929 لمخالفتها لنص المادة 705 التى هى من النظام العام أو بعد تعديلها وإنشائها من جديد على يد المجلس لعدم توفر ركن الرضاء من بعض المتعاقدين (ومنهم مورّثة المطعون ضدّهم) بخصوص تعيين المحكم الثالث، كما وجدت أن حضور جميع الموقعين على أصل المشارطة أمام المحكمين الثلاثة ومرافعتهم أمامهم لا يصحح هذه المشارطة الباطلة فى أية مرحلة من مرحلتيها ولا تعتبر عقدا مبتدأ لمشارطة تحكيم صحيحة، وهذا كله حق ولا خطأ فيه.
وحيث إنه لا يجوز الاعتراض بأن تلك المشارطة أصبحت بعد تصحيح المجلس الحسبى مستوفاة لما تشترطه المادة 705، وأنها إذا كانت باطلة لعدم الرضاء فان الرضاء كما يكون صريحا يكون ضمنيا، وأن حضور المتحاكمين أو وكلائهم لدى هؤلاء المحكمين يعتبر قبولا ضمنيا لعقد مستوف لشروط المادة المذكورة – لا يصح الاعتراض بذلك لأن المادة 711 مرافعات إذ أوجبت من جهة أن عقد التحكيم يكون بالكتابة، وإذ أفادت المادة 705 من جهة أخرى أن أسماء المحكمين ووترية عددهم تكون فى نفس المشارطة أو فى ورقة سابقة عليها، فان ذلك يفيد قطعا أن التحكيم المفوّض فيه بالصلح هو بخصوصه – على الأقل – لا يجوز فيه الرضاء الضمنى.
ومن حيث إنه لذلك يتعين الحكم برفض الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات