الطعن رقم 11 سنة 4 ق – جلسة 15 /11 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 485
جلسة 15 نوفمبر سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 11 سنة 4 القضائية
مسئولية مدنية. مسئولية المخدوم عما يصيب خادمه من الأخطار فى أثناء
العمل. مسئولية المخاطر. المسئولية الشيئية. (المواد 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية
و90 و93 و151 من القانون المدنى)
1 – إن القانون المصرى لم يرد فيه ما يجعل الإنسان مسئولا عن مخاطر ملكه التى لا يلابسها
شئ من التقصير، بل إن هذا النوع من المسئولية يرفضه الشارع المصرى بتاتا. فلا يجوز
للقاضى – اعتمادا على المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية – أن يرتبه على اعتبار
أن العدل يسيغه. إذ أن هذه المادة لا يصح الرجوع إليها إلا عند عدم معالجة الشارع لموضوع
مّا وعدم وضعه لأحكام صريحة فيه جامعة مانعة. وإذن فالحكم الذى يرتب مسئولية الحكومة
مدنيا عما يحدث لعامل على نظرية مسئولية مخاطر الملك التى لا تقصير فيها (المسئولية
الشيئية) يكون قد أنشأ نوعا من المسئولية لم يقرّره الشارع ولم يرده، ويكون إذن قد
خالف القانون ويتعين نقضه.
2 – إذا استند المحكوم له بالتعويض على نظرية مسئولية المخاطر ونظرية المسئولية التقصيرية،
ورأت محكمة النقض أن فى القضاء بالتعويض على أساس نظرية المسئولية عن المخاطر مخالفة
للقانون ونقضت الحكم، جاز لها أن تستبقى دعوى التعويض على أساس المسئولية التقصيرية
وتحكم فيها متى كانت عناصرها الواقعية مبينة فى الحكم المطعون فيه.
الوقائع
تتلخص الوقائع بحسب الوارد فى الحكم المطعون فيه وما هو وارد بالمذكرات
والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة فيما يأتى:
كان مورّث المطعون ضدّها يشتغل عاملا للمناورة بمحطة المرابعين، وبينما كان يباشر عمله
فى يوم 4 سبتمبر سنة 1928، وهو فصل بعض العربات من قطار البضاعة نمرة 633 وإضافة عربات
أخرى إليه، كسرت العصى التى يستعين بها فى أداء عمله فسقط ومرّ القطار على رجله اليسرى
فقطعها وكان ذلك سببا فى وفاته. ولما أن عرض أمر ورثته على مصلحة السكة الحديد قرّرت
منحهم مبلغ 90 جنيها، يدخل ضمنه ما يستحقونه من المكافأة العادية عن مدّة خدمة مورّثهم
وباقيه على سبيل الإحسان، فلم يقبلوا هذا المبلغ ورفعت الست بيه بنت محمد سليمان أرملة
المتوفى عن نفسها وبصفتها وصية على ولديها منه عبد اللطيف وفتحية هذه الدعوى أمام محكمة
مصر الابتدائية قيدت بجدولها برقم 874 سنة 1932 كلى، وطلبت فى صحيفتها المعلنة بتاريخ
3 فبراير سنة 1932 الحكم لها بمبلغ 500 جنيه على سبيل التعويض مع المصاريف والأتعاب
ارتكانا على أن وزارة المواصلات مسئولة عما لحقها من الضرر وأن ما عرضته عليها من التعويض
وقدره 90 جنيها لا يذكر بجانب هذا الضرر لأن زوجها كان عائلها الوحيد.
نظرت المحكمة الابتدائية فى هذه الدعوى ورأت أن القانون المصرى خلو من تشريع خاص لمثل
هذه الأحوال، وأن المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية تقضى بوجوب تطبيق قواعد
العدل والإنصاف عند عدم وجود نص على حالة خاصة، فأخذت بنظرية المسئولية الشيئية واعتبرت
صاحب العمل مسئولا عما يحدث للعامل من الأخطار بسبب العمل ذاته بصرف النظر عما إذا
كان وقع منه خطأ أو إهمال أو كان العامل نفسه مخطئا أو مهملا فى عمله أو كان العمل
الذى يقوم به خطرا فى ذاته، وقضت بتاريخ 30 يناير سنة 1933 على هذا الأساس بالزام وزارة
المواصلات بمبلغ 200 جنيه مع المصاريف المناسبة ومبلغ 200 قرش صاغ مقابل أتعاب المحاماة.
استأنفت الوزارة هذا الحكم بالاستئناف رقم 776 سنة 50 قضائية أمام محكمة استئناف مصر
وطلبت القضاء بالغائه فأيدت محكمة الاستئناف نظرية المحكمة الابتدائية وقضت بتاريخ
3 ديسمبر سنة 1933 بتأييد الحكم المستأنف وألزمت الوزارة بالمصاريف وبمبلغ 500 قرش
مقابل أتعاب المحاماة.
وقد أعلن هذا الحكم إلى وزارة المواصلات بتاريخ 13 يناير سنة 1934 فطعنت فيه بطريق
النقض والإبرام فى 8 فبراير سنة 1934، وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى الميعاد
القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 8 أكتوبر سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس الموافق أوّل نوفمبر سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى
على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة يوم الخميس 8 نوفمبر سنة
1934 ومنها لجلسة اليوم لعدم إتمام المداولة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن أوجه الطعن (وهى ثلاثة) تتحصل فى أن محكمة الاستئناف عند ما حكمت على الوزارة
بالتعويض قد خالفت قواعد المسئولية المقرّرة فى القانون المصرى فلم تأخذ بأحكام المادة
151 من القانون المدنى ولا بأحكام المادة 39 من قانون المعاشات رقم 5 لسنة 1909 المعدّل
بالقانون رقم 29 لسنة 1910، بل أخذت بتشريع أجنبى معدوم النظير فى القوانين المصرية.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يبين أن محكمة الاستئناف، بعد أن حصّلت فهم
الواقع من أوراق الدعوى وأقوال الخصوم فيها بما لا يخرج عن البيان المتقدّم، لاحظت
أن تصرف وزارة المواصلات بتقريرها مبلغ 90 جنيها خلافا لما يستحقه الورثة من مكافأة
عادية يشعر بأن حالة هؤلاء الورثة تفتقر إلى كثير من الرحمة والإنصاف والعدل، وأن محكمة
أوّل درجة جرت على هذا الأساس فى حكمها إذ قرّرت الرجوع إلى قواعد العدل طبقا للمادة
29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، لأن حالة العامل الذى يصاب أثناء قيامه بخدمته
حالة خاصة لم ينص عليها القانون، ثم استظهرت ما كانت تقضى به المحاكم الفرنسية تطبيقا
لهذه القواعد قبل صدور القوانين التى جاءت مقرّرة لمبدأ تعويض العمال، وخرجت من كل
ذلك إلى القول بأن المادة 39 من قانون المعاشات لا يمكن أن تكون محل تطبيق فى مثل هذه
الحالة لأنها حالة خارجة عن الغرض الذى وضع من أجله هذا القانون ومن طبيعته، وكذلك
بالنسبة للمادة 151 من القانون المدنى لأن هذه المادة جرت على نظرية الخطأ ووجوب توافره
وهو ما تأبى العدالة والرحمة السير على مقتضاهما فى هذه الحالة الخاصة، وانتهت فى تسبيب
حكمها إلى القول بأن العامل فى الحقيقة جزء حيوى من آلات ومشتملات المصلحة، وما يلحقه
من الضرر تتحمل إصلاحه المصلحة أو صاحب العمل كما هى الحال فى إصلاح ما يحل بالآلات
من الهلاك وما يحدث للمشتملات من الحريق.
وحيث إن الأصل فى الإنسان البراءة وأن لا مسئولية بدون التزام يوجبها.
وحيث إن الشارع المصرى عقد للالتزامات بابا خاصا هو الباب الأوّل من الكتاب الثانى
من القانون المدنى بدأ فيه بالمادة 90 فعرّف فيها الالتزام بأنه ارتباط قانونى الغرض
منه حصول منفعة لشخص بالزام غيره بعمل شئ معين أو بامتناعه عنه. فكل ارتباط مكوّن لالتزام
يجب إذن أن يكون قانونيا أى معترفا به من قبل القانون. ولقد بين الشارع فى المادة 93
التى وردت بعد ذلك مصادر ما يريد أن يعتبره من الارتباطات قانونيا ملزما بحسب التعريف
الذى وضعه فقرّر أن التعهدات أى الالتزامات إما أن تكون ناشئة عن اتفاق أو عن فعل أو
عن نص فى القانون، ولم يصرح بأن هناك ارتباطا قانونيا ينشأ عن غير هذه المصادر الثلاثة.
وحيث إن الشارع قد فصّل أيضا فى الباب الثالث من هذا الكتاب جميع أحوال المسئولية المترتبة
على الأفعال. وكذلك بيّن فى الباب الرابع صور الالتزامات التى يوجبها القانون، ولم
يرد فى أى البابين ما يجعل الإنسان مسئولا عن مخاطر ملكه التى لا يلابسها شئ من التقصير.
فهذا النوع من المسئولية يرفضه الشارع المصرى بتاتا، ولا يجوز للقاضى، اعتمادا على
المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، أن يرتبه على اعتبار أن العدل يسيغه إذ
أن هذه المادة لا يمكن الرجوع إليها إلا عند عدم معالجة الشارع لموضوع مّا، وعدم وضعه
لأحكام صريحة فيه جامعة مانعة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ رتب مسئولية الحكومة على نظرية مسئولية مخاطر الملك التى
لا تقصير فيها (المسئولية الشيئية) يكون قد أنشأ نوعا من المسئولية لم يقرّره الشارع
ولم يرده، ويكون إذن قد خالف القانون ويتعين نقضه.
وحيث إن المطعون ضدّها كانت قد تمسكت لدى محكمة الاستئناف بمسئولية الحكومة أيضا عن
حادثة وفاة مورّثها مسئولية ناشئة عما ادّعته من خطأ الحكومة إذ سلمت لمورّثها عصا
من خشب (نبوتا) للاستعانة بها على تأدية خدمته من فصل العربات أو ربطها، وأن هذه العصا
لم تتحمل الاستعمال فانكسرت وترتب عليها سقوط مورّثها تحت القطار ووفاته، وأن الحكومة
مسئولة عن وهن هذه العصا، لأنها كان من الواجب عليها أن تعطيه عصا من حديد لتحتمل تلك
العملية. ثم يقول وكيل المطعون ضدّها لدى محكمة النقض إن نظرية المسئولية الشيئية إن
لم تعتمد ورؤى نقض الحكم فهو يطلب إعادة الدعوى لمحكمة الاستئناف لتبحث مسئولية الحكومة
المترتبة على هذا الخطأ، إذ الحكم المطعون فيه لم يتعرّض لهذه المسألة ولم يشر إليها
بشئ.
وحيث إن محكمة النقض لا ترى محلا لإعادة الدعوى لمحكمة الاستئناف لتبحث هذه المسألة
إذ العناصر الموجودة فى الدعوى كافية لأن تقضى هى فيها موضوعا.
وحيث إنه مع التسليم بصحة ما تدّعيه المطعون ضدّها من أن الحادثة وقعت بسبب كسر العصا
التى كان يستعملها مورّثها لتأدية خدمته فانه ما يجب ملاحظته: (أوّلا) أنه غير ثابت
فى الدعوى أن مورّث المطعون ضدّها كان هو وحده الذى اختصته مصلحة السكة الحديد بهذه
العصا، بل الواضح من سياق أقوالها أن استعمال العصى الخشب هو عادة متبعة لدى مصلحة
السكة الحديد. (ثانيا) أن مصلحة السكة الحديد إذ تسلم خدمتها مثل هذه العصى فهؤلاء
الخدم هم بالبداهة المكلفون بملاحظة ما بأيديهم منها عند استعمالها فان وجدوا بها وهنا
مّا فعليهم هم أنفسهم وزر عدم التبليغ لاستبدال غيرها بها ووزر المخاطرة باستعمالها
مع تيقنهم وهنها.
ومتى كان الأمر كذلك وضح أن لا مسئولية على المصلحة فى هذا الصدد لأنه لا خطأ من جانبها،
بل إن كان خطأ فهو من جانب الخادم نفسه، فالمتعين مع نقض الحكم للعلة السابقة الإشارة
إليها الحكم برفض دعوى المطعون ضدّها مع إلزامها بجميع المصاريف.
