الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 81 سنة 3 ق – جلسة 14 /06 /1934 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 428

جلسة 14 يونيه سنة 1934

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 81 سنة 3 القضائية

( أ ) قوّة الشىء المحكوم به. لا مانع من لحوقها بأسباب الحكم. (المادة 232 مدنى)
(ب) نقض. خطأ المحكمة فى تطبيق القانون على الوقائع الثابتة لديها مع سلامة الحكم فى نتيجته. تصحيح التطبيق الخاطئ وعدم نقض الحكم. جوازه.
1 – لا مانع من أن بعض المقضى به يكون فى الأسباب. فاذا قضت المحكمة ببطلان عقد بيع بعد أن استعرضت فى أسباب حكمها الأوجه التى دار النزاع حولها طلبا ودفعا وبحثت هذه الأوجه وفصلت فيها فصلا قاطعا وخلصت من بحثها إلى النتيجة التى حكمت بها، فمعنى ذلك أنها، بعد أن قضت فى هذه المسائل، وضعت قضاءها فيها فى أسباب الحكم ثم وضعت بالمنطوق الحكم ببطلان البيع، وهو نتيجة ما وضعته فى الأسباب، فأصبح الحكم فاصلا فى جميع نقط النزاع المتقدّمة الذكر طلبا ودفعا.
2 – إذا أخطأت محكمة الموضوع فى تطبيق القانون على الوقائع الثابتة فى حكمها ومع ذلك لم تخطئ فى نتيجة حكمها الذى قضت به كان لمحكمة النقض أن تصحح هذا التطبيق من غير أن تنقض الحكم.


الوقائع

من حيث إن وقائع هذا الدعوى تتلخص – على ما جاء بالحكم المطعون فيه وبالأوراق الملحقة به والمستندات المقدّمة من طرفى الخصومة لهذه المحكمة وقد كانت مقدّمة لمحكمة استئناف مصر من قبل – فى أن المرحوم حسين بك نامق أشهد على نفسه أمام محكمة بنى سويف الشرعية فى 14 ربيع آخر سنة 1296 بأنه أوصى لزوجته المرحومة شوفكى هانم – فيما أوصى به لبعض ورثته وغيرهم – بمنفعة 241 فدانا و16 قيراطا و4 أسهم من الأطيان الخراجية التى كانت فى تصرفه وقتئذ على أن يكون لكل من الموصى لهم وعقبه منفعة ما أعطى إليه أبدا مؤبدا مضافا ذلك إلى ما بعد الموت صدفة وإحسانا، ومن لا عقب له يعود الموصى له به لورثة الموصى. ولما توفى الموصى فى سنة 1297 هجرية الموافقة لسنة 1881 نفذ ورثته الوصية وتسلمت زوجته نصيبها منها وانتفعت به ثم باعته إلى حسن أفندى حسنى من أهالى بندر بنى سويف بعقد مؤرّخ فى 14 مايو سنة 1892 فرفع إبراهيم أفندى نامق أمام محكمة بنى سويف دعواه المقيدة بجدول تلك المحكمة تحت رقم 182 سنة 1894 على البائعة والمشترى منها. وقد ادّعى فيها أن الست شوفكى هانم قد بلغت الستين من العمر ولا عقب لها، وأنها لذلك، ولتمنع أيلولة ما أوصى لها به من الأطيان بعد وفاتها لورثة الموصى، قد باعت أطيان الوصية إلى حسن أفندى حسنى بيعا صوريا، وأنه إذ كان من المحتمل أن يصبح هو عند وفاة الست شوفكى هانم الوارث الوحيد للمرحوم حسين بك نامق الموصى، فقد رفع هذه الدعوى طالبا الحكم بابطال البيع المتقدّم ذكره ومحو تسجيله. ومحكمة بنى سويف حكمت بتاريخ 29 مايو سن 1894 بطلباته هذه. فاستأنف المحكوم عليهما هذا الحكم ومحكمة استئناف مصر حكمت بالتأييد بتاريخ 3 مارس سنة 1896. وقد جاء فى أسباب هذا الحكم أنه لأجل القطع بأن الست شوفكى هانم كانت تمتلك الأطيان الموصى لها بها ملك منفعة وبأنها نقلت ملكيتها إلى حسن أفندى حسنى بالعقد المختلف على صحته وعدم صحته، يجب النظر فى عقد الوصية الرسمية المؤرّخة فى 13 ربيع آخر سنة 1296. ثم قال الحكم إن عبارة هذا العقد تفيد أن الموصى أوصى بمنفعة الأرض للست شوفكى مدّة حياتها ثم لذرّيتها وأنها إذا ماتت بغير عقب انتقلت المنفعة لورثة الموصى، وهذه العبارة تفيد أن الموصى لم يرد بلفظ المنفعة إلا حق الانتفاع لاحق الملكية. ثم قال الحكم إن المستأنفين (البائعة والمشترى) اللذين يدّعيان أن ما جاء بالوصية من أنه إذا مات الموصى له بغير عقب عادت المنفعة إلى الموصى مخالف لأحكام الأحوال الشخصية، لم يقدّما نصا صريحا يثبت لهما هذا الادّعاء. هذا فضلا عن أن المادة 533 من كتاب الأحوال الشخصية جاءت بعكس ذلك تبيح التصرف بالوصية فى المنقول والعقار وفى منفعتهما مؤبدة أو لمدّة مؤقتة. ولهذا ولأن عقد الوصية سند رسمى يجب احترامه وتنفيذه، ولأن المستأنفين لم يلتجئا لجهة الاختصاص لطلب إبطال الوصية فلا مانع إذن من الحكم بتنفيذها طبقا لإرادة الموصى. هذا. ولما توفيت الست شوفكى هانم فى سنة 1315 (فى 3 مارس سنة 1898) أثبت الأمراء الطاعنون وراثتهم لها ورفعوا هذه الدعوى أمام محكمة بنى سويف الابتدائية الأهلية سنة 1927 على ورثة المرحوم حسين بك نامق وطلبوا فيها الحكم أصليا بتثبيت ملكيتهم للأطيان الموصى بها لمورّثتهم مع إلزام خصومهم بريعها على التفصيل المبين بصحيفة افتتتاح الدعوى، واحتياطيا الحكم بتثبيت ملكيتهم إلى 107 فدادين شائعة فى 857 فدانا و14 قيراطا الموصى بها مع إلزام خصومهم بريعها على التفصيل المبين كذلك بصحيفة افتتاح الدعوى. وقد بنوا دعواهم هذه على أن الأطيان الموصى بها لمورّثتهم هى أطيان خراجية، والأطيان الخراجية كانت رقبتها وقتئذ للحكومة وكان حق المنتفع بها يورث ويجوز التصرف فيه بالهبة والوصية بشرط دفع المقابلة، فلما أوصى المرحوم حسين بك وصيته ونفذها الورثة ووضعت الست شوفكى هانم يدها على ما أوصى لها به بقيت معتبرة أنها هى صاحبة الحق فى الانتفاع بالأطيان إلى أن أصدرت الحكومة فى 15 أبريل سنة 1891 قانونها القاضى باعتبار المنتفعين بالأطيان الخراجية ملاكا ملكا تاما، فتملكت هى ما فى يدها بهذا السبب القانونى وتركت ما تملكته لورثتها. ثم أجاب هؤلاء المدّعون عما دفع به المدّعى عليهم من أن الست شوفكى هانم ما كانت إلا موصى لها بالمنفعة، وبوفاتها عادت الأطيان إلى ملك ورثة الموصى على ما يوجبه عقد الوصية – أجابوا عن ذلك بأن هذا الشرط غير صحيح شرعا لأنه يجعل الوصية وقفا، ولا يصح وقف الأطيان الخراجية إلا بشروط مخصوصة. ومحكمة بنى سويف، بعد أن سمعت أقوال الطرفين وما تمسك به المدّعى عليهم من سقوط حق المدّعين (الطاعنين) بالمدّة، حكمت بتاريخ 3 ديسمبر سنة 1931 برفض الدعوى بناء على أن حق المدّعين فيها قد سقط بمضى المدّة الطويلة. فاستأنف الأمراء الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 503 سنة 48 قضائية. ومحكمة الاستئناف التى طلب لديها المستأنف عليهم (المطعون ضدّهم) تأييد الحكم المستأنف، أى إقراره على ما أخذ به من دفاعهم، حكمت بتاريخ 28 يونيه سنة 1933 حضوريا بقبول الاستئناف شكلا ورفضه موضوعا وتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنفين (الطاعنين) بالمصاريف وعشرين جنيها أتعاب محاماة لمن ترافع عنهم محامون أو قدّمت عنهم مذكرات من المستأنف ضدّهم.
أعلن هذا الحكم لحضرات أصحاب السموّ الأمراء فى 7 أغسطس سنة 1933 فطعنوا فيه بطريق النقض فى 6 سبتمبر سنة 1933 وأعلن تقرير الطعن للخصوم فى الميعاد عدا الست زينب هانم محمود أغا كنعان لوفاتها، وقدّم الطاعنون والمطعون ضدّهم الأوّل والثانية والرابعة عشرة بصفاتها والثانى والعشرين والثالثة والعشرين مذكراتهم الكتابية فى الميعاد القانونى، ولم يقدّم باقى المطعون ضدّهم شيئا مّا، وقدّمت النيابة مذكرتها فى أوّل مايو سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس 24 مايو سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن تنازل الأستاذ أحمد نجيب براده بك المحامى عن الطعن قبل الست زينب هانم محمود أغا كنعان مؤقتا لوفاتها مع حفظ الحق قبل ورثتها. ثم سمعت المحكمة الدعوى بما هو مبين بمحضر الجلسة وتأجل النطق بالحكم لجلسة 31 مايو سنة 1934. وفيها قرّرت المحكمة فتح باب المرافعة لجلسة 7 يونيه سنة 1934 حيث سمعت دفاع طرفى الخصومة، ثم تأجلت لجلسة اليوم وفيها تمت المرافعة كالمبين بمحضر الجلسة وأصدرت الحكم الآتى:


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف قد خالفت بحكمها المطعون فيه القانون وأخطأت فى تطبيقه من النواحى الآتية: (أوّلا) من ناحية أنها قد تكون اعتبرت أن الحكم الذى أصدرته فى 3 مارس سنة 1896 فى القضية السابق الإشارة إليها فى الوقائع المتقدّمة، اعتبرته حجة قاضية بأن الست شفكى هانم مورّثة الأمراء لا تملك الأطيان الموصى لها بها "أى بصحة الوصية وإفادتها عدم التمليك" مع أن الواقع أن كل ما قضى به الحكم المذكور إنما هو إلغاء عقد البيع الذى صدر منها لحسين أفندى حسنى. (ثانيا) من ناحية اعتبارها أن المرحوم حسين بك نامق كان يملك رقبة الأطيان الموصى بها لثبوت قيامه (حال حياته) بدفع أموال المقابلة التى ربطت عليها. (ثالثا) من ناحية اعتبارها الوصية بجميع ما ورد بعقدها صحيحة. ثم يقول الطاعنون إن وجه الخطأ فى ذلك: (أوّلا) أن الحكم الصادر فى 3 مارس سنة 1896 لا يمنع الأمراء من حق رفعهم هذه الدعوى باختلافها عن الدعوى التى صدر فيها ذلك الحكم موضوعا وسببا وأخصاما. (ثانيا) أن محكمة الاستئناف قد اعتمدت فى إثبات قيام المرحوم حسين بك نامق بدفع المقابلة على ما جاء بالحكم الابتدائى الصادر من المحكمة الشرعية فى قضية الإرث من أنه هو الدافع للمقابلة مع أنه لا دليل فى الأوراق يثبت قيامه بالدفع، واعتمادها هذا هو اعتماد مخالف للقانون. هذا. وما دام المرحوم حسين بك نامق ما كان يملك عند الوصية إلا منفعة الأطيان التى أوصى بها وكانت الرقبة للحكومة، وما دام لم يتقدّم للمحكمة مستند قانونى على دفعه المقابلة عنها، وما دامت الحكومة هى التى اعتبرت كل صاحب حق انتفاع فى أطيان خراجية مالكا لها، فينبغى لذلك اعتبار الست شفكى هانم هى المالكة لما أوصى لها به الملك التام، وإذن فكان يتعين الحكم للطاعنين بطلبهم الأصلى. (ثالثا) أن ما جاء بعقد الوصية من أنه إذا مات الموصى له بغير عقب عادت الأطيان إلى ملك ورثة الموصى هو مخالف لأحكام الشرع لأن هذا الشرط يجعل الوصية وقفا، والوقف كان غير جائز فى الأطيان الخراجية وقت إنشاء الوصية. (رابعا) أنه على فرض أن الطاعنين لم يكن لهم حق فى طلبهم الأصلى وأن حسين بك نامق قد امتلك رقبة الأطيان فى حال حياته لدفعه المقابلة عنها فان شفكى هانم تكون قد ورثت نصيبها فى تلك الرقبة وهذا النصيب يؤول لورثتها مع حق الانتفاع وكان يترتب على ذلك وجوب إجابة طلبهم الاحتياطى (المتقدّم الذكر فى وقائع هذا الحكم).
ومن حيث إن محكمة الاستئناف – إذ قضت بالحكم المطعون فيه بتأييد الحكم المستأنف القاضى برفض دعوى الأمراء – لم تخطئ فى الاعتداد بالحكم الذى أصدرته من قبل فى 3 مارس سنة 1896 فى القضية رقم 182 سنة 1894 على اعتبار أنه حكم قد فصل بين الخصوم أنفسهم فى النزاع الحالى فاكتسب قوّة الشئ المحكوم به. ذلك بأن إبراهيم أفندى نامق كان يطلب فى تلك القضية الحكم ببطلان البيع الذى أصدرته الست شفكى هانم إلى حسين أفندى حسنى فى الأطيان الخراجية التى أوصى لها بها مورّثه المرحوم حسين بك نامق، وكان يستند فيها إلى أن مورّثه المذكور أصبح يملك هذه الأطيان بعد أن دفع عنها المقابلة، وأنه أوصى بمنفعتها لزوجته شفكى هانم على أن تعود هذه المنفعة لورثته هو إذا ماتت بغير عقب، وأن ورثته تقاسموا تركته ونفذوا وصيته هذه على هذا الاعتبار. وكانت الست شفكى هانم تدفع الدعوى بعدم قبولها شكلا لأن المدّعى من جهةٍ لم يعين نصيبه فى الأطيان الموصى بها ولأنه من جهة أخرى ليس له أن يتخاصم عن باقى الورثة فيطلب بطلان البيع فى جميع الأطيان؛ ثم كانت تدفعها موضوعا بأن الوصية لاغية لعدم جوازها فى الأطيان الخراجية، وبلغوها تكون الأطيان الموصى بها ملكا ما فينفذ تصرفها فيها بكافة أنواع التصرفات – هذا فضلا عن أنها امتلكت الأطيان بوضع اليد بالتطبيق للائحة السعيدية. وقد بحثت محكمة الدرجة الأولى فى جميع هذه المسائل وحكمت بتاريخ 29 مايو سنة 1894 برفض الدفع الفرعى وبلغو وبطلان عقد البيع فى جميع الأطيان الواردة به. وقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 3 مارس سنة 1896 بتأييد الحكم المستأنف بكامل أجزائه. قضت بذلك فى منطوقه بعد أن قضت فى أسبابه – ولا مانع من أن بعض المقضى به يكون فى الأسباب – بأن الدعوى مقبولة شكلا وأن المحكمة سبق أن أثبتت ذلك بقرارها المؤرّخ فى 11 يونيه سنة 1894 وبأن الوصية صحيحة وأن شرط عود الأطيان إلى ورثة الموصى بعد وفاة الست شوفكى هانم صحيح كذلك، وأن الست شوفكى هانم لا تملك الأرض المتنازع عليها بمقتضى اللائحة السعيدية بوضع اليد فضلا عن أنه لا يتأتى لها ذلك وهى موصى لها الخ. ومعنى ذلك أنها بعد أن قضت فى هذه المسائل وضعت قضاءها فيها فى أسباب الحكم ثم وضعت بالمنطوق الحكم ببطلان البيع وهو نتيجة ما وضعته فى الأسباب، فأصبح الحكم فاصلا فى جميع نقط النزاع المتقدّمة الذكر طلبا ودفعا فصلا هو وحده عنوان الحقيقة سواء أكان فى ذاته صحيحا موافقا للحقائق القانونية أم غير موافق. ومتى لوحظ أن هذه المسائل بعينها المتنازع فيها فى الدعوى الحالية، إذ لا يزال الأمراء يعتمدون على ما كانت تعتمد عليه مورّثتهم من قبل من أن الوصية غير صحيحة وأن ما جاء بها من شرط عود الأطيان إلى ورثة الموصى غير صحيح كذلك، وأنها أصبحت هى المالكة للأطيان. ومهما كان قولهم اليوم فى هذا الصدد من أن مورّثتهم تملكت بحكم قانون أبريل سنة 1891 الذى جعل عين الأراضى الخراجية مملوكة لأصحاب المنفعة فيها بينما كان قول مورّثتهم فى الدعوى الأولى إنها تملكتها بوضع اليد بمقتضى اللائحة السعيدية – مهما يكن من الخلاف بين القولين، فان العلة التى أبدتها محكمة الاستئناف فى سنة 1896، وهى أن تلك المورّثة موصى لها بحق الانتفاع فقط، مانعة بالبداهة من تملكها الرقبة، خصوصا وأن الثابت أن الرقبة كانت فى ملك المورّث قبل وفاته بسبب دفعه المقابلة، هذا الدفع الذى لا رقابة على محكمة الاستئناف فى إثباته لكونه من الأمور الموضوعية – متى لوحظ هذا ولوحظ أن الأمراء كانت تمثلهم قانونا مورّثتهم، وأن إبراهيم أفندى نامق كان يمثل ورثة المرحوم حسين بك نامق، تبين أن الحكم المطعون فيه لم يخطئ فى الاعتداد فى الدعوى الحالية بالحكم السابق صدوره المؤرّخ فى 3 مارس سنة 1896.
ومن حيث إن الأمراء طلبوا أمام محكمة الموضوع من باب الاحتياط أن يقضى لهم بملكية 107 فدادين وكسور وهى قيمة الثمن الذى ورثته الست شوفكى هانم عن زوجها المرحوم حسين بك نامق وذلك على الشيوع فى 857 فدانا و14 قيراطا الموصى بها لها ولغيرها زاعمين أنها على الأقل تكون ورثت عنه حق الرقبة فى هذا النصيب وإرثها لحق الرقبة يستتبع امتلاك حق منفعته أيضا.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه يقوم فى رفض هذا الطلب الاحتياطى على أن منفعة الأطيان جميعها قد وزعت على الموصى لهم بمقتضى عقد الوصية، ومن مات منهم عن غير عقب قد آلت منفعة نصيبه إلى ورثة الموصى نفسه، وأن منفعة الأطيان الموصى بها للست شوفكى هانم قد عادت من بعدها إلى ورثة الموصى دون ورثتها، وأنه لذلك لا يمكن أن يقبل من الطلب الاحتياطى شئ مّا يتعلق بحق المنفعة، بل لا يمكن قبوله إلا فيما يتعلق بحق الرقبة الذى تركه الموصى عند وفاته ودخل فى تركته. وهذا القول من جانب محكمة الاستئناف سديد قانونا لا غبار عليه. لكن المحكمة بعد هذا أمسكت عن القضاء للأمراء برقبة نصيب مورّثتهم الشرعى فى جميع الأطيان الموصى بها لها ولغيرها البالغ قدرها 857 فدانا و14 قيراطا بمقولة أن لا فائدة منه ما دامت المنفعة غالقة فى يد أربابها على الدوام وما دام لا فائدة من حق الرقبة لذويه لا فى الحال ولا فى الاستقبال. وهذا القول محل للنظر.
وحيث إنه مما تجب ملاحظته بادئ ذى بدء أن الثابت موضوعيا فى الحكم المطعون فيه أن حسين بك نامق قد امتلك رقبة جميع الأطيان الموصى بها قبل وفاته، والثابت كذلك من عبارات ذلك الحكم ومن الأوراق التى أشار إليها أنه لا الطاعنون ولا مورّثتهم الست شوفكى هانم قبل سنة 1927 (تاريخ رفع هذه الدعوى أمام محكمة بنى سويف الأهلية) قد تعرّض أى منهم إلى رقبة شئ مما عدا 241 فدانا و16 قيراطا و4 أسهم الموصى بها للست شوفكى هانم إيصاء على وجه التعيين والتحديد، وإذن فكل ما كان من طلبهم الاحتياطى راجعا إلى رقبة ما عدا هذه الوصية ومقداره 77 فدانا وكسور قد سقط حقهم فى المطالبة بأى شئ منه سقوطا مؤكدا لمضى ما يزيد عن ست وأربعين سنة من وفاة الموصى فى سنة 1881 إلى تاريخ رفع هذه الدعوى فى سنة 1927. وكان من الواجب التقرير بهذا إجابة لما طلبه المطعون ضدّهم لدى محكمة أوّل درجة وضمنا لدى محكمة الاستئناف من سقوط حق الطاعنين بالمدّة. وإذن فكل ما يمكن أن يكون موضع نظر هو ما يخص أطيان الوصية وهى 241 فدانا من طلبهم الاحتياطى أى الثمن فى رقبة هذا المقدار، وهذا الثمن عبارة عن ثلاثين فدانا وبضعة قراريط، فهذا القدر وحده هو ما يصح أن يرد عليه طعن الأمراء فيما يتعلق بعبارة الحكم الخاصة بالطلب الاحتياطى.
ومن حيث إن الواقع فى هذه الدعوى، بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه وما نقله هذا الحكم عن ورقة الوصية وما أشار إليه من المستندات والأوراق المقدّمة لهذه المحكمة ولمحكمة الاستئناف من قبل، أن المرحوم حسين بك نامق بعد أن وقف أطيانه العشورية أوصى بكل ما كان يملك من أطيان خراجية لبعض ورثته ولبعض عتقائه، وكان ممن أوصى لهم من ورثته وزجته الست شفكى هانم مورّثة الطاعنين. والمتيقن من إيصائه بكل ما كان يملك من تلك الأطيان ومن الشروط التى اشترطها فى وصيته ومن أسماء الموصى لهم وصفاتهم أن الرجل، إذ رأى ضمن الموصى لهم من ورثته وغيرهم أشخاصا منهم من هو فى ولاء الغير بسبب العتق أو من قد يكون لهم ورثة نسبيون من غير الذرّية، خشى أن يتدخل موالى العتاقة أو الأقارب من غير العقب فى شئ من الأطيان الموصى بها بعد وفاة الموصى لهم، فاشترط أن الموصى به يكون للموصى لهم ولذرّيتهم من بعدهم فقط، فان لم يكن لهم ذرّية عاد الموصى به بعد وفاتهم إلى ورثته هو. وواضح جليا أن اشتراطه هذا هو لاتقاء أيلولة شئ من ملكه لموالى العتاقة أو إلى أقارب الموصى لهم من غير ذرّيتهم. كما أنه إذا كان قبل وفاته قد دفع المقابلة عن الأطيان الخراجية الموصى بها بحيث أصبحت الرقبة ملكا له فانه من البديهى أنه لم يرد أن تكون هذه الرقبة منفصلة عن المنفعة وأن تورث عنه على حدتها بحيث يكون لكل واحد من ورثته نصيبه الشرعى فى هذه الرقبة شائعا فى عموم الأطيان بينما تكون منفعة بعض المقادير المحدّدة من تلك الأطيان غالقة فى يد الموصى لهم أو ذرّيتهم من بعدهم، فان هذا وضع مرتبك لا يدور بخلد عاقل أن يدع ورثته عليه خصوصا وأن من نتائجه أن تكون الرقبة وحدها على الدوام والاستمرار فى يد فرد والمنفعة وحدها أبد الآبدين فى يد فرد آخر، وهو نظام لم يأت به الشرع ولا القانون. وثابت كذلك من الدعوى أن ورثة المرحوم حسين بك نامق ومنهم بعض الموصى لهم قد أجازوا هذه الوصية مع أن الست شفكى هانم كانت زوجة لا تستحق إلا الثمن فى الأطيان الموصى بها أى 107 فدادين وكسور والحال أنه موصى لها بنحو 242 فدانا أى بأكثر من مثلى حقها فى الميراث، وهم بداهة لم يجيزوا هذه الوصية إلا تيقنا منهم بأن ملكية الأطيان كاملة ستؤول إليهم ما دام مورّثهم قد حافظ على حقوقهم باشتراط عود الأطيان لهم عند عدم وجود عقب للموصى لهم وأنه إذن لن يتدخل فى شأنهم أحد من موالى عتاقة الست شفكى هانم زوجته ولا من غيرها.
ومن حيث إنه متى كان نفاذ الوصية قد جرى على هذا الاعتبار أى ملحوظا فيه ألا يبقى لمن يموت من الموصى لهم عن غير عقب أى حق يمكن أن ترثه ورثته السببيون أو النسبيون، فلا يكون محل البتة للطلب الاحتياطى فيما لا يزال يظن أنه محل له ممكن وروده عليه وهو رقبة ثلاثين فدانا شائعة فى الأطيان الموصى بها وقدرها 241 فدانا و16 قيراطا و4 أسهم، ولهذا كان خليقا بمحكمة الموضوع أن تحكم برفضه كالطلب الأصلى على هذا الأساس لا على الأساس الذى ذهبت هى إليه.
ومن حيث إنه يتضح من ذلك أن محكمة الموضوع لم تخطئ فى نتيجة حكمها الذى قضت به بتأييد الحكم المستأنف وإنما أخطأت فى تطبيق القانون على الوقائع الثابتة فى حكمها وفيما أشار إليه من الأوراق وقد صححته هذه المحكمة على ما تقدّم ذكره فى هذا الحكم، ولهذا يتعين رفض الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات